مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

البنديرة البريطانية والعلم الملوكي - عبدالهادي خلف

طباعة PDF




قبل ثلاثة أسابيع ورد خبرٌ عاجل طَّيرته وزارة  التنمية وحقوق الإنسان على مختلف أدوات التواصل الإجتماعي. وفيه كانت الوزارة تعتذر اعما جاء في خبر إعلاني عن إحتفال أقامته  بمناسبة العيد الوطني الرسمي.   لم تعتذر الوزارة  للناس لأنها إحتفلت في وقتٍ تسود البلاد أجواء الحزن على  ضحايا  إنتهاكات حقوق الإنسان.  بل كانت تعتذر لأن الصور المنشورة في الخبر الإعلاني  تضمنت صورة علم إمارة البحرين (ذي المثلثات الثمانية)  وليس علم مملكة البحرين ( ذي المثلثات الخمسة).  وأكد الخبر العاجل لأولي الأمر إن الوزارة  قامت  باللازم أي يتغيير جميع الأعلام لديها وإستبدالها بالعلم المعتمد حالياً.

لم تكن الوزيرة البلوشي في  حاجة للإعتذار وتسارع إلى التخلص من  كل ما في وزارتها من أعلام ورايات مثمنة المثلثات لولا إنها على ما يبدو إرتعبت وأرادت أن تقي نفسها من غصبٍ  أصاب  غيرها رفع بعضهم علماً  زادت  مثلثاته عما هو مقرر.  ومع ذلك فلا بد من ملاحظة أن أزمة الوزيرة البلوشي مرت بهدوء إذا ما قارناها  بالحملة الإعلامية المستمرة التي تردد روايات حيكت حول  “علم البحرين الإثنيْعشري”.

فيما يلي  قد تجد الوزيرة البلوشي  ما  يخفف عنها بعد أن  تتعرف على الخلفية التاريخية للعلم الذي إرتعبت حين أخطأت فرفعته مثَمَّناً.

الأحمر والأبيض : رمز الخضوع للإستعمار البريطاني

لا يعرف كثيرون الأصل البريطاني للعلم البحريني.  فهذا العلم الذي يرفعه المتظاهرون في شورارع البحرين من أجل دولة دستورية بل ويستشهد بعضهم وهم يحملونه هو أحد صور تلك البنديرة التي فرضها البريطانيون بالقوة قبل قرنيْن على  جميع مشائخ القبائل في طول الساحليْن الجنوبيْن للخليج العربي.

تذكر كتب التاريخ  أن القواسم وحلفاؤهم قاوموا البريطانيين مقاومة إستبسالية  وخاصة في العقديْن الأولين من القرن التاسع عشر. إلا أن البريطانيين  يتمكنوا في آخر الأمر  من إخضاع  الساحل العربي من الخليج إلى سلطتهم بعد أن دَّكوا  حصون القواسم في رأس الخيمة و دمروا  بقية الموانئ الكبيرة فيما يُعرف الأن بدولة الإمارات العربية  علاوة  على  بعض الموانئ  في  جنوب الساحل الفارسي المقابل .

في عام 1820 فرض البريطانيون على شيوخ  الساحل العربي  توقيع “الإتفاقية العامة” التي بموجبها خضعت اتلك المنظقة وحتى إستقلالها في 1971  إلى الهيمنة البريطانية.   حسب نصوص تلك الإتفاقية  تعهد المشايخ  العرب بعدم ممارسة أعمال القرصنة البحرية والتوقف عن التجارة في الرقيق وكذلك الإمتناع عن  بناء السفن الكبيرة، وتشييد التحصينات في المناطق التي يسيطرون عليها. ومنحت  الإتفاقية بريطانيا الحق في تفتيش السفن الخاضعة لمشائخ المنطقة للتأكد من إلتزامها بشروط الإتفاقية.

ولتأكيد الإلتزام بنصوص إتفاقية 1820 فرضت المادة الثالثة منها على شيوخ الخليج  أن يرفعوا على سفنهم في البحر وعلى أراضيهم ما سمته البحرية البريطانية بـ “راية بيضاء تخترقها حمرة”. وعلاوة على ذلك فلقد كانت السفن البريطانية تُغرق كل سفينة  في البحر وتقصف كل حصن لا يرفع تلك البنديرة المقررة.

صمم  البريطانيون علم الخليج الموحد  فكان  “علماً احمر يضم حاشيه بيضاء و يكون عرض الأبيض في الحاشية مساويا للعرض الأحمر” إلا إنهم تركوا الخيار لكل قبيلة في  تزيين الراية  و “إضافة شئ من الكتابة” عليها.  و لهذا كانت أعلام مشيخات الخليج من الكويت شمالاً حتى الفجيرة جنوباً  حمراء/بيضاء. ولهذا أيضاً  رأينا أن بعض المشيخات . مثل الكويت ودبي والفجيرة,  كانت  تكتب إسمها في وسط العلم.

لم يكن آل خليفة في البحرين طرفاً في أعمال المقاومة التي قام بها القواسم وبقية قبائل الساحل العماني (الأماراتي الآن).  ولهذا لم ترغمهم بريطانيا  بالقوة على توقيع إتفاقية 1820. إلا أن شيوخ البحرين عرفوا الدرس فسعوا بأنفسهم , تحت ضغط ظروف آخرى, إلى التوقيع على تلك الإتفاقية في وقت لاحق.  ولهذا ومنذاك صارت البنديرة البريطانية علماً لحكام البحرين.  ولهذا أيضاً  تستمر الراية نفسه بمثلثات أو بدونها.  ثماني أو خمسة. ولكنها دائماً كما صممها الكابتن البريطاني قبل ما يقرب  من قرنيْن.

حدثت إستثتاءات عابرة لإلتزام آل خليفة بشروط الإتفاقية  بما في ذلك شرط البنديرة ذات اللونيْن الأحمر والأبيض.  ومن بين هذه الإستثناءات ما حدث في فترة حكم محمد بن خليفة ( 1842-1869)  الذي كان يرفع على أبراج قلعته في أبي ماهر الأعلام الإيرانية  أو العثمانية  بحسب نفوذ أيٍ من الدولتيْن. (أنظر االنبهاني: 163). إلا أنه دفع ثمن ذلك  التذاكي حين دكت السفن البريطانية قلعته وعزلته  عن الحكم وعينت أخاه بدلاً منه حاكماً للبلاد.  فكان  ذلك درساً  لكل  من جاء بعده من حكام.

علمٌ لكل حاكم

لا تُلام الوزيرة البلوشي  على ما شعرت به من رعب  بسبب خطأ غير مقصود. وبالمثل لا يجب أن يلام أحدٌ غيرها رفع علماً لا يتوافق مع الواصفات المعتمدة في المملكة.   فمثل هذاه الأخطاء تحصل في كثير من البلدان ولا يستدعي ذلك أكثر من تصحيح الخطأ. ولكن البحرين غير كما هو معروف.

مما يجعل “البحرين غير وغير” إنها   بلدٌ يتغير علمُها  كلما تغير حاكمها.  ولهذا صار للبحرين أربعة أعلام خلال فترة خمسة وخمسين سنة. علمٌ قبل 1957  وعلمٌ في 1957 وآخر في  1971 ثم أخر في 2002.   وهي أعلام تختلف في تفاصيل صغيرة ولكنها  تلتزم جميعاً باللونيْن الأحمر والأبيض اللذيْن فرضتهما بريطانيا في عام 1820.

كان علم البحرين  في أواخر عهد المرحوم الشيخ سلمان بن حمد “يتألف من لونين أحمر قرمزي وأبيض”. وكان  الطرف الفاصل بين اللونيْن خطاً مستقيما أو مسنناً بثمانية أسنان. (أنظر إعلان رقم 12 لسنة 1957).

بعد الإستقلال مباشرة  أصدر المرحوم الشيخ عيسى بن سلمان مرسوماً أميريا غيَّر بموجبه صفة الإحمرار من القرمزي إلى القاني. ولكنه إحتفظ  باللون الأبيض وبالشكليْن المعتمديْن أي العلم المفصول بخط مستقيم أو بخطٍ مسنن بثمانية أسنان.  (أنظر مرسوم بقانون رقم  16 لسنة 1972) .

وأخيراً جاء علم المملكة  ليحتفظ  باللوْن الأبيض و باللون الأحمر القاني وبالمقاسات السابقة المعتمدة في عهد الوالد والجد  ولكنه ألغى العلم المقسوم بخط مستقيم كما إنه إختصر المثلثات الفاصلة بين الأحمر والأبيض إلى خمسة بدلاً من ثمانية. (أنظر قانون رقم  4 لسنة 2002 ).

الأحمر والأبيض  والإسلام؟  

لم أجد فيما هو متوافر لديّ من أوراق تفسيراً  لقرار والد الملك  و جده أن يكون لعلم البلاد شكليْن مختلفيْن. ولا لسبب إختيارهما  تسنين العلم بثمانية أسنان على وجه التحديد.  ولكننا بالمقابل نقرأ تفسيراً غريباً حول المثلثات الخمسة في العلم الملوكي.  فهي كما ورد في نص القانون “تمثل أركان الاسلام الخمسة“.

لا شك أن من صاغ قانون العلم الملوكي  و أشار فيه إلى أركان الإسلام الخمسة كان يقصد أن يضفي هالة من القدسية على العلم  وشرعية من نوعٍ ما على المملكة.  وليس في هذا غضاضة فلقد أُستخدمت الرموز الدينية عبر التاريخ بغرض إضفاء الشرعية على هذا الأمر أو ذاك.  ألم تُرفع المصاحف على رؤوس الأسنة؟

ربما أراد من صاغ القانون أن تتوازى هالة علم المملكة الجديد مع الهالة التي توخاها مصمموأعلام السعودية وإيران والعراق التي يزينها إسم الجلالة. فإن كان هذا هو هدف من صمم العلم الجديد أو صاغ قانونه  فلقد فعل ما ليس له به حاجة.  فلقد كان يستطيع أن  يكتفي  بمثلثٍ واحد  رمزاً للواحد الأحد أو  بمثلثين رمزاً للشهادتيْن أو بثلاثة مثلثات إشارة ً لعدد المساجد التي تُشَّدُ الرحال إليها أو أربعة مثلثات رمزاً للخلفاء الراشدين ؟

ناقشتُ الإشارة إلى أركان الإسلام الخمسة  في نص القانون المذكورمع بعض أصحابي  فذكرأحدهم  أن من صمم العلم الجديد كان يستطيع أن يحقق حيلته السياسية/الإعلامية دون تغيير عدد المثلثات. إلا أن صاحبي  تدارك  بالقول ربما لا يعرف مصمم العلم  من الإسلام  الكثير أو لعله لم يقرأ من  القرآن الكريم  ما يكفي ليعرف حَمَلَة العرش الثمانية.

قلتُ كانت الوزيرة البلوشي في غنى عن أن ترتعب  أو تعتذر لو بقيَ العلم كما كان قبل 2002.  ولما أهدرت  هي وغيرها من المسئولين المال والوقت  بمسارعتهم إلى بإستبدال كل ما في  مخازن وزاراتهم ومؤسساتهم من أعلام ورايات مثمنة المثلثات.  ومع ذلك فالوزيرة كانت أكثر حظاً من آخرين حملوا  أعلاماً كان عدد المثلثات فيها أقل أو أكثر من خمسة فلحقتهم المسبَّات والإتهامات إلى يومنا.  فلا شك أن  بيننا من  يتذكر روايات تلفزيون البحرين عن “العلم الإثنيْعشري”. وهي روايات لم  يتوقف أحدٌ من مردديها حتى الآن ليخبرنا  لماذا يغيِر “المهدويون” علماً  يرمز إلى أركان الإسلام الخمسة  وخاصة أن بعضهم  قد يرى فيه أيضاً إشارة  لعدد المذكورين في حديث أهل الكساء؟

كرر الإعلام الرسمي أحاديث الإفك حتى صدَّق البعض أن الجمهورية الإسلامية كانت قاب قوسيْن أو أدنى.  والأدهى أن  بعض العقلاء  صدقوا تلك الروايات  ولم يتوقفوا للسؤال  لماذا لا يصمم الجمهوريون, مهدويون كانوا أو ماركسيون أو ليبراليون أو لوفرية, علماً خاصاً بهم؟  أثمة أبسط من تصميم راية لا تثير الشبهات؟ وخاصة أن بعض الإعلام الرسمي يخبرنا أن “هؤلاء” يرضعون فنون التقية مع حليب أمهاتهم؟

علم الإستقلال؟

بعد أقل من شهر على حصول الكويت على إستقلالها في 1961  إستبدل أهلنا في الكويت علم الهيمنة البريطانية بعلم الإستقلال. وكذلك فعلت المشيخات السبع الأعضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد إعلان إستقلالها في 1971 .  جدير بالتنويه أن الكويت والأمارات إختارتا  لعلم إستقلالهما ألوان ما يُعرف بالعلم العربي.  أما البحرين فظل الحال على ما كان عليه. فحتى الآن لا يعرف أحدٌ أسباب تمسك السلطة في البحرين  بالبنديرة البريطانية.  نعم  لقد تغير شكلها قليلاً عما كانت عليه في 1820.

لقد فاتت في 1971 فرصة تغيير إستبدال البنديرة البريطانية بعلم يرمز إلى الإستقلال.  وكان مؤملاً ألا تفوت الفرصة مرة ثانية حين تحولت إمارة االبحرين إلى مملكة في 2002.   ولكن  البنديرة بقيت على حالها وإن تحولت بقانون إلى علم.   أسارع للقول أنني لا أعتبر أن  تفويت الفرصتيْن كان سهواً . بالضبط كما لا أعتبر سهواً  الإصرار الرسمي على عدم إعتبار يوم الإستقلال عيداً وطنياً تحتفل البحرين كلها به.  فالسلطة تفعل كل ما تستطيع كي لا يكون للبحرين ما يجمع أهلها على إختلاف نحلهم وأهوائهم وطبقاتهم.

نعم  لا تنحصر مشاكل البحرين في  شكل البنديرة  أوعدد مثلثات علم المشيخة أو علم الأمارة أو علم المملكة.   ولكن علينا ألا ننسى أن العلم ليس  مجرد قطعة قماش ملونة ذات شكل محدد يرسمها ضابطٌ صغير في البحرية البريطانية  أو مستشارأو شيخ أو ملك.  فالعلم هو رمز لأمور أخرى أكبر من حجم قطعة القماش واعمق من ألوانها. ولهذا  لم  يكن البريطانيون ليهتمون بالبنديرة التي فرضوها بالقوة على مشايخ الخليج  لوْ لم تكن رمزاً لهيمنتهم على شئون المنطقة ولوْ لم تكن تمثل تأكيداً لرضوخ المشايخ لتلك الهيمنة. ولهذا تبقى البنديرة في نظري رمزاً لحقبة مهينة في تاريخ الخليج العربي.

في هذه هذه الرمزية  بعض ما يفسر الرعب الذي أصاب الوزيرة البلوشي جعلها تسارع إلىالإعتذار بمختلف الوسائل عن خطأ غير مقصود.  ووبسبب هذه الرمزية تستمرإستخدام رواية العلم “الإثنيْعشري” ليس للتشكيك في ولاء الناس للحاكم  بل للتشكيك في ولائهم لوطنهم.

حين يتمعن المواطن والمواطنة في سيرة البنديرة البريطانية منذ 1820 وحتى الآن سيسهل عليْهما التعاطي مع أمور أكثرتشابكاً وتعقيداً. وسيعرفان أسباب إصرار السلطة على  رفضها الإحتفال  بعيد الإستقلال. و لماذا جاء الدستور في صورة منحة؟ ولماذا يستمر تشطير المجتمع أفقيا وعموديا وتدمير أواصر التواصل المباشر فيه؟ ولماذا هناك بحرينيون درجة سوبر وأولى وثانية؟  ولماذا  تُرسم الدوائر الإنتخابية بالطريقة القراقوشية التي هي عليها؟ ولماذا لا يتمكن النواب  المنتخبون من تعديل الدستور وحتى  تغيير لائحة مجلسهم الداخلية؟ ولماذا لم يستطيع النواب المننتخبون تغيير سياسة الحكومة  أو محاسبة رئيسها؟ ناهيك عن إستبداله برئيس وزراء منتخب.  فكل هذه الأسئلة وأجاباتها عروق متواصلة تقود  إلى كشف سر إصرار السلطة على مقاومة كل جهد يهدف إلى إستكمال  بناء الدولة الدستورية الحديثة التي يحلم بها الناس منذ بدايات الحركة الوطنية.  في هذه الدولة الدستورية ترتعب الوزيرة وتُضطر للإعتذار لأنها لم تدافع عن حقوق الإنسان وليس لأنها رفعت علماً فيه  مثلثُ  زائد أو ناقص.




المصدر: مدونة عبدالهادي خلف
10يناير 2012




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها