مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الديمقراطية.. كلمة أنيقة - سمير عبدالرحمن الشميري

طباعة PDF

 

 

لم تستغل كلمة في تاريخ الفكر السياسي بقدر ما استغلت كلمة الديمقراطية ، ولعله لم يهدر معنى أو يشوه بقدر ما حدث لها ، فقد تمسحت بها كل النظم بما فيها أعتاها استبدادا ، وأكثرها إهداراً لحقوق الإنسان " (د. عز الدين هلال ، ندوة : أزمة الدميقراطية في الوطن العربي (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، يناير 1987، ص 26).

فالديمقراطية كلمة أنيقة وساحرة تهمس نغماً وخادعة في الوقت عينه ، أفرطت نخب في استخدامها على غير مقصدها ، ولا يجيدون حرجاً في لي عنقها واستباحة حرمتها ، واستخدمت كمشجب يعلق عليها الغسيل المتسخ ، وسط حشد كثيف من الألفاظ البراقة والمعزوفات الآسرة للقلب.

فهي كلمة غامضة وواضحة وسهلة الاستخدام ومرنة إلى درجة استعمالها في مآرب جارحة لمعنى ومفهوم الديمقراطية ، ولقد لخص معناها المفكر الفرنسي موريس دوفرجيه ، بقوله إن الديمقراطية تعني (( أن يختار المحكومون نظام الحكم وحاكميهم عن طريق الانتخاب ))، فجان بدل بوكاسا إمبراطور أفريقيا الوسطى السابق ، كان يعتبر نفيه ديمقراطياً ، ويمارس ديكتاتورية مفرطة في العنف ، وسلوكاً إنسانياً مشيناً تقشعر له الأبدان ، حينما كان يقتل المعارضين ، ويأكل لحوم البشر ، ولقد كان أشد ولعاً بأكل لحوم الأطفال.

موبو توسيسي سيكو كان ديمقراطياُ على طريقته الخاصة في الكونغو (زائير) وتلطخت يداه بدماء الشرفاء من أبناء شعبه وهو صاحب الجريمة البشعة التي أدت إلى مقتل الزعيم الكنغولي المشهور باتريس لوممبا ، ولقد قدرت ثروته بما يربو على أربعة مليارات دولار.

هتلر و موسوليني ، صاحبا نظامين فاشيين وعنصريين ، مارسا الإرهاب والعنف والدمار والوحشية الفاحشة، واعتليا سلالم السلطة عبر الانتخابات الديمقراطية، واعتبرا نظاميهما ديمقراطيين وإنسانيين وخاليين من الشبهات.

بول بوت في سبعينيات القرن العشرين ، كان يعتبر نفسه ديمقراطياً لا ديكتاتورياً ، فكان يطمح أن يحرر المجتمع الكمبودي من الاستغلال ، وتنظيف المجتمع من الشوائب والمساوئ ، فهجّــر عدة ملايين من المدينة إلى الريف للعمل هناك، وعمل باتجاه القضاء على الفوارق ما بين المدينة والريف ، وقتل ما يربو على مليون مواطن كمبودي كي يفسح الطريق لإقامة مجتمع المستقبل، وعمل على إبادة المثقفين والأطباء والعلماء والمترجمين والموسيقيين والفنانين والرسامين والشعراء، ولمساواة الناس في المواهب والأذواق ، ومن أجل خلق مجتمع نظيف لا فوارق فيه ، ينعم بالعدالة والمساواة والأمن والأمل. " فقد أثبت التاريخ أن أشنع الجرائم ترتكب باسم أنبل المبادئ ،وعلى يد رجال هذه المبادئ أنفسهم الداعين إليها . فقد ارتكبت (جرائم عهد الإرهاب) في فرنسا على أيدي أصحاب مبادئ الحرية والإخاء والمساواة ، وارتكب بول بوت جرائمه في كمبوديا باسم نفس المبادئ التي تدعو إلى حرية الإنسان الاقتصادية والسياسية ، ويرتكب الحكام السياسيون جرائم اضطهاد الرأي المعارض تحت أسمى المبادئ الإنسانية وشعارات حماية مصالح البلاد وحريتها وكرامتها باسم حماية الديمقراطية " د. عبد العظيم رمضان، محاكم التفتيش.. مجلة (العربي)، العدد 258، مايو 1980.

وأرييل شارون يعتبر نفسه ديمقراطياً من الطراز الأول ويعتقد أنه بسلوكاته المشينة يدافع عن الديمقراطية والقيم النبيلة والعالم الحر بقتله الأطفال والشيوخ والنساء وتنكيله بالفلسطينيين، وأن إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط (حسب زعمهم)، وأنها تدافع عن العالم المتحضر حسب المفاهيم الشارونية البليدة. فأي ديمقراطية تلك التي تستبيح الأوطان وترمل النساء وتغتال الأحلام والأطفال والبراءات وتمارس العنصرية المقرفة وتبيد شعباً أعزل من السلاح يعتصم بالحق والنبل والشجاعة والإقدام . فأي ديمقراطية تلك التي تطمر مدناً وقرى وتحولها إلى أثر بعد عين.

فالديمقراطية قيمة إنسانية ماجدة تجل وتقدر الإنسان فهي ضد الرعب والجنون الجامح والقتل والعنصرية والسادية والأباطيل الشائعة والخبائث المتطرفة. فما بين الديمقراطية والقتل و الذبح والسيطرة والعنف والإقصاء بون شاسع.. فالديمقراطية تقف على مسافة واحدة من الجميع، لا تتجانس مع سياسة قعقعة السيوف، أو وضعها في الحلقوم.

لقد صدق أحد المفكرين حين قال : ((إن شعباً يضطهد غيره من الشعوب، لا يمكن أن يكون شعباً حراً )) . فالديمقراطية دون عدالة ومساواة ليست إلا رياضة لسانية وترفاً لفظياً للتلميع الإعلامي.


--


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها