مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

دراسة حول الحركات والجماعات السياسية في البحرين (1938 - 2001) الجزء ( 1 ) - د. فلاح المديرس

طباعة PDF



الجزء ( 1 )
مؤسسات المجتمع المدني ظهرت مبكرا في البحرين·· والصحافة كان لها دور كبير في تشكيل الوعي السياسي



اعداد:د. فلاح عبدالله المديرس


·        أنشئ النادي الأدبي في العام 1919 ومن أبرز مؤسسيه عبدالله الزايد وأحمد فخرو وقاسم الشيراوي

·        المدرسون العرب الذين ساهموا في نشر التعليم في عشرينيات القرن الماضي نشروا أيضا الأفكار القومية بين صفوف الطلاب

·        النوادي الرياضية المتزايدة لم تكن إلا بؤرا للفكر السياسي ومعظم التحركات السياسية في تاريخ البحرين انطلقت منها

·         المنامة أغلقت متاجرها ومحلاتها يوم الإعلان عن تقسيم فلسطين وتم جمع التبرعات لمساعدة الشعب الفلسطيني

·        الادعاءات الإيرانية بتبعية البحرين لامبراطوريتها عززت الشعور القومي العربي لدى البحرينيين خصوصا وأن هذه الادعاءات تمثل خطرا على عروبة البحرين

·        لعب التعليم في البحرين دورا مهما في تحريك القوى السياسية





قبل ظهور وتبلور الحركات والجماعات السياسية في البحرين والتي تمثلت في ثلاثة تيارات رئيسة: التيار القومي والماركسي والديني والتي ظهرت في  الخمسينات من القرن المنصرم، شهد المجتمع البحريني منذ العشرينات عدة تحركات شعبية تحت وطأة استغلال  الطبقة المنتجة الأساسية في المجتمع والمتمثلة في طبقة الغواصين والسماكين والبحارة والفلاحين·  ففي عام 1923 ظهرت أول محاولة إصلاحية عندما اجتمع عدد من كبار التجار وزعماء  القوى القبلية والدينية السنية في مدينة المحرق تحت اسم "المؤتمر الوطني"، وتقدم المجتمعون بلائحة تتضمن عددا من المطالب كان أبرزها انتخاب مجلس شورى من عامة الشعب ورفض التدخل البريطاني في شؤون البلاد الداخلية وتشكيل محكمة تنظر في الدعاوى المتعلقة بالغوص· ولكن لم يستجب الحاكم لهذه المطالب وأمر المقيم السياسي في الخليج أثناء زيارة للبحرين بإبعاد اثنين من ابرز قادة اجتماع المحرق إلى الهند وهما: عبدالوهاب الزياني واحمد بن لاجح وبقيا في الهند حتى توفيا· و يرجع البعض سبب عدم نجاح هذا التحرك إلى كونه يعبر عن مصالح شريحة معينة في الطائفة السنية وأنه لم يستوعب المصالح المشتركة للسنة والشيعة· كذلك فان  هذا التحرك عبر عن مصالح كبار التجار والملاكين العقاريين ورجال الدين السنة المرتبطين بالحاكم ولم يعبر عن مصالح الطبقة الفقيرة · وفي 26 مايو عام 1932 انتفض الغواصون ضد مستغليهم  وتصدت لهم السلطة بدعم من المستشارCharles Belgrave  حيث ألقي القبض على عشرات من الغواصين المتمردين وتعتبر هذه الانتفاضة أول انتفاضة طبقية في تاريخ البحرين الحديث ·


في عام 1938 تزعمت البرجوازية الوطنية الحركة الإصلاحية والتي نادت بإصلاح نظام الحكم،  وكان من أبرز مطالبها إصلاح الوضع الإداري و تشكيل مجلس تشريعي· ولم يستجب الحاكم لهذه المطلب وأمر Charles Belgrave  باعتقال قادة الحركة الإصلاحية وأعلن العمال تضامنهم مع قادة الحركة الإصلاحية حيث أعلنوا الإضراب وتبنوا المطالب الإصلاحية مضيفين إليها مطالب عمالية مثل زيادة الأجور ومساواتهم بالعمال الهنود· وفي عام 1954 تم تأسيس "الهيئة التنفيذية العليا"   والتي كان لها دور رئيسي في التحرك الجماهيري الذي شهدته الساحة السياسية في البحرين والذي استمر ثلاث سنوات حيث تمكنت السلطة بعد ذلك من القضاء على هذه الحركة، وظهر من رحم "الهيئة التنفيذية العليا" عدد من التنظيمات السياسية  السرية مثل "جبهة التحرير الوطني البحرانية" التي مثلت التيار الماركسي و"حزب البعث العربي الاشتراكي" و"حركة القوميين العرب"  التي مثلت التيار القومي، وقد مثلت هذه التنظيمات  المعارضة السياسية الرئيسة لنظم الحكم  في البحرين حتى الوقت الحاضر· وعلى الرغم من تواجد التيار الديني السني ممثلا في "جماعة الإخوان المسلمين" في البحرين منذ أواخر الأربعينات  حيث شكل الفرع المحلي "لجماعة الإخوان المسلمين" في البحرين  عام 1948 قوة رمزية شاركت في القتال في حرب فلسطين· إلا أن هذا الاتجاه كان ضعيفا نتيجة المد القومي وسيطرته على الساحة السياسية في البحرين ومهادنة "جماعة الإخوان المسلمين" للسلطة السياسية· أما التيار الديني الشيعي فلم يكن له دور يذكر في الحياة السياسية وتشير الدكتورة منيرة فخرو إلى أن هذا التيار ظهر عام 1973 عندما نجح عدد من ممثلي الكتلة الدينية الشيعية في انتخابات المجلس الوطني،  وكانوا يوجهون من قبل أصحاب القرار لمحاربة القوى الوطنية· ولكن بعد الإطاحة بنظام الشاه و انتصار الثورة الإسلامية في إيران ظهرت على الساحة السياسية تنظيمات دينية شيعية تعلن للمرة الأولى معارضة للنظام السياسي في البحرين واستطاعت هذه التنظيمات التي مثلت التيار الديني الشيعي مثل "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" و "حركة أحرار البحرين الإسلامية"  استقطاب الجماهير الشيعية خاصة بعد أن رفعت الشعارات الدينية مما وفر لها التأييد من النظام الإسلامي في إيران·



الحركات والجماعات السياسية القومية


ظهر التيار  القومي العربي في منطقة الخليج العربي منذ بدايات هذا القرن وذلك بفعل مؤثرات  كثيرة منها مؤثر الانتماء العربي والارتباط بالحركة الثقافية في العراق ومصر ولبنان حيث عرفت الكويت والبحرين وبقية مناطق الخليج العربي الكثير من الصحف والمجلات التي كانت تصدر هناك وتوزع بشكل محدود في منطقة الخليج العربي واكتسبت هذه الصحف والمجلات صبغة قومية بفضل المد القومي خصوصا في نهاية الحرب العالمية الأولى والدعوة إلى وطن عربي موحد· كذلك تأثر الطلبة المبعوثين من مناطق الخليج العربي الذين كانوا يتلقون  العلم في مناطق الإشعاع الثقافي في الوطن العربي في ذلك الوقت مثل بغداد، بيروت، دمشق والقاهرة بالمناخ السياسي هناك· كما تأثرت الفئة المثقفة من أبناء منطقة الخليج العربي بمفكري التنوير العرب الذين دعوا إلى إصلاح البلاد العربية وبالزعماء العرب الذين رفعوا شعار القومية العربية واستقلال البلدان العربية عن الدولة العثمانية والدعوة لقيام دولة عربية واحدة وإحياء أمجاد العرب والتراث العربي وما أعقب ذلك من اندلاع الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين وانهيار الدولة العثمانية حيث شهد الوطن العربي عددا من الثورات والانتفاضات ضد الوجود البريطاني والفرنسي·   كذلك تأثرت الفئة المثقفة من الشعراء والأدباء من أبناء منطقة الخليج العربي بما يجري في الوطن العربي حيث أخذوا يتغنون بتراث الأجداد· وكان  للأحداث التي جرت في فلسطين والتي تمثلت بالانتفاضات الجماهيرية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية أثر في تكوين لجان مناصرة نضال الشعب الفلسطيني ضد الوجود الصهيوني في منطقة الخليج العربي· وساهمت كذلك ثورة 23 يوليو 1952 التي قادها عبدالناصر مساهمة  كبيرة في انتشار الأفكار القومية في منطقة الخليج العربي والتي أكدت على سماتها القومية المعادية للاستعمار البريطاني· جميع هذه المؤثرات ساهمت مساهمة كبيرة في انتشار فكرة القومية العربية في منطقة الخليج العربي·

على الرغم من انتشار  الناصرية إلا أن التيار القومي كحركة سياسية تمثلت أيضا "بحزب البعث العربي الاشتراكي" و"حركة القوميين العرب" حيث  ظهرا في المنطقة نتيجة توافد أعداد كبيرة من المدرسين والمثقفين من أبناء سوريا ولبنان والأردن وفلسطين وحيث حمل بعض هؤلاء أفكار  ومبادئ أحزابهم إلى المنطقة بغية العمل فيها· وبسبب المناخ السياسي السائد قام بعض هؤلاء بتأسيس فروع لأحزابهم  وترافق هذا مع عودة بعض المثقفين من أبناء منطقة الخليج العربي الذين تلقوا علومهم في البلدان العربية فكان عليهم أن يمارسوا عملا وطنيا يشكل امتدادا للمنظمات التي ينتمون إليها، الأمر الذي ساعد على تنامي الاتجاه القومي كحركة سياسية في منطقة الخليج العربي·

تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على الحركات والجماعات القومية  في البحرين في مرحلة ما قبل الاستقلال، والتي كان لها دور كبير ومهم في تنمية الوعي السياسي والثقافة القومية في المجتمع البحريني وربط الشعب العربي في البحرين بقضايا الأمة العربية، ومحاربة الاستعمار  البريطاني، والحركة الصهيونية،  ومقاومة  الهجرة الأجنبية، والادعاءات الإيرانية في البحرين التي كانت تستهدف القضاء على عروبة البحرين، وأيضا المطالبة بإقرار دستور للبلاد وانتخاب مجلس تشريعي يعبر عن إرادة الشعب·

سوف تركز هذه الدراسة على الفترة الزمنية التي تبدأ عام 1938 حيث ظهرت  أول حركة إصلاحية ذات توجه قومي، وتنتهي عام 1967 وهو العام الذي شهد تراجع التنظيمات القومية بفعل التوجهات الجديدة التي طرأت على الحركات والأحزاب القومية في الوطن العربي بسبب هزيمة التيار القومي ممثلا في قيادة عبد الناصر على إثر هزيمة الخامس من يونيو، والتي ألقت بظلها على الحركات والأحزاب القومية في جميع الأقطار العربية بصورة سلبية·

الحركة القومية تتمثل في التنظيمات السياسية ذات التوجه القومي والتي تبنت سياسة مواجهة الاستعمار البريطاني، ومعارضة النظام السياسي البحريني القائم، إضافة إلى دراسة دورها في إشاعة الخطاب السياسي القومي وتنمية الثقافة السياسية بشكل عام لدى الشعب البحريني·   

وبسبب امتداد الفترة الزمنية لنشاط الحركة القومية وتشعباتها التنظيمية فقد تم استخدام منهج البحث التحليلي لدراسة هذه الحركة ودورها الاجتماعي -السياسي في المجتمع البحريني المعاصر·

بذلك يصبح الهدف الأساسي من الدراسة تتبع نشأة وتنامي والنهايات التي تمت للحركة القومية في البحرين لتبيان مدى تأثر المجتمع البحريني بالأفكار القومية وانعكاس التأثيرات الإقليمية العربية على الساحة البحرينية·



بدايات الوعي القومي


تعتبر البحرين من أولى إمارات الخليج العربي التي برز فيها الشعور القومي العربي· يدلل على ذلك المفكر أمين الريحاني الذي زار البحرين في العشرينات من القرن الماضي حيث يقول: "في البحرين كما رأيت نهضة سياسية هي قرينة النهضة الأدبية أجل، إن في البحرين من ينشدون الوحدة العربية"· وقد كان  لمؤسسات المجتمع المدني، التي ظهرت في وقت مبكر عن طريق  انتشار التعليم وتأسيس الأندية الثقافية والروابط الشعبية وظهور الصحافة المحلية دور كبير في تشكل الوعي السياسي من خلال تنمية الثقافة القومية في المجتمع البحريني· ويشير إبراهيم خلف العبيدي إلى دور مؤسسات المجتمع المدني في البحرين في تنمية الوعي السياسي في المجتمع البحريني بالقول: " إن موجة الشعور القومي التي غمرت البلاد العربية بعد الحرب العالمية الأولى وزادت حدتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ما لبثت أن وصلت إلى شطآن الخليج فنهضت تتلمس طريقها إلى حياة حرة كريمة وكانت البحرين سباقة في هذا المضمار· فقد برز الشعور القومي في البحرين قبل غيرها من الإمارات الأخرى وذلك لظهور النفط فيها منذ أمد بالنسبة إلى بقية الإمارات، كما أن تأسيس النوادي والجمعيات وظهور الصحافة وانتشار التعليم فيها بصورة واسعة أدى إلى ظهور وعي سياسي ونضوج فكرة التنظيم السياسي"·

في عام 1919 تأسست أول مدرسة ذات نظام تعليمي حديث في المحرق، وهي "مدرسة الهداية الخليفية"، التي تعد أول مدرسة حديثة في منطقة الخليج العربي· ثم تلاها عدد من المدارس التي خضعت لإشراف لجنة من الأهالي، وتأثرت هذه المدارس بالمناهج السورية والمصرية، وينتمي المدرسون القائمون على التعليم آنذاك إلى البلاد العربية مثل عثمان الحوراني (سوري) وحافظ وهبة (مصري) وخالد الفرج (كويتي) وعبد العزيز الرشيد (كويتي)، مما أدى إلى انفتاح المجتمع البحريني على الثقافة العربية فكانت أشعار الرصافي والشريف الرضي وأحمد شوقي ومؤلفات محمد عبده والمنفلوطي منتشرة في البحرين، وحمل هؤلاء المدرسون معهم الأفكار الوطنية المعادية للاستعمار حيث إن الاستعمار البريطاني هو ذاته في المشرق العربي وكان الحافز من مجيئهم حافزا قوميا وليس حافزا ماليا حيث لم يقتصر دورهم على التدريس بل تفاعلوا مع الحركة الأدبية والوطنية البحرينية وشكلوا حلقة وصل بين البحرينيين الأوساط الصحافية والأدبية والسياسية في بلاد المشرق العربي· مما أدى ببريطانيا إلى أن تفصح عن تخوفها على السياسة التعليمية المتبعة من قبل لجنة الأهالي فعمدت إلى السيطرة على مجلس التعليم وإبعاد الأساتذة العرب عام 1929· في عام 1930 بدأت الحكومة البحرينية الإشراف على المدارس حيث أدى  ظهور النفط إلى فتح عدد أكبر من المدارس· ففي الفترة ما بين  1940 - 1959 بلغ عدد مدارس البنين 34 مدرسة تضم 12364 طالبا أما مدارس البنات فبلغ عددها 16 مدرسة ضمت 5467 طالبة· ويشير الدكتور محمد الرميحي إلى أن التعليم في البحرين قد لعب دورا في تحريك القوى السياسية  من خلال تمكين الطلاب من الوعي بالأحداث السياسية في البحرين والعالم العربي، فكان الطلاب أول قطاع يبادر إلى الإعلان عن وجهة نظره في الأوضاع المحلية والخارجية· كانت ردة الفعل عنيفة عند الطلبة والأهالي على التدخل البريطاني في شؤون التدريس من خلال المظاهرات· وقد غذى هذا الاستياء وساعده على الظهور المدرسون العرب الذين كان لهم دور مهم في نشر الأفكار القومية بين صفوف الطلبة وربطهم بالحركات الوطنية التي كانت تسود البلاد العربية والتي شكلت خطرا على المصالح البريطانية في البحرين· ويعلقCharles Belgrave  على مدى خطورة تواجد المدرسين العرب "لقد أصبح المدرسون المصريون بعثات متحمسة لنشر تعاليم الناصرية الخطرة"·

شهد المجتمع البحريني ظاهرة تأسيس النوادي الرياضية والثقافية في ظل منع العمل السياسي· ففي عام 1919 تم إنشاء أول ناد ثقافي هو "النادي الأدبي" ومن أبرز مؤسسيه عبد الله الزايد وأحمد فخرو وقاسم الشيراوي· وكان لـ "النادي الأدبي" دور كبير في إذكاء الشعور الوطني والقومي حيث دعا إلى الوقوف ضد الاستعمار البريطاني ليس في البحرين فقط بل في جميع الوطن العربي وكانت العضوية فيه تشمل أبناء البحرين والعرب المهاجرين، واستضاف النادي عددا من المثقفين العرب لإلقاء محاضرات مثل عبد العزيز الثعالبي والشيخ محمد الشنقيطي وأمين الريحاني كما وثق النادي علاقاته بالأندية والصحافة العربية في بلاد المشرق العربي عن طريق إرسال عدد من أعضائه إلى مصر والشام للمشاركة في المناسبات الأدبية والثقافية· واستطاع النادي أن يستقطب المثقفين ذوي التوجه الوطني والقومي في المحرق (العاصمة القديمة)· واستمر "النادي الأدبي" في نشاطه حتى تم إغلاقه في أواخر العشرينات من القرن الماضي·

في عام 1937 تحول "نادي الشبيبة"، وهو ناد رياضي،  إلى "نادي البحرين" نظرا لتوجهه إلى النشاطات الاجتماعية والثقافية· وترأس النادي عبد العزيز الشملان الذي لعب دورا مهماً في الحركة الوطنية في الخمسينات من هذا القرن· وفي عام 1938 أسس "النادي الأهلي" بالمنامة وبعد ذلك أسس "نادي العروبة" عام 1942 وشارك في تأسيس "نادي العروبة" مجموعة من الشباب الذين ينتمون إلى الطائفتين الشيعية والسنية ولهذا ركز دستور النادي على محاربة الطائفية وتنمية الشعور القومي العربي حسب مبادئ القومية العربية· وقد بلغ عدد الأندية الثقافية والرياضية في الثمانينات 66 ناديا·

ويؤكدCharles Belgrave  ذلك بالقول "لقد كانت البحرين هادئة إنني كنت أشعر بإحساس جديد، غير محدد، بالوعي السياسي الآخذ بالظهور· ومن الدلائل على هذا الوعي الدور الذي كانت النوادي العربية تقوم به في حياة الشباب المتعلم"· ويشير الرميحي إلى أن هذه الأندية قد تأسست ظاهريا لتكون نوادي وجمعيات رياضية إلا أنها تطورت بسرعة إلى بؤر للفكر السياسي· وكانت معظم التحركات السياسية في تاريخ البحرين قد انطلقت من هذه الأندية·

ساهمت الصحف المحلية التي صدرت بعد الحرب العالمية الثانية والتي تزامنت مع الدعوة لإقامة الجامعة العربية في الدعوة للخطاب السياسي القومي، حيث حددت صحيفة " البحرين" عام 1944 خمسة مبادئ تقوم على أساسها الوحدة:

1 - رفع الحواجز الجمركية بين البلدان العربية·

2 - إلغاء جوازات السفر بين البلدان العربية·

3 - توحيد المناهج الدراسية·

4 - إيجاد نظام عسكري موحد للبلاد العربية·

5- عقد حلف دفاعي بين الأقطار العربية للدفاع عنها ضد أي اعتداء خارجي·

في عام 1949 صدرت صحيفة "صوت البحرين"  وكان عبد الرحمن الباكر الذي يعتبر من أبرز قيادات "الهيئة التنفيذية العليا" التي تزعمت الحركة الوطنية في الخمسينات سكرتيرا لتحريرها· وتعتبر صحيفة "صوت البحرين" منبرا حرا ساهم في خلق الوعي القومي في المجتمع البحريني وسائر مجتمعات منطقة الخليج العربي، وقد طرحت "صوت البحرين" منذ تأسيسها قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية مثل مسألة الوحدة العربية وضرورتها والقضية الفلسطينية ومسألة الاستعمار وقضايا حركات التحرر الوطني في العراق وسوريا ومصر· كما أولت اهتماما خاصا بثورة 23 يوليو في مصر، وأثر الهجرة الأجنبية على المجتمع العربي في البحرين، ومهاجمة شركة النفط واستغلالها للعمال حتى تم إغلاقها عام 1952·

في العام نفسه صدرت صحيفة "القافلة" التي ساهمت كذلك في الوعي الوطني في البحرين من خلال المقالات التي تنشرها والتي تهاجم فيها السياسة الاستعمارية التي طبقتها الحكومة البريطانية في البحرين· ومع ظهور "الهيئة التنفيذية العليا" في عام 1954 أصبحت صحيفة "القافلة" لسان حال هذه الهيئة مما أدى إلى أن تقدم السلطة على إغلاقها· بعد ذلك صدرت صحيفة "الوطن" عام 1955 والتي استمرت في حمل راية الدفاع عن الحركة الوطنية مما أدى بـ Charles Belgrave بأن يأمر بإغلاقها  عام 1956· وفي العام نفسه صدرت مجلة "الميزان" التي ساهمت كذلك في الدفاع عن القضايا القومية·

بجانب الدور الذي اضطلعت به الأندية والصحافة في تطور الوعي القومي في المجتمع البحريني كان  للقضية الفلسطينية والادعاءات الإيرانية بالبحرين دور كبير في إذكاء الشعور القومي العربي· على صعيد القضية الفلسطينية  تأثر البحرينيون  بأحداث فلسطين ابتداء بالإضراب العام  عام 1936 وانتهاء بقيام دولة إسرائيل  عام 1948· ففي عام 1939 عقد اجتماع لجمع الأموال لصالح فلسطين في "مسرح البحرين" برئاسة الشيخ عبد الله بن عيسى شقيق الحاكم وتم جمع 24 ألف روبية· وبعد الإعلان عن خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين أعلن في المنامة عن إحياء يوم فلسطين حيث أغلقت المحلات والمتاجر أبوابها وعقد تجمع جماهيري ألقيت فيه الخطب   احتجاجا على خطة التقسيم وتم جمع التبرعات لمساعدة الشعب الفلسطيني· وتشكلت "لجنة تحرير فلسطين" من شخصيات بحرينية كان من بينهم محمد الفاضل وعبد العزيز الشملان وخليفة القصيبي  وترأس اللجنة الشيخ عبد الله بن عيسى عم الحاكم الشيخ سلمان بن حمد وكان غرضها الرئيسي جمع الأموال لمساعدة الشعب الفلسطيني في الاحتفاظ بأراضيهم في مواجهة مؤامرات اليهود لشرائها وتم جمع 66 ألف روبية· وردا على قرار تقسيم فلسطين الذي أصدرته الأمم المتحدة نظمت المعارضة السياسية المظاهرات في النوادي حيث خرج طلاب المدارس في مظاهرات في شوارع مدينة المحرق في ديسمبر من عام 1947 احتجاجا على قرار التقسيم وقد أسفرت هذه المظاهرات عن اعتقال 50 شخص·

فى يناير 1948 قدم ممثلا الحركة الوطنية الفلسطينية إلى البحرين وهما جميل بركات وجمال الحسيني ابن عم مفتي فلسطين أمين الحسيني والمبعوث الخاص "للجنة العربية العليا لفلسطين" حيث لقيا ترحيبا حارا من قبل الشباب البحريني، وفي مارس 1948 ترأس الشيخ عبد الله بن عيسى رئيس "لجنة تحرير فلسطين" اجتماعا تقرر فيه إنشاء "صندوق فلسطين" وتم جمع 105 ألف روبية·            

من مظاهر الشعور القومي المناوئة لتغيير الهوية العربية للبحرين مقاومة الادعاءات الإيرانية بتبعية البحرين للإمبراطورية الإيرانية وتعرضها إلى موجات من الهجرات الأجنبية التي توافدت عليها من إيران والهند وبلوشستان مما أدى إلى تعزيز الشعور القومي العربي  خاصة وأن هذه الادعاءات  والهجرة الأجنبية كانتا تشكلان خطرا على عروبة البحرين وتتنافى مع أهداف الأمة العربية والقومية العربية·

شهد المجتمع البحريني ظهور عدة تنظيمات سياسية قومية غير قانونية وسرية باستثناء "الهيئة التنفيذية العليا"· وتعد هذه التنظيمات امتدادا لحركات وأحزاب قومية خارج البحرين·




المصدر: صحيفة الطليعة الكويتية

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها