مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

عقدة المرجعية - غسان الشهابي

طباعة PDF



كانت فكرة ‘’تأليف القلوب’’ التي أطلقها الشيخ عبداللطيف المحمود بعد الانتخابات البرلمانية للعام ,2002 تسير بشكل جيد، وكان الهمّ الأساس واضحاً لدى المحمود، إذ كان يرى ما يشبه الاقتتال والتسابق على المكاسب، بينما كان الوضع أشبه ما يكون بوضع ‘’ملوك الطوائف’’ أو دويلات الأندلس، كثيرة تلك الدويلات، ولكنها لم تكن ذات أثر على الوضع العام.


كان الأمر مرشحاً على أكثر من صعيد، حتى لدى الشيعة الذين كانوا يريدون الحوار مع ‘’التيار السني’’، ولكنه لم يكن تياراً في يوم ما، أو يحمل صفة ‘’التيار’’، فقد سبق للسيدعبدالله الغريفي أن صرّح ‘’لقد تحركت بالفعل لقاءات شيعية - سنية في هذا الاتجاه (الحوار المشترك)، وكانت موفقة، وأعطت انطباعا جيداً لدى الأطراف، وإننا نطمح إلى مزيد من الحوار مع التيار الإسلامي السني، وثقتنا كبيرة أن نتوصل إلى قناعات مشتركة خاصة في مواجهة مشروعات العلمنة التي تستهدف مكوّناتنا الإسلامية وهويتنا الثقافية. ففي هذه المرحلة الصعبة التي تتحرك فيها مشروعات الهيمنة والمصادرة والاستلاب والتغريب نحن في حاجة إلى لقاءات جادة، وإلى حوارات هادفة من أجل صياغة الموقف الإسلامي القادر على التصدّي والمواجهة [1]’.


بداية ولكن
لكن في المقابل، كان الأمر متردداً بين الأطراف، فقد بدأ التوجه بحماسة جيدة بعثت الأمل في نفوس القائمين والحاضرين إلى المشروع، وكان العدد معقولاً، إذ كان في حدود 100 من طلبة العلم والخطباء والمنتمين إلى الجمعيات الدينية السنية، إضافة إلى عدد من المستقلين، إلا أن الأمر لم يستتب كما كان في البداية.


كيف تتبع الشيخ عبدالرحمن عبدالسلام نشوء و’’أفول’’ هذا التجمع الرامي إلى تشكيل رأي عام سني، فيقول ‘’بعدما كان الحماس هو الطاغي على كل الاجتماعات الأولية، تحول الأمر إلى تباطؤ كبير. وسبب فتور الحماس الذي بدأنا به هو وجود التناقضات (...) وعلى رغم اللقاءات التي حصلت لتعالج مختلف القضايا لكي تلتقي على أرضية واحدة، إلا أنها مازالت موجودة’’. أما لماذا؟ فيجيب عبدالسلام ‘’في اعتقادي أن أي مشروع لم يدرس له أو لم يخطط له ويكون لم تنظيم إداري لضمان استمراره يكون فاشلاً (...) فهنا لم توضع خطة حقيقية للموضوع ولم يكن هناك أي تنظيم إداري محكم، كما كان المشروع في حاجة إلى التمويل وإلى طاقة بشرية عاملة مستقلة حتى تتابع الأمور (...) كان عملاً طوعياً’’.


وعلى رغم أن الشيخ عبدالسلام من أقطاب الجمعية الإسلامية والرجل الثاني فيها ورئيس جمعية الشورى، إلا أنه يقر بغموض الموقف وعدم الترتيب له، إذ كان أشبه ما يكون بـ ‘’الفزعة’’ ذات النفس القصير، ولكن عبدالسلام يقول ‘’لايزال عندي أمل في أن أدعو إلى الاجتماع مرة أخرى، إذ إن آخر اجتماع كان في شهر مارس/ آذار الماضي، ولكن العدد قد تقلص وأصبح الحضور يتراوح ما بين 10 و20 شخصاً’’.


هل هذا كان رأي عبدالسلام وحده؟ يقول إبراهيم بوصندل ‘’نعم، وقد رأى الشيخ المحمود هذا التراجع في الحركة الحديثة والحضور ضعيف قبل عام، وعندما افترض الشيخ أن تنتهي هذه الحركة لقلة الحضور، لم يلق إنهاء الاجتماعات توافقاً من قبل الجماعة التي رفضت أن يتم إنهاء الحركة بهذه الطريقة، ورأت أن الأمر يتطلب رأياً جماعياً وليس فردياً’’. إذاً، كان الشيخ المحمود هو الذي بدأ المسألة، وهو الذي رأى أن ينهيها لعدم شعوره بجدية الأطراف التي كان يأمل أن تأتلف قلوبها في هذا الموضوع. ومن وجهة نظر بوصندل فإن هذا التباطؤ والتراجع له أسبابه ‘’أعتقد أن المشكلة تكمن في الاجتماعات التي تعقد، فقد كانت خالية من قبول الآخر من الجماعة نفسها، وفي الغالب تكون الصراحة معدومة والمجاملات والتصنّع يطغيان على الجو العام، إضافة إلى الكره المبطن للتيارات الأخرى الذي يظهر في وجودهم معهم في الاجتماعات (...) كانت التيارات السنية لا ترى الهدف الأبعد للتكتل’’.


ويفصّل بوصندل الأمر بقوله ‘’كان أصل التباين يكمن في الناحية السياسية، إذ إن كثيراً من القرارات السياسية لها مستند شرعي، وفي التجمعات لاتزال القلوب غير صافية، ولم يتم طرح الأمور بصراحة على الطاولة وقد ائتلفت الأبدان ولم تأتلف القلوب، بالذات في الجمعيات الكبيرة التي تحب أن تعمل لوحدها ويبرز اسمها في الصورة (...) وهذا يحدث غالباً، ففي أثناء الجهاد في أفغانستان اجتمعت كل التيارات وتعاونت وأضعفت المحتل السوفياتي حتى أخرجته لإحساسها بالتحدي الذي يواجه كيانها..’’. وبعد ذلك.. وقع الاقتتال بين رفاق السلاح، هذا الذي لم يقله بوصندل في معرض حديثه، ولكنه اتجه إلى أمر آخر في أسباب خفوت أضواء الفكرة ‘’كان الاتجاه لتأليف القلوب فقط، ولكن عندما بدأ الحديث عن المرجعية السنية، فالمرجعية بها تفاصيل متعلقة حتى بنسبة التمثيل، تم طرح فكرة المرجعية وكانت الاجتماعات علنية ومطروحة عند الجميع، وتم تشكيل لجنة للتنسيق، وتم التوصل إلى معايير خاصة بالتنفيذ، والاتفاق على أن يكون للحاضرين حق التصويت، فرفضت الجمعيات الكبرى الثلاث هذه الفكرة (...) وفي الفترة نفسها، طرحت الحكومة فكرة إعادة تشكيل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية’’، وهذا مقتل الفكرة ليس في رأي بوصندل فقط، بل عادل علي عبدالله أيضاً.


من اجهز على «التأليف»؟
يقول عبدالله ‘’الذي أجهز على المشروع هو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (...) والحكم له أجندته وآراؤه الخاصة، وكذلك قراءته الخاصة للحدث وما يحزن له عندما يخطط يضع في حسبانه فئة دون الأخرى، فالفئة السنية محسوبة على الحكم قلباً وقالباً وهذا هو السبب الرئيس في هذا العرج’’، الذي يشكله أهل السنة في مقابل أتباع الطائفة الجعفرية الذين لهم مرجعياتهم الثابتة.


يقول بوصندل في الفكرة نفسها إن الجمعيات طالبت بالمحاصصة في تشكيل هيئة العلماء ‘’رأى السلفيون أنه مادامت الحكومة ستشكل مجلساً أعلى للشؤون الإسلامية، فإنه من غير الضروري إقامة مجالس أخرى لعدم وجود مصدر واحد للفتوى، كما تحفظ بعضهم على وجود مرجعيات رسمية وأخرى غير رسمية، وبذلك تم الاتفاق على أن تكون جميع التيارات تحت مظلة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية’’.


لم ير عبدالله أن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية قادر على أن يحل محل ‘’هيئة علماء المسلمين’’ لأسباب عدة، أولها أنه - منذ الإعلان عن تشكيل المجلس إلى الآن - لم تخرج من المجلس أية أفعال تدل عليه، متسائلاً عن وزن من اختيروا في هذا المجلس ومدى تأثيرهم على القواعد الشعبية من الطائفتين، إضافة إلى نظرة متجذرة لدى الرأي العام في شأن عالم الدين إذا انضوى تحت العمل الحكومي وعباءة السلطة’’، متسائلاً ‘’من المستفيد من انضمامه إلى المجلس الأعلى، وما الذي سيستفيده المجتمع من جراء تكوينه؟ فالناس لم يفهموا إلى الآن دور هذا المجلس وصلاحياته’’، إذ سيعود كل منتم إلى قاعدته وطائفته، وبالتالي، سيعود الشيعي إلى مرجعيته الروحية، ولكن إلى أين سيعود السني؟


لا يجيب بوصندل على هذا السؤال، ولكنه يقول ‘’كل جماعة لها مرجعيتها، والمرجعية سواء كانت رسمية أو غير رسمية، أو ربما تكون مشتركة، لكن كمواقف سياسية، هناك اختلافات عقائدية تنعكس على المواقف تجاه القضايا المختلفة، ولذلك قرر الإخوة (في جمعية التربية الإسلامية) أن تكون الأمور كما هي عليه في اجتماع (تأليف القلوب) إلى أن طرحت الحكومة فكرة تشكيل المجلس الأعلى’’.


هذا ما يمكن أن يلتئم إلى حد كبير مع رؤية رئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) إبراهيم شريف الذي يقول ‘’التيار الديني السني يعيش وهمَ أن الخوف من الشيعة أكبر من الخوف من نظام الحكم، فبالتالي هذا التيار يضع أوراقه مع الحكومة ضد الشيعة (...) التيار السلفي خصمه هو التيار الشيعي، فبالتالي التيار السلفي والإخوان من الأسوأ في العالم الإسلامي كله، لأنه تيار تغييري إلى حد ما، ولكن في البحرين هو تيار محافظ لا يريد التغيير، لأنهما يعتقدان أن التغيير سيأتي بالشيعة، وبالتالي هما تياران مواليان للحكومة في كل شيء وهم يشكلون 20% من الشعب البحريني [2]”.


يفتح بوصندل موضوعاً آخر متعلقاً بنسب التمثل في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ‘’فجمعيتا التربية والشورى لم تكونا موافقتين على تشكيل المجلس الأعلى من الناحية المتعلقة بالنسب، لأن التمثيل جرى أن يكون لكل جمعية ممثل واحد في المجلس، فكان شخص واحد ممثلاً عن جمعية التربية، وشخص واحد عن جمعية الشورى، بينما أربعة أشخاص عن جمعية الإصلاح، وبذلك تم الرفض (...) برأيي كان التشكيل غير مناسب، والمناسب هو أن يكون شخص واحد عن كل جمعية (...) تبرير الحكومة بما وصلت إليه من تركيبة لم يكن مقنعاً عند الجميع، إلا أن لدينا الأمل في أن تصبح التركيبة متوازنة في المرات المقبلة’’.


بينما يأسف عادل عبدالله إلى ما آل إليه الوضع، مشيراً إلى أن “الحكم وقع في الخطأ مجدداً، وبسبب توجيهاته عزف كثير من العلماء، فصار هناك نوع من التوجيه الذي وصل إلى الجميع، فيجب على العالِم أن يكون مجرداً من رأس السلطة وله آراؤه. ومتى كان هذا العالم خاضعاً لها، تسقط الصدقية’’.


ولا يخفي عادل عبدالله ألمه وهو يشخص أسباب ‘’الموت السريري’’ لـ ‘’تأليف القلوب’’ و’’حلم’’ تأسيس مرجعية سنية في ظرف كان مواتياً جداً، وربما يصعب أن يتكرر إلا بكثير من آلام المخاض عندما تتوافر ظروف أخرى تدعو إلى إحساس القيادات الدينية السنية بالحاجة إلى اجتماع جديد، منطلقين من قواعدهم الشعبية، فيقول ‘’أصبع الاتهام الأولى تشير إلى جمعية التربية الإسلامية، فلم تكن الجمعية تريد للاجتماع أن ينجح، إذ كانت تبدي تحفظاتها أمام أي تحرك، وكأنها تضع العصا في العجلة، ثم عدم جدية جمعية الإصلاح، الثالث فهو الحكم الذي كان يشير بمباركة هذا التوجه فكان يرسل رسائل تحتمل التأييد مرة، والتوجيه مرة (...) هذا ما جعل بعضهم ينفر من الاستمرار لتدخل الطرف الرسمي في هيئة أهلية، أما الأصبع الرابعة في أسباب فشل التوجه فتشير إلى الدافعية لدى المجتمعين، فإذا لم تكن القضية همّاً يعيش معهم ليل نهار، ويكون قاعداً وقائماً معهم، فلا يمكن أن ينجح التأسيس، أما الأصبع الخامسة والأخيرة، فتشير - مع كل احترامي - إلى الشيخ عبداللطيف المحمود الذي ساهم في إفشال الموضوع لأنه تقاعس عنه في آخر مراحله’’. يستدرك عبدالله، قائلاً إن وضعه للشيخ المحمود في دائرة المحبطين للعمل نفسه لا تخرج عن إطار عتاب الابن لأبيه ‘’كنا نطمح أن يقف الشيخ وقفة أكثر جدية وحماسة لأنها ستسجل في تاريخه، ولكن هذا لم يحدث’’. ويتوقف عبدالله هنا عن البوح بالمزيد، وكأن في الحلق ماء. يأسف عبدالله لانفراط عقد المشروعات التي أسهم في تأسيسها، إذ بحسب سيرته الذاتية، فهو ‘’عضو مؤسس لمشروع هيئة العلماء والدعاة والخطباء، وعمل على صياغة نظامها الداخلي’’، ولكن أشخاصاً آخرين - من مثل إبراهيم جمعان المنتمي إلى المنهج العروبي الإسلامي - ينظر إلى مسألة المرجعية السنية وتأسيس الكيان السني من منظور آخر.

 

 

المصدر: صحيفة الوقت البحرينية

 

 

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها