مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

كما نكون: علاقة أمريكا بنا تكون - د.عبدالعزيز محمد الدخيل

طباعة PDF

 


عندما نجح براك اوباما في تولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وبعد خطابه المشهور إلى العرب والمسلمين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ظن الكثير منهم، أن العلاقة مع أمريكا سوف تشهد عهداً جديداً أفضل بكثير من العهود السابقة. موقف الولايات المتحدة الأمريكية من مشروعها للسلام في فلسطين وخصوصاً وقف بناء المستوطنات تصدى له نتنياهو واضطر الرئيس الأمريكي إلى التراجع عن موقفه والانحناء للإدارة الإسرائيلية. ويأتي أخيراً موقف الرئيس الأمريكي ونائبه في حصار غزة وقتل المدنيين الذين كانوا على باخرة الحرية المتوجهة إلى غزة، هذا الموقف الذي كان متخلفاً عن الموقف الدولي معطياً لإسرائيل الحق في حصار غزة وقتل أهلها جوعاً من أجل حماية أمن إسرائيل من صواريخ لا تغني ولاتسمن من جوع.



في هذا المقال سأسلط الضوء على جوهر مشكلة العلاقة السياسية الخارجية بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الدول العربية كما أراه، في الجانبين الأمريكي والعربي.


في الجانب الأمريكي :

الشعب الأمريكي بشكل عام كبقية شعوب الأرض محب للسلام وللحياة. الديمقراطية،والعدالة،وحكم القانون قيم لها وزن كبير في ثقافته السياسية والاجتماعية الحاكمة للعلاقة بين أفراد المجتمع الأمريكي وبينهم وبين حكومتهم. في أمريكا جامعات ومؤسسات بحث علمية متقدمة، ولديها اقتصاد قوي وتقنية عالية. الشعب الأمريكي يلعب دوراً هاماً في اختيار قياداته في فروع الدولة الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية. لذا فإن هناك ترابط بين رغبة الشعب وتوجهاته السياسية وبين السياسات الحكومية والبرلمانية بما في ذلك العلاقات الخارجية للدولة الأمريكية مع العرب ومع غيرهم من دول العالم. الحكومة الأمريكية التي يمثلها الرئيس ونائب الرئيس والجهة التشريعية التي يمثلها "مجلس النواب" و"مجلس الشيوخ" وأخيراً موجهات الرأي العام الأمريكي من صحافة وتلفزيون (السلطة الرابعة) كلها جميعاً مؤسسات تساهم بشكل مباشر في صناعة القرار وتوجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. وهنا يجب الإشارة إلى موضوع هام، وهو أن الدستور والأعراف السياسية الأمريكية تسمح للجماعات المختلفة أيضاً ممارسة ضغط على الحكومة وعلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب للدفاع عن مصالحها، ومن أقوى هذه المنظمات ذات التأثير القوي هي منظمة (أيباك الأمريكية اليهودية) للدفاع عن إسرائيل ومصالحها.


في الجانب العربي :

الشعب العربي هو أيضاً كبقية شعوب العالم محب للسلام وللحياة وللعدالة ، أما حبه وتعلقه بالديمقراطية وحكم القانون فهذا أمر لا يزال في مرحلة التكوين. الشعوب العربية طوال تاريخها وحياتها السياسية لم تنعم بالديمقراطية كأسلوب حكم ولم تعش تحت ظلالها. والحكومات العربية بكل أنواعها وأشكالها تختزل القوة والحق في صنع القرارات الداخلية والخارجية بما في ذلك السياسة الخارجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم.


قرار السياسة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، يأخذ وقتاً لكي يكتمل وينضج نظراً للعوامل المختلفة المكونة لمعادلة صنع القرار السياسي. أما المعادلة العربية فهي سهلة وبسيطة لأنها مكونة من عامل واحد هو العامل الحكومي، الذي يختزل كل العوامل الأخرى وينوب عنها. وقد يتأخر القرار المتعلق بالسياسة الخارجية في بعض الدول العربية ليس بسبب تعدد العوامل التي يجب أن تحدد موقفها من القرار، ولكن بسبب عدم وضوح الرؤية لدى الحكومة أو عدم قدرتها أو رغبتها في الخروج بقرار يحدد موقفها السياسي من العلاقة الخارجية بدول ما ، تجاه حادث ما.


إذا طبقنا هذا النموذج Model المبسط لآلية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لمحاولة فهم طبيعة موقف الولايات المتحدة الأمريكية من القضية الفلسطينية وعلاقتها بالدول العربية، لوجدنا ما يلي:

1- الرأي العام الأمريكي: يتبنى بشكل عام المواقف التالية :
إسرائيل البلد الديمقراطي الوحيد في المنطقة العربية.
إسرائيل الحليف الأهم والأقوى في المنطقة للولايات المتحدة.
إسرائيل هي صاحبة الحق في الأرض حسب تعاليم التوراة والإنجيل، والعرب هم المعتدون عليها.


هذه المواقف يغذيها ويدعمها :-
ضعف وانعدام الديمقراطية والحقوق الإنسانية للمواطن في البلاد العربية.
قوة العلاقة الدينية والتاريخية بين اليهودية والمسيحية.
تأثر الغرب بالمحرقة اليهودية (Holocaust) واستغلال الدعاية الصهيونية لهذه المحرقة، من أجل تذكير الغرب بجرائمه ضدهم وإشعارهم بالذنب.
قوة اللوبي الصهيوني إحدى أهم وأكبر مؤسسات الضغط في الولايات المتحدة في التأثير على الرأي العام الأمريكي، مستخدماً بذلك كافة الوسائل الإعلامية وغير الإعلامية.


2- الحكومة الأمريكية ومجلس الشيوخ ومجلس النواب :

جميع هذه المؤسسات التنفيذية والتشريعية تخضع لقوانين الانتخاب من قبل الشعب، لذا فإنه يصعب على أي رئيس أمريكي أو عضو في مجلس الشيوخ أو مجلس نواب، أن يُنتخب إذا كان له موقف معارض لإسرائيل، حتى ولو كان في أمر يعتبر إلى حد ما مخالف للمصالح الأمريكية.


3- مؤسسات الضغط وتوجيه القرار :

تعتبر المؤسسات اليهودية الأمريكية وكذلك الأمريكية المتعاطفة معها، من أهم مؤسسات الضغط وتوجيه القرار والرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية وتتمتع بدعم مالي ومعنوي قوي جداً من قوى سياسية واقتصادية كبيرة يجعلها قادرة وبشكل فعال في التأثير على مجلس النواب ومجلس الشيوخ سواء من الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي ، في أي أمر يتعلق بإسرائيل وعلاقتها مع العالم العربي.


مما تقدم يمكن لي أن أحدد بشكل عام المرتكزات الأساسية التي تقيم عليها الولايات المتحدة علاقتها مع العالم العربي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأوجزها بعاملين أساسيين هما :

أولاً : تؤيد غالبية الشعب الأمريكي إسرائيل تاريخياً وسياسياً ، هذا الموقف السياسي تغذيه القوى المؤيدة والموالية لإسرائيل صباح مساء مستخدمة جميع الوسائل المتاحة قانونياً وعملياً.

ثانياً : ترى غالبية الشعب الأمريكي أن الحكومات العربية، مع بعض الاختلافات البسيطة، حكومات غير ديمقراطية ولا توفر لمواطنيها حريتهم وحقوقهم الإنسانية.
إذا أضفنا أولاً إلى ثانياً في الفقرة السابقة أي إذا أخذنا الصورة السالبة للقضية الفلسطينية والعرب في أعين وعقول الشعب الأمريكي بصفة عامة والتي ترسمها المؤسسات الإعلامية والبحثية ومؤسسات الضغط اليهودي والأمريكي الموالية لإسرائيل، وأضفنا لها الصورة السالبة لممارسات الحكومات العربية داخل أوطانها في مجال الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لعرفنا وفهمنا لماذا يقف أي رئيس دولة أمريكية وأي حزب أمريكي وأي عضو في مجلس شيوخ أو مجلس النواب، إلى جانب إسرائيل في كل الظروف والأحوال رغم عدالة القضية الفلسطينية ورغم الإجرام الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني. ولا يجرأ أي منهم على إدانة جرائم إسرائيل الواضحة للعيان.


وهنا يبرز السؤال الملح عند كل مواطن ومثقف عربي. كيف يمكن التعامل مع هذه المعضلة الكبيرة؟ فمن جهة فالولايات المتحدة الأمريكية بشعبها الكبير وعلمها العظيم واقتصادها القوي وديمقراطيتها الحرة وقانونها الذي لا يفرق بين الرئيس والمواطن العادي قوة عظمى لها مكانتها في المجتمع الدولي ولها موقعها في التاريخ الإنساني المعاصر، ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة الأمريكية شعباً وحكومة توجه لنا عرباً ومسلمين الطعنات الواحدة تلو الأخرى، في صميم قضية هي في صميم قلوبنا وعقولنا وتاريخنا وهويتنا العربية والإسلامية. قضية بكل المقاسات والمعايير قضية عادلة لا تطلب أكثر من تأمين وطن وحياة كريمة لشعب عربي نبت في أرض فلسطين منذ آلاف السنين. قضية تقبل الآخر رغم جرائمه وتاريخه الاحتلالي ولا تلغيه، تقبل بقيام دولة إسرائيلية إلى جانب الدولة الفلسطينية.


إجابتي على هذا السؤال الاستراتيجي الملح تأسيساً واسترشاداً بعلاقتي بهذه القضية منذ وطأت أقدامي الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة في العام 1966م وولجت من وقتها في قضايا وتداعيات الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي الأمريكي الذي أوقدته حرب 1967م ولم تنطفئ ناره حتى تاريخه هي باختصار ما يلي :

أولاً : بالنسبة لانحياز الشعب الأمريكي لإسرائيل وقيام مؤسساته المدنية والإعلامية تهميش وتشويه كل ما يمكن أن يبرز الوجه العادل والإنساني للقضية الفلسطينية والعرب، ودعم وإعلاء كل الأصوات والبحوث والدراسات والمقالات التي تبرز إسرائيل بوجه حضاري وديمقراطي، فإنه وعلى الرغم من هذا الموقف المنحاز للشعب الأمريكي ومؤسساته لصالح إسرائيل وعلى الرغم من أهمية الرأي العام الأمريكي وأثره المباشر والقوي في رسم الشكل النهائي لمعادلة العلاقة الأمريكية العربية خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إلا أنني متفائل في إمكانية تخفيف أثر هذا العامل على الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية في الأمد الطويل. صحيح أن القوى السياسية والاقتصادية والإعلامية المساندة لإسرائيل في الولايات المتحدة والمضادة للعرب والفلسطينيين، قوية ومتشعبة ومنتشرة في النوادي السياسية والاقتصادية والجامعات ومعاهد البحوث السياسية، لكن القضية التي في أيدينا قضية عادلة جداً، والشعب الأمريكي وأي شعب آخر بكينونته البشرية والإنسانية ينزع إلى العدل. لقد رأيت بنفسي ومن خلال تجاربي تحولاً في رأي الشعب الأمريكي في هذا الاتجاه، وإن لم يكن التحول قوي ومؤثر في صياغة الموقف الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية إلا أنه لا يزال هاماً ومتنامياً مع الزمن.


ثانياً: فيما يتعلق بغياب الديمقراطية والحرية من الأوطان العربية فإنها مربط الفرس، لأنها الوجبة الدسمة التي تقدمها الحكومات العربية للمجموعات والمؤسسات الأمريكية المعادية والمناهضة للعرب وللقضية الفلسطينية ولكل تقارب عربي أمريكي شعبي وحقيقي. ففي كل يوم يطالع الشعب الأمريكي على صفحات الجرائد اليومية والتلفزيونية والكتب والنشرات المختلفة صوراً شتى لحياة المواطن العربي في وطنه، صور لا ينسجم الكثير منها مع مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان وهي مبادئ مقدسة لدى الشعب الأمريكي على الأقل من حيث العقيدة السياسية والدستور.


قد يكون في بعض هذه الصور نوع من التضخيم لتعظيم الأثر على المتلقي، وتشويه الصورة العربية بشكل أسوأ، لكنها في نهاية الأمر صور حقيقية مصنوعة في البلاد العربية.

هذا هو العامل الأهم والاستراتيجي في معادلة العلاقة الأمريكية العربية، وهنا لا أجدني بنفس التفاؤل المتعلق برؤية الشعب الأمريكي ووجهة نظره المنحازة لإسرائيل فيما يخص عدالة القضية الفلسطينية.


خلق ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي يتطلب أن يتخلى الحكام العرب عن مقاعدهم ويخرجوا من مكاتبهم ليدخلوا إليها هم أو غيرهم من باب الشارع العربي وليس من باب الجيش العربي. وهذا يبدو صعباً على الحكام. كما أنه يتطلب أيضاً شعباً يقفل كل الأبواب ويفتح باب الالتزام بالحرية والديمقراطية مطلباً. وهذا يبدو صعباً أيضاً لأن الشعب العربي لم يعرف في تاريخه الماضي والحاضر إلا باب القبلية أو الخلافة مدخلاً للحكم والحكام.


إن تحويل معادلة صنع القرار السياسي في العالم العربي من معادلة يحكمها عامل واحد One variable إلى معادلة ذات عوامل مختلفة ومتغيرة Multi variable يبدو صعباً من الناحية السياسية والاجتماعية، لكن هذا الأمر ورغم صعوبته التي لا يستهان بها إلا أنه أمر جوهري وأساسي وبالغ الأهمية إذا ما أريد ترشيد القرار السياسي في الداخل العربي، وإذا ما أريد أيضاً ترشيد القرار السياسي للعالم الخارجي تجاه العالم العربي سواء من قبل الولايات المتحدة أو غيرها من الدول، وسواء كان الأمر يتعلق بالقضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا القطرية أو الإقليمية.


إن ما يدور اليوم في الساحة الثقافية والفكرية العربية بخصوص العلاقة بين الحاكم والمحكوم يتمحور حول نقطة جوهرية وأساسية واحدة ألا هي كيف يمكن أن نعيد هيكلة مؤسسات الحكم والدساتير العربية، ليصبح رأي المواطن هو حجر الزاوية في بناء الدولة ومؤسساتها وفي رسم حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.


هذه المهمة صعبة جداً ولكنها ليست مستحيلة، فالفرد العربي ليس في أدبياته السياسية والفكرية والتراثية التاريخية والراهنة ما يؤسس لحرية الفرد أن تكون العامل الأساسي في بناء حياته الاجتماعية والسياسية، فكيف له أن يطالب بها، ويلهث وراء تحقيقها وهو لم يذق طعمها ويعرف حلوها ومرها. والحاكم العربي ليس في تاريخه أو تراثه أو أدبياته الماضي منها والحاضر ما يجعله قادراً على التنازل عن ما يعتبره حقاً إلهياً أو وراثياً أو ثورياً . الخروج من هذه المعضلة الحقيقية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي اليوم، لن يكون على يد الجيوش العربية، فقد ثبت فشل هذا الحل فشلاً ذريعاً، فالديمقراطية لا تخرج من أفواه المدافع والبنادق، الحل يبدأ بوصول الحاكم العربي إلى قناعة جذورها سياسية تاريخية منطقية، جوهرها التدرج في إشراك المواطن في القرار والتنازل التدريجي عن احتكار القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذا النهج سيؤدي في نهاية المطاف إلى ترشيد القرارات وإلى إطالة عمر الحاكم العربي، ليس في كرسي الحكم فقط، وإنما وهذا الأهم، في كرسي التاريخ الوطني. إنها مبادلة الرابح فيها هو الوطن والمواطن والحاكم.

 

الحرية والديمقراطية التي يمكن صياغتها وهيكلتها لتناسب ظرفنا التاريخي والاجتماعي، دون تحريف وتشويه لمبادئها الأساسية، هي التي سوف تُكسب الوطن بمواطنيه وحكامه، احترام الشعوب الأخرى وحكامها. إن الحرية والديمقراطية هي المقياس العالمي اليوم لمدى التقدم الحضاري والإنساني للشعوب، وعلى هذا المقياس يتم ترتيب الأمم في السلم الحضاري العالمي. ومن خلال هذا الموقع والمكان تكسب الأمة أو تخسر تعاطف شعوب العالم معها وتأييدها لقضاياها العادلة. تأييد ودعم ليس من باب العطف والإنسانية وإنما دعم وتأييد على أساس القيم والمبادئ الحضارية والإنسانية المشتركة، انه دعم قائم على قوة المبدأ وليس على ضعف الحال.


--


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها