مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حديث في النمو الإقتصادي - د.ناصر بن غيث

طباعة PDF



كثر الجدل في الآونة الأخيرة، خصوصاً في مرحلة ما بعد الأزمة الاقتصادية، حول النمو كظاهرة اقتصادية، وحول مدلولات هذه الظاهرة..
وسبب تصاعد هذا الجدل الآن هو أن عدداً ليس بالقليل من المراقبين والمهتمين بالشأن الاقتصادي يكمن في المقولة التي بدأت تسود في الأوساط الأكاديمية والحكومية، والتي تفترض أن أحد أهم أسباب الأزمة كان النمو غير الحقيقي الذي كان السمة السائدة في الكثير من الاقتصادات الغربية، وكذلك «النمو الفارغ» الذي تلا الأزمة، والذي لم يتمخض عنه -حتى الآن على الأقل- أي أثر حقيقي سواء في خفض البطالة أو إيقاف النزيف الاقتصادي، الذي مايزال مستمراً، وتعاني منه الاقتصادات الغربية، وإن كان بوتيرة أبطأ،
ويقصد بالنمو غير الحقيقي هو نقيض النمو الحقيقي القائم على أسس حقيقية والذي يكون مصدره عناصر ذاتية تتجلى في التنافسية والإنتاجية والكفاءة التي تكفل له الاستمرارية،
ومن هذا المنطلق يمكن تشبيه النمو الاقتصادي من حيث المصدر بالدخل المالي للأفراد، بمعنى أن منه المشروع ومنه غير المشروع، وعدم المشروعية في ما يتعلق بالنمو الاقتصادي تكمن في عناصر النمو من حيث المصدر أو التكلفة أو قابليته للاستدامة أو الأثر، وبمعنى أكثر شمولية فيمكن القول إن عدم المشروعية بالنسبة للنمو الاقتصادي تعني بكل بساطة جدواه وقابليته للاستمرار من عدمها، وتجدر الإشارة إلى أنه لن يتم تناول «مشروعية» النمو الاقتصادي من حيث الأثر الذي يتعلق بنصيب كل فرد فيه والأساس الذي يتم عليه توزيع نتائج النمو وآثاره من حيث التكلفة والعائد، بمعنى النصيب الذي يتحمله الفرد من تكلفة النمو ومن ثماره وعوائده، وذلك لأن المقام لا يتسع لتناول هذه المسألة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه المسألة تتعلق بالجوانب الاجتماعية للعملية الاقتصادية، التي عادة ما يتم التعامل معها تحت مظلة علم الاجتماع أو الاجتماع الاقتصادي، الذي -في الواقع- لا أجيده، وما لدي فيه من معرفة قد لا يتجاوز معرفة العوام من القوم.

من حيث المصدر، يمكن تقسيم النمو الاقتصادي إلى قسمين: النمو المبنى على الإمكانية والنمو المبنى على المورد، ومن حيث التكلفة فهناك التكلفة الاقتصادية المباشرة والتكلفة الاجتماعية التي تشمل الجوانب المختلفة (التكلفة البيئية والثقافية والأمنية والسياسية.. وغيرها من أوجه التكلفة غير المباشرة)، وأما من حيث الاستدامة، فينقسم النمو الاقتصادي إلى نمو مستدام، وهو الذي يكون قابلاً للاستمرار استناداً إلى زخمه الذاتي دون الحاجة إلى دعمه بعوامل خارجية، وهناك النمو غير المستدام الذي يحتاج دائماً إلى دعم خارجي للاستمرار، وهذا الدعم يمكن أن يأخذ صوراً عدة سيتم تناولها بالتفصيل.

أما في ما يتعلق بالنمو المبني على إمكانية فهو النمو المتحصل من الإمكانات البشرية والتقنية للاقتصاد، والتي يتم بناؤها على مدى سنوات وربما أجيال، والتي تتجلى في ما يعرف بالتنمية المستدامة، ويتسم هذا النوع من النمو بأنه منخفض التكلفة، ولا يحتاج إلى الكثير من المدخلات غير العنصر البشري المؤهل، الأمر الذي يجعله نمواً مستداماً كذلك، وأما النمو المبني على المورد فهو ذلك النمو الذي يتأتى من خلال استغلال مورد طبيعي أو موقع جغرافي أو مناخ جوي، دون أن يكون لأحد سوى الله فضل في إيجاده، ولعل النمو المعتمد على عوائد النفط أو الموارد الطبيعية الأخرى يعتبر من أبرز صور النمو المبني على المورد، هذا طبعاً إضافة إلى النمو المتحصل من الزراعة أو السياحة أو القنوات المائية أو الموانئ التي تقع على خطوط الملاحة الدولية، ويتسم هذا النوع من النمو من ناحية بانخفاض تكلفته، إذ إنه لا يحتاج إلى الكثير من المدخلات غير تلك العناصر التي تمكن من استغلال المورد الطبيعي أو الموقع الجغرافي أو المناخ.

لكن يجب الاستدراك بالقول إن هذا النوع من النمو قد تكون له تكلفة بيئية عالية، وهذه التكلفة قد تكون مصاحبة للإنتاج، كالآثار البيئية السلبية التي تنتج عن صناعة التعدين، أو تكلفة مصاحبة للاستهلاك كالتلوث الناتج عن استهلاك الوقود الأحفوري، ومن ناحية أخرى، ومن حيث الاستدامة، فإن النمو المبني على المورد يمكن أن يكون مستداماً إذا كان المورد الذي يعتمد عليه غير ناضب، كالمناخ والموقع الجغرافي، وقد يكون غير مستدام إذا كان المورد الذي يعتمد عليه يتسم بالنضوب أو القابلية للنضوب، مثل الموارد الطبيعية والمعدنية،
كما يمكن أن يكون النمو الاقتصادي من ناحية أخرى مؤسساً على إما الإنفاق أو الاقتراض أو الاستثمار، أو بالأحرى الزيادة في الإنفاق -الذي غالباً ما يكون مصدره الدولة- أو الزيادة في الاقتراض -الذي غالباً ما يكون مصدره المستهلكين الأفراد- أو الزيادة في الاستثمار -الذي غالباً ما يكون مصدره مؤسسات أجنبية-، وبذلك يكون مصدر النمو ما يتم إنفاقه أو اقتراضه أو استثماره من أموال،
والمشكلة في هذا النوع من النمو الاقتصادي تكمن إما في هشاشته أو تكلفته العالية أو عدم استدامته، فالنمو المستمد من الزيادة في الإنفاق العام المؤسس على الاقتراض أو الاستهلاك الخاص المؤسس كذلك على الاقتراض يشكل أحد أكثر النمو الاقتصادي خطورة، وذلك لأنه يجمع كل عيوب النمو الاقتصادي من حيث التكلفة العالية على الحكومات والأفراد بسبب القروض ، اما من حيث عدم الاستدامة فالمشكلة تكمن في عدم الإمكانية في الاستمرار في الإنفاق أو الاستهلاك أو الاقتراض إلى مالا نهاية، وكذلك من حيث الأثر، لأنه يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطي واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء بتحويل الأموال من المستهلكين ودافعي الضرائب الفقراء إلى المستثمرين والمقرضين الأغنياء، ولعل الأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصادات الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا) -التي كانت تعتمد على نموها خلال العقود الأربعة الماضية على الإنفاق الحكومي من جهة والاقتراض الفردي من جهة أخرى- قد كشفت مدى خطورة وهشاشة هذا الصنف من النمو، إذ تعاني هذه الاقتصادات اليوم من تراجع الاستهلاك وارتفاع مستوى الديون، سواء ديون الأفراد أو الشركات، أو حتى الحكومات، والتي أتوقع أن تؤدي في النهاية إلى تراجع أداء هذه الاقتصادات وانخفاض مستوى الرخاء الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها، أما النمو الناتج عن الاستثمار الأجنبي فيتسم بهشاشته من ناحية، وبتكلفته العالية من ناحية أخرى، إذ غالباً ما تقدم الدول وحكوماتها الكثير والكثير من المحفزات الاقتصادية، وفي بعض الأحيان التنازلات الاجتماعية، من أجل استقطاب الاستثمار الأجنبي، ما يرفع تكلفة النمو الناتج عنه.

ومن ناحية أخرى فهناك النمو الناتج عن استغلال البيئة أو المكثف للعمالة -خصوصاً الأجنبية- أو ذلك الذي يتعمد على العمالة المهاجرة، وهذا النوع من النمو يتسم بتكلفته العالية وعدم عدالته أو استدامته كذلك، فالكثير من الدول تعتمد في نموها على الاستغلال السيئ للبيئة، من خلال الصناعات الملوثة للجو، أو الاستغلال الجائر وغير الحصيف للموارد الطبيعية والبيئية، فمن ناحية فإن التكلفة البيئية (غير المباشرة) غالباً ما تكون عالية، ومن ناحية أخرى فإن استغلال البيئية والموارد الطبيعية بطريقة غير جائرة يتسم بعدم عدالته، لأنه غالباً ما يكون على حساب الأجيال المقبلة التي تدفع ثمن هذا النوع من النمو، ومن ناحية ثالثة فإن استغلال الموارد الطبيعية غالباً ما يكون غير مستدام، ما يعني عدم استدامة النمو الناتج عنه،
أما النمو الناتج عن الاستغلال المكثف للعمالة، خصوصاً الأجنبية، فهو من ناحية يتسم بالهشاشة، مثله في ذلك مثل النمو المعتمد على الاستثمارات الأجنبية، ومن ناحية أخرى تعتبر من صنوف النمو عالية التكلفة لما للعمالة الأجنبية من تكلفة اجتماعية وثقافية وأمنية عالية جداًَ، فأوروبا اليوم مثلاً تعاني -من ضمن ما تعاني منه- مما يمكن تسميته بـ«إشكالية النمو والهوية» بسبب شيخوخة سكانها وتناقص الأيدي العاملة الأوروبية، واضطرارها إلى الاستعانة بالعمالة المهاجرة من دول شمال إفريقيا ودول إفريقيا جنوبي الصحراء غير البيض، والذين يشكل المسلمون غالبيتهم.

مما سبق، يتضح لنا أن للنمو الاقتصادي أسباباً ومصادر ومقومات، تجعل منه إما نمواً مشروعاً أو نمواً غير مشروع، ومن هذا الجانب فإن النمو المشروع هو ذلك النمو الذي يعتمد على الإمكانات لا الموارد، والذي يعتمد على الاستثمار المحلي لا الأجنبي، وعلى الأيدي العاملة الوطنية لا المستوردة، والذي لا يقوم على استغلال البيئة، والذي لا يعتمد بالدرجة الأولى على الإنفاق أو الاقتراض. ومن الجانب الآخر، فإن النمو الذي يعتمد على الموارد لا الإمكانات، أو الذي يعتمد على عوامل الإنتاج المستوردة (من رأس مال أو عمالة)، أو ذلك الذي يقوم على الإنفاق الحكومي أو الاستهلاك القائم على الدين، يعتبر من قبيل النمو غير المشروع، وعدم المشروعية هنا تعبير مجازي يعني عدم جدواه، إما لتكلفته العالية، أو بسبب هشاشته أو عدم استدامته.

وأختم بطرح السؤال المجازي والافتراضي التالي، وأقول لاقتصادنا الوطني، في ما يتعلق بالنمو الذي تحققه: من أين لك هذا؟

المقالة مقتبسة من مقالة سابقة بعنوان: النمو الإقتصادي من أين لك هذا

 

المصدر: مدونة د, ناصر بن غيث
22 ديسمبر 2011



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها