مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

تبديل أنظمة السجون المجتمعية العربية - د. علي فخرو

طباعة PDF




في أوائل السبعينيات من القرن الماضي أجرى عالم الاجتماع الأمريكي فيليب زمباردو تجربة أصبحت تُعدّ من بين الأبحاث الاجتماعية الكلاسيكية ذات الدلالات المهمة. لقد أوجد في قبو داخل أحد مباني جامعة ستانفورد في كاليفورنيا ما يُشبه السجون الرسمية الحقيقية. ثم وضع في هذا السجن الاصطناعي مجموعة من تلاميذ الجامعة المتطوّعين بعد أن حدّد لبعضهم دور المساجين وللبعض الآخر دور الحراس المراقبين. أما عالم الاجتماع وبعض مساعديه من الباحثين فمثلوا دور السلطة الإدارية لذلك السجن. والتي وضعت الأنظمة والتوجيهات والفلسفة التي يُدار بها السجن.



خلاصة نتائج تلك التجربة، التي لم تدم أكثر من أسبوع بسبب ما أحدثته من عوارض كارثية في عقول ونفوس الطلبة المساجين والحراس، فكان لابد من إنهائها، خلاصتها أنها خلال بضعة أيام أدّت إلى تحوّلات في شخصيات الطلبة لم تكن متوقعة. فبعض الحراس اندمجوا في أدوارهم فزاد عنفهم وتحقيرهم وسوء معاملتهم للمساجين واقتربت صفات شخصياتهم التي كانت طبيعية وعادية قبل إجراء التجربة، من صفات الشخصية الشريرة.

بالمقابل ضعفت شخصيات الطلبة المساجين، فكان بعضهم قبل التجربة من قادة الحراك الطلابي ضد حرب فيتنام وضد المؤسسة السياسية الأمريكية، فأصبحوا من المطيعين الخنوعين الخائفين من أي مواجهة لظلم الحراس. بل إن بعضهم انهارت أعصابه وخرج من التجربة.

أما الإداريون فنسوا أنهم في الأساس من العلماء الباحثين ودخلوا في مرحلة الحياد البارد تجاه تجاوزات الحراس وتجاه الوضع الخطر اللا إنساني للمساجين. وكان همهم نجاح النظام الذي وضعوه للسجن قبل أي اعتبار آخر.

مناسبة استعادة تذكر تجربة مرّ عليها أربعة عقود هو ما أظهرته الثورات العربية من تبيان لقسوة وفضائح وانحطاط أخلاقية وقيم الكثير من الأنظمة الأمنية العربية، قبل الثورات وأثناءها. عبر العقود من السنين، منذ استقلال الدول العربية، بنت الأنظمة السياسية، بوعي وبدون وعي، أنظمة أمنية كانت في مجملها بوليسية مخابراتية قمعية قلبت المجتمعات العربية إلى سجون والشعوب العربية إلى مساجين.

فإذا كانت تجربة العالم الأمريكي قد أظهرت كيف يستطيع النظام الجائر اللا إنساني ، في سجن اصطناعي وخلال أسبوع فقط ، تشويه شخصيات طلبة نابهين وواعين سياسياً، فإن الإنسان يستطيع أن يتصوّر مدى التشويه الذي أصاب الشخصية العربية في سجون مجتمعية حقيقية، وخلال عشرات السنين، وعلى أيدي ملايين من حراس التجسس والبطش والتعذيب المتخصّصين في تحقير الناس وفي تجريدهم من إنسانيتهم، فكانت النتيجة جو الخنوع والخوف المريض واللامبالاة الذي زان المجتمعات العربية حتى حسب الكثيرون أن الأمة قد ماتت وخرجت من التاريخ الإنساني.

وهكذا فإن القضية، كما أبرزتها تجربة جامعة ستانفورد، وكما عرّتها مخازي سجون غوانتانامو في كوبا وأبوغريب في العراق والمدارة من قبل أجهزة أمنية أمريكية مريضة وغير أخلاقية، القصة هي في وجود النظام الفاسد الذي يضع أنظمة وقوانين وتخريجات تسمح بوجود ظروف قمعية ظالمة، والتي بدورها تؤدي الى تشويه شخصيات من يعيشون تحت تلك الظروف وتلك الأنظمة.

إن عالم الاجتماع الأمريكي يؤكد مراراً وتكراراً أن التشويه الذي أصاب جميع شخصيات السجن الذي أقامه لم يكن نتيجة قابلية عند أصحابها للقسوة أو للخنوع أو للفساد. أن القضية بالنسبة له هي في النظام الذي وضعه للسجن، وهو ما ينطبق على المجتمعات. من هنا فإن الذين يُحاولون إسباغ صفات سلبية ذاتية على الشخصية العربية من أنها تقبل الخنوع والاستسلام أو أنها تختزن في داخلها القدرة على القسوة والشر يجب أن يتوقفوا عن هذه الادعاءات ويركزوا انتباههم على نقد وتغيير الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية الجائرة التي تسمح بوجود ما رأيناه وما نراه أمامنا.

مرّة أخرى على قادة الثورات العربية أن يُركزوا على إحداث تغييرات كبرى في الأنظمة وألاّ يكتفوا في السجون العربية المجتمعية التي يقتحمون أبوابها، بتبديل حراسها أو من يديرونها.


المصدر: موقع التجديد العربي



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها