مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مشروعية المطالبة بمرجعية سنية - غسان الشهابي

طباعة PDF



إذاً، آلت فكرة الاجتماع الذي دعت إليه الجمعية الإسلامية - ووالدها الروحي الشيخ عبداللطيف المحمود - إلى الانطفاء، فماتت ولم يتحقق منها إلا النزر اليسير الذي أفرز بيانات متفرقة في الأحوال الاجتماعية العامة، كبرنامج ‘’الأخ الأكبر’’، وحتى هذه الوقفة ألّبت على هذا التيار نقمة التجار ورجال الأعمال، إذ اعتبروا الوقوف أمام المشروعات الاستثمارية في البلاد بهذا الشكل - وما سبقه من اندفاع بعض الشباب إلى تعكير صفو حفل المطربة اللبنانية نانسي عجرم - من قبيل دفع الاستثمارات، وكل من يفكر في الاستثمار في البحرين إلى الهروب طلباً لبلاد أكثر حرية، وتتمتع بمناخ منفتح أكثر، وتتعاطى مع الأمور كل في نصابها، ولا تُحمّل أكثر مما تحتمل.

هناك من رأى في انتهاء الفكرة أمراً طبيعياً، كالسلفي إبراهيم بوصندل، الذي قال إن بروز تجمع رسمي من قبل الدولة يفي بالغرض الرئيس الذي من أجله كان السعي لتأسيس مرجعية سنية، أو هيئة لعلماء المسلمين، وأن لا داعي لكثرة المرجعيات، وهناك من رأى أن السنة في البحرين فوّتوا فرصة ذهبية - ربما لا تتكرر في المستقبل القريب - لتجميع صفوفهم، ونقل الفعل والمبادرة من ‘’فرض كفاية’’ متعلق بالعلماء ومن في حكمهم، إلى ‘’فرض عين’’ على الجميع القيام به، وهذا ما يعتقده الإسلامي المستقل عادل علي عبدالله، في حين أن الشيخ عبدالرحمن عبدالسلام لايزال يأمل أن يتداعى العلماء والخطباء وطلبة العلم من جديد إلى اجتماع يقيّمون ما وصلوا إليه ويرسمون خطاً للمستقبل، بينما اعتذر صاحب الفكرة الشيخ المحمـــــــود عن الحديث فيها، قائلاً ‘’ليتحقق أولاً شـــيء على أرض الواقـــع ليمكننـــــا الحديث عنه’’، واعتذر بأدب جمّ - كعادتـــه - عن المشاركــــــــة في هذا الملف أملاً في خطوة أكثر جدية يمكن الحديث عنهـــا.

يأتي إبراهيم جمعان - المنتمي إلى النهج العروبي الإسلامي المدين في تكوينه إلى الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وتلاميذهما - ليطرح المسألة من وجهة نظر مغايرة تماماً في ‘’المرجعية’’. ‘’المرجعية السنية’’ و’’هيئة علماء المسلمين’’ كما أريد لها أن تكون في البحرين، ولم نشأ أن يتداخل حديثه في الحلقة الماضية مع حديث الداخلين في تكوين هذه التشكيلات لأنه يأخذ الحوار إلى منحى آخر.

يعتقد جمعان أن أية حركة - حتى على مستوى الدين والأنبياء - تواجه تحدياتها الخاصة، لذا استطاع الأنبياء من خلال العقيدة والمواجهة والمقاومة أن يبرزوا كحركة تاريخية استطاعت أن تفرض وجودها. جميع الثورات والحركات حتى العلمية منها تواجه بحركة مقاومة داخلية وتزداد عندما تجد لها دعماً خارجياً، هذه المدافعة تصقل دائماً أية حركة تاريخية وتعطي الشرعية، والشرعية هنا أمر مهم لأية حال تاريخية.

‘’هناك خصوصية تعطي للاتباع والسمع والطاعة، وبالتالي عندما ينفرز شخص في هذه الحالة التاريخية ولديه برنامج استطاع أن يبلور من خلاله مطالب شعبية واستطاع أن يقنع جماهيره بقيادته، ويتبنى الدفاع عن المظلومية، سيكون واقعياً أن يأخذ شكلاً من أشكال المرجعية’’.

يقترب جمعان من الحالة البحرينية في وضعها الشيعي، قائلاً ‘’تأتي مجموعة من المشايخ على رأسهم الشيخ عيسى قاسم، السيدعبدالله الغريفي ويطلقون المجلس العلمائي بالنسبة إلى الطائفة الشيعية، فهذا المجلس له أجندة وقد طرحها، وأهمها ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية، كادر الأئمة والخطباء، التعديلات الدستورية، وكثير من القضايا حتى في المسألة السياسية كمسألة المشاركة والمقاطعة، فقد أبدى الشيخ قاسم وجهة نظره بشكل واضح (...) كما للمجلس أجندته الواضحة عندما يضع نفسه مجلساً علمائياً يمثل الطائفة الشيعية’’.

ويلاحظ جمعان حجم الصراع داخل الطائفة الشيعية غير المتوازن ‘’فهناك مجموعة من المشايخ يهيمنون على أكبر عدد من القاعدة الشعبية، فلا يقاس (تيار المدني) من حيث القوة والحضور والانتشار والتأثير، بتيار عيسى قاسم، وكذلك لا يقاس بهذا الأخير وجود وثقل تيار الشيرازيين (...) هناك تيار شيعي كاسح، وبالتالي يمثل المجلس العلمائي القاعدة الكبرى من الجماهير، ولا توجد له معارضات ذات ثقل، وهذا يعطي وضعاً مطمئنا لوجود تيار يمثل الطائفة الشيعية في البحرين’’.

يضيف ‘’نعود إلى الحالة السنية، ففي اعتقادي أنها لم تستطع أن تتبلور كحالة تقوم على المذهب وتعتمد عليه في تبني مطالب معينة، سواء المطالب التاريخية أو المطالب المعيشية التي نعانيها اليوم (...) إضافة إلى أنه لا توجد في الحالة السنية مواقف تاريخية واضحة المعالم استطاعت أن تبلور قيادات سنية كبيرة جداً يمكن أن تتوافق عليها القاعدة السنية’’.

لا يطرح جمعان هذا الأمر من زاوية القدح أو جلد الذات، ولكنه يوصفها، بل يمتدحها قائلاً ‘’أعتقد أنها في صالح التيار السني وليست ضده’’، وذلك بالنظر إلى تاريخ الحركة الوطنية في البحرين - التي يصفها بأنها ثغر أو هامش وليست مركزاً - إذ ‘’كان هناك رجال بعضهم رجال دين ولكنهم لم يكونوا ينظرون إلى الإصلاح من منطلق ديني كسعد الشملان، عبدالوهاب الزياني وغيرهما، بل كانوا في قمة الحركة الوطنية في ذلك الوقت، فكان المهيمن على خطابهم الهمّ الوطني، وكانت هناك مطالب في مواجهة استعمار جاثم على البلد’’.

ويدلل جمعان على ما يذهب إليه في شأن الثغر والمركز، إلى المراسلات المنشورة بين بعض القوى الوطنية ومنهم أحمد بن لاحج، مع الشيخ محمد رشيد رضا في مصر التي تتحدث عن بعض القضايا الدينية والوطنية ‘’ما يعني أن البدايات كانت دائماً مرتبطة من هذا الطرف بالقاعدة سواء في مصر أو في الشرق (...) عندما هيمن الفكر القومي - على سبيل المثال على الحركة المطلبية وعلى حركة تحرير الوطن العربي من الاستعمار - تجاوبت الحركة الوطنية تلقائياً، والأسماء والشخصيات معروفة (...) في هذه الفترة كان أهل السنة دائماً يتفاعلون ضمن المطلب القومي العربي التحرري’’.

والسؤال الذي بدأ به هذا الملف هو: هل هناك مقومات لتأسيس حركة مطلبية سنية تتكتل من خلالها؟

يشير جمعان إلى أن ‘’الحالة الوطنية التي انشغل بها السنة والشيعة معاً جعلت من المستحيل وجود تيار تحت مظلة الإسلام أو خارج مظلته يمكن أن يمثل قوى ضاغطة أو يمثل قوى بحجم القوى الموجودة في الطائفة الشيعية وحدها. تاريخياً تجب ملاحظة ذلك، إذ لم يكن عند أهل السنة والجماعة التقدير المرتبط بالتوجيهات الدينية بالقدر نفسه عند الشيعة’’.

وهذا الرأي ربما لا يختلف عليه كثير من العاملين في الميدان الحركي أو التأريخي، فبوصندل يقول ‘’لا يمكن نفي احترام الجماعة المنتمين والمستقلين لمشايخهم، هناك احترام لآرائهم، لكن ليس في التكوين الفقهي لدى السنة، فكرة المرجع والمقلد، عند الشيعة يوجد مقلَّد ولا يؤخذ رأي غيره، وهذا ينفع في أحوال معينة ولكن له سلبيات في أحيان أخرى’’.

يضيف ‘’أهل السنة والجماعة يحترمون المشايخ، لكن لا يصل إلى حد الإلزام إلا عند الجماعات ذات التنظيم القوي التي يقتضي تنظيمها أن تكون تحت طاعة الجماعة’’.

ويرجع كثير من المؤرخين والمراجعين لتاريخ الحركات السياسية والسرية منها في التاريخ الإسلامي، أمر ‘’الإمام’’ و’’المرجع’’ إلى الخصوصية السياسية للمذهب الشيعي، حيث أوقعته - طوال تاريخه - في صراع مع السلطات للدول المختلفة، وبالتالي صار لا بد - لكي يستمر ويحيا - أن يتكتل ويوجد له تراتبيات صارمة، هذا إضافة إلى الشعور بالمظلومية التاريخية. ويشير جمعان إلى هذه النقطة بقوله ‘’هناك نسبة مظلومية وقعت على الطائفة الشيعية، ليس في البحرين فقط، هذا شيء موجود عموماً وهذه حقيقة، ولكن في الجانب الآخر، هناك عملية إدارة الصراع، وهذه قضية مختلفة عن الوصول إلى المظلومية ورفعها، فإدارة الصراع تحكمها عناصر مرتبطة بموازين القوى (...) أي أن لدى التيار الشيعي مجموعة مطالب، يبحث كيف تتحقق ومتى، قضايا مرتبطة بعناصر القوة التي يمتلكها التيار، ولذلك إذا أردنا التحدث عن البعد الطائفي في مثل هذه الدعوات فهي قضية منفصلة تماماً عن حجم الصراع التاريخي بالنسبة إلى السنة وبالنسبة إلى الشيعة، لأن البعد الطائفي الذي نتحدث عنه - ونرفضه في الوقت الحالي - يراهن على قضايا خاسرة وان صعد نجمها في الوقت الحالي’’.

يرفع جمعان درجة الحوار إلى حد بعيد بقوله ‘’لنتساءل.. هل هناك مشروعية للمطالبة بوجود تيار سني في البحرين أم لا؟ نتيجة قيام المرجعية التاريخية عند أهل السنة والجماعة التي تأخذ مرجعيتها إما من فكر أو من خلال مواقف تاريخية، نرى أنه لا يوجد - على مستوى تاريخنا - من تبنى هذا الخطاب التجزيئي الطائفي الذي يمثل فقط أهل السنة والجماعة، بحجة أنهم ليسوا طائفيين ولكنهم يخلقون حالة توازن مع الطائفة الشيعية، تاريخياً لا يوجد هذا الخطاب (...) وبالتالي، فأنا أنزع الشرعية التاريخية من كل من يحاول تأسيس هذا الخطاب على الساحة السنية، أو يحاول تعزيزه (...) تاريخياً ليس لهذه الدعوة مشروعية، إذ يمكن للمرء تقليد ما يحدث في المركز، ربما في العراق وربما سوريا، وغالباً ما يكون التقليد أسوأ ما يكون لأنه لا يأخذ اعتبارات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية مختلفة نشأت في ظلها هذه الحركة أو تلك’’.

ومن وجهة نظره، أنه إذا ما تم النظر إلى الحالة السنية باعتبارها مجموعة مطالب معيشية فهي لا تخص فقط السنة، وإنما تشمل الشيعة أيضاً ‘’فمن يريد أن يحقق مطلباً وطنياً فليحققه للجميع، وبالتالي فلا (يردح) علينا أحد من خلال لمّ الصفوف عند السنة والجماعة لكي يحقق هذه المطالب ليحسِّن أوضاعهم، لأن من خلال (المجلس) أو (الهيئة) لن تتحسن أوضاع أهل السنة والجماعة، بل ربما تخلق حالاً من حالات الثراء الخاصة لدى بعضهم على حساب المنتمين لهذا المذهب’’.

وفوق ذلك، فهو يرى أن إمكان تحقق ‘’التكتل’’ أمر مستبعد تماماً، إذ ‘’لا يوجد لدى أهل السنة والجماعة قوة تملك الشارع، نعم، هناك السلفيون والإخوان المسلمون ولهم تواجد في المساجد، الصوفيون أيضاً وبعض العلماء المستقلين، ولكن لا توجد قوة مهيمنة، كما هو الوضع في المجلس العلمائي الشيعي (...) نحن (الجماهير) لم تقتنع بقيادة تسلمها أمورها، نعم، إننا نقدر علماءنا وهم فضلاء، لكنهم ليسوا قيادات تاريخية، فلا توجد قوة لدى علماء السنة تعادل ما لدى الشيخ قاسم مثلاً (...) لم يمروا بحالة مخاض ليكونوا مثلاً للآخرين ويحصلون على الثقة الكاملة، يجب أن يكونوا قدوة لمعاناة تعرضوا لها (...) هناك قدر كبير من الغفلة السياسية، فالحماس لن يخلق تكتلاً ولا الخوف ولا التسرع، إنما العمل المؤسسي يجب أن يكون المهيمن، ولكنه يحتاج إلى وقت وصدقية وقيادة، وهؤلاء يتم إعدادهم، ولا يخرجون عشوائياً كالفطر ويتحولون من حالة إلى حالة ومن موقف إلى موقف’’.

ويستعرض جمعان أمثلة متناثرة بوصفها حوادث مؤقتة ‘’كان ممكن أن تصقل قيادات دينية سنية تاريخية، ولكن تم تضييعها (...) واليوم يأتي أفراد من هذه الطائفة يريدون دمج مجموعة مؤسسات في مؤسسة واحدة، هذا لا يخلق تياراً بمجرد توافر النوايا الطيبة (...) إن هذه الجمعيات لم تلتق على توحيد (الحقيبة المدرسية) فكيف بها تريد أن تلتقي على قيادة الشارع؟’’.

ويشير إلى أن استنساخ التجارب الخارجية فتجربة العراق لها ظروفها الخاصة التي ترفض الدستور والانتخابات ‘’فهل حالة التفتيت هي مطلب سني، هناك قلق مشروع لدى السنة، ولكن إذا كان القلق في اتجاه التفتيت، علينا أن نعمل في الاتجاه المناقض، وإذا كان آخرون يطرحون البعد الطائفي المناطقي التفتيتي لتحقيق مطالبهم، فعلى الطرف الآخر - بحكم التاريخ - ألا يطرح تيار مقابل لأنه سيكون إسهاماً في المؤامرة (...) نعم، السنة قلقون، ولكنهم يجب أن يوظفوا هذا القلق في اتجاه إيجابي في اتجاه تيارات كبرى’’.

يثقل جمعان في نقده للحركة التي طالبت بقيام المجلس العلمائي المقابل في البحرين، أو تأسيس ما يشبهه تحت هاجس الندية وتوحيد الخطاب، سواء على المستوى القاعدي، أو على مستوى الحوار والتفاهم مع الطائفة الشيعية ممثلة في مجلسها العلمائي، أو حتى على المستوى العام، لكنه يستدرك ‘’وجود المجلس العلمائي الشيعي يؤسس لطائفية في البحرين على المدى البعيد، إذ مهما كانت المرجعيات ومهما كانت الخلافات المتعلقة بالشأن الداخلي، لا يمكن أن تلغى المؤسسات الرسمية بحجة أنها مؤسسات تابعة للنظام وكأن النظام شر مطلق، ويجري تكوين مؤسسات تكون مرجعياتها في الخارج. هذا شرخ في البنية الوطنية البحرينية، مثلاً مناقشة قضية مثل الأحوال الشخصية’’.

إذاً، الخروج من هذا المأزق - حســب جمعان - لـيس بتبني تــأسيس تيــار ســني، بل ‘’تيــاراً قومــياً يقــوم على الوحــدة بآليات معاصرة (...) تياراً وحدوياً إسلامياً ندافع عنه، خياراً أوسع يستوعب كثيراً من القضايا، بدلاً من المطالبات الفجة، فكيف لي أن أرفع شعارات ضد الاستعمار وأسعى - في الوقت نفسه - إلى تأسيس كيانات صغيرة يسعى الاستعمار لتحقيقها؟’’.

 

 


المصدر: صحيفة الوقت

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها