مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الإكتفاء الذاتي الغذائي من التبعية الى القيادة - خالد المترك

طباعة PDF
الإكتفاء الذاتي الغذائي من التبعية الى القيادة




 
إعداد/ أ. خالد المترك
باحث في الشأن الإقتصادي الخليجي
 

   يعرف الاكتفاء الذاتي بأنه قدرة الدولة بما تحتويه من موارد وإمكانيات على انتاج السلع والاصناف الغذائية محليا بما يعادل أو يفوق الطلب المحلي على هذه السلع الغذائية، وهو ما يعرف كذلك بالأمن الغذائي المطلق وهو لا يعني بالضرورة الإيقاف التام للتبادل التجاري للسلع الغذائية بين الدول.

   يتبين لنا من تعريف الاكتفاء الذاتي مدى أهميته وضرورة العمل على تحقيقه أو توفير الظروف الملائمة لقيامه في حال الحاجة اليه، لأنه عامل رئيسي في تقليص حجم الفاتورة الغذائية للمواطن كما يساهم في تطوير قدرة الدولة على مواجهة الازمات الغذائية الطارئة واضطرابات تجارة الغذاء العالمية، بالإضافة الى مساهمته في دعم وتطوير الاقتصاد الوطني من خلال تسويق المنتج المحلي والعمل على تنمية السوق المحلية ودعم المنتجين وتطوير جودة المنتج، مما يقود الى التحول من الدولة المستهلِكة فقط الى الدولة المنتجة ثم المصدرة، ولعل اهم ما يرجى من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء هو تقليل التبعية الاقتصادية بالتالي تقليل التبعية السياسية للدول المنتجة للغذاء عن طريق زيادة قدرة الدولة على انتاج السلع الغذائية ذاتيا.

   نعاني هنا في دولة الكويت وفي الخليج العربي بصورة عامة من ضعف الإنتاج الزراعي وعدم القدرة على تنمية الثروة الحيوانية بشكل يؤدي الى سد احتياجات السوق المحلية، وهناك مؤشرات سلبية تفرض على الدولة التحرك لمعالجة هذا الخلل، فبالنسبة لدولة الكويت نجد بأنه في اغلب الأصناف الزراعية تقوم بانتاج ما يقل عن 10 % مما تستورده من الأصناف ذاتها، في ظل تزايد أعداد الحيازات الزراعية بمختلف التخصصات وذلك حسب النشرة الإحصائية السنوية للهيئة العامة لشئون الزراعة والثروة السمكية في دولة الكويت ) 2015-2016 (, ويعود ذلك لعدة أسباب بعضها خارج عن الإرادة والبعض الآخر ناتج عن عدم الوعي بأهمية تحقيق هذا المطلب) الاكتفاء الذاتي (وسوء التخطيط والتخبط الإداري والفساد، لذا يجب على الجهات المعنية سواء من هيئات أو مؤسسات أو وزارات أن تتعاون فيما بينها وأن تقوم بوضع خطط وسياسات إنتاجية جدية من شأنها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء.

   هناك العديد من السياسات والخطط التي من شأنها الارتقاء بالإنتاج الزراعي والحيواني على سبيل المثال أن يتم ضبط توزيع الحيازات الزراعية وحيازات تربية المواشي بحيث لا تمنح الا لمن يستحقها ووفق شروط وضوابط مدروسة وأن يملك المن تِج الرغبة في تنمية الإنتاج الزراعي والحيواني للدولة.

   بالإضافة الى اعتقادي بضرورة فرض انتاج أصناف معينه من المحاصيل على أصحاب الحيازات الزراعية والتي تعد أصناف ذات استهلاك وطلب مرتفع من أجل ضمان توفرها بالكمية المطلوبة، بالمقابل يجب أن يكون هناك دعم مجزي لأصحاب هذه الحيازات يشمل جميع المتطلبات الزراعية ويوفر الايدي العاملة المدربة والتكنولوجيا الحديثة وتسهيل جميع السبل التي من شأنها زيادة الإنتاج مع الحفاظ على جودته، كذلك الامر بالنسبة للإنتاج الحيواني فللحصول على انتاج اعلى واوفر يجب توفير الدعم اللازم من أعلاف وعلاجات وانشاء مراكز بيطرية متطورة وحث المربين على تربية سلالات الماشية ذات الجودة العالية وتزويدهم بالحيازات المناسبة التي تستوعب كمية انتاجهم.

   بطبيعة الحال تحقيق الاكتفاء الذاتي يؤدي إلى دعم الموازنة وتخفيف عبء الانفاق على استيراد المواد الغذائية كما سيساهم بتقليل حجم الدعم الموجه لبعض السلع الأساسية، قد يكون الاكتفاء الذاتي في غالب الأصناف او بعضها وتختلف قدرة الدول على تحقيقه بحسب الجغرافيا والظروف المناخية ومدى حاجة سكان المنطقة لتلك الأصناف وقدرتهم على التخلي عن بعضها.

   بتحقيق الاكتفاء الذاتي او بقدرة الدولة على توفير المقومات اللازمة لذلك يتضح مدى جدية الدولة وتطلعاتها في أن تكون دولة قائدة قادرة على فرض توجهاتها في المنطقة لا ان تكون تابعة اقتصاديا لغيرها، كما ان قدرة الدولة على الإنتاج بدلا من الاعتماد الكلي على الواردات يضاعف من قوة ومتانة الاقتصاد الوطني من خلال اعتماده على موارده الذاتية في تلبية احتياجات السكان الأساسية ومؤديا الى ارتفاع متوسط دخل الفرد وتحسين مستوى رفاهيته.

   الكويت دولة غنية بمواردها وامكانياتها تمتلك شباب طموح يسعى لنهضة الدولة واصلاحها، ولكن هذا الطموح يصطدم ببعض العراقيل التي قد تقلل من فرص تطوير الإنتاج الزراعي والحيواني، على سبيل المثال قلة الوعي بأهمية القطاع الزراعي والحيواني وما يصاحبه من نهوض صناعي ،وعدم الاستعانة بالكفاءات المتخصصة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية لقيادة هذا القطاع ، التي تستطيع فهم طبيعة عمل هذه القطاعات و يسهل عليها استيعاب العقبات التي تواجه المنتجين، وهذه المعضلة تعاني منها معظم القطاعات الاقتصادية في الدولة بالإضافة الى قلة الاهتمام بالقضايا الاقتصادية التي قد تساهم في انتعاش الاقتصاد الوطني ونقل الدولة من مرحلة النمو الى مرحلة التقدم والتطور.

   يجب أن نعي صعوبة الطريق لبلوغ الاكتفاء الذاتي وضخامة حجم الانفاق في سبيل تحقيق هذا الهدف وباعتباره عاملا مهما في إنشاء اقتصاد وطني قوي قادر على مواجهة الأزمات الاقتصادية يتحتم على الدولة الاعتماد على مواردها الخاصة للنمو والازدهار وان تحسن ادارة هذه الموارد، من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة ، وان تثق في طموح شبابها وتوظف خبراتهم في تطوير القطاعات الزراعية والحيوانية من خلال وضع الخطط والاستراتيجيات المناسبة.





الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها