مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

تردد السنة أمام مفصل الإصلاح - غسان الشهابي

طباعة PDF





سنة البحرين - كما هم السنة في كل مكان - ليسوا أمة واحدة، ليسوا أمة في تلقيهم للأمور ولا في إصدارهم لها، ليسوا على السوية في التعاطي مع الأمور، هذا ما سببه افتقاد المرجعية التي يأوون إليها، وبها يعتصمون، من السنة من يرون هذا ‘’الافتقاد’’ ميزة للتحرر حتى ينطلقوا دينياً وسياسياً واجتماعياً، وهذا ما يقابله عند الشيعة ما يُعرف بـ ‘’التبعيض في التقليد’’، الذي يقيده بعض الفقهاء ويطلقه آخرون، وهناك من يقف في منزلة بين المنزلتين.


افتقاد فكرة ‘’المرجع’’ الجامع لكل أمور الدين والدنيا لدى السنة جعلهم في بداية الانفتاح السياسي يتلجلجون في الدخول إلى هذه العملية أو الإحجام عنها، وإلى أي مدى يشاركون، وهل عليهم المشاركة أم لا؟


جرت الأمور في البحرين أن يقود عدد من رجال السنة أمر المعارضة الوطنية ليس من المنطلق طائفي، ولكنهم بعد ذلك افتقدوا الرمز الديني المتعالي على العطايا والهبات والتقرب من مصادر الحكم، وظلوا سنوات طويلة في تشكك.. هل يجاهرون بشكواهم الوطنية والمناطقية والفئوية، وبالتالي يناصرون بذلك الشيعة في زعزعة أركان الحكم (كما يعتقد البعض)، أم أنهم يخبئون في صدورهم همومهم، ولا يبدونها حتى لا يكونوا هم والزمان على ‘’الأركان’’، بينما كانوا يرون أن التجربة الإيرانية غير مشجعة أبداً بالنسبة إلى السنة والعرب هناك، وقد غذّت هذه المخاوف - إلى حد بعيد - ترديد نسبة الأغلبية والأقلية بالنسبة إلى الشعب، وحسابياً: أية حقوق ستكون لو حدث أمر في البحرين للأقلية حينذاك؟


الفرز.. أسباب ونتائج
يعتقد كثير من المراقبين للساحة المحلية أنه بحل المجلس الوطني وضرب التيار اليساري أو فلوله آنذاك وملاحقة عناصره ما كان ليصل إلى آخره، حتى اندلعت الثورة الإسلامية في إيران وبدا التصنيف واضحاً، والموالاة من عدمها واضحة، وبدأت الحكومة نهجاً جديداً في التعامل مع الطائفتين، تقريباً وإقصاء، فكانت تود أن تسند ظهرها إلى جهة واحدة على الأقل لتتعامل مع الجهة الأخرى براحة أكثر، فتلاقت أمور عدة، منها أن الطائفة السنية ليست لها قيادة دينية وطنية يمكنها أن تجمع إليها أهل السنة، ومادام الشيعة قد انفتح أمامهم النموذج الإيراني فمالت القلوب إليه بشكل أو بآخر، ولديهم المرجعيات الدينية الوطنية الاجتماعية التي يمكنهم أن يلتفوا حولها ويشكلوا كتلة صلبة، فإذاً، سيكون السنة مأموني الجانب في هذه المعادلة. يأتي هذا في ظل الإعلان المتتالي لعدد من المحاولات التي استهدفت قلب نظام الحكم. وفي حين يرى بعض الدارسين والمتتبعين للتاريخ المعاصر للبحرين، وخصوصاً من المعارضة أو الذين كانوا يوماً ما من المعارضة، أن التصريحات بمحاولات الانقلاب كانت كلها ملفقة والقصد منها ضرب التيار الشيعي، يرى آخرون أنه ليس من مصلحة أية حكومة راسخة في السياسة أن تتقول و’’تفبرك’’ كل هذه القصص من نسج خيالها فقط لتضرب تياراً أو طائفة ضخمة في بلادها من دون مقدمات، أي أن لا دخان من دون نار.


عملت الحكومة منذ الثمانينات - بشكل أساس - على فرز المواطنين إلى شيعة وسنة، ليس بشكل شاهر ظاهر، ولكن من خلال كثير من المواقف والتعاملات اليومية، يعتبر كثير من الشيعة اليوم أنهم ظُلموا لأنه لم يجرِ تعيينهم في قوة الدفاع والداخلية، وهاتان الوزارتان هما اليوم المؤشر الأساس على الإصلاح من عدمه، ويدور جدل عميق بين الأطراف المتحاورة في هذا الشأن، أي كيف يمكن تدريب وتسليح أشخاص لا ينون يجاهرون بالتفدية والانصياع لقيادات من خارج البلاد (إيران أساساً)، بينما الشيعة لا يودون أن يزايد عليهم أحد في وطنيتهم وإخلاصهم للبحرين وترابها.


وبينما يرى الشيعة أنهم ظُلموا في عدم توظيفهم في هاتين الوزارتين تحديداً، يرى بعض السنة أن الإغراق في توظيفهم في هاتين الوزارتين تحديداً كان جريمة في حق الطائفة أساساً، إذ خلف ثقافة بين قطاع لا بأس به من شباب السنة أنهم ما إن ينهوا الثانوية العامة - أو حتى قبل أن ينهوا الشهادة المدرسية - فإنه ليس من الصعوبة الحصول على وظيفة في إحدى الوزارتين، وبالتالي فالمستقبل الوظيفي شبه مضمون بالنسبة إليهم، وإن كان الأمر ليس في إطلاقه ميسراً لجميع أهل السنة للحصول على وظيفة ‘’ضابط’’، التي أيضاً ضاقت على جماعة منهم فقط.


التكدس السني في هاتين الوزارتين، والاستسهال بالتحصيل العلمي الأساس لدى شريحة لا بأس بها منهم قللت - في نظر بعض الناس - من توجه هذه الشريحة إلى التخصصات العلمية الجامعية، سواء منها النظرية أو التطبيقية، فكان قياد البلاد في الوظائف التخصصية للشيعة، ولكن من غير سلاح ولا رصاص هذه المرة.


هذا الاستقطاب، أورث ما عبر عنه الشيخ ناصر الفضالة بـ ‘’الدلع’’ لدى شباب أهل السنة في الاستبيان الذي سبق أن وزعه [1]، وصار من غير المتوقع أن يكون هناك تحرك سني مطلبي، إن على الأساس الطائفي أم على الأساس الوطني العام، وتركز لدى الناشطين الشباب من الشيعة خصوصاً، أن لا حراك سياسياً ولا نضال إلا ما تم في السنوات العشرين الأخيرة (الثمانينات والتسعينات)، وهذا ما جرى التعبير عنه أكثر من مرة وفي أكثر من موقف، ربما أحدثها هذه الدهشة التي علت الصحافي فهيم عبدالله وهو يجري حواراً مع الشيخ عيسى الجودر، إذ أورد في مقدمة الحوار ‘’يمثل وضعاً غريباً بالنسبة إليه كرجل دين سني، إذ كان على رأس مجموعة معارضة جريئة إبان أيام أمن الدولة [2]’’، في الوقت الذي لا يربط إبراهيم جمعان الحركة الوطنية بالسنة ولكن بالعكس، فإنه كان يرى أن شيوخ الدين السنة كان لهم دور وطني مؤثر، إذ يقول ‘’إن الحركة الوطنية لم تطرح يوماً الإطار المذهبي مرجعية من مرجعيات المطالب الوطنية، لذلك كان رجال دين كثيرون من أهل السنة من مثل الشيخ أحمد المطوع (رحمه الله) يقودون مظاهرات في العام ,1965 وكثير من مشايخنا كانوا في خطب الجمعة يحرضون على ضرورة المقاومة’’.


ويستدرك ‘’أنا لا أتحدث عن تيار الإخوان المسلمين منذ بدايته في البحرين حتى السبعينات، إذ لم يكن تياراً جماهيرياً، بل كان عبارة عن أفراد، فلم يكونوا حركة جماعية’’.


تيار سني؟!
يتفق الشيخ الجودر مع جمعان جزئياً، إذ يشير إلى عدم وجود ما يمكن أن يطلق عليه ‘’تيار سني’’ قبل الانتخابات الماضية، بقوله عن التيار السني ‘’هو موجود فقط بعد العام 2002 وما كان له من دور في الحياة السياسية في السابق (...) لم يكن له أي دور في حوادث التسعينات ولا الحركة المطلبية الوطنية الإصلاحية التي قدمت التضحيات الكثيرة من أجل الوطن والمطالبة بالإصلاح والعدالة والديمقراطية[3]’’، مرجعاً الأمر إلى ‘’عدم وجود توجه سياسي من الأصل لدى الحركات الإسلامية السنية، اللهم إلا جمعية الإصلاح التي عرف عنها موالاة السلطة[4]’’.


ويصف الشيخ الجودر في مقابلته الصحافية تلك الحراك السياسي السني، بأنه ‘’ليست هناك معارضة سنية، وليس هناك حراك سياسي إسلامي سني على الساحة، ولكن هناك حراك من اجل المصلحة الذاتية لبعض هذه التوجهات[5]’’.


هذا الكلام من قبل الشيخ الجودر قد يغضب كثيراً من المنتمين إلى التيار السياسي السني الذين يرون أنهم يمثلون ‘’تياراً’’، لكن بالعودة إلى البدايات يمكننا التقاط بعض الخيوط.


قبيل طرح ميثاق العمل الوطني للتصويت، كانت هناك تفاوتات كبيرة في المواقف السنية من هذا المشروع، فبينما حسم الشيعة أمرهم على التصويت للميثاق على اعتباره خطوة لإخراجهم أساساً من النفق المظلم من المواجهات التي استمرت ساخنة في مناطق أكثريتهم، وذلك بحسب توافقات واضحة مع الحكم، لم يكن الحكم ملتفتاً لأخذ رأي الشارع السني، وكأنه غير معني بهذا الأمر، على اعتبار أنه سيقبل استمرار الحال على ما هي عليها قبل الميثاق، أو القبول بالتغيير الذي يراه أولياء الأمر أياً ما كان.
عدم وضوح الرؤية لدى السنة وافتقاد المرجعية جعل بعضاً من الخطباء على منابر الجمعة يدعون المصلين إلى الإقبال على التصويت بـ ‘’نعم’’ للميثاق، وبعض آخر كان يحذر ويحرم الدخول في اللعبة السياسية التي ستجلب ‘’الديمقراطية’’، وبما أن الديمقراطية ليست من النظم الإسلامية التي وضعت في عهد الرسول والعهود الفاضلة التي تلته، فإنها تقترب من أن تكون رجساً من عمل الشيطان.


بالنسبة إلى إبراهيم بوصندل فإن ‘’المدرسة السلفية تساوي الإسلام الصحيح، لذا نطالب الجميع أن يكون سلفياً، حيث إنه يعتمد على الكتاب والسنة والسلف الصالح’’. والإسلام بالنسبة إليه، كما هو بالنسبة إلى جماعته ‘’هو الإسلام السلفي الصحيح، فالرسول هو المبلغ، فنقول لجميع الطوائف عليكم بالعهد القديم الذي شهد لهم الدين. أما بالنسبة إلى السلفية، ففي السابق كان هدفها التركيز على الجانب الدعوي والخيري وذلك من جهة الفقه وغيرها من الأمور. وأما بالنسبة إلى الجانب السياسي والدخول في الأعمال السياسية فما إن طرحت القضية السياسية وافقت الغالبية على الدخول فيها، وذلك عن طريق الجمعيات والمشاركة في المجلس النيابي، حتى تم ذلك’’.


درء المفاسد
لكن هذه المشاركة التي أتت بعد ممانعة كانت قد جرت دراستها بشكل دقيق من قبل التيار السلفي خصوصاً، وذلك بالموازنة ما بين القعود عن المشاركة، وبالتالي ترك المقاعد التي قد يشغلونها في المجلس التشريعي شاغرة لبعض من خصومهم ومغايريهم في التوجهات، أو الدخول وشغل هذه المقاعد ومحاولة أسلمة القوانين، أو درء المفاسد، وهذا أضعف الإيمان. يشير بوصندل إلى أن ‘’السلفيين معروفون بالتشدد في العقيدة والسنن، ويحرصون على قضايا معينة فتكون دونها خطوط حمرٌ أكثر من الآخرين، وبذلك عرفت هذه الجماعة، وفي الجانب العقدي لديهم قوة في قضية التركيز على عدم القبول بجميع الآراء، وفي قضية الديمقراطية غالبية العلماء يرون أن الديمقراطية نظام غير إسلامي، إذ إن هناك تقريراً وتشريعاً من خلال الشعب، وهذا يتصادم مع الإسلام الذي يؤكد أن التشريع لله والحكم لله’’. وبذلك تداول السلفيون الأمر بأناة، وراجعوا مرجعياتهم في السعودية والكويت وبعض البلاد التي تتخذ من الديمقراطية منهاجاً لها، وكان الرأي السائد هو ‘’أن البرلمانات يجب أن يقتصر دورها على القوانين الدنيوية مثل المرور البلديات والإسكان وكل الأمور الأخرى ما عدا الدين’’، الذي يحتاج إلى علماء دين ليفتوا فيه، وليس أشخاصاً منتخبين.


وفيما يرى بعض الناس أن الشقة متسعة بين الشيعة والسلفيين في الظاهر، إلا أنهما يلتقيان في بعض الشوارع الخلفية من هذا الخلاف، فهذا بوصندل يقول ‘’قانون الأسرة، أو الأحوال الشخصية جزء من القضايا التي لا يحق للبرلمان الفصل فيها، لأن الله تعالى فصل في هذا الأمر’’.


رأى السلفيون - في البداية - حرجاً كبيراً في الدخول للبرلمان الذي يضم جميع الأطياف العلمانية وغير الدينية، وبعد دراسة ومخاطبة للمشايخ في السعودية والكويت ومصر بين العامين 2001 و2002 تساءل العلماء عن إمكان إيقاف المجلس، وهذا كان واضحاً أنه لن يمكن إيقافه، وبذلك تكون المشاركة باعتماد قاعدة تقليل المفاسد وتكثير المصالح، وكان التعبير الشائع أن ذلك سيكون حكمه كحكم أكل الميتة.


وبالفعل دخلت الغالبية في المجلس، وكان لابد أن تدخل العناصر المتدينة وتناقش الأمور بشكل إسلامي وديني’’. هنا يقول الشيخ الجودر إن هذا الكلام غير صحيح على إطلاقه، مرجعاً الأمر إلى ‘’المصلحة الذاتية للجماعة’’، أي الجمعيات السياسية السنية.


الجمعيات السياسية السنية رأت أنها باتت اليوم قادرة على قطف ثمار المرحلة التي لم تشارك فيها أساساً، لم يكن لها - في الغالب - ممثلون في العرائض الشعبية والنخبوية، وكانت خطواتهم المترددة في البداية، انقلبت إلى تسابق في نهاية المطاف.



الهوامش
[1] راجع الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.
[2] فهيم عبدالله، صحيفة ‘’الوسط’’، 31/5/.2006
[3] المصدر السابق.
[4] المصدر السابق.
[5] المصدر السابق.

 

 

المصدر: صحيفة الوقت البحرينية


 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها