مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

كيف تتهجّى الديمقراطية في قطر؟ - محمد عبيد غباش

طباعة PDF

 


لسنوات طويلة تعرّض حاكم قطر لحملات من التجريح طالته وأسرته وبلده. في الاسبوع الماضي سخر أحد الكتاب من تلفظه بكلمة ديمقراطية إذ قلب القاف غيناً فصارت ديمغراطية. جريمة حمد بن خليفه ال ثاني, أنه تلفظ الكلمة بلهجة أهل بلده حيث يفعل القطريون ذلك في الكثير من الكلمات.

لو كان أهل بلد الكاتب يتكلمون فصحى تخلو من العامية لعذرناه ولمنا القطريين على عدم نقائهم اللغوي.
لكن للأسف فإن العربية الفصحى هي لغة لا تعيش إلا في الكتب وبعض برامج التلفزيون, أما التحدث اليومي في كل أرضنا العربية فهو بأنواع من العامية. وكما سخر من غاء الديمغراطية يمكن للقطريين أن يسخروا من تلك التحويرات التي يدخلها أهل بلد الكاتب على فصحاهم حينما يتحدثون.  وما من شك أن تشويهات العامية في بلداننا تشكل منجماً غنياً لمن يودّ أن يضحك ويبتدع الكوميديا.
المنتظر من الكاتب وهو  يشهر خصومته أن يطرح أسئلة لأمير قطر تحرجه حول تأخر الانتخابات الموعودة منذ سنوات. عن كيف يقوم النصير الأول للثورات العربية بالصمت عن التحولات نحو المشاركة السياسية في قطر. لو توخى الكاتب العلمية بدل الهزؤ اللغوي لقام بتحليل مدى جاهزية المجتمع القطري للإقدام على مغامرةمقامرة حكم الأغلبية. للأسف لم يتم شيء من هذا, الشيء الوحيد الذي تم هو الغمز الهازئ من قناة لهجة شعب عربي.

سألني صديق محتار قبل أيام عن تساؤل يدور عند الكثيرين ممن تمثل قطر بالنسبة لهم لغزاً غير مفهوم في أشهر هذا العام الثورية.:
- ألا يشكل دعم الشيخ حمد للثورات نوعاً من الانتحار السياسي؟ ألا يهدد التغيير في العالم العربي كل أنظمة احتكار السلطة بما في ذلك قطر؟
من نافل القول أننا تعوّدنا على تصنيف الأشياء بشكل حاد, توزيعها بين رف أبيض ورف أسود, وصفها بأنها خير أو وصمها بأنها شر. في منظور كهذا يتعذر فهم الظاهرة القطرية.  يسهل علينا نسيان أن العالم رمادي, ويندر وقوع الأشياء في خانة الخير المطلق أو الشر المطلق. إضافة لذلك يجهل الكثيرون وجود تراث خليجي يمتد لماض بعيد يعكس الالتزام بقضايا تبدو في الظاهر غير منسجمة مع نظم محافظة وذات علاقات ملتبسة مع الغرب.
فدولة اليعاربة في عمان (١٦٢٤-١٧٤١) كان لها الفضل في إطلاق واحدة من أبكر حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الحديث. وفي التاريخ الحديث لا يزال جيلنا يتذكر قيام الشيخ زايد في الإمارات بإطلاق شرارة قطع النفط أثناء حرب ١٩٧٣, وهي الخطوة التي دفعت المملكة السعودية في عهد الملك فيصل, البلد الأثقل وزناً في النفط وفي السياسة للدخول في مواجهة اقتصادية شاملة مع مؤيدي إسرائيل.
وقبل ذلك التاريخ يستحضر الخليجيون المخضرمون مبادرة عبدالله السالم, أمير الكويت التي نقلت الإمارة من الحكم المطلق إلى بلد يتشارك فيه المواطنون مع الأسرة الحاكمة في تحديد مسيرة البلاد. وعلامات التحول السياسي هذه لم تقتصر على الكويت, بل طالت وإن بدرجات أقل عمان والبحرين اللتان أشركتا نخباً جديدة في العديد من جوانب الحياة العامة.

لا نمتلك القدرة على التعمق في دخيلة حاكم قطر لنفهم الوجهة التي سيأخذ بلده لها في السنوات المقبلة, لكن من المشروع أن نفكر بأن شخصا يدعم الثورات الديمقراطية ويخاطر بوجوده كنظام وسط أنظمة شرسة في الدفاع عن وجودها وجرأتها على التعدي على من تجده يهدد هذا الوجود, مثل هذا الشخص مؤهل لنقل بلده في مستقبل الأيام نقلة نوعية مماثلة  لمبادرة محمد السادس, ملك المغرب, قبل بضعة أشهر لتحويل بلده إلى ملكية دستورية, تتقلص فيها صلاحيات الملك وتتزايد فيها صلاحيات واستقلالية الهيئات القضائية والتشريعية والتنفيذية.

حتى ونحن نطالب حاكم قطر بأن يتخذ الديمقراطية نظاما لبلده يتوجب علينا أن نزن ظرفه الجغرافي الذي يحصر العديد من خياراته والذي يختزله القول الأمريكي المأثور عن المحنة التي تواجه المكسيك, من أن الأخيرة تقع في جغرافيا بعيدة كثيراً عن الله وقريبة جداً من الولايات المتحدة. وحصر هذه الخيارات هو السر وراء التحولات المتعسّرة نحو الديمقراطية في بلدان كالبحرين واليمن والناجمة عن هواجس المملكة السعودية, ذلك الجار الضاغط والقلق من أن هذه التحولات ستعبر الحدود وتصل لداخله.
علينا ألا نختلف حين نثمّن مساهمات قادتنا الخليجيين في نصف قرن مضى لو وضعنا إسهام حمد بن خليفة هذا العام في الصدارة. لكن هناك خطوة كبيرة ينتظرها القطريّون منه قبل العرب ندعو الله أن يلهمه الحكمة والشجاعة ليقدم عليها, خطوة تجعل الديمقراطية لا مفردة تتبدل حروفها بحسب اللهجات بل نظام حياة يعيد للبشر آدميتهم المنقوصة.
------

المصدر: الحرية الآن - 26 سبتمبر/أيلول 2011



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها