مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

العرب بين الثورات الشعبية والثورات الإقتصادية - د.ناصر بن غيث

طباعة PDF




قد يكون من غير المألوف الربط بين الثورات المطالبة بالحرية وبين الأداء الاقتصادي لدولة ما، لكن عملية الربط قد لا تكون بالغرابة التي يعتقدها الكثيرون إذا ما قلنا إنه قد يكون للإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي تتطلبها الحرية وإمكانية ممارستها تأثير على الأداء الاقتصادي، ويرجع سبب طرح هذا التساؤل هو النقاش الذي جمعني بأحد الأخوة في معرض تناولنا للأحداث المتتابعة التي تمر بنا، والذي تحول بحكم المهنة وبصورة تلقائية كالعادة من نقاش عام إلى نقاش اقتصادي بحت، ولم يكن الفضل في تحول النقاش إلى المجال الاقتصادي هذه المرة لي بل لمحاوري الذي يبدو أنه قد ضاق ذرعاً بأطروحاتي في مجال السياسة وأراد -مرغماً تحت وطأة آراء المبتدئين في علم السياسة التي كنت أطرحها- تغيير دفة الحوار بل وتغيير مجال النقاش كلية بطرحة السؤال الاستهجاني التالي، هل ستحول الثورات العربية الاقتصادات العربية إلى إلى اقتصادات أوروبية مثلاً ؟

وقد أخذني على حين غرة في الواقع سؤال محاوري، بل ومجمل فكرة تأثير الثورات على أداء الدول العربية الاقتصادي، وذلك قد يرجع إلى السمة السياسية التي كانت تطبع مطالب المحتجين والسمة الأمنية التي كانت تطبع التعامل الرسمي من قبل الحكومات مع هذه المطالب، وبين الأمن والسياسة ضاع البعد الاقتصادي الذي قد يطبع المرحلة التالية لهذه الثورات أو التحركات الشعبية وبعد أن ينقشع غبار المد والجزر بين الحكومات والمحتجين الذي من المتوقع أن ينتهي بانتصار الشعوب التي أثبتت أنها إذا أرادت الحياة فلن يكون إلا إرادة الله هي التي تمنعها، لكن الحرية لا يمكن تصور وجودها واقعاً ما لم تتوافر ظروف معينة تتمثل في غياب الظلم والقمع والفقر والجهل، فلا حرية مع الفقر الذي يمثل مانعاً لا يقل تأثيراً عن تغول السلطة وطغيانها، ولا حرية كذلك مع الجهل الذي يمنع من فهم الحرية والقدرة على ممارستها دون إلحاق الضرر بالبقية ، والمقصود بالبقية هنا المفهوم الفردي والجماعي، أي بقية الأفراد من خلال عدم إلحاق الضرر بفرد ما أوبقية الجماعة من خلال عدم إلحاق الضرر بالمجتمع ككل، وأخيراً لا حرية مع الجوع الذي هو ناتج عن الفقر والجهل والذي يمنع الفرد ليس عن ممارسة حريته فحسب، بل قد يمنعه من حتى من الحياة بمفهومها البيولوجي الضيق.

من المعروف أنه لا علاج لآفات الفقر والجهل والجوع إلا التنمية الاجتماعية الشاملة التي تمثل التنمية الاقتصادية أحد أبرز صورها وأهم أركانها، ومن هذا المنطلق فيمكن القول، إنه يوجد علاقة تأثير متبادلة بين التنمية الاقتصادية والحرية بمفاهيمها وصورها وتطبيقاتها المختلفة، بمعنى أن الحرية من جانب تشكل أحد أهم متطلبات التنمية الاقتصادية فلا يتصور وجود تنمية في أي مجتمع دون أن يكون أفراده أحراراً في أفكارهم وأحراراً في ممارساتهم. ومن جانب آخر تمثل الحرية أحد أبرز نتائج التنمية فلا يتصور وجود حرية حقة ومسؤولة إلا في المجتمعات التي لها نصيب من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فالحرية بهذا المعنى تسبق التنمية وتتلوها والتنمية تتطلب الحرية وتؤدي إليها، لذلك فإن القول، إن التحركات الشعبية يمكن أن تؤدي إلى تحويل الاقتصادات العربية أو بعضها على الأقل إلى اقتصادات أوروبية (حسب تعبير محاوري في النقاش المشار إليه) بمعنى اقتصادات تضاهي الاقتصادات الأوروبية، فهذا القول يحوي جانباً من الحقيقة أو الواقع، وذلك لأنه ما يمكن أن تتمخض عنه هذه التحركات والمطالبات الشعبية قد يصب مباشرة في خانة تنقية البيئة الاقتصادية ورفع معدل الإنتاجية وتحسين مستوى التنافسية التي تؤدي بدورها إلى تحسين مستوى الأداء الاقتصادي ككل

أولاً: القضاء على الفساد والهدر
لعل من أكثر الآفات التي تعاني منها الاقتصادات العربية انتشاراً وتأثيراً هي الفساد والهدر ، نتيجة لغياب الرقابة التي يفرضها مبدأ المسؤولية والمساءلة وتدني درجة الشفافية التي تتسم بها أنظمة الحكم غير الديمقراطية والحكومات غير المنتخبة، إضافة إلى تراجع الوازع الديني والرادع الأخلاقي فغالباً ما ينتشر الفساد بصوره المختلفة والمتنوعة، كما يؤدي غياب الرقابة خصوصاً الشعبية إلى انتشار الهدر بصوره المختلفة كذلك سواء في المال العام أو في الموارد العامة، فعلى سبيل المثال، فقد كشف تنحي الرئيس مبارك وانهيار نظامه عن أن مصر كانت تعاني من فساد إداري ومالي غير مسبوق كلف الاقتصاد المصري عشرات المليارات من الدولارات في شكل خسائر مباشرة، هذا عدا الخسائر غير المباشرة المتمثلة في تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، إضافة إلى الهدر سواء في الموارد أو الإمكانات أو الكوادر، ولعل أبرز ما يمكن أن تؤدي إليه التحركات الشعبية هو القضاء أو على الأقل الحد من الفساد والهدر من خلال سيادة القانون والإتيان بحكومات شعبية تخضع للرقابة والمساءلة.

ثانياً: الحرية وعودة الكوادر وتفعيل الإنتاجية
إن الحرية التي قد تتمخض عن الثورات العربية ستؤدي حتماً إلى عودة الكثير من الكوادر البشرية التي تم تحييدها من قبل الأنظمة الحاكمة بسبب توجهاتها الفكرية أو معارضتها لتلك الأنظمة وكذلك الكوادر التي اضطرت إلى الهجرة إلى مشارق الأرض ومغاربها طلباً للرزق ولحياة أفضل ، كما أنها ستؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في العملية التعليمية التي كانت تعاني من التخلف والجمود بسبب تسلط الأجهزة الأمنية ما أدى إلى تردي نوعية التعليم ومخرجاته، إضافة إلى ذلك فإن انتشار الإحساس بالحرية لدى الأفراد من خلال مناخ الانفتاح سيساعد على تكريس روح المبادرة والإبداع لدى الأفراد، الأمر الذي سينعكس على إنتاجية الاقتصاد وتنافسيته.

ثالثاً: التوزيع العادل للثروة وتدعيم الطبقة الوسطى
يتحدث الكثير من المراقبين السياسيين ومن علماء الاجتماع السياسي عن غياب العدالة والتوزيع غير العادل للثورة والسلطة ويشيرون -متفقين إلى حد بعيد- إلى أن غياب العدالة يعتبر أحد أهم أبرز أسباب النقمة الشعبية التي تعتبر بدورها أحد أهم أسباب اندلاع الثورات، كما يشير علماء الاقتصاد من جانبهم إلى أن تآكل الطبقة الوسطى التي تعتبر إحدى أهم ركائز البناء السياسي للأمم، وأهم عناصر الهيكل الاقتصادي للدول، وأهم ركائز النسيج الاجتماعي للمجتمعات، يمثل أبرز أسباب انحطاط المجتمعات وتراجع الأمم وتخلف الدول وقبل هذا وذاك يمثل أحد أسباب اندلاع الثورات والانتفاضات الشعبية، ولعل أهم ما يمكن أن يتمخض عنه الحراك الشعبي العربي على المسار الاقتصادي هو إعادة توزيع الثروة أو بالأحرى إعادة خلق الطبقة الوسطى التي تمثل أهم دعائم الاقتصاد الحديث لما تمثله من قوة إنتاجية وقوة استهلاكية لا غنى عنها.

رابعاً: الحكومات التمثيلية وتحسين شروط التبادل التجاري
إن أكثر ما تعاني منه الاقتصادات العربية بسبب انغلاق الأفق السياسي وكونها ترزح تحت حكومات تسلطية شمولية -لا تمثل في أحسن الأحوال إلا مصالح أعضائها- هو عدم عدالة شروط التبادل التجاري مع الدول الأخرى، ولعل بيع الغاز المصري إلى إسرائيل –ولاعتبارات سياسية- بأقل من 25 بالمئة من أسعاره العالمية يمثل دليلاً لا يحتاج إلى الكثير من التفصيل على مدى تساهل الحكومات العربية وتضييعها لمصالح شعوبها والأمثلة الأخرى كثيرة بل أكثر من أن يحصيها مداد قلم أو صفحات كتاب، ومما لا شك فيه هو أن الحكومات التي ستتلو رحيل أنظمة الحكم الحالية في الدول العربية ستكون أكثر حرصاً على مصالح دولها وشعوبها، والتي تأتي المصالح الاقتصادية في مقدمتها، ما سيؤدي إلى تحسين الشروط التجارية لها التي سيكون لها تأثير كبير على أدائها الاقتصادي.

خامساً: الشفافية وسيادة القانون وزيادة تدفق الاستثمارات العربية والأجنبية
لا يقتصر أثر غياب القانون وتدني الشفافية وانتشار الفساد على الاقتصادات العربية على تبديد الثروات وتضييع الإمكانات والكوادر بل لعل التأثير الأكبر والأسوأ يتمثل في تراجع معدل الاستثمارات المالية والتقنية الأجنبية والمحلية والتي لا تملك منها أغلبية الدول العربية الكثير على أي حال، ما يضاعف أهمية الاستثمارات الأجنبية للاقتصادات العربية
والمتابع لحركة الاستثمارات العالمية يجد أن المنطقة العربية تعتبر من أقل المناطق جذباً للاستثمارات الأجنبية بالرغم من الإمكانات والموارد والكوادر الكبيرة التي تتمتع بها مقارنة بباقي دول العالم، فالموارد الأولية كبيرة والكوادر البشرية أكبر والأسواق واعدة، لكن وبالرغم من كل ذلك نجد أن الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية ضعيفة والاستثمارات البينية أكثر ضعفاً، وذلك بسبب كما أسلفنا غياب القانون الضامن وتدني الشفافية الداعمة وانتشار الفساد الطارد. إن تحول الدول العربية إلى ديمقراطيات يسود فيها القانون ويتراجع فيها الفساد سيكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد بشكل قد يفاجئ الكثير من المراقبين، كما فاجأ الأتراك الجميع بالتحول من الدولة «العبرة» إلى الدولة «المثال» لمجرد أنهم تمكنوا من محاربة الفساد من خلال سمو القانون وتطبيقه على الجميع. وأختم بالقول، «ما أهلك العرب إلا أنهم قوم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».


 

مدونة د. ناصر بن غيث

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها