مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

ما الذي يقلق السنة؟ - غسان الشهابي

طباعة PDF




إذاً، بدأ القلق يرتفع عند بعض من المنتمين إلى التيار السني في البحرين مما يجري على الساحة المحلية والتحركات الشيعية المتكتلة حول رموزها، لها مطالبها الواضحة وصوتها المدوي في الشارع، بينما لا يستطيع السنة توحيد خطاب واضح، ولا هم قادرون على تحديد ما الذي يريدونه بالضبط، وليست لهم مرجعية واضحة في هذا الإطار، وربما لا يعرفون ما الأولويات التي تهمهم، وهل هي أولويات ‘’طائفة’’ أم أولويات ‘’وطن’’؟ أو كما يقر إبراهيم بوصندل ‘’لو كان وجود إحدى الطائفتين في البلاد (إما الشيعية أو السنية) لعم الاستقرار، وحتى لو كان وجود الشيعة والسنة في البلد نفسه وكل أخذ حقه يكون الاستقرار أيضاً (...) الشارع السني يتخوف كثيراً من أمور المكاسب التي تتأثر من خلال وجود هاتين الطائفتين. ولكن للأسف، الصوت العالي هو الذي يحصل على المكتسبات’’.


زاد من هذا القلق ما يجري في العراق، وانقلاب الأوضاع هناك بسقوط النظام البعثي، ودخول التيارات الشيعية السياسية بقوة في اللعبة مدعومة من الولايات المتحدة، وما يتناقله كلا الطرفين من عمليات اختطاف و’’قتل على الهوية’’، واستهداف العلماء والمساجد والمآتم وغيرها، فكان خروج ‘’هيئة علماء المسلمين’’ التي جمعت أطياف التشكيلات السنية في العراق تحت مظلة واحدة، وبخطاب موحد أو متقارب في أحيان أخرى.


كانت القدرة العالية لدى الشيعة في البحرين على حشد الشارع تجاه قضايا معينة (القتال قرب مرقد الإمام علي، قانون الأسرة، الاعتداء على مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء.. الخ) توحي بقوة التيار في مقابل ‘’استحياء’’ المسيرات السنية القليلة تكراراً وعدداً.


يقول عادل علي عبدالله ‘’أحترم كثيراً الحراك المجتمعي الشيعي، وأبسط مثال على ذلك الحملات الكثيرة والكبيرة في حملات التبرع بالدم، فتم توظيف الجانب الديني لخدمة المجتمع، وننظر إلى ما جرى بالنسبة إلى قانون أحكام الأسرة، فلا تملك إلا أن تحترم هذا التجمع المدني الذي يلتف حول أولي الرأي، ويعبر بقوة ورقي، فتخرج عشرات الآلاف لتقول (لا) وتضطر الحكومة التي تريد تمريره إلى سحبه أكثر من مرة، هذا بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا في هذا الأمر’’. الأمر نفسه يقوله إبراهيم جمعان من جانب آخر ‘’يرصد هذا القلق من خلال وقائع، فعندما تتم تصفية المئات في العراق من السنة بما فيهم العلماء ونشاهده بأعيننا يعطي مبرراً للقلق (...) عندما ينادى إلى الخروج في مظاهرات أو خروج مسيرة كما يحدث لمساندة الأحوال الشخصية ويخرج فيها عشرات الآلاف، يعطي السنة مؤشرات خطيرة جداً، خصوصاً أن المؤسسات السنية لا تستطيع أن تحشد ولا حتى عُشر ما يحشده المجلس العلمائي، وهذه حقيقة’’. أما أسباب عدم القدرة على التحشيد على الطرف السني فهذا سوف نأتي عليه لاحقاً، ولكن الشيخ ناصر الفضالة يرصد هذا القلق بطريقة أخرى.


استبيان الفضالة
قبل أشهر، قام الفضالة بتصميم استبيان وزعه على عينة مكونة من 120 فرداً من السنة، اختارهم من بين الطبقة المتوسطة، واختارهم من التكنوقراط، وطرح في هذا الاستبيان عدداً من الأسئلة تحت عنوان ‘’أهم العوائق التي تواجه أهل السنة والجماعة’’ وجه فيه أسئلة من مثل ‘’هل توافق على أن الحالة العامة لأهل السنة والجماعة سيئة؟ في حال عدم رضاك عن مستوى السنة والجماعة، من يتحمل المسؤولية: التجار، العلماء والمتدينون، الجمعيات الإسلامية، الجمعيات السياسية، الإعلام، المناهج الدراسية، نواب البرلمان، الميثاق والدستور؟ هل توافق على ضرورة العمل لإنقاذ أهل السنة والجماعة من الوضع السيئ الذي يعيشونه؟ هل تظن أن الحديث عن تقوية الجبهة السنية من شأنه أن يخلق فتنة طائفية؟ ما أكبر المشكلات التي يعاني منها أهل السنة والجماعة في البحرين: التشتت والفرقة، عدم وجود مرجعية دينية يجمع عليها، عدم وجود مرجعية سياسية، عدم مطالبتهم بحقوقهم كما يفعل الآخرون، بروز زعامات شعبية تتحدث باسمهم وهي ليست أهلاً لذلك، بروز زعامات شعبية لا تبحث إلا عن مصالحها الشخصية، الخوف من الطوائف الأخرى، البطالة، الإدمان والانحراف، المشكلات الاجتماعية، الترف والدلع (الدلال) وعدم الشعور بالمسؤولية بين الشباب، وأخيراً، ما الحلول المقترحة للنهوض بمستوى أهل السنة والجماعة: تشكيل فرق عمل لدراسة المشكلات والبحث عن الحلول، تشكيل وفود شعبية لعرض المشكلات ودق ناقوس الخطر، تفعيل واستبدال الزعامات الدينية الحالية، استبدال الأعضاء الممثلين لهم في البرلمان، المسيرات والاعتصامات المتحضرة، تفعيل دور المساجد، تفعيل الدور الثقافي والاجتماعي للأندية، الدعوة للتكاتف ولمّ الشمل بين الجمعيات الدينية والسياسية’’.


خرج الاستبيان بما كان متوقعاً من العينة المنتقاة التي تم اختيارها، ومع أن هذا الاستبيان بعيد عن العلمية في مبناه وفي النتائج التي توصل إليها وفي اختيار العينة، إلا أن سيكون مؤشراً - ضمن مؤشرات عدة - في هذا الصدد، فكان 7,89% من المستطلعة آراؤهم رأوا أن حال أهل السنة سيئة، 67% رأوا أن التجار يتحملون مسؤولية هذا الوضع، وحمّل المستطلعون العلماء والمتدينين 9,83% من المسؤولية، و9,82 حمّلوا الجمعيات الإسلامية هذا التدهور، و2,79% كان نصيب الجمعيات السياسية، وفي الجانب الإعلامي أشارت أصابع المسؤولية إليه بنسبة 2,76%، وتحملت من وجهة نظرهم المناهج الدراسية 8,57%، ونواب البرلمان 7,75%، ووافق 6,52% على تحمل الميثاق والدستور هذه المسؤولية.


في الجانب الآخر، فإن 4,97% من الداخلين في الاستطلاع رأوا ‘’ضرورة العمل على إنقاذ أهل السنة والجماعة من الوضع السيئ الذي يعيشونه’’، ولم يوافق 9,73% على أن الحديث عن تقوية الجهة السنية من شأنه أن يخلق فتنة طائفية، ورأوا أن التشتت والفرقة، وعدم وجود مرجيعات دينية وسياسية يُجمَع عليها، وعدم مطالبتهم بحقوقهم كما يفعل الآخرون، وبروز زعامات شعبية تتحدث باسمهم وهي ليست أهلاً لذلك، وبروز زعامات شعبية تبحث عن مصالحها، وأن الترف والمشكلات الاجتماعية والبطالة، جميعها هي ما قاد السنة في البحرين إلى هذه الوضعية، بينما تساوى - تقريباً- عدد من وافق ولم يوافق على ‘’الخوف من الطوائف الأخرى’’ كسبب من أسباب وضع أهل السنة حالياً (3,43% يوافقون، و2,44% لا يوافقون).


ويفصّل الفضالة هذا الأمر بقوله ‘’التشتت والفرقة، أمر قائم بين التيارات الإسلامية’’، مشيراً إلى أن بعض الصحف عندما تهاجم تيارات إسلامية سياسية فهي لا تتناول مواقف وأشخاص وحسب، ‘’بل على أصول الدين، وهذه الاستفزازات توقعنا ألا يقبلها أحد من التيارات الإسلامية، إلا أنه لم يتحرك أحد أبداً، ولا الكتل البرلمانية تحركت (...) وهو دليل كبير على التشرذم والخوف وتقديم المصالح الفئوية والشخصية على الوطنية (...) هناك تراخٍ كبير وعدم وضوح في الرؤية عند المجلس الإسلامي الأعلى’’.


ويقول أيضاً بعدم وجود المرجعية ‘’كنا نأمل أن يتشكل كيان من العلماء يرجع له الناس في جميع مشكلاتهم ويتم رفعها من خلال هذه المرجعية كما تفعل المرجعية الشيعية التي تعتمد على قنوات ولجان عدة تنافس في حرفيتها أفضل وزارات الدولة (...) مع الأسف هناك خذلان حتى مع التعاطي الشعبي من جانب العاطلين (...) هذه النفسية موجودة بشكل كبير بين شبابنا، الاعتماد على الأمور الجاهزة والحلول الجاهزة. ولا يمكن لنا المقارنة بين من يصرخ مطالباً بحقوقه ومن يجلس ينتظر من يطالب أحد عن حقوقه نيابة عنه (...) لقد سمعنا كثيراً من الملاحظات بهذا الخصوص’’، ويقصد من خلال الاستبيان ومن خلال اللقاءات الشخصية.


وفي سبيل ‘’النهوض’’ بأهل السنة والجماعة، كان هناك شبه إجماع على تشكيل فرق عمل لدراسة المشكلات والبحث عن الحلول، وتراوحت النسب التي تخطت 50% على استبدال الأعضاء الممثلين للسنة في البرلمان، واستبدال الزعامات الدينية الحالية، وتفعيل دور المساجد والأندية، والدعوة للتكاتف ولمّ الشمل بين الجمعيات الدينية والسياسية، إلا أن واحدة من هذه الحدود كانت مدعاة للتساؤل، وهي ‘’تشكيل وفود شعبية لعرض المشكلات ودق ناقوس الخطر’’، والسؤال: ‘’هل هو خطر يهدد كيان السنة في البحرين؟’’.


أكثر المتحاورين أجمعوا على أن ‘’الخطر’’ لا يأتي من الشيعة، فعادل علي عبدالله، يقول ‘’إذا ظن السنة، أو اعتقدوا، أنهم سيقصون الشيعة، فهم على خطأ كبير وقاتل، والشيعة بالمثل سيكونون مخطئين إن راودهم هذا الوهم، فالبحرين فئتان تعيشان على هذه الأرض الصغيرة، نعم، هم يختلفون ولكن هناك جوامع مشتركة، والأرض واحدة من هذه الجوامع’’، لكن الخطر يأتي من ‘’تراخي’’ السنة في الحراك الموازي مجتمعياً وسياسياً، لذلك يقول عبدالله ‘’عندما نرى جسم البحرين، نرى فيه قدماً طويلة وقوية وتسير (الشيعة)، والأخرى أقصر طولاً وأضعف قوة (السنة)، وعندما يرى المثقفون هذا الخلل ولا ينقذونه ولا يعملون على تشخيصه وإصلاحه، فسيكونوا خائنين لأبناء طائفتهم، ولوطنهم’’.


بذور التشكل
في ظل هذا التخوف، الذي يراه بعضٌ طبيعياً وآخرون يرونه مرضياً، كانت هناك دعوات لكي يلتئم ممثلو السنة (من ناحية التيارات المتداولة) في اجتماع لتوحيد الكلمة، ولتقريب وجهات النظر وخلق خطاب موحد فيما بين الأطراف إزاء القضايا الوطنية والإقليمية والعالمية، وذلك بدلاً من تضارب الخطابات والمواقف، وكذلك إيجاد نوع من الخطاب الموحد أو المتقارب لما يلقيه الخطباء من فوق منابرهم يوم الجمعة.


هذه كانت الأهداف العليا للاجتماع الذي أطلق عليه ‘’تأليف القلوب’’، والذي كان الشيخ عبداللطيف المحمود هو الداعي الرئيس له. ويفصل عبدالله في الأهداف بقوله ‘’ما يراد له الحصول من قبل جماعة من أهل السنة، هو ليس تخندقاً، ولكن إخراج السنة من فرض الكفاية إلى فرض العين، لأن منهم يرى أن يقوم بعضٌ بالتفكير نيابة عن الآخرين، في حين أن التفكير والعمل أمران مناطان بكل شخص، لأن عمل الفرد في الدنيا هو ما يحاسب عليه في الآخرة (...) بالتالي لا يمكن تسليم قيادة التفكير والفعل إلى آخرين يكفوننا التبعات، فنشأت أجيال عطلت تفكيرها للسلطة التي مطلوب منها اليوم أن تعلم الناس وتسكنهم وتشغلهم وتزوجهم، ولذلك عندما نقول (الحاجة) فهي ليست تخندقاً، وإن كانت هي في جزء منها تخندقاً، وأكبر دليل ما يجري في العراق اليوم’’.


ويستطرد ‘’هناك خمول في التفكير بسبب المحيط وعقلية أمن الدولة، الذي لم يرد شعباً يفكر معها في سبيل ارتقاء البلاد وتطويرها، فما وصل إليه السنة في هذا الصدد أمر يؤاخذ عليه علماء السنة، والدول والأفراد أيضاً، فـ ‘’لا تزر وازرة وزر أخرى’’، فإذا كانت الملائكة التي لا تعصي لله أمراً سألت خالقها عن خلقه لآدم ولم تعاقب، فلا يمكن للفرد المسلم أن يستسلم للشيخ أو العالم الذي يتبعه، حتى ولو قال له عطل تفكيرك في جملة من المسائل (...) الهدف من العمل الجمعي ليس الفئوية’’، ويبدو أن عبدالله كان مستعداً لأن يرمى هذا التجمع بـ ‘’الطائفية’’، ولكنه يجتهد في نفي ذلك، مشيراً إلى أنها ‘’حاجة وطنية’’ حتى تقوى كل أطراف الوطن بدلاً من أن يجر طرف منه طرفاً آخر، في حراك غير متكافئ. ‘’فالغالبية من السنة، الذين لا يوجد انتماء سياسي واضح لهم، هم الذين تعاني الحكومة اليوم في تحريكهم، تعاني أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، وأن يكونوا فاعلين في المجتمع بعد نحو أربعين عاماً من التهميش والاستئثار بالتفكير نيابة عنهم’’.


ويقول عبدالله في منشأ هذه الفكرة، بوصفه واحداً من أربعة عملوا على صوغ أهداف هذا التجمع ‘’كانت حاجة لدى الجميع، كانوا مختلفين اختلاف تنوع، صحيح أنه وصل إلى مرحلة (مرضية) أحياناً، فجاءت الدعوة لتأليف القلوب على أساس (لنعمل على ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)، بدأ الأمر بعد مرحلة (الطمع) الذي سرى في الكل - كما أشخصه - وهي مرحلة دخول الانتخابات، وكانت هناك تحالفات، وانقلب بعضهم على بعض، والاستقطابات من أجل الحصول على نصيب أكبر من الكعكة، ولكن المتنافسين وقعوا في ما هو أكبر من ذلك، إذ وصل الأمر إلى التكشير عن الأنياب، في حين كان العمل الإسلامي سابقاً، يصب في العمل الخيري والمجتمعي، ففي بداية الثمانينات، عندما بدأ صندوق الرفاع الخيري في العمل، وتحول بعد ذلك إلى جمعية التربية الإسلامية، أخذ يجد له طريقاً ونفوذاً على الأرض، حتى مرحلة أزمة الخليج، أصبح يضارع جمعية الإصلاح، وكلا الفصيلين كانت له مدرسة حاولت أن تجمعهما، بقيادة الشيوخ عبداللطيف المحمود، عبدالرحمن عبدالسلام، وأحمد المحمود. هو تيار قديم في الدعوة، بل ربما أقدم من الموجودين على الساحة حالياً’’.


كانت هذه الهواجس أكبر محركات الدعوة لاجتماع عاجل وحاشد ومستمر، فعبدالله يرى أن ‘’الشارع السني منكفئ على نفسه في الغالب، فهناك فجوة حقيقية بين قيادات الرأي الديني والمدني، والطبقة العريضة من الشارع السني، مادام الفرد السني آمن على بيته وعمله وقوته وقوت عياله، لا يتحرك إلا إذا جاع هو، وليس إذا جاع جاره، ولا يألم إلا إذا أتته الصفعة هو، ولكنه - في الغالب - لا يألم لما يلمّ بجاره’’، وهذا ما يعنيه ‘’استنهاض’’ هذا الشارع.

 


المصدر: صحيفة الوقت البحرينية

 

 

 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها