مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

السلفيون والديموقراطية دراسة لا بد منها - د. سعد الفقيه

طباعة PDF



لم يعد من الممكن ولا من الواقعي حاليا تجاهل مواقف التيارات السلفية من قبل أي دارس أو باحث أو ناشط سياسي للأسباب التالية: أولا: لأن الطرح السلفي فرض نفسه أفقيا وعموديا في العالم العربي وخاصة في بلدان عربية ذات تأثير مركزي مثل المملكة السعودية ومصر ودول المغرب العربي، بل إن الطرح السلفي انتشر الآن حتى في العراق والأردن وفلسطين وليبيا وسوريا. ثانيا: لأن الطرح السلفي له قوة تأثير مرجعية كونه يربط قضية الفكر والممارسة السياسية بمنهج التديّن والثواب والعقاب ويجعل الموقف السياسي جزءا من الدين. ولهذه المسألة أهمية خاصة للمفكر العربي من الناحية الاستراتيجية. ثالثا: يتميز الطرح السلفي مثل كثير من الطروحات الدينية بنشر الفكر السياسي الذي يتبناه خارج دائرة الصفوة مما يعطيه هيبة تلزم الجهات الأخرى التعامل معه باهتمام. وهذه القضية ذات أهمية خاصة لمسألة الديموقراطية لأن الفكر يصبح جماهيريا وليس نخبويا. رابعا: يتميز الطرح السلفي بالذاتية والشعور بالانتماء التلقائي من قبل المؤمنين به بمختلف مستوياتهم مما يحوله إلى تيار اجتماعي بدلا من أن يكون حزبا منظما أو مدرسة فكرية. وفيما يرى بعض المهتمين بالدراسة السياسية أن ضعف التنظيم والمركزية مشكلة يرى آخرون أن هذه ميزة وقدرة في فرض الرأي السياسي. خامسا: يعتبر المتبعون للفكر السلفي هذا الفكر حاكما على أي فكر آخر ولا يمكن أن يقبلوا بأي شكل من أشكال التهجين أو التزاوج أو الخلط معه.

تحديد مفهوم السلفية

يستخدم مصطلح السلفية بمعاني ومقاصد وإسقاطات مختلفة حسب الشخص أو الجهة التي تستخدم المصلطح. هناك من يستخدم المصطلح بديلا عن عبارة المتشددين أو الأصوليين وغالبا ما يصدر ذلك عن بعض الصحفيين المتطفلين على الكتابة في القضايا الإسلامية وهو على كل حال مصطلح لا يعنينا هنا. آخرون يستخدمون المصطلح بمعنى الجماعات التي تنبذ المذهبية الفقهية، وكان هذا المصطلح هو السائد لمفهوم السلفية قبل أن ينتشر التيار السلفي على شكل فكر شامل، ومع أن هذا المعنى يتقاطع مع المعنى الذي سنختاره ألا أنه لا يعنينا. ثم هناك المعنى الحزبي للفكرة والذي يرمز فيه لجماعات محددة تسمى بالسلفية مثل بعض الجماعات في الكويت والأردن وهذا كذلك لا يعنينا مع أن بعض هذه الجماعات تقع داخل دائرة التيار السلفي الذي سنتحدث عنه. ثم هناك المعنى الذي نقصده وهو جميع التيارات التي ترفع شعار الالتزام بالدليل الشرعي وتزعم اتباع منهج السلف الصالح. وهذا التيار موجود على شكل جماعات حركية وموجود على شكل شخصيات متبوعة كما هو موجود على شكل فكر مكتوب ومدون ومنتشر دون جهاز حركي. ومن المهم أن نشير إلى أن استخدامنا في التعريف لعبارة "ترفع شعار" وعبارة "تزعم" أمر مقصود لأن في التزام بعض هذه الجماعات حقيقة وعمليا بمنهج السلف والتزامها بالدليل الشرعي مسألة فيها نظر. ونؤكد أن هذه القضية مسألة جدلية لأنه لا يوجد تعريف محدد متفق عليه لمصطلح السلفية وما اخترناه هو من أجل التحديد لترتيب هذه الورقة. وتأكيدا على جدلية هذا التعريف لمعنى السلفية أؤكد أنه لا يزال هناك جدل ساخن حول تحديد مفهوم السلفية وكان لا بد لي من أن أختار تعريفا لتأطير وتحديد الجماعات والتيارات التي أتكلم عنها. وكنت حريصا أن أتكلم عن التيارات التي تتخذ السلفية كمنهج كامل تلتزم به وأن لا أتناول التيارات المتأثرة بالسلفية بشكل أو بآخر دون أن تؤطر كل برنامجها سلفيا.

تفاوت النظرة في التيار السلفي

التيار السلفي بالمفهوم الذي اخترناه لا يعتبر تشكيلا متناسقا موحد التفكير بل يمتد باعتبار مواقفه السياسية على مدى طيف واسع ربما يفوق في سعة خلافاته مسافة الخلاف بين السلفيين وغيرهم. في أحد طرفي الطيف جماعات تؤمن بالتسليم المطلق للأنظمة الحاكمة في العالم العربي وتعتبر طاعة الحاكم جزءا من الدين وفي الطرف الآخر جماعات ترفض الأنظمة رفضا مطلقا تعتبر جهادها جزءا من الدين. وتبعا لاختلاف الموقف السياسي من الأنظمة الحاكمة في هذا الطيف هناك اختلاف شاسع في موقف هذه الجماعات من الديموقراطية . ولكن مع هذا الاختلاف الواسع تبقى مسألة الدليل الشرعي ومنهج السلف قضايا لها هيبتها عند كل تيارات هذا الطيف. ومن المفيد جدا التعرف على تفاصيل هذه الجماعات وتوزعها في الطيف قبل مناقشة تفاصيل موقفها وتحفظاتها من الديموقراطية.




السلفيون والديموقراطية دراسة لا بد منها

لم يعد من الممكن ولا من الواقعي حاليا تجاهل مواقف التيارات السلفية من قبل أي دارس أو باحث أو ناشط سياسي للأسباب التالية: أولا: لأن الطرح السلفي فرض نفسه أفقيا وعموديا في العالم العربي وخاصة في بلدان عربية ذات تأثير مركزي مثل المملكة السعودية ومصر ودول المغرب العربي، بل إن الطرح السلفي انتشر الآن حتى في العراق والأردن وفلسطين وليبيا وسوريا. ثانيا: لأن الطرح السلفي له قوة تأثير مرجعية كونه يربط قضية الفكر والممارسة السياسية بمنهج التديّن والثواب والعقاب ويجعل الموقف السياسي جزءا من الدين. ولهذه المسألة أهمية خاصة للمفكر العربي من الناحية الاستراتيجية. ثالثا: يتميز الطرح السلفي مثل كثير من الطروحات الدينية بنشر الفكر السياسي الذي يتبناه خارج دائرة الصفوة مما يعطيه هيبة تلزم الجهات الأخرى التعامل معه باهتمام. وهذه القضية ذات أهمية خاصة لمسألة الديموقراطية لأن الفكر يصبح جماهيريا وليس نخبويا. رابعا: يتميز الطرح السلفي بالذاتية والشعور بالانتماء التلقائي من قبل المؤمنين به بمختلف مستوياتهم مما يحوله إلى تيار اجتماعي بدلا من أن يكون حزبا منظما أو مدرسة فكرية. وفيما يرى بعض المهتمين بالدراسة السياسية أن ضعف التنظيم والمركزية مشكلة يرى آخرون أن هذه ميزة وقدرة في فرض الرأي السياسي. خامسا: يعتبر المتبعون للفكر السلفي هذا الفكر حاكما على أي فكر آخر ولا يمكن أن يقبلوا بأي شكل من أشكال التهجين أو التزاوج أو الخلط معه.

تحديد مفهوم السلفية

يستخدم مصطلح السلفية بمعاني ومقاصد وإسقاطات مختلفة حسب الشخص أو الجهة التي تستخدم المصلطح. هناك من يستخدم المصطلح بديلا عن عبارة المتشددين أو الأصوليين وغالبا ما يصدر ذلك عن بعض الصحفيين المتطفلين على الكتابة في القضايا الإسلامية وهو على كل حال مصطلح لا يعنينا هنا. آخرون يستخدمون المصطلح بمعنى الجماعات التي تنبذ المذهبية الفقهية، وكان هذا المصطلح هو السائد لمفهوم السلفية قبل أن ينتشر التيار السلفي على شكل فكر شامل، ومع أن هذا المعنى يتقاطع مع المعنى الذي سنختاره ألا أنه لا يعنينا. ثم هناك المعنى الحزبي للفكرة والذي يرمز فيه لجماعات محددة تسمى بالسلفية مثل بعض الجماعات في الكويت والأردن وهذا كذلك لا يعنينا مع أن بعض هذه الجماعات تقع داخل دائرة التيار السلفي الذي سنتحدث عنه. ثم هناك المعنى الذي نقصده وهو جميع التيارات التي ترفع شعار الالتزام بالدليل الشرعي وتزعم اتباع منهج السلف الصالح. وهذا التيار موجود على شكل جماعات حركية وموجود على شكل شخصيات متبوعة كما هو موجود على شكل فكر مكتوب ومدون ومنتشر دون جهاز حركي. ومن المهم أن نشير إلى أن استخدامنا في التعريف لعبارة "ترفع شعار" وعبارة "تزعم" أمر مقصود لأن في التزام بعض هذه الجماعات حقيقة وعمليا بمنهج السلف والتزامها بالدليل الشرعي مسألة فيها نظر. ونؤكد أن هذه القضية مسألة جدلية لأنه لا يوجد تعريف محدد متفق عليه لمصطلح السلفية وما اخترناه هو من أجل التحديد لترتيب هذه الورقة. وتأكيدا على جدلية هذا التعريف لمعنى السلفية أؤكد أنه لا يزال هناك جدل ساخن حول تحديد مفهوم السلفية وكان لا بد لي من أن أختار تعريفا لتأطير وتحديد الجماعات والتيارات التي أتكلم عنها. وكنت حريصا أن أتكلم عن التيارات التي تتخذ السلفية كمنهج كامل تلتزم به وأن لا أتناول التيارات المتأثرة بالسلفية بشكل أو بآخر دون أن تؤطر كل برنامجها سلفيا.

تفاوت النظرة في التيار السلفي

التيار السلفي بالمفهوم الذي اخترناه لا يعتبر تشكيلا متناسقا موحد التفكير بل يمتد باعتبار مواقفه السياسية على مدى طيف واسع ربما يفوق في سعة خلافاته مسافة الخلاف بين السلفيين وغيرهم. في أحد طرفي الطيف جماعات تؤمن بالتسليم المطلق للأنظمة الحاكمة في العالم العربي وتعتبر طاعة الحاكم جزءا من الدين وفي الطرف الآخر جماعات ترفض الأنظمة رفضا مطلقا تعتبر جهادها جزءا من الدين. وتبعا لاختلاف الموقف السياسي من الأنظمة الحاكمة في هذا الطيف هناك اختلاف شاسع في موقف هذه الجماعات من الديموقراطية . ولكن مع هذا الاختلاف الواسع تبقى مسألة الدليل الشرعي ومنهج السلف قضايا لها هيبتها عند كل تيارات هذا الطيف. ومن المفيد جدا التعرف على تفاصيل هذه الجماعات وتوزعها في الطيف قبل مناقشة تفاصيل موقفها وتحفظاتها من الديموقراطية.

الطيف السلفي

يمكن تقسيم التيارات السلفية بحسب مواقفها السياسية إلى سبع تيارات رئيسية سوف نطلق عليها تسميات اخترناها جدلا لتسهيل الإشارة إليها في بقية هذه الورقة.

التيار الأول هو التيار الذي يختزل الفكر السياسي في الإقرار للأنظمة الحاكمة بالشرعية ووجوب الطاعة التعبدية لها ويشترط التصريح بالكفر من أجل النظر في الشرعية. هذا التيار يطلق عليه في الدوائر السلفية بالتيار الجامي أو المدخلي نسبة إلى محمد أمان جامي أو ربيع المدخلي وهما من رموز هذا التيار والمنظرين له. ومن أبرز الشخصيات التي تمثل هذا التيار الآن بالإضافة للشيخ المدخلي علي الحلبي وعبيد الجابري و عبد الله السبت وشخصيات أخرى في الخليج والأردن. ومع أن هذا التيار ينسب نفسه للسلفية ألا أن بقية الفرق السلفية تعتبرهم من طوائف المرجئة.

التيار الثاني يقر من الناحية العملية لكثير من الأنظمة الحاكمة بالشرعية لكنه من الناحية النظرية يطرح وجهة نظر أكثر مثالية وتفصيلا أكثر خاصة إن كان الطرح غير محرج مع الأنظمة. ومن خلال الطرح النظري ينسب لهذا التيار مواقف وفتاوى لها علاقة هامة بقضية الديموقراطية. ويمكن إدراج الشيخ الألباني والشيخ مقبل الوادعي والشيخ بن باز والشيخ بن عثمين رحمهم الله جميعا في هذا التيار. كذلك يمكن إدراج عدد كبير من أعضاء المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية مع هذا التيار. ولا بأس أن نطلق على هذا التيار اصطلاحا بالتيار المشيخي بسبب المشايخ المشهورين فيه.

التيار الثالث هو تيار الجماعات التي تسمي نفسها سلفية مثل اتجاه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق والشيخ عبدالرزاق الشايجي وحامد العلي في الكويت وجماعة أنصار السنة في السودان ومصر سابقا. وهذا التيار قريب جدا من فكر التيار المشيخي لكن لديه شيء من التنظيم والنشاط السياسي يتجلى في أنشط صوره في النموذج الكويتي من خلال جماعة الحركة السلفية العلمية التي يعتبر الدكتور عبد الرزاق الشايجي والدكتور حامد العلي من رموزها. وربما يصنف مع هذا التيار الشيخ علي بالحاج في مرحلة ما قبل الانتخابات في الجزائر. ويمكن تسمية هذا التيار جدلا بتيار السلفية العلمية.

التيار الرابع هو تيار الشخصيات السلفية داخل جماعة الأخوان المسلمين مثل الشيخ الزنداني في اليمن والشيخ عمر الأشقر في الأردن والشيخ عصام البشير في السودان. ولهذه الشخصيات وجود قوي في جماعة الأخوان ويبدو أنها بدأت تفرض نفسها بعد انتشار العلم الشرعي وموجة التفكير السلفي عند جمهور الإخوان. ومواقف هذه الشخصيات من القضايا السياسية في الجملة لا تخرج عن موقف حركة الأخوان، ويمكن تسمية هذا التيار بسلفيي الإخوان.

التيار الخامس هو التيار الأوسع انتشارا وتأثيرا في الطيف السلفي ويتميز بنشاط فكري وحركي ويعتبر أقدر النشاطات السلفية على الاتصال بالدوائر الاسلامية الواقعة خارج التيار السلفي بل وحتى التيارات غير الإسلامية. ويندرج تحت هذا التيار اتجاه الشيخ محمد سرور زين العابدين والشخصيات المحسوبة على مدرسته مثل الشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي والشيخ عبد المجيد الريمي والأستاذ جمال سلطان والدكتور صلاح الصاوي والأستاذ محمد الأحمري والاستاذ محمد اسماعيل المقدم. ولهذا التيار في الجملة موقف متحفظ على شرعية الأنظمة دون الدعوة للتكفير أو رفع السلاح أو الثورة ضدها. وربما تكون كتابات رموز هذا التيار ومشاركاتهم الفكرية نسبيا أغزر ما يوجد حول قضية الديموقراطية. ويمكن تسمية هذا التيار بالتيار السروري نسبة للشيخ محمد سرور بسبب عزارة ما يصدر عنه وخاصة في مجلة السنة التي يرأس تحريرها ولها انتشار واسع.

التيار السادس هو تيار الفكر الجهادي النظري وهو تيار ينظّر للمشروع الجهادي بأطر عامة دون الدخول في فتاوى وتفاصيل الأعمال الجهادية ودون تحديد الأنظمة التي يتحدث عنها. ويطرح هذا التيار موقفا رافضا للأنظمة الحالية غالبا بالإشارة بدلا من العبارة ويطرح تأصيلا واضحا في رفضها دون أن يسميها. ولا ينتشر بين رموز هذا التيار ظاهرة الحرص على تكفير أعيان الحكام أو المحسوبين على الجهاز الحاكم رغم أنهم محسوبون على الانقلابيين. ومن الشخصيات المهمة في هذا التيار الأستاذ محمد قطب والشيخ الفزازي والشيخ غازي التوبة والشيخ عبد المجيد الشاذلي.

التيار السابع هو التيار الجهادي العملي وهو تيار فرض نفسه عدديا وفكريا في الطيف السلفي بعد التجربة الأفغانية وبعد المواجهات التي حصلت مع النظام المصري والنظام السوري في الثمانينات والنظام الجزائري في التسعينات. ويصرح هذا التيار برفض الأنظمة الحاكمة المحددة بالإسم ويقطع بعدم شرعيتها علنا ويدعو لمقاومتها وإزالتها بالقوة ولكن هناك تفاوت بين رموزه في التصريح بتكفير أعيان الحكام أو أجهزة الحكم. ومن أبرز من يمثل هذا التيار الشيخ عمر عبد الرحمن والاستاذ محمد المقريء والاستاذ طلعت فؤاد (أبوطلال القاسمي) وعبد الآخر حماد ومعهم الجماعة الإسلامية في مصر والدكتور أيمن الظواهري والدكتور عبد القادر عبد العزيز ومعهم جماعة الجهاد المصرية والشيخ أبو محمد المقدسي والشيخ عمر أبو عمر (أبو قتادة) والأستاذ محمد الرحال والأستاذ أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم) الذين يعتبرون حاليا منظرين للتيار السلفي الجهادي العملي في كثير من أنحاء العالم.

سيكون هناك قطعا تحفظ على بعض التسميات وتحفظ كذلك على تصنيف بعض الشخصيات تحت تيار معين وأكرر بأن التسميات والتصنيفات قضية جدلية تقديرية والخلاف فيها وارد والمسألة على كل حال جديدة تحتاج إلى تنقيح وضبط بعد تداول واسع.

فرق بين حالتين

يفرق السلفيون في معظم تياراتهم بين مناقشة الديموقراطية كواقع متحقق قائم ينبغي التعامل معه بشكل أو بآخر وبين الموقف من الديموقراطية كنظام حكم في جملته وفكرته العامة وفي تفصيله. وأساس الحكم على الحالتين مختلف اختلافا جذريا لأن السلفيين ينطلقون في الحكم على الواقع القائم من منطلق المصالح والمفاسد بينما يحكمون على المشروع الديموقراطي أو منهج الحكم الديموقراطي على أساس فكري عقدي. ومع أن هذا التفريق هو الغالب ألا أن هناك من السلفيين من يحكم على الوضع القائم على أساس فكري وهناك من يعتبر الديموقراطية ابتداء كمشروع فيه من الجوانب العملية ما لا يصلح أن ينظر لها نظرة عقدية فكرية. ولكن من باب تسهيل الفكرة ربما يكون من الأنسب فصل مناقشة الحالتين.

الحكم على التعامل مع الديموقراطية كواقع قائم

يتفاوت السلفيون في حكمهم على نظام ديموقراطي قائم ويتخذون مواقف مختلفة فيما يسمى بالمشاركة بالعملية الديموقراطية. وأفضل وسيلة لتوضيح مواقف السلفيين في هذا الجانب طرحها حسب تياراتهم.

التيار المدخلي ليس له نظر في هذه القضية وأدبياته فيها محدودة جدا لكنه في الجملة يرى أن النظام الحاكم ما دام قائما فهو شرعي أيا كانت حاله ما لم يصرح رموزه بالكفر. ثم إنه ما دام الحاكم قد طلب من الناس أن ينتخبوا فعلى الناس السمع والطاعة للحاكم ولذلك تكون مشاركتهم في الانتخاب بمثابة تنفيذ وطاعة لأمر الحاكم.

التيار المشيخي لا يرى القضية تنفيذا لأمر شرعي لا من جهة كونه صادرا ممن تجب طاعته ولا من جهة كونه أمرا في ذاته أمرا شرعيا. والتيار المشيخي لا يعترف -نظريا- بشرعية الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله وتجعل البشر مصدرا للتشريع لكن لا يصرح رموزه بإطلاق عدم الشرعية على هذه الأنظمة. وهذا التيار يجيز المشاركة في التجربة الديموقراطية من باب المصلحة وأن مشاركة الإسلاميين قد تقلل الضرر الحاصل عليهم وتفتح لهم أبواب خير وتقوي جانب الدعوة وهيبة الدين. ولا يشترط هذا التيار شيئا من أجل الدخول في العملية الديموقرايطة سوى أن يكون هناك مصلحة ظاهرة من الدخول فيها. وللمشايخ بن باز وبن عثمين والشيخ الألباني رحمهم الله جميعا فتاوى واضحة في هذا الجانب هي في الجملة مما يعتبر القضية من باب المصلحة وليس من باب القبول بها فكريا وعقديا.

تيار السلفية العلمية له رأي قريب جدا من التيار المشيخي لكنه أكثر تأصيلا ووضوحا. والفرق بين هذا التيار والتيار المشيخي أن نقاش القضية يحصل من قبل هذا التيار بصفتها قضية تخص أفراده وليس مجرد طرح نظري للآخرين. ولذلك نجد رموز هذه الحركة قد رشحوا أنفسهم في برلمان الكويت مثلا. والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق والدكتور عبد الرزاق الشايجي من المكثرين في الكتابة والنقاش في هذا الجانب. وقد قام الدكتور الشايجي بجمع أقوال العلماء قديما وحديثا في حكم المشاركة بالبرلمانات في إصدار طبع سنة 1996.

سلفيو جماعات الإخوان لا يخرجون في الجملة بخصوص موقفهم من البرلمانات القائمة عن موقف جماعة الإخوان. وقد شارك الشيخ الزنداني بثقل في العملية السياسية في اليمن وصار عضوا في مجلس الرئاسة وشارك الشيخ عصام البشير في البرلمان في السودان وأصبح الآن وزيرا في الحكومة الحالية وللشيخ الأشقر فتوى طويلة تفصيلية يشرح فيها حكم المشاركة في البرلمان بما يجيز المشاركة. ولهذا التيار نفس تحفظ التيارات الأخرى على الديموقراطية كمشروع سياسي كامل ويرون الدخول فيها عمليا من باب درء المفاسد وجلب المصالح. لكن ربما تعتبر الحالة اليمنية حالة استثنائية عندهم لأن الدستور يجعل الإسلام مصدرا وحيدا للتشريع فلعل هذا كان سببا في دخول الشيخ الزنداني فيها بعمق.

التيار السروري يقبل من حيث المبدأ بجواز العمل في البرلمانات تحت مبرر جلب المصالح ودرء المفاسد لكن يختلف رموز هذا التيار في نتيجة تقدير هذه المصالح حيث يصرح بعضهم بالتحفظ على المشاركة دون أن يثرب على من يخالفه في تقدير القضية ويعتبر الآخرون ذلك أمرا فيه مصلحة راجحة. ومن أشد رموز هذا التيار في التحفظ على هذه االمشاركة لأسباب سياسية لا شرعية الشيخ محمد سرور نفسه ومن أكثرهم انفتاحا في القضية الاستاذ جمال سلطان. ويرى الشيخ محمد سرور أن الأنظمة الحاكمة في العالم العربي تتحكم في العملية الديموقراطية تحكما كاملا وتعطي لنفسها شرعية من خلال قبول الإسلاميين بالمشاركة فيها. كما يعتبر الشيخ دخول الإسلاميين في العملية إقرارا بالنتائج المزورة التي تصيغها الدولة في نتائج التصويت والتلاعب بكامل العملية وهذا يصبح كأنه إقرار بضعف شعبية التيار الإسلامي. ويرى الشيخ سرور أن هذه المفاسد لا توازيها المصالح المزعومة المستقاة من دخول عدد محدود من الأشخاص في البرلمان. في مقابل موقف الشيخ سرور أفتى الشيخان سلمان العودة وسفر الحوالي لصالح الانتخاب في الجزائر وتحمسوا لإقناع جبهة الإنقاذ بالمضي قدما فيها وكان للشيخ سلمان موقف مؤيد للمشاركة في الانتخابات في أماكن أخرى. أما الأستاذ جمال سلطان فقد ذهب لأبعد من موقف الشيخين سلمان وسفر حين سعى بنفسه لتأسيس حزب في مصر.

التيار الجهادي بفرعيه يختلف عن التيارات الأخرى بكونه يعتبر أي نوع من أنواع المشاركة في العملية الديموقراطية أمرا مرفوضا ابتداء من الناحية الفكرية والعقدية. ولا يفرق هذا التيار بين الحكم على المشروع الديموقراطي جملة وبين حكم المشاركة في الانتخابات والبرلمانات من الناحية العملية الجزئية ويعتبر أي نوع من أنواع المشاركة في العملية الديموقراطية إقرارا بشرعية العمل الديموقراطي ومن ثم هو إقرار بحكم كافر وتعاون على الكفر والعدوان. وإضافة لهذا الموقف فإن رموز هذا التيار لا يوافقون كذلك على مبرر جلب المصالح ودرء المفاسد ويقولون إنه حتى بهذا القياس فإن المشاركة في العمل الديموقراطي مسألة تجلب من المفاسد أكثر من المصالح وأكبر مفسدة لديهم هي تضليل الأمة بأن الديموقراطية بشكلها الحالي أمر مشروع. لكن يتفاوت هذا التيار في تحديد الموقف من الإسلاميين الذين يقبلون بمبدأ المشاركة في البرلمانات، ففي حين يرى أصحاب التيار الجهادي النظري أن الذين يشاركون في الانتخابات مخطئون ويثربون عليهم فإنهم يتحرجون من اعتبار العمل في البرلمان كفرا بذاته. أما الجهاديين العمليين فإنهم لا يترددون في الغالب من اعتبار هذا النوع من العمل كفرا دون تكفير الأعيان (الأشخاص) الذين يمارسون هذا العمل. وهناك فئة قليلة تكفر الأعيان صراحة بحجة مشاركتهم في البرلمان وتعتبر أن الحجة قائمة عليهم وقد تحققت الشروط وانتفت الموانع في تكفيرهم شخصيا.

الحكم على الديموقراطية كمشروع متكامل

يجمع السلفيون على التحفظ على الديموقراطية كمشروع سياسي متكامل لكن تختلف مستويات التحفظ على هذا المشروع. ويبدأ التحفظ السلفي من مستوى التنظير للفكر الديموقراطي وينتهي بالتحفظ على أركان المشروع وتطبيقاته العملية. ومن أجل فهم التحفظات السلفية على المشروع الديموقراطي ينبغي فهم التنظير السلفي للمشروع السياسي لأن السلفيين يعتبرون هذا التنظير حاكما على غيره وليس العكس. ويختلف السلفيون عن فصائل أخرى من الإسلاميين ممن يأخذون التأسيس الفكري السياسي المبني على المشروع الديموقراطي ويركبون عليه تفاصيل التنظير السياسي الإسلامي. ولا يمكن أن يصبح فهم التحفظات السلفية على المشروع الديموقراطي سهلا إلا إن تم فهم التأسيس الفكري السلفي لمشروعهم السياسي. ومن المهم التنبيه إلى أن التيارات السلفية ليست كلها قادرة على الطرح العلمي المؤصل والتأصيل الفكري العميق والمتماسك، وتعاني بعض التيارات من الاختزال والسطحية بخلاف تيارات أخرى لديها تأصيل تفصيلي ووضوح فكري ونقد عميق للمشروع الديموقراطي واستيعاب للأطروحات البديلة. ولذلك فإن ما سنطرحه لن يكون بالضرورة طرح كل تيارات الطيف السلفي .





النظرية السياسية بين الفكر السلفي والديموقراطي

يختلف السلفيون في الجملة مع الطرح الديموقراطي في مسائل مهمة تمثل جذر أو أساس الفكر السياسي. المسألة الأولى في الهدف من إقامة الدولة وتشكيل الأجهزة السياسية والثانية في مفهوم الشرعية والانقياد للحاكم وتبعا لها العلاقة بين الحاكم والمحكوم والثالثة في قضية المرجعية النهائية في شؤون الدولة.

حول هدف الدولة

يعتبر الفكر الديموقراطي تمكنه من توفير الآليات التي تحقق التراضي الجماعي على طريقة الحكم بحد ذاته غاية نهائية. أما الفكر السلفي فيعتبر الهدف من الدولة كلها والمؤسسات التابعة لها والآليات التي تشبه النموذج الديموقراطي في توفير الفرصة للأمة أن تختار حاكمها و تشاركه في القرار وتحاسبه والوسائط والمقاييس والاحتياطات التي تؤمن استمرار هذه الممارسة، تعتبر كل ذلك وسيلة لتحقيق غاية أكبر هي إتمام العبودية لله سبحانه على مستوى الدولة بعد أن تحققت على مستوى الفرد والمجتمع. وتحقيق العبودية يتم بتحقيق مراد الشريعة من الكيان السياسي وهو ضمان هيمنة الشريعة وتحكيم الشرع وبسط القيم الإسلامية وصبغ شخصية الدولة بالصبغة الإسلامية. ويحرص السلفيون على أن لا يفهم من هذا الكلام استبعاد المشاركة السياسية والمحاسبة كمطلب أساسي لكن يعني أنه ليس بذاته الهدف النهائي والغاية الأخيرة من مشروع الدولة الإسلامية. وكون الحكم في الفكر السلفي يوفر للمسلم إكمال فرصته في عبادة الله على مستوى الدولة فإن هذا يعني أن ممارسة الحكم من قبل الحاكم عبادة ويعني كذلك أن طاعة الحاكم ومحاسبته ونصيحته من قبل المحكوم عبادة.

حول الشرعية

تعتبر شرعية الحكم في النظام الديموقراطي منوطة بمدى تحقق أركان الديموقراطية وخاصة مدى صدق التمثيل الشعبي في القرار والمحاسبة. أما في الفكر السلفي فإن الشرعية لا تتحصل إلا بتحقيق المقاصد الدينية التي أسست من أجلها الإمامة الشرعية. من هذه المقاصد ما يعتبر عند السلفيين ضروريا وأساسيا لتحقق الشرعية ومنها ما يختلفون في ضرورته لتحقق الشرعية. من المقاصد التي تعتبر ضرورية لتحقيق الشرعية وغيابها يقدح في أصل الشرعية في الفكر السلفي، أولا: أن يكون الشرع الإسلامي هو المحكّم في الدولة، ثانيا: أن يكون الإسلام أساس وجود الدولة وعلاقاتها مع الكيانات الأخرى، ثالثا: أن تكون شعائر الإسلام ومظاهر الإسلام هي السائدة في الدولة الإسلامية. أما المقاصد الذي يختلف السلفيون في كون غيابها يقدح في أصل الشرعية رغم أهميتها لاكتمال الشرعية فهي، أولا: أن يكون الحاكم مرضيا عنه من قبل الرعية ويكون عرضة للمحاسبة من قبلهم، ثانيا: أن تكون الدولة دولة يسود فيها العدل وذلك يتحقق باستقلال القضاء وهيبته وسلطته، ثالثا: دولة تسود فيها الشورى بغض النظر عن الآلية، رابعا: دولة تسود فيها الطمأنينة من خلال تأمين الحريات التي كفلتها الشريعة خامسا: قيام الحاكم بتأمين الخدمات والأمن للأمة. وبذلك تصبح المشاركة السياسية والمحاسبة والحريات قضايا رغم أهميتها وكونها من أركان الشرعية ألا أنها أقل أهمية من المجموعة الأولى من الأركان الأساسية في شرعية الدولة المسلمة بالطرح السلفي. وقد أفردت بهذا البحث ملحقا فيه نقاش تفصيلي لتأصيل السلفيين لقضية الشرعية وذلك قناعة مني أن فهمها بشكل تفصيلي قد يحل كثيرا من الإشكالات في فهم الدوائر الأخرى للطرح السياسي السلفي (انظر الملحق).

المرجعية

يعتمد النهج الديموقراطي على اعتبار الدستور الذي تراضت عليه الأمة مرجعا نهائيا لشؤون الحكم وعلاقات الحاكم بالمحكوم وعلاقات المحكومين بعضهم ببعض، وحتى طريقة تغيير الدستور وتعديله يحتكم فيها إلى الدستور نفسه. وهذا الطرح مرفوض بالضرورة من قبل السلفيين عموما لأنه من مظاهر كون النهج الديموقراطي حاكما على غيره وليس العكس، وكونه من مظاهر تقديس الدستور مع أنه كلام بشر. ويرى السلفيون باتفاق في كل تياراتهم أن المرجعية في قضايا الأمة والدولة هي للدين متمثله في النص الشرعي مفسرا ومنـزلا على الواقع على منهج السلف الصالح. لكن التيارات السلفية تفرق بين مبدأ المرجعية المطلقة للدستور ومبدأ القبول بصياغة دستور حيث يوجد من بين التيارات السلفية من يقبل بمبدأ صياغة دستور ويرفضها آخرون. الذين يجيزون مبدأ صياغة الدستور يجادلون بأنهم يضعون الفكرة في سياق عقد مؤقت قابل للتعديل بناء على الكتاب والسنة لا باعتباره بذاته مرجعا مقدسا منـزها. ويمكن فهم هذا الطرح بشكل غير مباشر من كتابات التيار السلفي الاخواني والسروري وتيار السلفية العلمية. أما التيار الجهادي بشقيه فيرى أن صياغة الدستور أمر غير واقعي لأن مشروع الدولة لديهم مشروع توسع دائم ولذلك يستحيل أن تكون هناك مجموعة محددة تعتبر جمعية تأسيسية ينسب إليها صياغة الدستور الأول. ويجادل هؤلاء كذلك بأن قوة مرجعية العلماء في البيئة المحكومة بالمنهج السلفي تجعل أي دستور ليس ذا قيمة من الناحية العملية.

وبهذا الفرق الواضح بين مفهوم هدف الدولة ومفهوم الشرعية والمرجعية يتبين أن هناك تباينا صارخا بين التأسيس الفكري لكلا المنهجين وأن الفرق في أصل فلسفة الفكرتين وليس في تفاصيلها أو تطبيقاتها. ومن خلال فهم هذا التباين يمكن فهم تحفظات السلفيين على الديموقراطية على عدة مستويات. ومن الضروري الإشارة إلى أنه لا يتحدث كل السلفيين بهذا المستوى من التنظير وغالبا ما يصدر التنظير العميق من فئات التيار السروري أو الجهادي.

التحفظ على المستوى الفلسفي

يرى معظم السلفيين أن الديموقراطية مرفوضة مبدأ كمشروع فكري لأنها لاتمثل إلا إحدى تجليات العلمانية على مستوى الدولة وذلك من خلال كون المنهج الديموقراطي حاكما على الأديان وليس العكس. ويتفاوت وضوح هذه الفكرة لدى التيارات السلفية ففي حين يذكر بعض السلفيين ذلك على شكل تنظير واضح ودقيق فإن الكثير منهم يعبرون عنه بشكل كلي دون أن ينظّروا له مباشرة وبعضهم لا يذكره بتاتا. التيار المدخلي مثلا لا يتطرق إلى هذه المواضيع لا بشكل مباشر ولا بشكل كلي لأنه لا يطرح أي فلسفة بديلة عن الأنظمة القائمة ويعتبر طرح هذه الفلسفة فتحا لباب الخروج على الحكام. أما التيار المشيخي فتستشف مواقفه من الفتاوى في هذا الجانب ولا يوجد تنظير أو كتابات مستقلة اللهم إلا في بعض كتيبات صغيرة لا تحتوي على تنظير شامل بل إشارات عامة للفكرة مثل كتاب نقد القومية العربية للشيخ بن باز رحمه الله. تيار السلفية العلمية وسلفيو الإخوان والتيار السروري عندهم تفصيل أكثر في تنظير هذه المسألة وبعض أوساط هذه التيارات لا تقر تماما بأن الديموقراطية هي مجرد تمظهر للعلمانية ولا تجد حرجا كبيرا في أن تقبل بالتأسيس الفكري على المنهجية الديموقراطية لمبادئ السياسة وتركب عليه تفاصيل إسلامية. أما التيار الجهادي بفرعيه فيرفض المشروع الديموقراطي معتبرا إياه طرحا علمانيا كافرا ويعبر عن ذلك بوضوح وتنظير وتأصيل ويعتبر مجرد اللجوء لهذا النوع من التأسيس الفكري انحرافا منهجيا.

تفاصيل النهج الديموقراطي.. الجانب التشريعي

يعطي النهج الديموقراطي للشعب حق التشريع وصياغة القوانين والأحكام من خلال المؤسسات المنتخبة أو من خلال الاستفتاءات الشعبية. وهذه القضية مرفوضة رفضا باتا وواضحا من قبل كل فصائل وتيارات السلفيين وحتى كثير من التيارات الإسلامية الأخرى. بل ويعتبر السلفيون بكل تياراتهم -ما عدا التيار المدخلي- أن من يقبل بذلك أو يساهم فيه حتى ولو بشكل جزئي فقد خرج من الملة. ويرى السلفيون أن التشريع يجب أن يكون من الكتاب والسنة وأن دور أي جهة تشريعية هو تفسير نصوص الكتاب والسنة وتنـزيل أحكامها على الواقع وليس سن القوانين ابتداء. ويجمع السلفيون على أن الذي يملك حق تفسير النصوص وتنـزيلها على الواقع هم العلماء المؤهلون مع شيء من الاختلاف في تعريف العالم المؤهل وكيفية قيامه بهذا الدور. ويطرح بعض السلفيين أساليب أوآليات لتنظيم عملية الفتيا والتشريع بهذا المعنى وربما يكون من أحد الطروحات العملية لذلك ما جاء في وثيقة مذكرة النصيحة وهي وثيقة قدمت للملك فهد في سنة 1992 وفيها شي من التفصيل للحل المقترح لتنظيم عملية التشريع والفتيا. وفي حين يتفق السلفيون على جعل مسألة التفسير المباشر للنصوص وتنـزيلها على الواقع من حق العلماء المؤهلين فإنهم يختلفون في إعطاء أي مؤسسة أخرى حق صياغة هذه الاستنباطات والتنـزيلات التي قام بها العلماء على شكل قوانين وأنظمة. ويرى البعض أن من حق البرلمان المنتخب أو أي جهة مدنية أن تعيد صياغة هذه الفتاوى أو الاختيارات الشرعية على شكل قوانين وأنظمة. آخرون لا يجيزون للبرلمان أو أي جهة مدنية غير شرعية أن تتناول أي قضية شرعية اللهم إلا الحاكم نفسه إن كان مؤهلا شرعيا. أما الجانب الآخر من قضية التشريع وهو سيادة القانون فهو أمر مقبول في النظر السلفي إذا كان المقصود بسيادة القانون سيادة أحكام الشرع وأنه لا يشذ عنها أمر من أمور الدولة.

تفاصيل النهج الديموقراطي..عدم الجمع بين السلطات

يعتبر السلفيون قضية فصل السلطات مربوطة بقدرات الحاكم، فإن كان الحاكم مؤهلا شرعا لأن يمارس الفتيا والقضاء فله الحق أن يمارس السلطة التشريعية والقضاء وإن لم يكن مؤهلا فليس من حقه الجمع بين السلطات. لكن الطرح السلفي -فيما عدا هذه الحالة الخاصة والنادرة وهي تأهل الحاكم للاجتهاد والفتيا والقضاء- لا يعتبر مؤسسة العلماء تابعة للدولة ويرفض أسلوب ترتيبها داخل إطار الدولة أو اعتبارها جزءا من سلطات الدولة. ولذلك فمؤسسة العلماء مربوطة بالمجتمع مباشرة وتمارس تقويم السلطات الأخرى من خلال قوتها الاجتماعية وثقلها المرجعي المباشر مع الأمة. أما القضاء فيقع داخل إطار الدولة من ناحية تعيين القضاة وتنظيم شؤونهم لكن تبقى مصداقية القضاء ونوعية التشريع الذي يحكم به قضية ليس لها علاقة بالدولة لأنها قضايا محكومة بالشرع ومدى معرفة القاضي بالشرع والتزامه به وبهذا المعنى فإن القضاء قطعا سلطة مستقلة.

تفاصيل النهج الديموقراطي... الحريات

يرى السلفيون أن منطومة الحريات في النهج الديموقراطي مرفوضة قطعا في بعدها الفكري ولا يمكن أن تقبل في النهج السلفي لأن الحرية بهذا المعنى تتضمن حرية الكفر والإلحاد أو ممارسة ما حرمته الشريعة. ويعتبر السلفيون أن مبدأ أن الحرية الفردية لا تنتهي إلا عندما تبدأ حرية الآخرين مفهوم يستحيل قبوله في الساحة الشرعية ويطرح السلفيون بدلا من ذلك منظومة حريات منبثقة مما كفلته الشريعة للإنسان من حريات. أما مفهوم الحريات بتفصيله العملي وهو حق التعبير وحق التنظيم وحق المعلومات فيعتمد على مدى تأطيره بالحدود الإسلامية حيث تعتبر مقبولة فقط إن كانت في حدود ما تجيزه الشريعة. ويتفاوت السلفيون في تأصيلهم لقضية مسؤولية الدولة في كفالة الحريات ففي حين يرى البعض أنه من واجبات الدولة لكن لا تسقط شرعيتها إن فرطت به فإن الآخرين يرون الشرعية تسقط بقمع الحريات الشرعية.

تفاصيل النهج الديموقراطي... المساواة

يتحفظ السلفيون في النظر إلى مبدأ المساواة بين كل أفراد الشعب أو المواطنين الذي يعتبر من أركان النهج الديموقراطي. والتحفظ على هذا المبدأ يمكن تصوره من ثلاث مستويات: المستوى الأول عقدي بحت تجمع التيارات السلفية على رفضه وهو اعتبار مواطني الدولة في الأصل سواسية بكل الحقوق والواجبات مهما كانت ديانتهم. ويصر السلفيون في كل تياراتهم على أن موقع المسلم في الدولة يختلف اختلافا جذريا من حيث الحقوق والواجبات عن غير المسلم ويرفضون مطلقا مبدأ مساواة بينهم. المستوى الثاني هو قضية المساواة بين الرجل والمرأة حيث يجمع السلفيون على أن دور الرجل والمرأة مختلف وأن أي منصب في الدولة من مناصب الولاية أو مما يؤدي إلى سلطة أو يؤدي إلى قوامة على الرجل مرفوض. ويجمع السلفيون على رفض تبوء المرأة منصب الحكم (الإمامة العظمى) ويرى معظمهم عدم أحقيتها بالقضاء أو لمناصب تنفيذية أو الترشح للبرلمان. والمسألة الوحيدة التي يتساهل فيها السلفيون هي قضية التصويت واختيار النواب أو اختيار الحكام. المستوى الثالث هو تساوي نفس الرجال المسلمين في فرص المشاركة في اختيار الحكام أو فرصة أي تمثيل نيابي أو حق تصويت لأي مجلس تمثيلي. وفي حين لا ترى بعض التيارات السلفية إشكالا في تمكن كافة الأمة بكل مستوياتها العلمية والاجتماعية من هذا الأمر فإن بعض رموز التيار الجهادي يصرون على أن أي نظام أو ترتيب يجب أن يضمن للإنسان العالم سواء كان علما شرعيا أو علما دنيويا فرصة أكثر من عامة الناس. ويرى هؤلاء أن المؤسسات الكبرى في الدولة يجب أن لا تكون عرضة لاختيار الدهماء لأن تسوية حق العامة غير الواعين وغير المدركين مع حق العلماء في التصويت تضييع للمسؤولية كما يرونه.

تفاصيل النهج الديموقراطي ... المواطنة

يطرح النهج الديموقراطي قضية المواطنة بتعريف محدد مرتبط ارتباطا عضويا بمبدأ الدولة القطرية على أساس اعتبار المواطنين هم من أقام إقامة دائمة في هذا الكيان القطري. أما الطرح السلفي ففيه شيء من التفصيل حسب التيارات السلفية. وربما تتفادى تيارات مثل التيار المدخلي والمشيخي وتيار السلفية العلمية وسلفيي الإخوان والسروريين الحديث عن هذا الموضوع بسبب حرجها السياسي ألا أن التيار الجهادي يرفض الاعتراف بتحديد دائرة المواطنة ويعتبر المواطنة مسألة واسعة يستحيل تحديدها بسبب الطبع التوسعي للدولة ومسؤوليتها الدينية.

تفاصيل النهج الديموقراطي ... سيادة الأمة

نفترض أن نقاش هذه النقطة سيكون خارج نطاق قضية الجانب التشريعي الذي أفردنا له بندا خاصا وأشرنا إلى أنه لا خلاف عند السلفيين في رفضه. أما الجانب الآخر من قضية سيادة الأمة الذي هو باعتبار حق الأمة في تعيين الحاكم أو محاسبته او مشاركته سياسيا من خلال أجهزة الشورى فهناك ثلاث نظرات مختلفة عند التيارات السلفية لها علاقة وثيقة بالنقاط السابقة وخاصة قضية الشرعية.

النظرة الأولى تعتبر سيادة الأمة بهذا المعنى مطلبا جوهريا وشرطا من شروط تحلي الدولة بالشرعية ويعتبرون الثورات التي قامت ضد الدولة الأموية من قبل الصحابة والتابعين دليلا على ذلك. النظرة الثانية ترى أن سيادة الأمة وحقها في اختيار الحاكم ومحاسبته مطلبا مهما لكن لا يرتقي إلى كونه شرطا في تحلي الدولة بالشرعية. النظرة الثالثة لا ترى سيادة الأمة ولا حتى سيادة الأكثرية مطلبا وتعتبر قضية اختيار الحاكم والشورى والمحاسبة مسألة منوطة بالنخبة أو الصفوة وهم العلماء او العقلاء وأهل التجربةوالنظر. وبالطبع يصعب معرفة آلية يحدد بها تمتع هذه الأقلية بحق الشورى لكن في الغالب يرى من يُنظّر لهذه القضية أن هذه المجموعة عادة تفرض نفسها فرضا لا من جهة السلطة بل من الناحية الثقافية والاجتماعية.

تفاصيل النهج الديموقراطي ... الآليات

صحيح أن النهج الديموقراطي لا يعتبر نوعية الآلية جزءا من المنهج الديموقراطي لكن يستحيل تحقيق أركان النهج الديموقراطي بدون آليات تدور حول تمكين الأمة من اختيار الحاكم واختيار آليات في المحاسبة والمشاركة السياسية وآليات في انسيابية العلاقة بين السلطات. وفيما عدا التيار المدخلي تكاد تجمع التيارات السلفية على أن هذه الآليات مشروعة بنفسها ولا غبار في استخدامها لتحقيق مراد شرعي منها. ويقر السلفيون بأن فكرة الانتخاب بذاتها فكرة مشروعة بل طبقت مرتين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ومشروعية الآليات تسري على انتخاب الحاكم نفسه او انتخابات المجالس والهيئات التي تمارس الشورى والمحاسبة والمشاركة. كما يقر معظم السلفيين بأن أي وسيلة لا يترتب عليها أمر محرم ولا يقصد بها تشريع من دون الله سواء كانت الانتخابات أو غيرها فإنها وسيلة مشروعة ولا تحفظ في الاستفادة منها لترتيب شؤون الدولة ومؤسساتها. ويسري ذلك على فكرة مجالس البلديات وما يسمى بالمجالس العليا في الدول الديموقراطية مثل مجالس الشيوخ ومجالس الحكماء أو الخبراء. كما لا يتحفظون على الاستفادة من التجربة البشرية في آليات الاتصال بين السلطات وتحقيق المراد من كل سلطة ومؤسسة.

خاتمة وخلاصة

كان هذا البحث اجتهادا في استقراء مواقف التيارات السلفية من قضية الديموقراطية وتحفظاتهم عليها. وأشرنا في بداية البحث إلى الاضطرار للاعتماد على المتابعات الشفوية بسبب نقص المدونات في هذا الجانب. وأشرنا كذلك إلى ضرورة تحديد المقصود بالسلفية قبل طرح نسبة أي وجهة نظر لهم. ثم حاولنا بيان تعدد التيارات السلفية وعرضنا طيف تلك التيارات من طرفها "الإرجائي" إلى طرفها الجهادي. وأشرنا إلى مسألة هامة وهي الفرق بين الموقف من المشاركة في الديموقراطية كواقع قائم والموقف منها كمشروع متكامل ابتداء. واستعرضنا تباين مواقف التيارات السلفية من الديموقراطية كواقع قائم وأشرنا إلى أن التيارات السلفية فيما عدا التيار الجهادي ترى أن الحكم على هذه المسألة هو من باب جلب المصالح على خلاف في تقدير هذه المصالح. ويصر التيار الجهادي على أن المشاركة في البرلمانات تعني الإقرار بالكفر الذي تمثله الديموقراطية. أما الحكم على الديموقراطية كمشروع كامل فقد بينا أن التيارات السلفية لها عليه تحفظات على عدة مستويات. وبينا أن الحكم على الديموقراطية في هذا الخصوص لا يمكن فهمه إلا بتصور اختلاف التأسيس الفكري للنهج الديموقراطي والنهج السلفي. واستعرضنا الفرق بين موقف التيارات السلفية من قضية هدف الدولة وقضية الشرعية وقضية المرجعية مقابل الديموقراطية كقضايا مهمة في التأسيس الفكري للطرفين. ثم استعرضنا تفاصيل التحفظات السلفية على تفاصيل النهج الديموقراطي بدءا بالمستوى الفلسفي ومرورا بقضية الجانب التشريعي وقضية الفصل بين السلطات وقضية الحريات وقضية المساواة وقضية سيادة الأمة وقضية المواطنة وانتهاء بآليات النهج الديموقراطي. وتبين بما لا يدع مجالا للشك أن المنهجين متباعدان في البعد الفكري والفلسفي ومتقاربان في الحرص على العدل وتحقيق المشاركة السياسية والمحاسبة ومتفقان في قضية جواز استخدام الآليات. وبما أن التيارات السلفية لا تقبل بمبدأ المساومة والتنازلات بسبب احتكامها للنص الشرعي يصبح الأهم في تناول هذه القضية هو فهم منهجية وتفاصيل فكر هذه التيارات وبناء جسور فكرية حوارية معها على هذا الأساس.





ملحق توضيحي

مفهوم الشرعية عند السلفيين

السلفيون لديهم في قضية الشرعية فلسفة مختلفة تماما عن فلسفة الشرعية بالمفهوم الديموقراطي. وينبثق عن هذه الفلسفة المختلفة تعريف ومفهوم ومقاصد وأركان تختلف عما في ا لفكر الديموقراطي. وبسبب هذا الاختلاف في الموقف من الشرعية فإنهم يختلفون حتى في طريقة طريقة تناولها.

تعريف الشرعية عندهم

المقصود بالشرعية كمصطلح بالمعنى السلفي هو "أحقية الطاعة الدينية للحاكم أو لجهاز الحكم"، بمعنى الطاعة التعبدية التي يعتبرها الفرد المسلم (المواطن إن صح التعبير) أمرا واجبا شرعا يؤجر بفعله ويأثم بتركه. ويتبع ذلك "الامتناع عن السعي (أو المساهمة في السعي) لأي عمل من شـأنه إزالة هذا الحاكم أو نظامه". وعكس الحكم بالشرعية هو الحكم بعدم الشرعية ومعناها "استحقاق النظام أو الحاكم للتغيير ونبذ الطاعة وجواز السعي لذلك".

أما الطاعة الجبرية بمعنى أن يطيع الفردُ الحاكمَ أو يلتزم بأنظمة الحكم مجبرا لا تديّنا، فهذا ليس نتيجة إيمان بالشرعية ولا دليلا على الشرعية، بل هو شكل من أشكال الأيمان بعدم الشرعية حتى لو لم تتمظهر بمظهر خارجي برفع السلاح أو السعي المعلن لخلع الحاكم أو تغيير النظام أو التصريح بنذ الطاعة. ولهذا فإن الحكم بعدم الشرعية قد تكون قضية سلبية تماما مقتصرة على موقف اعتقادي مجرد وقد تكون إيجابية متمظهرة بإعلان العصيان أو نبذ الطاعة أو رفع السلاح الصريح.

اتجاهات السلفيين في تأصيل الشرعية

للسلفيين اتجاهان في فهم تأصيل قضية الشرعية، اتجاه يختزل الشرعية في إسلام وكفر شخص الحاكم، واتجاه يناقش الشرعية من خلال تحقق مقاصد الدين في مشروع الدولة.

الاتجاه الاخترالي .. فرد الحاكم

الاتجاه الاختزالي لا يطرح تأصيلا فكريا شاملا بل يناقش الشرعية بالطريقة السلبية أي بطريقة "متى يصبح النظام غير شرعي ويجوز الخروج عليه؟" ويختصر هذا الطرح المسألة في إيمان واستقامة وكفر شخص الحاكم. وللحاكم حسب هذا التأصيل ثلاث حالات: 1)أن يكون الحاكم كافرا أو مرتدا، وفي هذه الحالة لاخلاف بين السلفيين أنه ليس له ولا للنظام الذي يرأسه شرعية ويجوز الخروج عليه ونبذ طاعته. 2) أن يكون الحاكم مسلما فاسقا أو ظالما وهذه الحالة فيها خلاف بين السلفيين في الحكم بالشرعية لكن يغلب عليهم الحكم بشرعية الحاكم المسلم حتى لو كان فاسقا أو ظالما. 3) أو يكون مسلما عادلا مستقيما وفي هذه الحالة لاخلاف بين السلفيين أن النظام شرعي ولا يجوز الخروج عليه.

ويعتمد على هذا النوع من الطرح التيار المدخلي ويرفض تجاوزه لنقاش المسألة بأي تفصيل آخر ويذهب إلى أبعد من ذلك بزعم أن الكفر لا يحصل إلا بالتصريح به ولذلك يتهمون بأنهم من المرجئة. أما التيار المشيخي وتيار اللسلفية العلمية فنادرا ما يتجاوز هذا الطرح إلا إن ألزم بالحديث عن تفاصيل الحكم والحكام. التيارات الأخرى فيما عدا التيار الجهادي تصر على التأصيل التفصيلي مع عدم إهمالها لأهمية وضع فرد الحاكم وضرورة كونه مسلما مستقيما عادلا. أما التيار الجهادي فمع التزامه بالطرح التأصيلي الواسع ألا أنه يعتقد أن فرد الحاكم يكفر لأنه لم يحقق المقاصد الشرعية في الإمامة وأهمها الحكم بما أنزل الله.

الاتجاه التفصيلي .. التأصيل بالمقاصد الشرعية

يقول المنظرون لهذا التأصيل إن كليات الشريعة وفهم الدين من خلال نظام المقاصد تشكل مدخلا أفضل من أختزال القضية في ربط الشرعية بايمان أو كفر الحاكم. ويرد الذين يتبنون هذا التأصيل أن الخلاف الذي حصل بين أهل السنة في كون الخروج على الحاكم حول قضية "يجوز أو لا يجوز" دون كفر الحاكم هو ترتيب اجتهادي بشري يعتمد في جزئياته على أدلة الكتاب والسنة، وليس ذات الترتيب من الكتاب والسنة. ولذلك يجوز طرح ترتيب آخر بديل في تصور كلي لأدلة الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة قبل مناقشة تفاصيلها التي يجب أن تعتمد كذلك على الكتاب والسنة. ويمكن النظر للقضية حسب هذا التأصيل عند التيارات المذكورة من خلال فهم مقاصد الشريعة في قضية الحكم والإمامة الشرعية. وما دام الإسلام جاء ليعمل به على كل المستويات(من الفرد إلى الدولة) فلا بد من معرفة مقاصده في الحكم والتي تحقق مراد الدين في الدولة المسلمة. وما دام قيام الحكم الشرعي أو الإمامة الشرعية واجبا باتفاق العلماء فإن من معاني تحقيق الدين على مستوى الدولة معرفة مقاصد الشرع في الإمامة وتطبيقها، بمعنى آخر إنه من المسؤولية الكفائية على المسلمين أن يسعوا لهذه القضية ويجتهدوا في معرفتها وتطبيقها لأنها مطلب شرعي قطعي.

هذه المقاصد لها حد أدنى يمكن تصوره ولها أشكال أفضل من هذا الحد الأدنى تصل إلى ذروتها في الخلافة الراشدة العادلة. والذي يهم هنا هو الحد الأدنى لهذه الاركان أو المقاصد مما يعتبر غيابه قادحا قدحا أساسيا في تحقيق المقصد الشرعي من الدولة المسلمة. وإذا تم تتبع هذه المقاصد أو الأركان الأساسية للحد الأدنى من الشرعية يمكن الوصول إلى الجزء الأول من تصور قضية تحقق الشرعية.

وبعد هذا الجزء الأول هناك جزء آخر مهم جدا يمكن استنتاجه من هذا الترتيب للمسالة وهو تصور كيفية تحويل الوضع من غياب الشرعية إلى الشرعية أو العكس، وماذا يتم بناء على هذا التصور من خلال استكمال هذه الأركان؟ وترفض التيارات التي تتبنى هذا التأصيل أن تختزل تبعات عدم الشرعية بالخروج المسلح.وتطرح هذه التيارات بدلا من ذلك فهما أوسع لتبعات عدم الشرعية هو إنه إذا تم فهم وإدراك هذه الأركان وأمكن تنـزيلها على واقع نظام معين وتبين خلل كبير في الشرعية يكون السعي لاستكمال هذه الاركان هو سعي لتحقيق الشرعية ومن ثم هو براءة لذمة المسلم سواء كان ذلك بسلاح أو بدون سلاح. ويعتبر السعي لذلك واجبا لأن القضية في أصلها تعبد لله كما تطرحه هذه التيارات.

وتبعا لهذا التأصيل يطرح السلفيون نوعين من المقاصد أو الأركان في قضية الشرعية، نوع لا خلاف بين السلفيين أنها مقاصد وأركان أساسية في قضية الشرعية وأن لها حدا أدنى تسقط به الشرعية، ونوع يختلف السلفيون في كونه سبببا لتحقق الشرعية حتى لو انعدم بالكلية.

المقاصد المتفق على ضرورتها للشرعية

أول ألمقاصد أن يكون الشرع هو المحكّم في الدولة في أي أمر فيه تنازع أو اختلاف. وتحكيم الشرع بالقياس الشرعي المنضبط عند السلفيين لا يتم إلا بشرطين: الأول أن تكون الشريعة هي المرجع الذي يحكم به القضاة أو المحكّمون أو من في مثل موقعهم، بمعنى أن يكون "القانون" الذي يعتمد عليه القضاة هو الشريعة فقط. الثاني أن تكون كل شؤون الدولة والمجتمع خاضعة للاحتكام للشريعة وهو مبدأ يوازي ما يسمى في الغرب سيادة القانون أو دولة القانون. ثاني المقاصد عندهم أن يكون الإسلام أساس وجود الدولة وعلاقاتها مع الكيانات الأخرى سواء كانت دولا أو جماعات أو هيئات أو أفراد. و تعتمد تفاصيل هذه المسألة لا شك على قوة الدولة وظروفها ووضع بقية العالم، ولها عند السلفيين شكل مثالي ولها حد أدنى. الشكل المثالي هو في أن تكون خلافة راشدة ودولة إسلامية واحدة تبسط نفوذها عالميا تفتح الفتوح وتنشر الإسلام. الحد الأدنى أن يضمن النظام بناء العلاقات على أساس إسلامي وأن لا يساهم في أي عمل من شأنه إضعاف المسلمين أو التمكين منهم أفرادا كانوا أو جماعات. ثالث هذه المقاصد عندهم أن تكون شعائر الإسلام ومظاهر الإسلام هي السائدة، وهذه المسـألة لها ركنان: الركن الأول التزام النظام الحاكم بتنفيذ الواجبات الشرعية الجماعية وضمان ما يترتب عليها مثل الصلوات في المساجد والجمع والاعياد وجمع الزكاة وتجنيد الناس للجهاد سواء كان جهاد الدفاع أو جهاد الطلب وتنظيم شؤون الحج والحسبة وما إلى ذلك. الركن الثاني التزام النظام بمنع ظهور المحرمات مثل الخمر والميسر والربا والزنا وغيرها.

هذه المقاصد لا خلاف بين السلفيين نظريا أنها مقاصد أساسية في قضية الشرعية وأن لها حدا أدنى تسقط به الشرعية.

المقاصد المختلف على ضرورتها للشرعية

أما المقاصد الأخرى فهي مقاصد متفق على وجوب تحقيقها من قبل الدولة لكن مختلف في كون غيابها يقدح في أصل الشرعية. أحد الفريقين يرى أن الحاكم أو نظام الحكم قد يستحق الطاعة التعبدية ويحرم السعي لتغييره إن لم تتحقق هذه المقاصد. الفريق الآخر يرى أن هذه المقاصد أساسية في التنظير الإسلامي للدولة ويرى غيابها قادحا في أصل الشرعية ومن ثم يترتب على غيابها إسقاط للشرعية من أساسها. أول هذه المقاصد أن يكون الحاكم مختارا من قبل الأمة أو على الأقل مرضيا عنه من قبلها وهذا المقصد يمكن أن يتحقق بآليات كثيرة ولا تعتبر هذه الآليات بحد ذاتها ذات علاقة بالشرعية. ثاني هذه المقاصد هو تحقيق العدل وضمانه من قبل الدولة. والعدل لا يتحصل إلا بنظام قضائي مستقل وقوي وأمين، وبذلك يكون أي شرط لتحقيق النظام القضائي المستقل والأمين شرط أساسي في تحقق هذا المقصد. أما كيف يرتب القضاء وينظم حتى يضمن العدل فهذه قضية اجتهادية يؤديها البشر بآليات معينة وأساليب تختلف حسب الظروف والأحوال. ثالث هذه المقاصد تحقيق الشورى ومحاسبة الحاكم. وماقيل عن العدل يندرج على تحقق الشورى ومحاسبة الأمة للحاكم والتي تتحصل بآليات تناسب ظروف الدولة في حينها، وقد تكون هذه الآليات الانتخابات والمجالس النيابية وغيرها مما يتحقق من خلاله المشاركة السياسية والمحاسبة وضمان رضا الأمة عن الحاكم وقد تكون وسائل أخرى أو بتفاصيل أخرى. رابع هذه المقاصد تحقيق الطمأنينة للأمة. والطمأنينة شكل من أشكال الحرية الشرعية، بمعنى أن تضمن الدولة المسلمة لمواطنيها ورعاياها ما كفلته لهم الشريعة من حقوق وحريات وأن يشعر المواطن في هذه الدولة بالطمأنينة وهو يمارس حقوقه الشرعية لا يخطر على باله أن الدولة أو غير الدولة سوف يتدخل في تصرفاته أو يمنعه من ممارسة حقوقه. أما كيف تضمن الدولة هذه الطمأنينية فهي كذلك قضية اجتهادية تتغير حسب الظروف والأحوال ولها آلياتها وأساليبها غير الملزمة بحد ذاتها. خامس هذه المقاصد تأمين الخدمات والرعاية والأمن والنظام للمواطنين. وبالطبع يصعب حساب تحقق مثل هذا المقصد. هذه المقاصد كما ذكرنا يتفق السلفيون على أن الدولة مكلفة بتأمينها وتحقيقها لكن يختلفون في كونها شرطا لتحقق الشرعية وغيابها أو التقصير فيها مسقطا للشرعية.

شرعية النظام وشرعية الكيان وشرعية فرد الحاكم

ولا يتجاهل هذا الاتجاه التأصيلي أهمية الفرد الحاكم في تأصيل الشرعية بل يعتبرونه مجرد مستوى من مستويات النظر إلى الشرعية. ولذلك ينظر هذا الاتجاه إلى الشرعية بثلاث مستويات، مستوى الكيان ومستوى النظام ومستوى الفرد. ويعتبر هذا الاتجاه أن ما سبق الحديث عنه هو تأصيل للشرعية على مستوى النظام ويركز عليها لأنها الأهم في فهم قضية الشرعية.

شرعية الكيان

أما شرعية الكيان فالأصل في هذا التوجه أن الكيان المسلم يحتاج نظريا إلى شرعية إضافية على شرعية النظام نفسه هي كون الكيان المسلم موحدا في العالم. ولئن كان السعي لهذه المسألة أو تحصيله مطلبا شرعيا فإن اعتبارها شرطا "فوريا" في الشرعية كلام فيه نظر عندهم، ليس بسبب الجدل الذي دار بين العلماء حول شرعية الكيانات المعزولة عن الخلافة، لكن لأن المطالبة بالتنفيذ الفوري للوحدة الإسلامية في مثل أحوالنا أمر غير واقعي. لكن هذه القضية فيها جانب عملي هو مدى تبني النظام لمبدأ عالمية الإسلام وتبنيه لقضايا المسلمين وحقيقة سعيه باتجاه الوحدة الإسلامية حتى لو على مدى بعيد جدا. فإن كان من مقاصد الشرع توحيد الأمة وكان تنفيذ هذا المقصد صعبا فعلى الأقل يكون من برنامج الدولة المسلمة أو النظام المسلم توحيد المسلمين موضوعيا وشعوريا والانتصار لهم ودعمهم وتبني قضاياهم والسعي لذلك. ومن أوضح من يطرح هذا الطرح التيار السروري والتيار الجهادي. لكن بعض منظري ا لتيار الجهادي يذهبون لأبعد من ذلك ويعتبرون عدم السعي الفوري للفتوحات والتوسع قدحا في الشرعية أو إسقاطا لها.

شرعية الفرد

أما شرعية الفرد فمسألة يطرحها الاتجاه التأصيلي بشكل أكثر نضجا من اختزالها بمسألة إسلام وكفر الحاكم. ويتناول هذا التيار المسألة من زاوية كفاءة الحاكم لقيادة الأمة لأنه يعتبر أن ذلك من المقاصد الشرعية المنصوص عليها. والكفاءة تستدعي عنصرين هما الكفاءة الدينية وما تشتمل عليه من الأمانة والاستقامة والعلم الشرعي،والكفاءة الإدارية أو القيادية وما تشتمل عليه من القدرات الإدارية والشخصية.

ولا يختلف العلماء في كون هذه الصفات مطلبا في الحاكم إضافة إلى مطلب آخر هو كون الحاكم الفرد مرضي عنه من قبل الأمة وهذا الملطلب لا يتحقق إلا إن كان مختارا من قبل الأمة. لكن السلفيين يختلفون في كون غياب بعض هذه الصفات مزيلا للشرعية أو على الأقل لشرعية الحاكم الفرد، ويستثنون من ذلك الإسلام والذكورة التي لا يختلفون على كون غيابها مسقطا للشرعية بالمعنى الذي ذكرناه سابقا.

 

 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها