مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

المبادرة المفاجئة - أحمد عبدالملك

طباعة PDF



دعوة خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، خلال قمة التعاون الأخيرة في الرياض، بالتحول بالمجلس من صيغة التعاون إلى صيغة الاتحاد، كانت مفاجئة؛ نظراً لبطء مسيرة المجلس، التي زادت على ثلاثين عاماً، لم ترقَ منجزاتها إلى طموحات وآمال المواطنين.


وجاءت قرارات قمة الرياض منسجمة مع الأمل السعودي في تحقيق الاتحاد، وبأقرب فرصة ممكنة، بعد أن أوضح أمين عام التعاون، الدكتور عبداللطيف الزياني، آلية تشكيل اللجنة المنوط بها وضع التصّور الخاص بالاتحاد خلال ثلاثة شهور؛ كي تُعرض على اللقاء التشاوري لقادة المجلس في مايو القادم.


لم تكن المبادرة نتاجَ تجلٍّ دبلوماسي أو ترف سياسي، بل كانت حتمية واقعية بعد الظروف التي طرأت على العالم، وزيادة التطرف من قبل إيران في الإمعان في التدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول المجلس، والبيانات العدائية الضجيجية التي تُطلقها من وقت لآخر ضد دول المجلس. ناهيك عن عمليات استعراض القوة التي تمارسها في مياه الخليج العربي، التي تشاطئها الدول الخليجية الست الأعضاء في مجلس التعاون. وكذلك الاندفاع في تطويرالمنشآت النووية في تجاهل تام لدعوات المجتمع الدولي والهيئات المتخصصة بهذا الشأن، بضرورة إخضاع تلك المنشآت للرقابة الدولية.


في الوقت ذاته، كانت نبرة مجلس التعاون خلال ثلاثين عاماً هادئة وأخوية ومخملية تجاه إيران. فهي تدعوها إلى حسن الجوار، والالتزام بروح الأخوة الإسلامية، والتعاون المشترك المفيد للجانبين، وحل المشكلات العالقة بينها وبين الدول الأعضاء بالطرق السلمية. لكن قمة الرياض خرجت على هذه الأدبيات التي لم تثمر عن شيء، وجاء النص الخاص بهذا الموضوع واضحاً ودقيقاً، وظهر في (القلق البالغ لاستمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون)، (بثّ إيران الفرقة وإثارة الفتنة الطائفية وانتهاك سيادة الدول واستقلالها)، (المطالبة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية)، (الالتزام بمبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل). هذه الأدبيات لم تكن موجودة في بيانات القمم السابقة، التي جاءت هادئة وفي شكل أخوي وروح طيبة، ولكن -مع الأسف- لم تكن إيران تقابلها بما يجب أن تقابل به؛ لذلك جاءت قمة الرياض لتضع هذه المفاجأة على غرار المبادرة. كما أتت المبادرة في وقت تضطرب فيه الأوضاع في جنوب المجلس (اليمن)، وفي شماله وشرقه (سورية والعراق).

إعلان الرياض كان أفضل إعلان في تاريخ مجلس التعاون؛ فقد تناول قضايا مهمة، مثل تبني مبادرة خادم الحرمين الشريفين لتجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، كما أشار إلى تسريع مسيرة التطوير والإصلاح الشامل؛ لتحقيق المشاركة لجميع المواطنين والمواطنات، وهذا أيضاً لم يكن موجوداً في أفكار المجتمعين في المجلس طوال ثلاثين عاماً، وأن (الإصلاح والمشاركة) من حتميات المرحلة الجديدة التي تدخلها الشعوب، بل وتشكل حقاً من حقوق المواطنة، ناهيك عن النص على (المواطنات)، وهذا يحمل مؤشراً جديداً على عدم التفريق في التعامل بين الرجل والمرأة في شؤون الحياة كافة. القيمة الأجمل في إعلان الرياض هي (المساواة بين جميع المواطنين والمواطنات أمام القانون وفي الحقوق والواجبات)، وهذه القيمة -كسابقاتها- تحتاج إلى تعديل التشريعات المحلية والرؤى الإدارية والأعراف المجتمعية التي تتعارض مع نص الإعلان. والذين وضعوا هذا الإعلان لاشك يدركون ملابسات واقع الحال في دول مجلس التعاون. وأنه قد جاء الوقت كي تنفض هذه الدول ما تراكم على تشريعاتها من غبار الماضي، وحتميات تأسيس الدولة في الماضي، ومراعاة الجانب التطويري والإداري لشعوب هذه المنطقة، التي أصبحت جزءاً مشاركاً لا «أجيراً» في قضية التنمية الشاملة.

لقد ألقت مبادرة خادم الحرمين الشريفين بظلالها على البيان الختامي للقمة، وكذلك على إعلان الرياض، من حيث دقة النص وتركيزه ووضوحه، بعيداً عن «حذلقات» المجاملة أو اللف حول المعنى، كما قرأناها سابقاً. وإذا كانت قمة الرياض قد أعطت الضوء الأخضر لقيام الاتحاد ولإشراك المواطنين فيه، وإذكاء روح الشفافية في تعامل الدولة -أيّ دولة- مع واقع الحال داخلها، وهو أمر جديد على مجلس التعاون، فإننا نذكّر الأمانة العامة بما اقترحناه قبل فترة من ضرورة إنشاء إدارة في الأمانة العامة تُعنى بحقوق المواطنين وقضاياهم بما يدفع نحو تأسيس المجتمع المدني، الذي لا تخرج أهدافه عن إعلان الرياض. وأن تسهم الدول الخليجية بدعم هذا المقترح، بتعديل تشريعاتها التي تحدُّ من -أو تعترض- قيام مؤسسات المجتمع المدني بأدوارها بالشكل الصحيح؛ كي يتم التآزر والتعاضد المنشود بين جميع أبناء المنطقة. هذا ما يؤكد ما ذهب إليه البيان من (الحفاظ على الأمن والاستقرار وتماسك النسيج الوطني والرفاهية الاجتماعية).


حقاً، جاء وقت العمل، والزمن لن ينتظرنا ما لم نبادر، وننفض غبار الماضي وتراثه السلبي، ونتسم بالجدية والواقعية، بعيداً عن أساليب المجاملة والمواقف الرمادية وسياسية حرق المراحل، حتى تفاجئنا الخطوب، حيث نعضّ بنانَ الندم على تقاعسنا وعدم تقديرنا للأمور التقدير اللازم.


 

المصدر: صحيفة الشرق

24 ديسمبر 2011


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها