مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

إرباك العلاقة مـع ولي الأمر - غسان الشهابي

طباعة PDF




قبل أن تهمّ الجمعيات الدينية السنية في الدخول إلى اللعبة السياسية، استشارت واستخارت واستفتت، كان الدخول بالنسبة إليها لدرء المفاسد، وتكثير المصالح والخيرات كما تراها بالنسبة إلى المجتمع، ولكن بقيت مسألة خلافية ما بين هذه الجمعيات والمنتمين - عموماً - إلى الجمعيات الدينية السنية، وهي موقفها من السلطة، إلى أي مدى يمكنها أن تعارض؟


هذا السؤال ينفتح على شقين أساسين: المدى الذي يمكنه أن تذهب إليه في المعارضة، خصوصاً أن هذه الجمعيات ومكوناتها الفكرية الأساسية بحرينياً لم تبنَ على الموالاة المطلقة، ولكنها أيضاً لم تبن على المعارضة الصارخة.


الشق الآخر من السؤال، حملته بعض الجمعيات الدينية بتياراتها وهو: هل من الإسلام في شيء معارضة ولي الأمر؟


من بين الجماعات السنية، التي لم تنتظم في جمعية، ‘’جماعة التبليغ’’[1] وهي مع قلة أفرادها في البحرين، إلا أن لا شأن لها بما يجري في البلاد من أمور سياسية، أو مجتمعية عامة، في حين أن من يُطلق عليهم لقب ‘’التكفيريين’’ - في المقابل - يقفون خارج الإطار السياسي الرسمي والمنظم لأمور المجتمع لأنهم لا يعترفون بالدخول في هذا الإطار، وهم من يقول عنهم إبراهيم بوصندل ‘’هي مجموعة صغيرة أفرزتها حركة الجهاد في الخارج فترة الثمانينات، وبعضهم تأسس في البحرين (...) كان أساس هذه المجموعة الاستياء من الحكومات وهيئات الفتوى في الدول، بل حتى من كبار العلماء الذين اعتبروهم رسميين، وهؤلاء اجتماعاتهم قليلة’’.


وعلى قلتهم، إلا أن مراقباً من داخل التيار الحركي السني مثل بوصندل لا يخفي خشيته من أن تتكاثر هذه المجموعة.. ‘’قابلية الشباب على التكاثر أكثر من غيرهم من الفئات، خصوصاً مع مراقبة التطورات الإقليمية لوضع الدول العربية والإسلامية’’.


هذان الفصيلان بقيا خارج التشكيل السياسي في الفترة الأخيرة، وأتى بعدهما الفصيل الصوفي أيضاً الذي أنشأ أخيراً جمعية ‘’الإمام مالك بن أنس’’ وليست هناك بوادر فعلية - إلى الآن على الأقل - لدخول اللعبة السياسية، فتبقى على الساحة الجمعيات السنية الدينية، الثلاث الأساس، ومستقلون غير منتمين بالضرورة إلى أي من الجمعيات هذه، وإنما هم أقرب إلى طرح بعضها، وإن لم يتبنوه حرفياً، أو يكونوا ضمن التنظيم.


يحمل بوصندل وجهة نظر التيار السلفي في شأن موقف السلفيين من الحاكم أو ولي الأمر، إذ يقول ‘’كسلفية، نرى أن المرجعية السياسية والدينية يجب أن تكون تابعة للقيادة لأنها قيادة مسلمة، وإلا سوف تتشتت المرجعيات في البلاد المسلمة، ففي حال عدم وجود قيادة مسلمة تقوم المجتمعات المسلمة بتشكيل مرجعياتها الخاصة’’.


مرجعيات الخارج
أما لماذا هذا التسليم، فمن وجهة نظر بوصندل - والفصيل السلفي في البحرين بالتالي - أن ‘’بعض البحرينيين قد يرجعون إلى مرجعيات من الخارج من السعودية أو من الكويت أو من الأزهر الشريف، لكن ولي الأمر يفرض منهجاً واحداً على الجميع، فالاختلاف يصعّب عملية تطبيق المرجعية’’ عند أهل السنة.


وقد يقترب الأمر نفسه لدى الشيخ عبدالرحمن عبدالسلام الذي لا يرى أن على أهل السنة أن يتكثفوا في مرجعية دينية أخرى خارج إطار الدولة، ولذلك عندما سألناه عن دور ‘’تأليف القلوب’’ في الفتاوى، قال ‘’أما عن الإفتاء فهذا ليس من تخصص الهيئة ،وإنما يجب أن تتصدره الدولة، لئلا يكون إفتاءً خارج نظام الدولة، ولو كان كذلك لأصبح الأمر دولة في دولة’’.


يعود بوصندل إلى القول إن أهل السنة كانوا في الملمات التي مرت على البحرين في ‘’طاعة ولي الأمر أكثر من غيره، لأنه يعتبر رئيس الدولة، وهو المرجع السياسي، وإلى ذلك فإن أي تحرك مضاد للدعوة يظهر خللاً كبيراً لأنه يضعف الحكومة (...) فقد آثرت التيارات السنية (جنة) الحكومة على (نار) المعارضة، وأن تكون حريصة وحذرة جداً في ممارسة السياسة’’، وإن كان بوصندل يتحدث من وجهة نظره الخاصة في سبب إحجام الفصائل السنية المختلفة عن المشاركة السياسية الفاعلة، فإنه يشير إلى أن جمعية - كجمعية التربية الإسلامية - تناولت المسألة من منظور آخر ‘’في التسعينات، كان أي تحرك غير مدروس والبلاد غير مستقرة، سيؤدي إلى شرخ، وتفضيل حال الاستقرار والحلول السلمية، أدى إلى الاجتهاد لسد الخلل في الجوانب الأخرى، خصوصا الفقر، فكانت الجمعيات الخيرية وتستخدم أموال التبرعات لبناء المساجد والبيوت وترميمها وغيرها من الأمور الخيرية’’.


السمع والطاعة
ولا يرتاح بوصندل إلى التركيز على الفصائل الدينية السنية فقط في ابتعادها عن ممارسة العمل السياسي، فهناك فصائل أخرى غير دينية لم يكن لها دور ‘’كنا في هذه الفترة نؤسس أنفسنا، ونشكل القاعدة الدعوية، ولكن التيارات الأخرى التي كان فيه كثير من أهل السنة كالتيار اليساري والناصري وغيرهما من التيارات، لم تتدخل في الأمور السياسية البتة، وكأن الأمر لا يعنيها بشيء’’.


مسألة طاعة ولي الأمر ليس لديها بين السنة مفهوم واحد، فعادل علي عبدالله، وهو إسلامي مستقل، ينحو باللائمة في مسألة الولاء هذه على طريقة تفكير مختلفة لما أريد لها أن تكون، يبدو عبدالله متألماً وهو يقول ‘’علماؤنا يتحركون بالـ (ريموت كونترول)، ما أحدث أزمة ثقة بين العلماء والناس’’.


يضيف ‘’ان الأمر القرآني بطاعة الله والرسول وأولي الأمر لا جدال فيه، ولكن من هو ولي الأمر؟ كان أولو الأمر - في الأصل - هم أهل العلم، وليسوا الولاة، وبالتالي، فإن الوالي - قديماً - لا يخرج عن طاعة العالِم، وحتى الخليفة كان يتعاضد مع العلماء، ولذلك كانت حادثة الإمام الحسين نقطة سوداء في تاريخ الدولة الأموية، لأنها عملت على فك الارتباط بين العلماء والحكم، ولكن في واقعنا المعاصر، لدينا اعتقاد وتشريع، وعلماؤنا - لأسباب كثيرة - رهنوا أنفسهم للحاكم، وصار الحاكم هو المسيّر الفعلي للعلماء وليس العكس. وهذا انسحب على حياتنا الثقافية..’’.


لا يقف عبدالله عند الدول العربية والإسلامية التي يعمل فيها الدين عميقاً، لكنه يمد الأمر إلى الدول الغربية والولايات المتحدة منها، وإن لم يكن الدين هو منهاجها، ولكن ‘’المحافظين الجدد ينقادون إلى العلماء، أصحاب الكتب والنظريات، مثل كسينجر وبريجنسكي وفوكوياما وغيرهم، ويطبقون أفكار علماء متقدمين في مجالهم، إلى جانب مؤسسات الاستشارات والدراسات البحثية (...) مفهوم الراعي والرعية رسخ له بعض العلماء بشكل خاطئ على مرّ القرون الماضية، ولم يتم الالتفات إلى المفاهيم الأخرى لمعنى الراعي والرعية، فتم تطبيقه على أرض الواقع في كثير من المناطق بمنطق (القطيع والراعي) وليس بنص الحديث أن (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).. مع التركيز على (كلكم) هنا يأتي (فرض العين) في المسؤولية، وليس (فرض الكفاية)، كما يؤسس له بعضهم’’.


وينحو الشيخ عبدالسلام باللائمة على شقين يراهما السبب الرئيس في ما أسمي ‘’ارتخاء’’ عضلات الجانب السني من المجتمع في البحرين ‘’أعتقد أن احتضان الدولة للتيار السني هو السبب.


لأنهم عبر التاريخ يحكمون المنطقة وهم دائماً في حال ارتخاء، فلا يوجد تفكير للوصول إلى الحكم أو المشاغبة عليه، فيرون الخروج عن الإمام أمر مخالف للشريعة (...) فالحاكم الذي استتب الأمن على يديه وانقاد له الناس لا تجوز مخالفته، فيجب على المسلمين أن يصلحوا الأمر بالنصيحة والتوجه بالعمل، فلا يكمن أن يعيدوا تنظيم أنفسهم في ظل هذا المفهوم والقيم والخروج عن الإمام (...) كما أنه في كتب فقه أهل السنة أنه يجب الابتعاد عن الفتنة، فالفتنة أشد من القتل. وكذلك ترك المفاسد مقدم على جلب المصالح، فالفتنه تؤدي إلى عواقب وخيمة لا يحمد عقباها، كما حصل في العراق’’.


أما السبب الرئيس الآخر في ارتخاء السنة، فهو استقرار النظام وعدم وجود من يتحداه. ولكن هناك تحدياً دولياً ضد الإسلام’’.

 

 

المصدر: صحيفة الوقت البحرينية

 

 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها