مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الشارع في عُمان، الأمل وتقرير المصير - عبدالله الريامي

طباعة PDF

 

سابقتان تشهدهما عُمان يومه السبت 26-2-2011، الأولى هي فعل الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة لجهة توزعها الجغرافي وسقف مطالبها وقوة إرادتها. والسابقة الثانية هي رد الفعل عليها؛ فبعد ساعات فقط من بدء الاحتجاجات المستمرة أصدر السلطان قابوس عدداً من الأوامر" لتهيئة سبل العيش الكريم لأبناء شعبه" من وجهة نظره الحكومية.

 

هناك اعتراف إذن من القصر باحتجاجات شعبية أي بوجود مشكلة يتوجب معالجتها فوراً لذلك جاء العلاج المقترح سريعاً لأمراض إما أن صاحب الوصفة لا يعرف عنها شيئاً وإما أنه لا يعترف أصلاً بها. وما علاجه المقترح سوى جزء من وصفة أوسع سوف يتم استخدام وسائلها لإنهاء أو احتواء "المشكلة التي خرجت للتظاهر"،  وليس أمراض الفساد والبطالة والفقر وتدني الأجور التي خرج المتظاهرون من أجلها.

 

إذا كانت كل هذه الأصوات طوال شهرين لم تُسمع وعندما علت ازدادت الأذن الموجهة إليها صمماً فإن في الأمر خللاً جللاً هو ذاته فساد أربعين عاماً من الحكم وأكثر من عشر سنوات من التظلمات والمطالبات الشعبية المباشرة وغير المباشرة، عبر الإنترنت أو عبر الرسائل الحكومية.

 

أن تصدر أوامر بهذه السرعة كرد فعل على احتجاجات شعبية ترفع شعارات إصلاح النظام وإسقاط الفساد وتصرخ بالظلم المتنوع الواقع عليها فذلك أمر في أصله صحيحاً لكن في هيئته التي أطل بها علينا لا يمكن إلا أن يكون معتلاً أو محتضراً وهو ما تسبب في قلق ومخاوف على مسارات الحاضر والمستقبل تؤخذ اليوم بجدية أكثر من أي وقت مضى.

 

مضامين الأوامر التي صدرت لترقيع بعض المشكلات الاقتصادية هي غاية في الضعف وانعدام  المصداقية و"أتفه" من أن تناقش. لا تدل على أية حنكة سياسية أو غيرة وطنية أو تبادل أخلاقي مع شعب  خرج مستنجداً ومعولاً على ما يظن أنه الأمل المنصف الذي تبقى له من دولة فساد.

 

خرج المتظاهرون يراهنون على عزل حكومة بكافة أجهزتها أمام العدالة المرتجاة من حاكم يحبونه ولا يريدون فقدان الثقة به ويجددون تحالفهم معه فإذا به يعزل الشعب عنه ويلقي بمحبته له في محرقة الأحباط وفي أقل القليل الحيرة والاستغراب.

 

وخرجت الحكومة على الشعب تراهن على أنه لا يحتاج لأكثر من "مصاصة" يتلهى بها، وعلى صبره، وعلى خوفه، وعلى انعدام حيلته، وعلى قوتها. وهو رهان خاسر لإن جميع تلك الأدوات غير صالحة لإخضاع شعب جرب الصبر حتى أصبح حافياً، وجرب الخوف حتى تجاوزه إلى الشارع، وجرب عدم الحيلة حتى اكتشف أن لا حيلة لأحد غيره. أما القوة المتوهمة فهي الهشاشة بعينها أمام شعب يهتف "للتغيير للتغيير..واللي يريده الشعب يصير".

 

المتظاهرون الذين خرجوا بأسلوب احتجاجي سلمي متحضر، والذين لم تفارقهم "الثوابت الوطنية" من الإجماع على الحاكم والوحدة الوطنية يصبحون اليوم في حل من أملهم في القصر! ويتجهون إلى الطريق الصحيح وهو التعويل على إرادتهم وحدها، إرادة لا يشاركون فيها أحداً ولا يفوضونها لغيرهم.

 

الشارع هو الأمل وتقرير المصير.

 

--

المصدر: موقع جدار - 26/02/2011

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها