مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

تاثير انخفاض اسعار النفط على مجمعات الخلج - د. محمد الرميحي

طباعة PDF
تاثير انخفاض اسعار النفط على مجمعات الخلج


 
د. محمد الرميحي:
 
الخروج من دفء النفط آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

مقدمة :
 
 عقدت في مقر  مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، في 15 مايو 2016م  حلقة نقاشية، تحت عنوان ” الخروج من دفء النفط : آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية “، وهذه الورقة هي ملخص موسع لما دار بين المشاركين المتخصصين من فروع المعرفة المختلفة، خاصة الاقتصادية، من نقاش حول قضية مركزية لا يواجهها المجتمع الكويتي فقط، بل عدد من دول الخليج التي اعتمدت في مسيرتها التنموية في نصف القرن الماضي أو يزيد على الدخول النفطية. وهي من جانب آخر لا تمثل أو تنقل – حرفياً – ما قاله الأشخاص الكرام الذين حضروا مشكورين لمقر المركز، وأسهموا في النقاش، بل هي حصيلــــــــــة ذلك النقاش الذي تم على قاعدة ما يعرف في العمل الأكاديمي Chatham Rules     ( أي لا ينسب القول للقائل ) إنما يعبر عن الفكرة.  ولعل القارئ بعد تصفح هذا الملخص الوافي سوف يرى أن هناك تبايناً حول القضية الأساس،  وهي ( أنستطيع أن نقول عصر النفط قد انتهى،وعلينا أن نستعد للبدائل بجدية كاملة أم أن ذلك تسرع غير موضوعي،  فالنفط سوف يبقى معنا لسنين طويلة ؟) وجهات النظر هنا تفاوتت، إلا أنه مهما كانت قناعة المتحاورين في امتداد عمر النفط أو قصره ، فإن الإجماع على أهمية  ( الإصلاح الاقتصادي) هو فرض عين علينا جميعاً وعلينا أيضاً البحث عن طرق لتنفيذ خطوات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي  تحوطاً للأسوأ .  و لا بد من التنويه إلى أن مثل هذه القضايا الوطنية لا شك قابلة لأن يكون فيها وجهات نظر مختلفة، وبعضها قد يكون متعارضاً مع بعضها الآخر ، كما ظهر في نقاش الحلقة التي بين أيدينا،وهو تعارض لا يسعى إلى الاختلاف إنما لتلاقح الأفكار سعياً وراء إجلاء الحقيقة؛ حيث إن تلاقح الأفكار وتصويبها والبحث عن مشترك فيما بينها، هو الذي يفتح في النهاية بوابات للحلول المبتغاة  في مواجهة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تواجه المجتمعات اليوم .
 
 
 
في العلوم الاجتماعية لا توجد وجهة نظر قطعية ونهائية، كما أن خلفيات المشاركين وتجاربهم  لا بد أن تؤثر في تشكيل تصوراتهم وحلولهم لما تتعرض له مجتمعاتهم من أزمات، قيمة النقاش أن يكون موضوعياً بأكثر ما يمكن، وأن يكون معتمداً على حقائق صلبة، و يسعى إلى أهداف عامة ووطنية، والمركز لا يتبنى أياً من الأفكار المطروحة إنما وظيفته أن يطرحها للمناقشة ويعرضها على الرأي العام من أجل إشاعة وعي بأهمية القضية التي يتم مناقشتها ،وأهمية المشاركة في النقاش حولها بأقصى قدر من الشفافية.
 
 
 
وفي التصور أن يقيم المركز – بشكل دوري – مثل هذه الحلقات النقاشية التي تتناول قضايا تهم المجتمع والدولة في منطقة الخليج والجزيرة العربية من أجل إلقاء الضوء أكاديمياً ومعرفياً على تلك القضايا والتفكير العلني في وضع حلول لها؛ لهدف تجسير الفجوة بين المعرفة ومتخذي القرار. من هنا فإن المركز إذ ينشر باكورة تلك الحلقات النقاشية يأمل أن تسهم في إشاعة وعي معرفي وثقافي واسع بين المهتمين والمتخصصين  وأصحاب القرار في الدول الخليجية و في الكويت بصورة خاصة.
 
 
 
الإشكالية :
 
 
 
              ما زال النفط يحتل أهمية كبرى في  اقتصاديات  العالم بشكل عام واقتصاد  دول ومجتمعات الخليج بشكل خاص، فعلى الرغم من الأحاديث والتخمينات التي تشير إلى وجود طاقات أُخرى بديلة ومتجددة، فإن النفط ما زال يتربع على عرش الأهمية الحيوية من حيث كونه طاقة لا غنى عنها في الحضارة الصناعية والتكنولوجية الراهنة كما أنها تشكل عصب الحياة بكل مجالاتها في منطقة الخليج لاعتمادها عليه بشكل خاص في إيرادات الدولة الريعية  وموازناتها.
 
 
 
بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة التي مضت على اكتشاف النفط حتى الوقت الراهن، هل استطعنا في الكويت ومنطقة الخليج إعادة صياغة علاقتنا الاقتصادية مع النفط والإيرادات الناتجة منه كي تكون لدينا تعددية في مصادر الدخل بدلاً من الركون إلى النفط هذه السلعة القابلة للنضوب في باطن الأرض،  أو الانخفاض الكبير في قيمتها السعرية ،  أو حتى ظهور طاقات بديلة أقل تكلفة وأفضل جودة وأيسر طريقة للحصول عليها ؟. لا شك هناك كثير من التساؤلات لدى النخبة في الخليج، المرتبطة بمستقبل الدولة والمجتمع في المنطقة في حال سيناريو فقدان النفط لبريقه الاقتصادي ، وهي تساؤلات وجودية  عميقة ومستحقة لا بد أن تتداعى لها جميع الخبرات المعرفية من مختلفة التخصصات؛ كي توفر الإجابات المناسبة لصناع القرار السياسي والمعنيين بهذا الشأن .
 
 
 
تنبع الأهمية الحيوية للحلقة النقاشية الأولى تحت عنوان ( الخروج من دفء النفط: آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) ، من أنها تنعقد في الوقت الذي يشكل هاجس الانخفاض الكبير في أسعار النفط قضية محورية لجميع الحريصين على مستقبل الدولة ومجتمعها،  هذا الهاجس يؤرق كثيرين انطلاقاً من الصفوة السياسية في الحكم ومروراً بالمختصين والخبراء في هذا المجال، وانتهاء برجل الشارع الذي سيعاني كثيراً من المتغيرات والسياسات  والقرارات  الاقتصادية الناتجة، والخاضعة لضغوطات ذلك الانخفاض في أسعار النفط. ومن هذا المنطلق يتصدى مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية في جامعة الكويت  لهذه التحولات الكبرى باستقطاب العديد من المعنيين بهذا الشأن من الصفوة العلمية والإدارية والاقتصادية على مائدة نقاش واحدة من أجل الحفر في الطبقات التحتية لهذا الموضوع؛  أي تشخيص الحالة الراهنة وبحث إشكالياتها ثمّ رسم ملامح استراتيجية متماسكة للخروج من مأزقها، لعل في محصلة ختام هذه الحلقة النقاشية الثرية، أن يتسنى لمتخذي القرار السياسي – بأعلى المستويات – الفرصة للتفكير بما يصب في المصالح العليا للدولة والمجتمع، ومن ثمّ الوقوف على أفضل البدائل والحلول والعلاجات المناسبة للوصول إلى بر الأمان في عالم يموج بالمتغيرات الكبرى .
 
 
 
وقد بدأت الحلقة بالترحيب بالمشاركين وتقديم الشكر لهم لإسهامهم في وقتهم وجهدهم، ولما يقدمونه من أفكار على وقتهم وعلى بذل الجهد في البدائل التنموية في ظل انخفاض أسعار النفط، وليس للتشخيص فالتشخيص أصبح معروفاً لنا جميعاً من اعتماد على مصدر واحد وضعف القطاع الإنتاجي، وهيمنة القطاع العام وتزايد الدعم الحكومي للخدمات.
 
 
 
سوف نحاول في هذه الجلسة معرفة الأفكار المقدمة لنقل هذا المجتمع من مجتمع معتمد على مصدر واحد في اقتصاده وهو  النفط، إلى مجتمع متعدد المداخيل، ولن ينسب لقائل قول؛  بمعنى سنكتب آراءكم في كتيب صغير، ونضع الملخص الوافي كحلقة نقاشية لمتخذي القرار في الكويت، والهدف هو محاولة تقريب الأفكار وتبرير وجهات النظر في هذا الموضوع، وقبل أن أنتهي  من هذه المقدمة القصيرة جداً سأشير إلى كتابين صدرا أخيراً عن الشرق الأوسط الجديد، وهما: “من الاحتجاج إلى الثورة ” وهو [1] كتاب مخصص  لمحاولة فهم ما حدث في الربيع العربي في الدول والجمهوريات العربية المختلفة، ومما تناوله الكتاب مقالــــة للسيـــــدة ليزا أندرسون  تصــــل للملخص التالي:”لا الحاكم ولا الشعب يتوفر لهم طرق فعّالة للحصول على المعلومات الحقيقية التي تتيح لهم صنع القرار الصحيح”، ربما لدينا المشكلة نفسها، وهي الحصول على  المعلومات الحقيقية حتى  يبنى عليها الحلول الصحيحة، والكتاب الآخر هو  ” تشريح الطغيان “[2] وقد لفت نظري ما أشار إليه في واحد من الملخصات التي ذكرها ودرس فيها مجموعة من مذكرات العاملين مع رؤساء الجمهوريات التي أصابها “الربيع العربي“، ومنها ” إن آخر اهتمامات الحكام فيها هو الاقتصاد وأول اهتماماتهم هو الأمن والجيش”، فإذا وضعنا الفكرتين معاً فإننا بذلك سنضع يدنا على بعض القضايا الهيكلية التي تواجهنا، وهي أساساً نقص المعلومات وعدم الاهتمام الكافي بالاقتصاد، وأرجو أن يتم النقاش حول القضايا الكلية وليس الفرعية حتى نستطيع أن نقدم شيئاً ربما يخدم مجتمعنا، وكل من سيتحدث في هذا النقاش سنقدم له ورقة بعد أن ينتهي حتى يضع بعض أفكاره الرئيسية فيها، ومن ثم  تجميع  الأفكار على طريقة “تشثم هوس رولز”؛ أي لن ينسب لقائل قول إنما سوف تعرض مجموعة من الأفكار الرئيسة التي نحتاجها، وخاصة أن هذا البلد فيه عقول متميزة لكن ربما لم يستفد منها كثيراً، ومثل هذه الحلقات النقاشية تعطينا فرصة للحديث الحر، خاصة إذا لم ينسب للأشخاص الكلام الذي يقال.
 
 
 
1 – نحو رؤية إصلاحية للمستقبل :
 
 
 
موضوع حديث اليوم يسيطر على تفكيري منذ عشرين سنة، الكويت كلها – بوزاراتها ومؤسساتها وجيشها ومستشفياتها – تعتمد على النفط، الذي  إذا جف أو بارت تجارته فسيتوقف كل شيء، وستتحول الكويت لأكبر مدينة أشباح في الشرق الأوسط!  أول مرة أشارك في ندوة حول الإصلاح منذ يوليو عام 1971م ، ومن يومها حتى الآن نعدّ الدراسة وراء الدراسة ليكون مصيرها الأدراج، وعندما زاد إيراد الدولة بدلاً من أن تفكر في مشاريع تؤدي إلى تنويع مصادر الاقتصاد حملت نفسها التزامات أضخم، على سبيل المثال  تم بناء مجمع الوزارات بــــ 45 مليون دينار ليجمع كل وزارات الدولة، والآن كل وزارة عندها مجمع وزارات ! والسؤال الآن ما الإصلاح المطلوب؟ هل بفرض ضرائب وكل الدخول منصبة على البترول؟ لو نضب البترول فستنضب كل الدخول، هل بالمطالبة التقليدية بتغيير الإدارة الحكومية وشعار وضع الرجل المناسب في المكان المناسب؟ للأسف لن نستطيع تطبيق ذلك في الكويت لأننا دولة ديمقراطية فيها مجلس وزراء ونواب، والنواب كلهم ممثلون للشعب، والشعب هاجسه الأكبر الأموال والعلاج بالخارج والرواتب والكوادر، الإصلاح الحقيقي – برأيي – هو بإيجاد مصادر دخل نقد أجنبي للكويت غير إيراد البترول؛ لأننا معتمدون في حياتنا كلها على الاستيراد من الخارج، لا تجارة ولا صناعة ولا زراعة نعتمد عليها،  فقط نعتمد على قلب واحد وهو النفط ومسؤولية الدولة أن توجد أكثر من قلب، مثل إنشاء شركات خدماتية نستطيع أن نبدع ونتميز فيها، شركات مثل البنك الوطني وأمريكانا وزين، تنمو وتقوى وتتوسع للخارج وتأتي بإيرادات من الخارج. لو تمّ حصر الإيرادات التي تحققها الشركات  الكويتية التي تعمل في الخارج فستجدها 150 أو 200 مليار دينار في السنة، قد يكون مبلغ تافه لكن نستطيع أن نبني عليه ونعيد الكويت كما كانت من قبل في الثلاثينيات والعشرينيات من القرن الماضي ، التي كانت تعتمد على المكاتب التجارية الموجودة في سنغافورة وغيرها من المدن التجارية، ولن نستطيع إقامة مثل هذه الشركات إلا عن طريق الخدمات العامة من نقل وتعليم وصحة، وهي كلها تسيطر عليها الحكومة الآن، وهذه الأنشطة ما دامت بقيت تحت إدارة الدولة فلن تنمو أبداً بأي حال من الأحوال؛ لأنها محكومة بالبيروقراطية الحكومية، تلك البيروقراطية التي تمنع المبادرة والإبداع، ويتحكم فيها بعض الأُمور السياسية، ومن ثمّ يجب تقليص هيمنة الحكومة على قطاع الخدمات؛ لأنه الوحيد القابل للنمو في الكويت لعدم وجود صناعة، وقصر دور الحكومة على الأعمال السيادية، وقد طرحت هذه الأفكار في مجلس التخطيط منذ عشر سنوات مضت والعام السابق توصلوا لمشروع رؤية الكويت 2035م، الذي نطالب فيه بخروج الحكومة من كل هذه الأنشطة وتدفع المصاريف للمواطن في صورة تأمين في كل المجالات كالتعليم والصحة وغيره، ويكون للمواطن حق التصرف باختيار المدرسة  التي تُعلم ابنه أو بنته، أو المستشفى الذي يريدها للعلاج، ومن ثمّ سيكون هناك عدالة في الصرف وسيقتصر دور الدولة على الأعمال السيادية، ويجب أيضاً وقف استيراد العمالة الأجنبية التي تنافس بشكل رهيب العمالة الكويتية.
 
 
 
2 – اقتصاد المعرفة :
 
 
 
مشكلة تنويع مصادر الدخل مشكلة صعبة؛ لأن الميزات النسبية التي تتوافر سواء في الكويت أو دول الخليج الأُخرى – محدودة جداً، وبطبيعة الحال القدرة على المنافسة مع الدول الأُخرى المتقدمة في كثير من الصناعات التحويلية غير متاحة الآن، يظل أمامنا التحول إلى اقتصاد معرفي، وهو يعني – بالدرجة الأولى – معالجة قضية التعليم بشكل أساسي وخاصة أن هناك دولاً أصبحت من خلال اقتصاد المعرفة  من أغنى دول العالم على الرغم من عدم توافر مصادر طبيعية فيها مثل تايوان واليابان وسنغافورة حتى ماليزيا وإلى درجة ما أندونيسيا التي  تسير في الطريق نفسه، وهناك أيضاً بلدان مثل كوريا الجنوبية أيضاً أصبحت من الدول الصناعية المتقدمة بفضل التعليم والتحول لاقتصاد معرفي، فهل لدينا إمكانية لتطوير النظام التعليمي ليكون قادراً على مواكبة سوق العمل في الاقتصاد، والمنافسة في الخدمات وفي استيعاب التقنيات الحديثة؟ لاشك أن المشكلة الأساسية التي تواجه أي إصلاح في الكويت هي المعضلة السياسية ( الإرادة السياسية)؛ لأن السياسة هنا سياسة شعبوية بالدرجة الأولى، فلا يمكنك طرح علاجات – حتى لو كانت محدودة الأثر – إلا واجهت  معارضة ما في مكان ما، وفي الوقت نفسه لا توجد إرادة سياسية لمواجهة هذه المعارضات الشعبية، فلو اعترض أي عضو في المجلس المنتخب  على قرار لمجلس الوزراء لتراجع مجلس الوزراء ،وهناك شواهد عديدة على ذلك، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون لدى الحكومة قدرة على تسويق البرامج الإصلاحية التي تطرحها في المجتمع وإشراك المجتمع المدني باستيعاب مختلف الاقتراحات والملاحظات بما يحقق توافقاً مجتمعياً.
 
 
 
هناك إمكانية جيدة لدى القطاع الخاص الكويتي  بسبب  وجود أصول في القطاع المصرفي تتجاوز 55 مليار دينار، لكن كيف يتم توظيفها بشكل صحيح في ظل وجود أدوات تمويل معظمها قروض استهلاكية شخصية أو قروض عقارية أو قروض محدودة للقطاع الصناعي، قطاع الإسكان أيضاً يمكن أن يتولاه القطاع الخاص من خلال تمويلات الجهاز المصرفي الكويتي، لكن للأسف لا يوجد إمكانية لتوظيف القطاع الخاص بشكل جيد، أما قطاع الرعاية الصحية والتعليم فبحسب قانون رقم 37 لسنة 2010م محرم عليك تخصيصهما، والأمر نفسه في قطاع إنتاج النفط الخام، فهل هناك إمكانية لتعديل هذا القانون؟ وخاصة أن هناك قطاعاً خاصاً نشطاً يوازي الخدمات الصحية والتعليم من مستشفيات ومراكز خدمات طبية متعددة، وجامعات ومدارس خاصة، بعضها يتصف بالجودة النسبية، لكن كيف يمكننا توسيع مساحة نشاط القطاع الخاص في هذه المرحلة؟ الآن يجب أن تشجع المشروعات الصغيرة، وقد أوجدت الدولة صندوقاً قيمته 2 مليار دينار لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي نعتبرها بدعة؛ لأن هذا نشاط خاص ويفترض أن يتولى تمويله القطاع المصرفي ، وأعتقد أن هناك بنوكاً بها وحدات متخصصة في تمويل المشروعات الصغيرة بالكويت لكننا بذلك حولنا الأمر لنوع من الدعم بتوفير قروض ميسرة لا نعرف أسنستردها أم لا ؟ ولنا في شركة المشروعات الصغيرة أُسوة بعد مستوى الفشل الذي حدث في السنوات الماضية، كل هذه المشروعات مركزة في قطاعات تقليدية محددة لن تحقق قيمة إبداعية مضافة في النشاط الاقتصادي، وكلها مشكلات اقتصادية ومالية متبعة في الكويت تحتاج إلى معالجة، أيضاً مشكلة توظيف المواطنين تحتاج لإعادة نظر في منظومة القيم التي تحكم التوظيف والتي تجبر الدولة على توظيف كل كويتي، وأن كل كويتي من حقه أن يلتحق بالجامعة، معنى ذلك أننا قضينا على العمالة الكويتية “من أصحاب الياقات الزرقاء”؛ لأن التعليم التطبيقي أيضاً تعليم مشوه غير قادر على إنتاج كفاءات مهنية نحتاجها في تشغيل كثير من الأنشطة الاقتصادية، سواء كان للحكومة أو القطاع الخاص، يجب أن يتخذ قرار بوقف تدفق العمالة الأجنبية بما يؤدي إلى تحفيز الكويتيين للعمل في القطاع الخاص، وهذا يتطلب معالجة أنظمة الرواتب والأُجور في القطاع الخاص وتحسينها وتحسين شروط العمل. وكل هذا يحتاج رؤية استراتيجية وإرادة سياسية في ظل وجود مجلس وزراء قادر على اتخاذ قرار والدفاع عنه وتنفيذه بآجال زمنية  محددة.
 
 
 
3 – إشكالية الإدارة والبيروقراطية  :
 
 
 
المؤشرات والمدركات التنافسية العالمية والبنك الدولي تشير إلى تراجع الكويت في العمل الاقتصادي بشكل عام، وفي الجانب الإداري نعاني مشكلتين، مشكلة سياسية تتعلق بنظامنا السياسي ككل من دستور وتشريعات لا تكفل وجود إدارة جيدة في ظل نظام جامد منذ عام 1962م ولذلك فإننا نلاحظ المشكلات في الحكومة وتشكيلها، ونلاحظ أن قدرتها على الإدارة وإقناع البرلمان والشارع بمشروعات تنموية حقيقية ضعيفة ، وقدرتها على التعامل مع الأزمات الاقتصادية كجزء من نظامنا السياسي لا تحقق النجاح المطلوب ، الأمر الآخر هو قضية التعامل مع الواقع بوجود إدارة حكومية متكاملة وقادرة على إنجاز خطط التنمية، في أثناء وجودي في  البرلمان لفترة محدودة في فبراير 2012م وفي الصباح الباكر وجدت أحد الوزراء المجتهدين يخطط بلون أحمر وأخضر على ملف في يده وعندما سألته قال اللون الأحمر هو خطة الوزارة من ضمن الخطة العامة، وهذا لا أستطيع تنفيذه كوزير وكوزارة، أما اللون الأخضر فأستطيع تنفيذه، وهو يمثل 30 % من الخطة، وعرفت منه أن السبب ليس في الدعم المادي فالأمير يدعمنا بشكل كامل لكن المشكلة في أن الجهاز الموجود لا يستطيع إنجاز إلا نسبة 30% من الخطط، والشيء نفسه دار في اللجنة المالية عندما ناقشنا خطة التنمية، عندنا جهاز مترهل على مستوى القيادة وعلى مستوى الأفراد، وقدمت مقترحات لا حصر لها  تتعلق بالتعيين القيادي لضمان وجود إدارة أفضل ووجود قيادة وسطى وتنفيذية ومسؤولين كبار، وفوجئنا بأن الحكومة لا ترغب بل ترفض تماماً وجود قانون ينظم عملية التعيين في الوظائف القيادية، ومن ثمّ سنظل في المحسوبية والمزاجية لتعيين هذا من التيار الفلاني وهذا من التيار الفلاني؛ لعمل توازنات وهذا من القبيلة الفلانية، وسنظل في واقع الترهل والضعف الذي لا يستطيع إيجاد رؤية صحيحة، ومن ثمّ رسم خطة جيدة، لا قدرة على تنفيذها، وكل ذلك يرجع لسوء الإدارة، إذن، القضية ليست قضية قوانين بل قضية إدارة تكون قادرة على إيجاد رؤية أفضل في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية والمالية وتنفيذها بشكل سليم.
 
 
 
4 – نهاية النهج الريعي :
 
 
 
الكويت مرت بمرحلتين.. مرحلة كان فيها التجار ينتجون ويحرصون على مصلحتهم بالتوازن مع مصلحة الوطن أما الآن فالنظام الكويتي يتعاطى (الديمقراطية) على طريقة الخطأ والصواب ، ومن ثمّ لو تابعت التاريخ الديمقراطي منذ بدايته حتى اليوم لوجدته محصوراً في تغيير الدوائر أو توقيف العمل بالدستور بالنسبة لمجلس الأُمة، ولوجدت طوال هذه المرحلة صراعاً بين المكونات الوطنية؛ لأن الديمقراطية غير مهضومة عند النظام وغير محققة عند غالبية المشاركين فيها ، لا يتعامل النظام  معها بسهولة ونعومة ولا يوجد فهم ديمقراطي عند الممارسين ، لذلك يتعامل النظام  مع المعطيات الديمقراطية عن طريق المحاصصة مع كل الفئات القبلية والتجارية ويتعامل معها بنظام المكافأة، فإذا اتفقت معي فسأُكافئك !
 
 
 
لم يعد شباب التجار يحرصون على مصلحة الوطن كالماضي، وليس هناك في فئات المجتمع المدني من يدافع عن حقوقه ومكتسباته الديمقراطية؛ فأصبحنا نعاني نوعاً من الترهل والتكالب على المصالح ، فهذه شركات تخدم في النفط أو شركات تخدم في الصحة للحصول على المناقصات والكل يتكالب على موازنة الدولة من دون وعي لأهمية الخصخصة ودورها الفني، بل يتحدثون كمقاولين يأخذون حقوقهم كاملة ويذهبون، كما يتراخون في تنفيذ واجباتهم، ومن ثمّ ليس هناك مشاركة حقيقية لإيجاد مشاريع تخدم الدولة، ونحن ندور في حلقة مفرغة، الكل يبحث فيها عن مصلحته، حتى هؤلاء من أصحاب الحس الوطني الذين يعملون على مستوى فني عال ويبادرون بالخير محرومون من المشاركة، حتى في  الفترة الأخيرة التي تراجع فيها دخل النفط وتزايد العبء على الدولة بمخرجات التعليم وبناء مدن، وبذلك تدعم موازنة الدولة مشروعات كلها  استهلاكية، وفي المستقبل تحتاج عمالة زيادة بالإضافة للعمالة الأجنبية الموجودة  التي وصلت لــــ 3 ملايين. علينا أن نقف أمام هذه الحلقة المفرغة وننهي هذا الفكر والنهج الرعوي، وعلى الدولة أن تعرف أن هذا يشكل خطراً على مستقبل أولادنا وإن كانت حُجتنا أن مواردنا محدودة، فسنغافورة واليابان ليس لديهما موارد، لكن لديهما إدارة قوية جعلت موازنتهما تتعدى وزارات دول الخليج كلها، فالقرار الصعب لتعديل النهج  وتأسيس برنامج مستقبلي للبلد يجب أن يعي النظام أنه لا بد أن يبدأ فيه ليس لمصالح الناس فقط بل لمصلحة النظام نفسه.
 
 
 
 5 – علاقة الرفاه الاقتصادي والرضا السياسي :
 
 
 
أريد فقط أن أتدخل تدخلاً سريعاً، أعتقد أنه تبلور لدينا الآن وجهتا نظر؛ الأولى تعتمد على تغيير العقد الاجتماعي، والأُخرى تقول إن المشكلة إدارية، وما أُريد أن أنوه إليه في هذه المرحلة من النقاش هو أن الرضا السياسي يتناسب طردياً مع الرفاه الاقتصادي، وكلما قل الرفاه الاقتصادي قل الرضا السياسي، وعلى الرغم من أن النخب تعرف أن هناك مشكلة قادمة لكن يبدو أن هناك  جمهوراً غير واعٍ؛ لأن معظمه من موظفين ما زالوا يأخذون مرتباتهم من الدولة كما هي ، فهل هذا وارد في الإطار الحالي لمجلس الأُمة وغيره؟  لا بد من تصحيح المسار واتخــاذ الخطوات التي قــــد تكون ( مؤلمة) في المدى القصير ،ثانياً بعض الإخوان ذكروا موضوع التعليم، وهنــاك دراسة لــــــ د. عباس  المجرن تقول : إن مستوى التعليم في الكويت أقل من موزمبيق[3].
 
 
 
6 – استدامة النفط :
 
دخل النفط كوقود منذ 150 سنة ونمى خلاله الإنتاج من صفر إلى 90 مليون برميل يومياً، وتم طرح موضوع نضوب النفط في الخمسين سنة الأخيرة وركز عليه مهندسو البترول ووضعوا تقديرات  زمنية بحلول هذا النضوب، إما أن يكون تقنياً وإما أن يكون عضوياً بانتهاء النفط الفعلي من تحت الأرض. قبل ثلاثة أعوام عقد مؤتمر في نيويورك نشر في الإعلام وتبنته  قناة الجزيرة، ظهر منه أنه  كلما وضعوا مدى زمني تجاوزوا هذا  المدى، بل زاد حجم الإنتاج وحجم المخزون النفطي تحت الأرض، فاليوم مع  إنتاج كل برميل من النفط يضاف إليه 3 براميل نفط بالاستكشاف، وخاصة مع تحسين التقنية وحسن الإدارة، ومن ثمّ هذا النفط مرشح أن يستديم، قد يتراجع إنتاج النفط إذا ظهرت بدائل أُخرى للطاقة أكثر قوة منه وحلت مكانه، على سبيل المثال تم اكتشاف الفحم من 2400 سنة والنفط من 150 سنة فقط، وعلى الرغم من ذلك يتساوى استهلاك الفحم مع استهلاك النفط، فكلاهما يمثل نسبة 30% من الاستهلاك في الطاقة ، والنفط متهم بأنه يلوث البيئة بينما الفحم مسكوت عن أمره على الرغم من أن التلوث الصادر عنه أكبر .
 
 
 
الكويت – لله الحمد – حباها الله بكم هائل من المخزون النفطي، وكنت في يوم من الأيام على رأس الـ “كي أو سي” ، وأعرف الأرقام لكن لا أستطيع ذكرها، وقد تمتد بفعل استكشاف الجديد وبفعل التكنولوجيا الحديثة إلى مئات السنوات وربما أكثر من ذلك، إذن، قضية النضوب قضية محسومة فلا نضوب على الإطلاق، لكن هل تطور بدائل الطاقة سيجعل إنتاج النفط يتوقف؟ نعم لكن على مدى زمني  بعيد جداً، لكن هل هناك فائض من النفط تحت الأرض وهل يمكن أن يكون النفط مادة تستخدم لصناعات أُخرى؟ نعم؛ لأن النفط عندما بدأ استخدامه كخام وتم تصفيته واتبع في هذه التصفية طريقة واحدة وهي تخفيف الضغط وزيادة الحرارة حتى يخرج منه المشتقات التي يستخدمها كل العالم، هذا النفط الذي تحلل  بهذه الطريقة ولوث البيئة لديه قدرات أُخرى تمكنه من الدخول في صناعات أُخرى كثيرة لا نعلمها اليوم، يعتقد البعض أن الصناعات النفطية هي الصناعات النفطية الأولية من إنتاج وتطوير وتكرير، لكن مع التطور ووجود الصناعات البتروكيميائية في العصر الماضي التي تعمل بها الكويت وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بالتكامل في صناعاتها النفطية سواء داخل البلد أو خارج البلد من إنتاج وتكرير وبتروكيماويات في الداخل والخارج، وهذه البتروكيماويات لا تتعدى حجم المنتجات الرئيسية، وكل هذه يمكن أن تتجزأ لصناعات لا تخطر على بال بشر، فقد حصروا عدد المنتجات التي يمكن استخراجها من النفط  فوجدوها تستخدم في 300 ألف استخدام ،وكلها لا تلوث البيئة ولا تشكل خطراً على الإنسان ، وتعتبر هذه الصناعات مصدر دخل آخر، ولا أقول بديل، بحيث يستمر إنتاج وتكرير وبيع النفط إلى أن يتم الاستغناء عنه تماماً في العصور المتقدمة. وبدأ تحريك  الآلة الصناعية في الكويت من الآن، وهناك صناعات أُخرى تقوم على تقنيات وعلم النانو، ويمكن من خلال هذا العلم استخراج النفط ونصنع منه أشياء مهولة مثل الإسفلت الذي يستخدم في رصف الشوارع، وتقنية النانو المعتمدة يمكن استخدامها في تسع صناعات، مثل البطاريات وشاشات الكمبيوتر وغيرها من الصناعات العصرية الحديثة، وكل هذا متاح لنا اليوم، والمادة 21 من الدستور تقول، ” الثروات الطبيعية جميعها ومواردها خاصة ملك الدولة تقوم على حفظها وحسن استغلالها وفق مقتضيات الأمن والاقتصاد الوطني” . ومادمنا نمتلك ثروات طبيعية وهي النفط فأين الأمن وأين الاقتصاد الوطني؟ المفروض أي خطة تنموية في الكويت تُبنى على النفط .
 
 
 
7 – عدالة التوزيع :
 
 
 
هل تستطيع الحكومة تحسين الإدارة ؟ قولاً واحداً لا !
 
من وجهة نظري أرى أن الحل الوحيد أن توحد القيادة المواطنين، تقول أنا نظامي السياسي لا يستطيع أن يقوم بالعمل بالكفاءة المطلوبة، ومن ثمّ أنا ورطت نفسي من المهد إلى اللحد،  ولذلك  سوف أتخلص من هذا الأسلوب الذي سُمي ( دولة الرعاية)،  وأضع كل تلك المهام في إدارة الخدمات على مشروع  الـتأمين، أي سآخذ إيراد النفط وأصرفه على المهمات السياسية للدولة، والباقي سيكون للتأمين الصحي والتعليمي وبدل بطالة؛ بحيث أوفر للمواطن العدالة في التوزيع والفائض أوزعه على  المواطنين نقداً، في ألاسكا  عندما اكتشفت النفط سنة 1964م اتخذت قراراً إدارياً؛ لأن الأراضي لم تكن أراضي فيدرالية، بل كانت أراضي تابعة لولاية ألاسكا فلا تستطيع الحكومة أن تأخذ إيرادها، فكل إيراداتها من النفط  صرفت للأُجور والمتبقي يوزع نقداً للمواطنين، وستحافظ بذلك على النظام السياسي وتخفف من اهتمامات والتزامات الحكومة وستتمكن من حل مشكلة العدالة في التوزيع، شكاوى البلد الآن كلها العدالة في التوزيع ، ولو تمّ ذلك لتحققت العدالة بشكل يرضي الجميع، أما بالنسبة للفحم كمصدر من مصادر الطاقة، فاستهلاك العالم من موارد الطاقة 40% نفط، أوباما عمل على التضييق على الشركات التي تستخدم الفحم والشركات التي تستخرجه، وفي ولاية فرجينيا  خسرت المناجم 57% من قيمتها، وبعد أن كان متوسط إنتاج المنجم في ولاية فرجينيا كل يوم المنجم يخرج قطار مليء بالفحم أصبح الآن يخرج قطار واحد كل شهر، لذلك الولاية التي كانت تصوت للديمقراطيين أسقطت  هيلري كلينتون  سقوطاً شنيعاً، فالإصلاح يجب أن تقنع الناس به، ومع احترامي لأعضاء مجلس الأُمة فإن كل ما يعني كثيراً منهم  مصالحهم الخاصة ومن مصلحتهم استحواذ الدولة على التعيينات والترقيات، أما بالنسبة للاقتصاد المعرفي فهو يتطلب مدارس جيدة وتعليماً ذا كفاءة عالية، ولأن الدولة تسيطر على التعليم نسمع كل يوم عن تأخر مستوى التعليم في الكويت.
 
 
 
 
 
 
 
8 – محاذير دولة الرفاه  :
 
 
 
في السنوات الأخيرة لم يستقر مجلس الوزراء بسبب مواقف كثير من  أعضاء مجلس الأُمة الذي اعتقد كثير منهم  أن دورهم فقط استنزافي لتلبية مطالب مالية غير محدودة ،  والمخطئ الكبير هو المواطن؛إذ تزداد الطلبات تدريجياً بشكل متواتر من المواطن على النائب، ومن الأخير على الحكومة، ومن ثمّ نرهق موازنة الدولة، هذه المقدمة هي جوهر الموضوع وكل ما نقول من حلول وتحليلات ذكرت منذ عشرين سنة، وهناك دراسات كثيرة موجودة في أدراج مجلس التخطيط والوزارات المختلفة، فالمشكلات معروفة والحلول معروفة أيضاً عند الوزراء والنواب والقيادة السياسية، المشكلة أنك غير قادر على تنفيذها؛ لأنك تطلب من المواطن أن يعمل؛ والمواطن لا يريد أن يعمل لأن العلاقة بين المواطن والدولة علاقة من جانب واحد، فالدولة تدفع خدمات ورواتب وكوادر عالية جداً، والمواطن يطالب أكثر، في حين أن الدولة غير قادرة على وضع حلول ولا على مطالبة المواطن أن يعمل عملاً جاداً وحقيقياً ومنتجاً وفعالاً يستحق عليه راتباً، أما عن دور القطاع الخاص فهو غير قادر على ذلك؛ لأن الدولة رواتبها ومزاياها أعلى بكثير من مرتبات القطاع الخاص، ومن ثمّ كل مطالبنا للمواطن بأن يعمل في القطاع الخاص لن تتحقق إلا بنسبة قليلة جداً، مادام هناك ساعات شغل محدودة جداً في القطاع العام وإجازات ورواتب مغرية من دون عمل، ومادام هناك وساطة للنواب  للتعيين وللنقل من مكان لمكان والترقية وغيره فلن يكون هناك إصلاح في هذا البلد، كل ما نقوله خلاف ذلك  كلام غير مجد، أما عن إصلاح التعليم فلن يتم لعدم وجود استثمار في التعليم؛ لأن لدينا أسوأ مناهج في الرياضيات والعلوم، النقطة التي تفضل بها  بعض الزملاء وأتفق معهم فيها تماماً بأننا لن نكون قادرين على الإصلاح إلا إذا كانت هناك  إرادة سياسية قوية تخاطب المواطن مباشرة وتصارحه بأننا في طريق الهاوية! ومن ثمّ حث المواطن على أنه إن استمر على ذلك فسيعيش أولاده وأحفاده حياة بائسة ونعود لصيد السمك والغوص على اللؤلؤ!! ربما  بعد ذلك يبدأ في العمل! عندما هبط سعر البترول في أواخر الثمانينيات حدث نقاش مشابه لهذه الحلقة  النقاشية وقلت إذا الدولة أنهت احتياطيها واقترضت فلن يكون هناك إصلاح ومن ثمّ المشكلة الحقيقية هي الإرادة السياسية.
 
 
 
9 – دور الإدارة السياسية  :
 
 
 
المشكلة الأساسية في الكويت ضعف رغبة القيادة السياسية في الإصلاح، وعدم وجود جماعة سياسية ديمقراطية أصلاً في الكويت تساعد على الإصلاح، الديمقراطية في الكويت مبتورة ومشوهة، الديمقراطية تحتاج لأحزاب وطنية لا أحزاب طائفية أو تجمعات قبلية، حتى في الجامعات والتطبيقي نمارس نفس الأُسلوب، وانظر لتدني  مخرجات التعليم، وما  يمارس في المدارس من عنف يدوي وعنف لفظي وجرائم والسلطة غير  فعّالة في الردع ، بسبب القيود المجتمعية، وتعتمد على توزيع دخل  النفط  في مداهنة المواطن، حتى أصبح المواطن يتكل على الحكومة في كل شيء، مشكلاتنا في التعليم كثيرة، وأنا بنفسي خضت تجربة  قبل  شهر، حيث  قدمنا مشروعاً لوزارة التربية “اسمه التعايش المجتمعي واحترام الرأي”، كمادة تدرس في المراحل المختلفة بالمدارس الكويتية، فما كان من وزارة التربية إلا أن قالت إنها  مهتمة بأولويات أُخرى !! فإذا كانت هذه ردود فعل منظومة التعليم التي هي مشروع دولة، ومشروع القيادة السياسية فكيف سيحدث  التغيير ؟!، وما سمعته من مسؤولين في التعليم ومهمومين به أنهم يضعون استراتيجية ثم يأتي الوزير الجديد ينسف كل ما تمّ التخطيط له، وهكذا مع كل وزير تتغير السياسة التعليمية، فكيف تتقدم الدولة من دون تعليم جيد ومدروس  وذي كفاءة  عالية ؟!
 
 
 
أما عن المواطنة فهي أخذ وعطاء وليست مجرد عطاء وفقط، العدالة والمساواة ضعيفة بالكويت، ناهيك عن غياب تطبيق القانون بل إن أكثر المخالفين للقانون هم بعض أعضاء مجلس الأُمة، ونحن نقلل من قيمة مجالات كثيرة عندنا ونهدرها، في مجال الطب مثلاً نصر على العلاج بالخارج مع أن لدينا بالكويت أطباء أفضل من الخارج وكل ما نفتقده في مستشفياتنا هو الإدارة الجيدة، بل نفتقد الإدارة الجيدة في الدولة كلها، لدينا شباب متميزون في مجال الـــ ” أي تي”  لماذا لا نفعّل الاهتمام بالتقنية  مثل الهند ونكون مركزاً للبرمجيات، في مجال الإعلام هناك مبدعون في الإعلام ويمكن للإعلام أن يكون مصدر دخل لنا، تجربتنا مع “الداو” الآن في الكويت مفخرة من ناحية العاملين ومستوى التدريب، بالعكس ننقل أساليب إدارية حديثة من خلال الكويت للقطاع النفطي كله، في السنوات العشر الماضية  الربح الصافي كلن نحو بليون و200  ألف دولار،  منها بليون من مشاريع كويتية  بالداخل والخارج مع داو، في النهاية أحب أن أقول إن المشكلة مشكلة سياسية في البلد وليس هناك إرادة إصلاح سياسي ولا قرار سياسي.!
 
 
 
10 – أهمية البدائل المتجددة للنفط :
 
 
 
المشكلات التي نناقشها الآن فعلياً هي ليست مشكلات خاصة بالكويت فقط  إنما مشكلات في الدول الريعية عموماً، ناتجة من وجود دخل ريعي  ومن ثمّ هناك تيار يتحدث عما ما يسمى بالوباء الهولندي  وتيار فكري آخر يتحدث عن لعنة النفط والنظر للنفط على أنه نقمة أكثر من كونه نعمة في هذه الدول، اسمحوا لي قبل التحدث عن هذه المقدمة ببعض  المداخلات، ألاسكا التي تفضل بذكرها  الزميل كانت البداية عام 1964م عندما وزع الدخل النفطي على المواطنين، لكن تمّ تعديل هذا القرار بعد ذلك؛ بحيث إن من يقيم لمدة سنة في ألاسكا يحق له ما يحق للمواطن، وعندما جلست مع مستشار صندوق ألاسكا الوطني لتوزيع الثروة  قبل شهر، وكان قد أقام في الكويت لمدة سنتين في استشارات مع جهات حكومية، قال إننا مستعدون  للاستمرار في هذا الاتجاه لجذب السكان إلى ألاسكا في هذا الجو البارد والقارس.
 
 
 
أما بالنسبة لموضوع العطريات فدراسة الجدوى الاقتصادية أثبتت أن المشروع مُجد في الكويت، والسوق الهندية هي سوق أساسية لمنتجاتنا، فالهند تشكل سوقاً نشطة للطلب على العطريات لكن للأسف مع تأخر الكويت في تنفيذ المشروع لعدة سنوات وإعادة دراسة الجدوى عدة مرات، أنشأت الهند خلال تلك الفترة خمسة مصانع عطرية والكويت ما زالت تدرس!!
 
 
 
أما بالنسبة لاستقرار الوزراء الذي تفضل بذكره  الزميل فيكفي أن ننظر لوزارة النفط من 1960 حتى الآن لنكتشف أن أربعة وزراء نفط  فقط مروا على وزارة النفط في المملكة العربية السعودية[4]، وفي الكويت تم تغيير 27 وزير نفط!!، فلنا أن نعرف من خلال تلك الأرقام مدى الاستقرار الذي يمكن تحقيقه في القرار السياسي، أما بالنسبة لموضوع النفط فعلينا أن نعيد التركيز على النفط، وأعتقد أن المشكلة ليست في النضوب الطبيعي للنفط وإنما النضوب وأكثر من النضوب الاقتصادي والبيئي، فمشكلة عدم استقرار الإيرادات التي تترتب على تصدير وبيع النفط، مشكلة أساسية تجعل هناك مخاطرة كبيرة في استمرار الاعتماد على النفط ، ولو نظرنا إلى التطور الحادث من الستينيات إلى الآن لوجدنا أن الولايات المتحدة مثلاً كان النفط يشكل تقريباً بالنسبة لها 60% من مزيج الطاقة الذي يولد الكهرباء، أما اليوم فانخفضت هذه النسبة لأقل من 1%، ومن ثمّ وبالتالي لم يعد النفط هو المصدر الرئيس لتوليد الكهرباء هناك ، وعلى الرغم من أن النفط مازال المصدر الرئيس في قطاع المواصلات والمهم الذي ليس له بدائل في هذا القطاع لكن ذلك لا يمنع من تطوير المنتجات والبدائل الأُخرى التي يمكن استخدامها كبدائل للمواصلات ، بعضنا لم يسمع عن شركة مثل (الكي إل إم) وطياراتها التي تنتقل بين أمستردام ولندن مستخدمة  ( البايوفيول)  بدلاً من النفط، وبايوفيول ( مزيج من مشتقات النفط و مواد زراعية)  بشكل أساسي، والشيء نفسه في  شركة طيران كوانتاس الأسترالية ،التي تستخدم مزيجاً من (البايوفيول)  في الانتقال من أمستردام إلى نيويورك، إذن هناك مشكلة تواجهنا وهي أن البدائل التقنية في الطاقة  قادمة، اليوم البدائل المتجددة تشكل 17 % من مزيج الطاقة العالمي، هذا إذا لم ننظر للبدائل التقليدية وهي الطاقة النووية والغاز الطبيعي وغيرها من المنتجات، ومن المصادر الأُخرى للطاقة الطاقة الشمسية، التي أصبحت بفضل تقنية النانو في السنوات القليلة الأخيرة، أقل تكلفة وأكثر إنتاجاً .
 
 
 
أعلم أن الكويت بها ثروة نفطية أكبر من الثروة المعلنة، حقل برقان الذي كان إنتاجه في يوم من الأيام 2 مليون ونصف المليون برميل، ينتج الآن مليوناً وستمائة ألف برميل، وتحت برقان هناك حقل أكبر منه وبرقان يعتبر ثاني أكبر حقل  في العالم بعد حقل الغوار في المملكة العربية السعودية، لكن مناجم الفحم المقفلة في أوروبا أيضاً بالآلاف بعد أن حل النفط محل الفحم، ما يمكن استخدامه من النفط في الصناعات البتروكيماوية  نسبة ضئيلة في الواقع من حجم استهلاك النفط، في الوقت الحاضر يستخدم النفط في  قطاع المواصلات ثم قطاع إنتاج الطاقة وخاصة في البلدان النامية، وأعتقد أن هذه النسبة لا يمكن أن نعول عليها ومن ثمّ فإن تخفيف الاعتماد على النفط في الدول المستهلكة  يضعنا في مخاطر مستقبلية .
 
 
 
بالنسبة إلى مشكلتنا السياسية أنا أتفق أن في الدولة الريعية هناك خصوصيات تحتم خروج الدولة الريعية من النشاط الاقتصادي أكثر من أي دولة أُخرى، ومن بين هذه الخصوصيات أن الدولة الريعية بحكم امتلاكها لمصدر الدخل هي دولة تدخلية، بمعنى لا تستطيع إلا أن تكون دولة متدخلة في النشاط الاقتصادي وغيره، ومن ثمّ تحجيم هذا التدخل له آثار ضارة جداً في الدول الريعية، قطر والكويت والسعودية أكثر دول مجلس التعاون اعتماداً على النفط بدرجة مكثفة، نسبة النفط من الصادرات أكثر من 85% ونسبة النفط من الدخل الحكومي بالكويت وصلت على 93.5 % خلال السنوات العشر الأخيرة، ومن ثمّ هناك اعتماد مكثف على النفط، نسبة النفط في الناتج المحلي الشيء نفسه، إذن الإشكالية تنشأ في وجود هذه الأموال في يد جهة واحدة تستطيع أن توزعها كيفما تشاء، وبذلك الدولة الريعية حتى بوجود مؤسسات دستورية وديمقراطية هي أقل ديمقراطية من الدول الأخرى، وهذا مجمل دراسة مايكل روس وأوتي، وآلاف الدراسات أثبتت أن الدول النفطية أقل ديمقراطية من البلدان الأُخرى، إذ إن الدولة الريعية تستطيع أن تشتري الولاء وهذا أمر مفروغ منه، الدولة الريعية لا يوجد بها مؤسسات مجتمع مدني قادرة على أن تعترض على الدولة؛ لأنها تمول من قبل الدولة أو تعتمد في جزء من نشاطها على دخل الدولة، ومن ثمّ فاعليتها أقل وقدرتها على الاعتراض على القرار السياسي أقل، الدولة الريعية أقل كفاءة بسبب وجود إدارة عامة تتعامل بمال عام، الدولة الريعية بها إنفاق عام سخي كريم جداً غير منضبط ويفوق القدرة على الإنفاق في تمويل هذا الإنفاق في المستقبل، هناك تأثير سلبي لكل هذه التداعيات على جودة التعليم وجودة الخدمات الصحية ومستوى إنتاجية العمل ..إلى آخره ، والنقطة الأخيرة فإن الدولة الريعية لا تستطيع أن تستمر إلى مالا نهاية في تمويل الخدمات، ومن ثمّ ستتردى هذه الخدمات بمرور الوقت ويزداد الضغط عليها ويزداد رداءة التعليم والشهادات المضروبة التي نسمع عنها جزء من الإنتاج الريعي والفكر الريعي، ومع زيادة عدد السكان وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة المتطلبات لن تستمر الدولة الريعية في الوفاء بحاجة المجتمع ما لم ترجع للأساسيات، وهي دفع القطاع الخاص للنشاط الاقتصادي بصفته محركاً لهذا النشاط وصانعاً للدخل، ولو أن هناك دولة تستطيع أن تتعامل مع هذا المال لما عانينا أي مشكلة، لكننا نعتمد على دخل غير متجدد ومهما كانت هذه الثروة فهي ثروة ناضبة ومن ثمّ نحن نقتطع من لحم الحي ومن الأصول، والقطاع الخاص سيجعل الإنتاج أكثر كفاءة  في الإدارة وسيكون أكثر حرصاً على استغلال الموارد، وتعود الدولة لدورها الرقابي والتنظيمي وهنا نستطيع إيجاد بيئة ديمقراطية أفضل.
 
 
 
11 – الصورة القاتمة وبصيص الأمل  :
 
 
 
كل الحلول التي قيلت معظمها متقاربة تبدأ من تقليص دور الدولة الاقتصادي إلى زيادة دور القطاع الخاص بالاقتصاد، وكما ذكر الإخوان نحن نفتقد للإدارة والإرادة، وبسبب غياب الاثنين نعيش في حلقة مفرغة، فبسبب سوء الإدارة هناك سوء تنمية وبسبب سوء التنمية هناك سوء إدارة، والخروج من هذه المعضلة يكمن في مبادرة من المواطن فهو الذي يبني الحضارة والتنمية، وهو الذي يجني ثمار هذه التنمية، فــ “كما تكونوا يولى عليكم”، وإذا مارس المواطن دوره في انتخاب أعضاء صالحين في مجلس الأُمة يبدأ التغيير لكن للأسف مجلس الأُمة الآن تحول عن دوره الرقابي والتشريعي، وبدلاً من أن يساهم في التنمية يساهم في الفساد المستشري في البلد، والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نسأل الدولة أو نسأل مجلس الدولة هو : أنحن كمواطنين نقوم بدورنا في الخروج مما نحن فيه أم ننتظر الفرج؟، وعلى الرغم من الصورة القاتمة التي نتكلم عنها هناك بصيص من الأمل، هناك شباب كويتيون لديهم مبادرات جميلة وعلى الرغم من أن الأغلبية منها مطاعم لكنها بادرة وعلينا كمواطنين دعمهم ولا ننتظر دعم الحكومة، مثلاً المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب يقتني لوحات من الشباب لتشجيعهم لكن هل فكر أحد المواطنين في شراء لوحة من الشباب لتشجيعه ووضعها في بيته، مع العلم أن الفنان يكون أسعد حالاً بوجود لوحته في بيتك من وجودها في مخازن المجلس الوطني.
 
 
 
12 – الطاقات البديلة والتزام المستقبل :
 
 
 
نحن الآن شبه مهمشين وإذا استمر الوضع كذلك فسنعود  لفترة ما قبل النفط، في الفترة الأخيرة الكل متشائم ولا يشعر بالرضا؛ نظراً للأُمور التي تمر بها الكويت، وخاصة أن المنطقة  كلها  تحت بركان بعد ما يسمى بالربيع العربي أو الخريف العربي، وكوني عضواً في اللجنة الوطنية لتغيرات المناخ فإننا في البلاغ الوطني الأول الذي قدمناه للكويت وألحقنا به نوعاً من التقارير لوضع استراتيجيات المستقبل والحلول تطرقنا للجنة الدولية المعنية بتغيرات المناخ، تلك اللجنة التي أتت لتحطيم الدول النفطية بشكل كبير، وفرض  التزامات علينا في المستقبل  ستجعل  سعر النفط  لا شيء على الرغم  من اعتمادنا الكلي عليه كدخل واحد، أقول ذلك بصفتي مفاوضاً في هذه اللجان وما زلت، اتفاق باريس الأخير في ديسمبر الماضي ( 2015م)،  الذي وقعت عليه الكويت للأسف، المسار الأول فيه  بعد 2020م يلزم كل دولة بالتقليل من انبعاثاتنا من الغازات الدفيئة، موضوع تغير المناخ كبير جداً وبصفتي متخصصاً في هذا الشيء طالبت بوجود مركز لنقل التكنولوجيا للدول النامية وحققنا هذا الشيء من خلال اللجنة الوطنية لتغيرات المناخ والدول النامية التي شاركتنا كذلك، فنحن دول نامية لدينا نفط وحتى إن لم ينضب النفط فعلينا أن نعرف اتجاهات الدول الأُخرى؛ فهناك من يستثمر مثلاً في قطاع (البيوفيول) بل وصل الاستثمار فيه إلى 904 مليارات دولار بحسب تقرير البلومبرج الذي نشرته قبل يومين[5]، والبحث عن مصادر أُخرى للطاقة بكل الطرق حتى التمر يستخدم في توليد الطاقة البديلة! هو والكثير من البدائل للحصول على وقود بيئي نظيف، وستأتي علينا التزامات لن نستطيع – كدول نامية ضعيفة – مواجهتها أمام هذه الدول الغنية والدول الصناعية التي تولد كل يوم بدائل للطاقة منها الطاقة الشمسية، علينا أن نعرف أيضاً كيف يفكرون على سبيل المثال، الفحم الحجري في ولاية فرجينيا لماذا أغلقه أوباما؟ لأنهم خططوا لوضع اتفاق  باريس وكانت الولايات المتحدة أول من وقعت اتفاق باريس حتى تشارك كل الدول فيه، ومنهــا الدول النفطيــــة، وفرضوا علينا ضريبة الكربـــون التي وضعها وزير البيئة ( الأمريكي)،  وكنا نصارع ألا تفرض ضريبة الكربون على الدول المصدرة للنفط والحمد لله نجحنا فيها، لكن لا نستطيع مواجهة تسونامي القادمة في الفترة الأخيرة، آخر قراءة كانت أن هُناك أكثر من مليار دولار استثمارات من شركات – حتى في سانت كلارا في الولايات المتحدة – لشراء محطات توليد الطاقة الكهربائية في العام الماضي  باستخدام الطاقات البديلة وهي الرياح، كنت في مؤتمر الدوحة وسمعت أن الكويت سنة 2030م ستغطي إنتاجاً في استخدام الطاقات البديلة بنسبة 15% عام 2030م، وبتقديرنا فإن الكويت ستصل إلى لـــــ 8%، فكيف سنوفي التزاماتنا بنسبة 15% ؟، ولذلك الكويت في هذه الفترة تحتاج لأشخاص مناسبين للتخطيط لمستقبل الكويت باستخدام الطاقات البديلة بشكل كبير ثمّ الاتجاه إلى مركز “سي دي سي إن” الذي جاهدنا حتى ننشئه، وهو عبارة عن عدة مؤسسات تساعد الدول النامية لوضع استراتيجيات واستثمارات لبناء قدراتها، منها استخدام النفط كمواد بتروكيماوية، ومراعاة حقوق الملكية الفكرية التي لا يعطونك إياها كاملة، والمناطق المجاورة تحارب صناعة البتروكيماويات في الكويت، وأود أيضاً الإشارة إلى حاجتنا لتنمية قدرات التعليم والتخطيط وتشجيع القطاع الخاص، ومن خلال الطاقات البديلة يمكننا فتح مجال للعلوم الجديدة مثل الكهروكيمائية التي تستخدم الأمواج لتوليد الطاقة الكهربائية، الالتزامات كثيرة على الكويت، وعلى الرغم من ذلك لاحظت كثيراً من  أعضاء مجلس الأُمة وكثيراً من المسؤولين في الدولة لا يهتم بنتائج المؤتمرات ولا التوصيات، في نهاية كلمتي أود أن نتجه إلى اقتصاد آخر بالطاقات البديلة ونفكر في الأجيال القادمة بالتنمية في مجال التعليم وجودته  إدارة صحيحة في الكويت قادرة على تنمية المواطن الكويتي والبعد عن المحسوبيات، وعدم محاربة الأشخاص المخلصين واستغلال الخبرات الكويتية وعدم الاستغناء عنها كالخبرات الموجودة في الندوة فبعد الخمسين يتم تعيينك مستشاراً وتجلس في البيت، وفي النهاية أرجو أن يصل صوتنا لأصحاب القرار بالكويت.
 
 
 
13 – الحل في مواجهة المشكلات :
 
 
 
البعض قال إن المواطنين لا يعملون والحقيقة أن القطاع الخاص أيضاً لا يريد أن يعمل ويبحث عن الفرص السهلة بالبعد عن المجالات التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وصبر طويل على الاستثمار، ويبحث عن الربح المضمون أو العمل من خلال الدولة وعقودها وإجراءاتها، تنمية صناعة البتروكيماويات والصناعات الناتجة عنها ربما تكون القاطرة الرئيسية لجر الاقتصاد الكويتي  نحو النمو وخلق فرص العمل، بعض الإخوان خلطوا بين جودة التعليم والخدمات الصحية، وبين دور الدولة والقطاع الخاص، الدولة في جميع أنحاء العالم لا تتخلى عن دورها ولا يوجد مثال واحد في العالم تخلت فيه الدولة عن دورها في قطاع التعليم والخدمات الصحية مع عدم احتكار لهذا الدور، وإتاحة المجال للقطاع الخاص للمساهمة فيه، أما عن سنغافورة واليابان فالتعليم والخدمات الصحية فيها قطاع عام مع وجود مؤسسات خاصة، لكن الدور الأساسي هو دور الدولة ، فالتعليم آخر شيء تبحث فيه عن مجال الربح، والدليل الجامعات الخاصة التي تحولت لدكاكين تبيع شهادات[6]، أما تخلي الدولة عن دورها لمجرد أنها فشلت في قطاع ما فهذا هروب من المشكلة، والحل سعي الدولة في تأدية دورها الأساسي  في التعليم والخدمات الصحية مع إتاحة المجال للقطاع الخاص لتقديم خدمة منافسة، وفي النهاية ولي الأمر بالنسبة إلى الطالب  أو المريض،  هو الذي يقرر  أين يتوجه للحصول على الخدمة.
 
 
 
أما عن النفط فعلينا الاستفادة من كل برميل نفط وتصنيعه بدلاً من تكريره وتصديره نفطاً خاماً، لماذا لا نصنع  75 % أو 80% منه ؟ والنضوب الاقتصادي الذي تكلم عنه بعض الزملاء هو حقيقة ستحدث؛ لأن هُناك حالياً 75% من النفط يذهب لقطاع المواصلات، وبعد فترة ستستخدم وسائل طاقة أُخرى للنقل، فهناك شركة جديدة اسمها “تسلا”  تصنع سيارات كهربائية تعمل بالكهرباء، وأكثر سرعة من السيارات التي تعمل بالبنزين وفترة بطاريتها أقوى فتستطيع أن  تسير 500 كيلو بدون الحاجة لإعادة تعبئة، بالإضافة لنوع من السيارات الهجينة التي تستخدم كهرباء وبنزين، داخل المدن تعمل بالكهرباء وخارج المدن تعمل بالبنزين مع زيادة التطور في كفاءتها، ونحن نعلم أن استخدامات  النفط انكمش في أوروبا منذ 2005م، وهذا سبب من أسباب هبوط الأسعار؛ لأن الإنتاج أكثر من الطلب، فالنمو في استهلاك النفط لن يكون كالسابق، وعلينا أن نبدأ في البتروكيميكال والصناعات الناشئة عنها من الآن.
 
 
 
14 – استنتاجات جوهرية :
 
 
 
لا اختلاف على أن الإدارة الحكومية في الكويت غير قادرة في  هذه المرحلة على النهوض بالمهمات الكبيرة المناطقة بها بسبب تعقيدات هيكلية وسياسية واجتماعية ، وعدم قدرة على الاستفادة من الثروة البشرية المعقولة التي توافرت والتي  تعتبر أهم من الثروة النفطية، فالثروة البشرية ثروة مستدامة،والثروة النفطية ممكن أن تنضب لأي سبب، المواطن الكويتي من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة تنفق الحكومة عليه 150 ألف دينار وفي النهاية ينتهي بوظيفة لا معنى لها ولا طعم، علينا أن نقدم لهم نشاطاً مفيداً وإدارة حكيمة تستفيد منهم، والإدارة الحكومية لا تستفيد منهم للأسف.
 
 
 
لا شك أن إصلاح التعليم قضية مهمة ولا نطالب بتخلي الحكومة تماماً  عنها، لكن عليها إعطاء الشباب فرصة للإبداع، وأي طالب يضمن الوظيفة بمجرد الحصول على شهادة فلن يهتم كثيراً بتطوير نفسه، لكن إذا عرف أن هناك شروطاً تشترط ذكاءه وكفاءته  ومعرفة ومهارة، وأنه لن ينال الوظيفة إلا بعد اختبار فسيذهب للمدرسة الجيدة التي تؤهله بشكل سليم.
 
 
 
الإدارة الحكومية في قطاع  النفط في تقديري قيدت نموه، من عاصر (الكي يو سي) قديماً  يجد أن إنتاج البترول كان ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل، وكانت إدارة  الكي أو سي في تلك البناية المشهورة والوحيدة، الآن تطورت أبنية الـ “كي يو سي” بشكل هائل، وتحولت لأبراج ويدل ذلك على نقص الفاعلية مع أن الإنتاج نفس الإنتاج.
 
 
 
من الناحية السياسية.. سنة 2009م عندما كنا ندفع لمشروع التخصيص 20_35 أجريت مرافعة سريعة عن الاستجوابات والأسئلة النيابية، وكان 70% من الأسئلة التي وردت في الاستجوابات تتعلق بأعمال تقوم بها الحكومة، ولو انتقلت الإدارة للناس لكان 70% من نقاط التوتر السياسي التي تقيد البلد والاستجوابات بحل المجلس أو استمراره قد انتهت!
 
 
 
اليابان وسنغافورة وماليزيا لن نستطيع أن نقارن أنفسنا بهذه الدول لسبب بسيط وهو أن الحاكم هناك هو الحزب الحاكم، مهاتير محمد استمر 50 سنة، وعندما أصدر قراراً بمنع التدخين تماماً في المطاعم والمحال والأماكن العامة لم يستطع أحد أن يعترض على قراره لأنه يملك 70% من الأصوات في مجلس النواب ، في النهاية أُحب أن أختم كلامي بأن الفساد لا يأتي إلا لمن يمتلك المال، في النهاية أوجه كلامي للزملاء العاملين في الفريق الاقتصادي لوزير المالية، مشروع 20_35  قدموه لمجلس الأمة كما جاء دون اجتزاء ولا تغيير؛ لأن مشروع الإصلاح لن يكون إلا بالعصا والجزرة حتى يقتنع الناس الذين يجب أن نخاطبهم ونقنعهم ولا نخاطب أعضاء مجلس الأُمة!
 
 
 
أشكركم على هذه الندوة  وأنا شخصياً أصبحت أكثر علماً بعد هذا اللقاء مما كنت قبله ، أريد فقط أن أضيف سطراً واحداً ، فنحن مجتمع غير قارئ؛ في 2007م أُقيمت ندوة أنا كنت مسؤولاً عنها حول “الخليج 2025م” وكان أوباما وقتها مرشحاً للرئاسة،  ذكرت في المقدمة سطرين من أجندة أوباما المستقبلية والتي قال فيها : إننا خلال عشر سنوات نريد أن نستغني عن النفط القادم من الخارج ، وقد فعلها في ثماني سنوات.
 
 
 
وسنستمع الآن لقائد الحلقة  في الاستنتاج النهائي، وأريد أن أشكركم من أعماق قلبي على هذه المبادرة الوطنية .
 
 
 
خلاصة :
 
محصلة ختام هذه الحلقة النقاشية عن ” الخروج من دفء النفط : آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية “، يتبين – وفقاً لآراء معظم المختصين – أن هناك العديد من الإشكاليات التي تعوق الاعتماد على استخدام مداخيل النفط في التنمية، ولعل أبرزها يمكن ما يأتي :
 
 
 
1 – عدم الأخذ بالدراسات المقدمة منذ فترة طويلة بهذا الشأن( تخفيف الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل) .
 
2 – عدم توافر الإرادة السياسية لاتخاذ القرار، أو تعطيلها  بسبب الرغبات السياسية .
 
3 – تقهقر التجربة الديمقراطية وعدم الانتقال من الدولة القبلية للدولة الديمقراطية  المدنية الحديثة.
 
4 – غياب الجهاز الإداري القادر على قيادة التنمية .
 
أما بالنسبة للأفكار المقترحة نحو المستقبل لرسم استراتيجية متماسكة فإنها تتمحور حول النقاط الجوهرية الآتية :
 
 
 
1 – تطوير عملية صناعة القرار السياسي المتصل بالإصلاح المالي والاقتصادي .
 
2 – أي إصلاح فعّال لا بد أن يهدف إلى تنويع مصادر الاقتصاد والاعتماد على القطاع الخاص وتقليص دور الدولة .
 
3 –الاهتمام بمجال الخدمات التي تستند إلى التنمية بالكويت، وهي :  تجارة المصارف، النقل، التجزئة ، التعليم ، الصحة ، التطوير العقاري ، السياحة.
 
4 – معالجة سوق العمل( تعديل التركيبة السكانية)  وتحفيز المواطنين للعمل في مؤسسات خارج القطاع العام، اعتماد معايير الإنتاج في القطاع العام والتوجه إلى استخدام التكنولوجيا.
 
5 – تطوير القاعدة الاقتصادية المعتمدة على النفط من خلال الاستفادة من مشتقاته .
 
6 – التنسيق في الإطار الإقليمي لتحقيق مجال تسويقي وتصنيعي واسع .
 
7 – القيام بحملة تثقيفية لإبراز أهمية العمل المنتج للمواطنين .
 
8 – الطريق المستقبلي للتعامل مع التحديات الاقتصادية يتم عبر مبادئ الحوكمة وتطوير الإصلاح الإداري والسعي لتطوير النظام  التعليمي والدستوري .
 
9 – التركيز على الاستثمار في التعليم بشكل نوعي وكمي .
 
10 – التوسع في الخصخصة كي يكون القطاع الخاص رديفاً للقطاع العام وقائداً في عملية التنمية مع بقاء الدولة كمنظم ومشرع  .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[1] Fawaz A. Gerges (edit.)  : The new middle East  protest and revolution in Middle East,  NY Cambridge UN. Press 2014.                                                                     مقال في الكتاب ل Lisa Anderson
 
[2] Joseph Sasson, Anatomy of Authoritarianism in the Arab Republics,  Cambridge Un. Press , 2016.
 
[3] نُشرت تلك الدراسة في كتاب منتدى التنمية الخليجي ( مستقبل مجلس التعاون) صدر عام 2016م  ومنشور على موقع المنتدى www.df.ae.
 
[4] أصبحوا خمسة وزراء نفط الآن بعد استقالة الوزير علي بن إبراهيم  النعيمي مؤخراً .
 
[5] نُشر بتاريخ 13 يونيو 2016 م.
 
[6] ربما البديل في التعليم ذي الجودة العالية هو الجامعات الوقفية (التي لا تسعى للربحية) كما حدث في بلدان أُخرى؛ فمثل هذه الجامعات هي التي قادت التطور المعرفي.



_____________________________________

المصدر: موقع الدكتور محمد الرميحي




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها