مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حديث في التنويع الاقتصادي والتنافسية - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF




منذ أكثر من ثلاثة عقود ودعوات تنويع مصادر الدخل القومي تتردد وما تزال في أرجاء الخليج المختلفة سواءا الرسيمة أو الإعلامية أو حتى الأكاديمية , وبعيدا عن مدى نجاح دول الخليج من الناحية العملية في تحقيق هذا الهدف الهلامي الغير واضح فإن الإشكاليات النظرية – إضافة طبعاً إلى الإشكاليات العملية المعتادة- تعد عامل مهم في تحديد فرصة نجاح هذه المحاولات ,

فمن ناحية يعد هدف تنويع مصادر الدخل القومي هدفاً فريداً وقد يكون غريباً , إذ يتوقع ويفترض أن تسعى الدول غنيها وفقيرها إلى تعزيز تنافسيتها في مجال أو مجالين تملك فيهما الأفضلية التنافسية أو على الأقل الإفضلية النسبية لا أن تبدد مواردها وجهودها في محاولة تحقيق أهداف لا طائل منها كمنافسة الاَخرين في مجالات يملكون فيها إمكانيات أكبر ومقومات أفضل , إذ أن الدول كالبشر يملك كلٌ منهم مقومات تؤهلة للقيام بإعمال لا يستطيع منافسته فيها غيره وهذا من حكمته سبحانه وتعالي كي يتواصل الناس بسبب حاجة بعضهم للبعض الاَخر لسد الحاجات المختلفة فالمهندس يحتاج إلى الطبيب للعلاج وهذا الأخير يحتاج المزارع للتوفير الغذاء والمزارع يحتاج إلى البناء كي يقيم بيته وهكذا , ولا يتصور أن يقوم إنسان بكل شأنه بنفسه بمعنى يبني بيته بنفسه ويزرع قوته بنفسه ويعالج علته بنفسه

وهكذا هي الدول والأمم كذلك يملك كل منها ما يميزه عن غيره من الدول ويجعله يحتاج إليها , فدول تملك أراضي خصبة ومناخ ملائم يجعلها تتخصص في الزراعة وأخرى تملك موارد أولية تجعلها تتخصص في الصناعة وثالثة تملك شعب ماهر وتتخصص في الخدمات , وقد تملك دولة ما مميزات متنوعة تجعلها تتخصص في أكثر من مجال وتسود فيه لكن أن تسود بلد ما في كل التخصصات والقطاعات والصناعات وتكون أكفأ من غيرها فهذا أمرُ صعب إن لم يكن مستحيلاً , وقد سعت الكثير من الدول في الماضي إلى الإعتماد على إمكانياتها الذاتية ومحاولة تحقيق الإكتفاء الذاتي (Autarky) في مختلف الجوانب وذلك في المقام الأول لأسباب سياسة وإستراتيجية , وقد سلكت الدول في سبيل تحقيق هذا الإكتفاء إلى الكثير من الطرق وإستخدمت العديد من الأساليب والسياسات والتي يندرج مجملها  تحت الإجراءات الحمائية التي تهدف إلى حماية المنتج الوطني الإقل كفاءة (من حيث الجودة والأسعار) من منافسة المنتج الأجنبي الأكثر كفاءة وتنافسية ,

لكن مجمل هذه المحاولات لم تحقق الهدف المنشود أو تم تحقيق هذا الهدف ولكن بتكلفة إقتصادية وأحياناً سياسية عالية , ثم تحولت محاولة الإعتمادية وتحقيق الإكتفاء الذاتي من المستوى القطري إلى المستوى الإقليمي , بمعنى أن تسعى مجموعة من الدول -التي تجمعها بعض العوامل المشتركة مثل العرقية أو الديانة أو الأيدلوجية السياسية والإقتصادية- إلى أن تحقق الإكتفاء الذاتي من خلال التكتل وتنسيق سياساتها الإقتصادية والإنتاجية وتبادل الأدوار في تحقيق الهدف المشترك وهو محاولة الإستغناء عن أو على الأقل تقليل الإعتماد على العالم خارج هذا التكتل , لكن هذه الصورة من الإكتفاء الذاتي أو الإعتمادية الذاتية أيضاً لم يكتب لها الكثير من النجاح أو بالأحرى لم يكتب لها النجاح على الإطلاق , ولعل ما كان يعرف بالكتلة الشرقية إبان حقبة الحرب الباردة خير دليل على فشل محاولات تحقيق الإكتفاء الذاتي على المستوى الإقليمي بالرغم مما كانت تملكه دول هذا التكتل –خاصة الإتحاد السوفييتي- من موارد وإمكانيات.

ودول الخليج من جانبها تحاول جاهدة –محقة إو غير محقة- تحقيق هدف قريب من الإعتمادية الذاتية ألا وهو تنويع مصادر الدخل من خلال محاولة تنمية قطاعات متنوعة قد لا تملك بالضرورة أفضلية تنافسية أو نسبية وذلك لتقليل الإعتماد على مداخيل النفط كمصدر للدخل القومي أو الحكومي , وهذا الهدف بالرغم من أهميته الظاهرية قد لا يكون كذلك كما يعتقد الكثيرين من حيث الأهمية والجدوى , أذ أن أصل المشكلة لا يكمن في إعتماد الإقتصادات الوطنية لدول الخليج على نشاط واحد محدد ألا وهو إستخراج النفط بقدر ما يمكن في إعتماد الإقتصاد الوطني على مورد طبيعي ناضب يتسم بعدم الإستدامة (Resource Based Economy) وليس على قدرات وإمكانيات تتسم بقدر كبير من الإستدامة (Capability Based Economy) ,

لذلك لا أعتقد ان الحل يمكن فيما أصبح يعرف بتنويع مصادر الدخل القومي من خلال إستثمار الموارد المالية والبشرية في قطاعات مختلفة ومتنوعة قد لا يملك الإقتصاد الوطني فيها المقومات –لا الاَن ولا بعد ألف سنة- التي تمكنه من المنافسة على المستوى العالمي من حيث الكفاءة والتكلفة , لكن الحل قد يمكن في محاولة تنمية القدرات والإمكانات الموجودة والقابلة للتنمية ولعل تحديد القطاعات والنشاطات التي تملك هذه المقومات والإمكانات القابلة للتنمية تعتبر أصعب من عملية التنمية ذاتها بالرغم من صعوبة هذه الأخيرة , ولكن وبالرغم مما قيل فإن تحويل المورد إلى إمكانية لا تعتبر أمرا مستحيلا رغم صعوبته بل أن دول الخليج والحال كما يعلم الجميع لا تملك إلا هذا الخيار أي خيار تحويل المورد الناضب إلى إمكانية قابلة للإستدامة.

وتمثل التنافسية كمفهوم من أبرز الإشكاليات النظرية التي تواجه محاولات تنويع مصادر الدخل الخليجية ,  إذ أن مفهومي التنويع والتنافسية يعتبران مفهومان متناقضان بمعنى أن التنويع قد يكون على حساب التنافسية من جانب والتنافسية قد تحد من إمكانية التنويع من جانب اَخر ,  فالتنافسية من  ناحية تعبر عن المقومات التي تملكها دولة ما في قطاع أو نشاط إقتصادي ما وهي بهذا المفهوم تعتبر محددة ومقصورة على نشاطات وقطاعات معينة ومحدودة , في حين أن التنويع يعني إكتساب الإمكانيات والمقومات في أكثر من قطاع أو نشاط أقتصادي وهو بهذا المفهوم يعتبر غير محدد وغير مقصور على نشاطات وقطاعات معينة ومحدودة , لذلك فإن تنويع مصادر الدخل قد يعني في بعض الأحيان مفهوم مناقض لمفهوم التنافسية أو بالإحرى الإفضلية التنافسية التي تملكها دول معينة على حساب دول أخرى لأنه كلما كثر النشاطات التي يشملها كلما إرتفعت درجة التنوع في حين أنه كلما تركزت في قطاعات محددة كلما كانت درجة التنافسية أعلى.

هذا عن الإشكالية النظرية أما الإشكاليات العملية فيما يتعلق بتويع مصادر الدخل في دول الخليج فهي أكثر من أن تحصى لكن لعل أبرزها القيود التي يفرضها الواقع العملي وكون الدول الخليجية جزء من النظام الإقتصادي العالمي الذي تحكمه العديد من الإتفاقيات التي تفرض على الدول الكثير من القيود , وكما هو معروف فإن دول الخليج تعتبر من أكثر الدول العربية إندماجاً بالإقتصاد العالمي من خلال الإرتباط الوثيق والإعتماد الكبير على الأسواق العالمية سواءاً لتصدير النفط أو لإستيراد مختلف الإحتياجات أو إستثمار فوائض مبيعات النفط , وهذا الإندماج المفيد لدول الخليج لم يأتي دون تكلفة سواءاً مباشرة أو غير مباشرة والتي يأتي في مقدمتها القيود التي تفرضها المنظمات والإتفاقيات الدولية المختلفة والتي تمثل منظمة التجارة العالمية WTO أبرزها , وهذه المنظمة -التي يراها الكثير من المختصين في الشأن الإقتصادي الدولية تجسيداً حياً لمفهوم الحكومة العاليمة (Supranational Government) التي تحكم  وتظبط سلوك الدول التي تمثل رعايا هذه الحكومة- تفرض الكثير من القيود على سياسات الدول الإقتصادية لعل أبرزها عدم إمكانية إستخدام السياسات التجارية –من عوائق جمركية وقانونية أو معونات ودعم حكومي- لتنمية القطاعات الإقتصادية المختلفة أو لتنويع مصادر الدخل من خلال توفير الدعم الحكومي أو الحماية من المنافسة الأجنبية للصناعات الوطنية الوليدة وهو ما يمثل عقبة كبيرة في سبيل تنويع مصادر الدخل في دول الخليج , هذا إضافة إلى عدم إمكانية إستخدام السياسات النقدية في جهود تنويع مصادر الدخل نتيجة إرتباط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي.

ودول الخليج عند محاولاتها تنويع مصادر الدخل إنما تحاول إكتساب أو تنمية قدرات وقطاعات معنية على حساب تنافسيتها في قطاعات أخرى، بمعنى أنه بدل من دعم التنافسية في القطاعات التقليدية التي تملك أفضلية نسبية أو تنافسية فيها فإنها توجه الموارد المالية والبشرية إلى قطاعات أخرى لا تملك فيها هذه الأفضلية وهو ما قد يؤدي إلى تراجع التنافسية في القطاعات التقليدية دون تحقيق أو إكتساب درجة مقبولة من التنافسية في القطاعات الجديدة خاصة إذا لم تكن محاولات التنويع مؤسسة على دراسة مستفيضة وتكون بذلك كالغراب الذي لم يستطع أن يصبح حمامة ولم يعد غراباَ كما كان.




المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها