مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

كيف نضمن لتنميتنا حيويتها؟ - سعيد بن سلطان الهاشمي

طباعة PDF

 

اجتهد المشرع العماني  بشأن كفل حرية التعبير اجتهادا طيبا، وحاول طيلة السنوات الماضية أن يجنب البلاد الكثير من الاستقطاب الحاد لبعض الآراء خاصة السياسية والفكرية والاجتماعية. لذا نجد النظام الأساسي للدولة (الدستور) في المادة (29) منه يكفل حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير ولكن في حدود القانون. ويضمن في  المادة (31) منه؛ حرية الصحافة والطباعة والنشر، مع حظر ما يؤدي إلى الفتنة أو يمس بأمن الدولة أو يسيء لكرامة الإنسان وحقوقه.  التحدي الأبرز الذي يواجه حرية التعبير في عُمان اليوم هو أن القوانين السارية لتنظيم هذا الشأن غير متوافقة مع تطلعات المواطن، ولا متطلبات العصر الحديث، ولم تستطع بشكل عملي؛ توفير الحماية المطلوبة لهذه الحقوق الأساسية بشكل مطمئن لتطور الإبداع في الفنون والآداب والبحث العلمي، في الوقت الذي أعطت كثير من المؤسسات التنفيذية نفسها من خلال هذه القوانين؛ صلاحياتٍ واسعةٍ فيما يتعلق بحرية التعبير؛ وهذا ما دللت عليه قضايا الرأي في السنوات الأربع الماضية؛ والتي كانت في مجملها في النشر والكتابة سواء في الكتب أو المقالات الصحفية أو الكتابة في المنتديات الالكترونية. فالنظام الأساسي يكفل لك فقط ما تكفله القوانين ويعطيك حريةً بمقدار ما تسمح به تلك القوانين السابقة أصلا لصدور النظام الأساسي للدولة نفسه، والتي لم تعدل لتتوافق مع المبادئ الكلية التي يدعو إليها الدستور، بل تتعارض معه.  كما أن هذا النظام/الدستور لا يعطيك الحق بالمطالبة بتعديل القانون وزيادة هامش الحرية.

فمن هذه القوانين مثلاً؛ قانون المطبوعات والنشر والذي  أصبح من الضرورة مراجعته مراجعة عاجلةٍ وشاملة  من قبل جميع الأطراف المسؤولة عن هذا الشأن، وهو قانونٌ صادر في عام 1984 و يتضمن الكثير من القيود والمحاذير والممنوعات التي يُعاقب من يقارفها بالحبس والغرامة. و يعتبره كثير من الكتاب والصحفيين في عمان من الأسباب الرئيسة التي لا تشجع نمو صحافة حرة، تمارس دور سلطةٍ رابعةٍ حقيقةٍ وفاعلة.

كما يفتقر قانون الجزاء العماني إلى موادٍ تتعلق بجرائم القذف والتشهير حيث استبدلها بجريمة الإهانة  المؤثمة بنص المادة ) 173 ( إن كانت تمس موظفاً عاماً، و المادة (269) لغيره. بحيث من الممكن لسلطة الاتهام أن تكيف مقالاً يتحدث عن فسادٍ إداريٍ أو مالي على أنه جريمة إهانة كرامة. كما أثارت المادة 61 من قانون الاتصالات جدلاً كبيراً بعد صدورها في العام 2008، حيث تمت صياغتها بطريقة توسع نطاق التجريم في مجال النشر الالكتروني ليشمل ليس فقط الكاتب بل صاحب الموقع ومديره والمشرف عليه. وبالتالي التضييق على كل من يشتغل بالنشر والإعلان عن أرائه وأفكاره ورقياً كانت أم إلكترونياً وهذا ما يتعارض بوضوح مع المادة التاسعة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الضامنة لحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

إن ما نعيشه من متطلبات الحياة العصرية التي نتفاعل بها مع المجتمع الدولي والحضارة الحديثة؛ تستوجب حزمة من الاستحقاقات المحورية ليس أقلها؛ تعديل المادة 29 من النظام الأساسي للدولة بحيث تضم شروطاً يجب على أي نصٍ قانوني الالتزام بها بما يكفلُ المساحة الوافية لحرية الفكر والكلمة تعبيرًا وممارسةً. مع أهمية إخضاع قانون المطبوعات والنشر لمراجعة قانونية شاملة بالشراكة مع ذوي الشأن من صحفيين وكتاب ومؤسسات المجتمع المدني التي تعنى بشؤون الكتابة والإبداع الفكري ، وتعديله على إثر نتائج تلك المراجعة. وهو أمر يطالب به أهل الاختصاص منذ فترة ليست بالقصيرة، سواء بالكتابة أو الندوات العامة التي أوصت بذلك، وكذلك الحال  في شأن قانون تنظيم الاتصالات وخاصة الفقرة الرابعة من المادة (61).

إضافة إلى ما سبق؛ العمل على إلغاء العقوبات الحبسية المتضمنة في قانون المطبوعات والنشر وتكليف مؤسسة القضاء الإشراف و بشكل مباشر على الممارسات الإعلامية وأنشطتها المختلفة، خاصة القوانين المتعلقة بالكتابة والطباعة والنشر والإعلان. الأمر الذي يستوجب منع الحجز الاحتياطي للكتَّاب بكافة تصنيفاتهم من صحفيين وأدباء وسواهم، وكذلك الناشرين، في أي مرحلةٍ من مراحل التحقيق وذلك فيما يُرفع بحقهم، من أيَّةِ جهة كانت، من القضايا المتعلِّقة بالكتابة والنشر.

لقد كشفت التجارب الحية خلال السنوات الماضية أهمية  سن قانون  يختص بحق الحصول على المعلومات الوطنية وحرية تبادلها بشكل آمن، مع إضافة نصوص قانونية واضحة تكفل للمواطن صحفيا كان أم باحثا؛ الحق في الحصول على المعلومات والأدلة المساندة سواء من المؤسسات العامة والخاصة وبما يخدم المهنة التي ينتمي إليها، تحقيقا للمصلحة الوطنية العليا.

إن ضمان حق حرية التعبير في عمان، يأتي في طليعة الأسباب التي ستضمن لتنميتها أن تحتفظ بحيويتها ونشاطها خاصة وأنها تمثل مجتمعا فتيا متطلعا إلى المستقبل بحب وبرغبة في التعمير والبناء.

في المجمل؛ من حق المواطن أن يحافظ على ما تحقق من تقدم على المستوى الحضاري للبلاد، ومن حقه كذلك أن يطمئن على حقوقه الإنسانية الأساسية  والتي بكفلها، لا بإهمالها؛ تتمايز الأوطان وتتنافس الشعوب لتكون الخيار الأصلح لأن يعيش الإنسان فيها عزيزا، كريما، منتجاً.



 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها