مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

4. خاتمة: الخليج والإصلاح الاقتصادي في زمن الأزمة النفطية

طباعة PDF
 
لا يمكن النظر إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في دول الخليج العربي خلال العام المنصرم دون ملاحظة المتغير الكبير الذي يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم. فقد فرض استمرار تداول النفط بأسعار لا تعادل ميزانيات دول المجلس المتضخمة تغيراً في حجم الإنفاق طال جميع الدول، ولو بدرجات متفاوتة. والأهم من ذلك، أعاد الوضع طرح السؤال القديم الجديد حول خطورة الاعتماد على النفط وضرورة التحول في بنية الاقتصاد. فهل ثمة إجابات جادة قدمتها دول الخليج؟
 
حاول هذا الإصدار قراءة المشهدين السياسي والاقتصادي في دول المجلس وتقييم الرؤى والخطط الاقتصادية التي يفترض أنها تجابه مثل هذه التحديات، إذ أن جميع دول المجلس قد وضعت رؤى طموحة جاءت الرغبة في تنويع الإنتاج الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة على رأس أهدافها. غير أن السياقات التاريخية لا تعطينا مؤشرات مبشرة. إن توظيف مدخولات النفط في الخليج منذ اكتشافه، كما بينت ورقة عمر الشهابي، أخذ منحى من الإنفاق الاستهلاكي الذي يحول النفط إلى كعكة تتقاسمها فئات المجتمع بحصص متفاوتة دون النظر إليها كرأسمال يملكه الجميع وتستثمره الدولة في سبيل تنمية مستدامة. لم يهتز ذلك النمط مع الأزمات التي مرت بها سوق النفط كثيراً، إذ أن الإنفاق، كما لاحظ جاسم السعدون، لا يتيسر خفضه ليواكب الانخفاض في الأسعار للكلفة السياسية التي يفرضها هذا الشكل التنموي غير المستدام.
 
في المقابل، فإن الوضع ليس أفضل حالاً إذا ما نظرنا إلى مدى الانتفاع من ذلك المقوم الذي يشكل عصب أي اقتصاد، ألا وهو قوة العمل المتمثلة في الإنسان. فكما بينت ورقتا دلال موسى وعصام الزامل، ما زالت قوة العمل في اقتصاديات الخليج مشكلة أساساً من العمالة الوافدة ذات الإنتاجية والحقوق والرواتب المتدنية، مما يثير تساؤلات عدة حول مدى استفادة مجتمعات الخليج على مر العقود الخمسة الماضية من توطين المهارات والخبرات والحقوق الإنتاجية التي تسمح بالتحول نحو اقتصاد إنتاجي مستدام.
 
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم التشديد فيها في الخليج على ضرورة بناء اقتصادات إنتاجية. فمع كل أزمة يعود التشديد على تلك الضرورة، ثم تنسى مع أول ارتفاع في قيمة الإيرادات حتى أزمة قادمة. إن دراسة تجربة رؤية عمان تعود علينا بدروس مهمة، كونها أول دولة خليجية رسمت خطة تنموية بعيدة المدى وبدأت تعاني من شح الموارد النفطية. فكما رصدت ورقة سعيد الصقري وآن الكندي، لم تنجح رؤية عمان 2020، التي أوشك موعد حصادها، في إحراز تقدم في إصلاح الخللين الاقتصادي والسكاني الهيكليين حتى الآن. وهو ما يشير إلى أن إنجاز أي خطوة جريئة تنطوي على تغيير هيكلي عميق يتطلب أكثر من مجرد خطة حكومية في إطار بنى الوضع القائم، بل إنه يتطلب مشاركة سياسية أوسع تبني دعائم ثقة مجتمعية قوية لخوض غمار التحول.
 
لكن استعراض التطورات السياسية الذي حمله هذا الإصدار بين دفتيه لا يعطينا مؤشرات على أي تحسن في توسيع دائرة المشاركة السياسية وإشراك المواطن في القرارات الجريئة التي تتطلبها المرحلة. فباستثناء الكويت، التي ظل الوضع فيها متذبذبًا، لم تشهد أي من الدول تحسنًا في ملفات الاعتقال السياسي أو حريات التعبير، كما لم تتخذ أي خطوات لتشكيل أو توسيع صلاحيات مجالس أو حكومات منتخبة. فيما جاءت الإصلاحات في القوانين ذات العلاقة كقانون مؤسسات المجتمع المدني في السعودية وتغيير قانون الكفالة في قطر محدودة وتفتقر إلى الثقة في شفافية التطبيق. في المقابل، وكما بينت ورقة سلطان العامر، فإن مشاريع الإصلاح الاقتصادي الحالية ترتكز أساساً على خدمات شركات استشارية تبنت مبدأ "الإداروية" في عملها، الذي ينذر بتشتت مبدأ المحاسبة والمسؤولية، فضلاً عن تنافيه مع مبادئ الديمقراطية. مثل هذا الجمود على الصعيد السياسي الداخلي لا يتناسب وحجم الطموح الذي تعكسه الرغبة في الإصلاح الاقتصادي الحقيقي. 
 
من الجائز ألا تكون الضائقة الاقتصادية التي تمر بها دول الخليج العربي مجرد سحابة صيف كسابقاتها، لا تتطلب سوى إجراءات استثنائية لزمن استثنائي، إنما تحتم علينا التعامل مع شروط جديدة لواقع جديد. إن أهمية الإصلاح السياسي والاقتصادي في الخليج قد بات ضرورة أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط لعبور الأزمة المالية بل للحفاظ على استقرار الخليج في منطقتنا العربية المضطربة التي تؤدي فيها دول الخليج دوراً متصاعد الأهمية. وعلى الرغم من الفرص الكثيرة الضائعة للإصلاح على مدى أكثر من ثمانية عقود من عمر النفط في بلادنا، فإن مقومات التحول مازالت قائمة. فما زالت دول الخليج تتمتع بالموارد وبالاستقرار وبمؤشرات شعبية لإرادة التغيير، وما ينقصها هو عقد اجتماعي جديد يصبح فيه المواطن في دول مجلس التعاون شريكًا في القرار حلوه ومره، لا مجرد صاحب حصة في وفرة تتآكل يومًا بعد يوم.




لقراءة النسخة الكاملة من الإصدار (PDF).
لعرض قائمة المحتوى للاصدار.