مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

دراسة حول الحركات والجماعات السياسية في البحرين (1938 - 2001) الجزء ( 3 ) - د. فلاح المديرس

طباعة PDF





الجزء( 3 )

انتقال قياديي حركة القوميين العرب البحرينية إلى الكويت بعد تضييق الخناق عليهم من قبل السلطة





تأليف: د· فلاح عبد الله المديرس


·        العمال هم من نشروا الأفكار الماركسية في البحرين وليس المثقفون كما حدث في الأقطار العربية الأخرى

·        إنهاء خدمة 1500 عامل في شركة “بابكو” والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي أهم أسباب انتفاضة 5 مارس الشعبية عام 1965

·         انتشرت الحركة بين صفوف المواطنين بشكل كبير ووضعت نفسها مدافعا عن عبدالناصر أمام خصوم الناصرية

·        الحركة شهدت انقسامات في جميع فروعها في الوطن العربي بعد هزيمة العرب في عام 1967

·         “صوت الشعب” نشرة شهرية سرية كانت تصدرها الحركة وهي لسان حالها في البحرين



حركة القوميين العرب


تأسست  عام 1959 في البحرين حيث بدأت الحركة في تأطير نفسها ونسج خلاياها داخل نسيج المجتمع البحريني على يد مجموعة من الطلبة البحرينيين الذين تلقوا تعليمهم العالي في مناطق المد القومي في القاهرة، بيروت، بغداد ودمشق،  وكان من أبرز هؤلاء الطلبة أحمد الحميدان وعبد الرحمن كمال اللذان عادا من مقاعد الدراسة في بيروت وباشرا في تأسيس تنظيم الحركة· وكانت خلايا الحركة في البحرين تستلهم من ارتباطها التنظيمي وعلاقاتها الخارجية روحا نضالية متزايدة في العداء ضد الاستعمار البريطاني وإن معركتها هي معركة الأمة العربية ضد الاستعمار البريطاني· وعلى صعيد آخر ارتبط النضال ضد الاستعمار البريطاني بالنضال ضد الهجرة الإيرانية واعتبرت هذه الهجرة خطرا داهما يهدد عروبة البحرين وأكدت ضرورة التعبئة المكثفة ضد الإيرانيين كما أكدت وجوب محاربة القوى القومية للتسلل الإيراني لأن هؤلاء قد أصبحوا سلاحا بيد الاستعمار يهددون العمال العرب· (58)

انتشرت الحركة بشكل كبير بين صفوف المواطنين  البحرينيين وذلك يرجع إلى أن الحركة وضعت نفسها مدافعا عن عبد الناصر أمام خصوم الناصرية من البعثيين والشيوعيين حيث كانت الناصرية في ذلك الوقت تخوض صراعا مع الحزبين مركزيا مما ألقى بظلاله على الجماهير البحرينية الذين يرون في عبدالناصر محرر العرب وبطل قومياً· وفي العامين 1959 و1961 تم تضييق الخناق على أعضاء الحركة من قبل السلطة مما أضطر مؤسسوها إلى مغادرة البحرين إلى الكويت حيث إن تنظيم الحركة الكويتي يملك إمكانات مادية وإعلامية، ونشط قياديو الحركة البحرينيون في الكويت في قيادة العمل التنظيمي من الخارج، وشهد تنظيم الحركة في البحرين توسعاً تنظيمياً وانتشاراً جماهيرياً في أوساط الطلبة والعمال مما مكن التنظيم من تشكيل "الاتحاد الوطني لطلبة البحرين" و"الاتحاد الوطني لعمال البحرين"، وأصدر تنظيم الحركة نشرة شهرية "صوت الشعب" وهي عبارة عن نشرة سرية تعتبر لسان حال الحركة في البحرين في ذلك الوقت· كذلك وجدت مجلة "الحرية" لسان حال "حركة القوميين العرب" التي تصدر من مركز الحركة في بيروت سوقا رائجة في البحرين وكان الكثير من البحرينيين يحرصون على اقتنائها وقراءتها· (59) ولكن أعضاء الحركة في البحرين تعرضوا في عامي 1963 - 1964 للاعتقال والمضايقات من قبل السلطة·

رغم المضايقات التي وجهت للحركة إلا أنها نجحت عام  1965 في تأسيس "جبهة القوى القومية" والتي تكونت من "حركة القوميين العرب" ومن تنظيمات قومية صغيرة وتجمعات نقابية مثل "الاتحاد الوطني لعمال البحرين” “الشعب أقوى” و”رابطة فتاة البحرين" و"الشبيبة القومية" و"الاتحاد الوطني لطلاب وطالبات البحرين"، واضطلع تنظيم "حركة القوميين العرب"  بدور أساسي ورئيسي في قيادة وتنظيم انتفاضة 5 مارس 1965 من خلال "جبهة القوى القومية"· (60)

كان السبب الرئيسي وراء انتفاضة 5 مارس الشعبية هو قيام شركة نفط البحرين المحدودة (بابكو) والتي تعتبرها المعارضة في البحرين دولة داخل دولة وتجسد الاحتكار الأجنبي في إنهاء خدمة 1500 عامل فأضرب 5000 عامل بحريني تضامنا مع زملائهم ثم انضم إليهم الطلاب وجرت موجة سخط شديدة وسط الجماهير باتجاه القيام بالمظاهرات والإضرابات لإجبار السلطة على تحسين الوضع الذي يزداد سوءا من كبت وخنق للحريات· (61) بالإضافة للوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردي فقد ساعدت الممارسات الخطأ للقسم الخاص (الجهاز الأمني) والتدخل البريطاني في كل مجالات الحياة اليومية للمواطن البحريني في قيام انتفاضة شعبية استمرت قرابة الشهر والتي تحولت إلى انتفاضة مسلحة ردا على استخدام السلطة السلاح للقضاء على الانتفاضة· (62)

وأعلنت "جبهة القوى القومية" عن مطالبها  والتي تضمنت إنشاء مجلس تأسيسي تتمثل فيه جميع الفئات الوطنية، الدخول في مفاوضات مع الحكومة البريطانية على أساس منح الاستقلال وإلغاء القواعد العسكرية، السماح بحرية العمل النقابي، محاكمة العناصر التي وقفت وراء الأحداث، إطلاق سراح المعتقلين منذ عام 1965 وإعادة المبعدين السياسيين وإعادة جميع العمال المسرحين إلى أعمالهم· (63) لكن السلطة لم تستجب لمطالب الجبهة وتمكنت من سحق الانتفاضة الشعبية·  وقد وصفت صحيفة “The Observer” الإجراءات التي اتخذتها السلطة ضد الانتفاضة بأنها بالغة العنف خاصة وأن الانتفاضة حركة إصلاحية محضة وأن استعمال الحكومة القوة والعنف في استعادة ما يسمى بالنظام لم يؤد إلا إلى مزيد من الخيبة واليأس· (64) وهناك أسباب  عدة ساعدت السلطة على القضاء على انتفاضة 5 مارس 1965:

1 - الفكر القومي الضيق الذي ولد نوعا من الفرقة بين أبناء الشعب حيث إن الحديث الدائم عن الهجرة الإيرانية قد سبب بعض الأذى النفسي لذوي الأصول الإيرانية والعاملين ضمن الحركة القومية، ونظرا لعدم توافر الحرص المطلوب من قبل القيادات إلى هذه المسألة، أدى ذلك إلى نوع من التنافر الشخصي بين الأعضاء، وكذلك بين فصائل  العمل الوطني في البحرين·

2 - إن "حركة القوميين العرب" التي تزعمت "جبهة القوى القومية" آنذاك كانت تعبيرا في الواقع عن طموحات البرجوازية الصغيرة العربية في الوحدة القومية حيث ارتكزت هذه الحركة على مفاهيم مثالية وأخلاقية عامة فقد حملت في ثناياها نزعة شوفينية بشكل أو بآخر حيث كانت الادعاءات الإيرانية الرسمية تنعكس وسط جماهير واسعة في البحرين فقد كانت تجد انعكاسات حادة لها في الأوساط القومية، وهذه النزعات يمكن تفسيرها من ناحية على أنها دفاع عن الذات ومن ناحية أخرى كان لدى الكثير من الأطراف مصلحة على تأجيجها بين الشعب الواحد·

3 - المجابهة الشرسة التي واجهت بها السلطة الانتفاضة الجماهيرية حيث وضع الكثير من المواطنين في السجون مما أرهب الكثيرين ممن شاركوا في الانتفاضة·

4 - قدرة السلطة على تخريب المنظمات من الداخل من خلال دس عناصرها في التنظيمات القومية التي برزت خلال انتفاضة 5 مارس حيث تمكن جهازها الأمني من خلال عملائهم بأن يتصدروا بعض الوقت المنظمات الثورية مما مكن السلطة من خلال عناصرها أن تتعرف من الداخل على نشاط المنظمات الثورية القومية ما أدى بالتالي إلى سهولة ضرب هذه التنظيمات·

بعد فشل انتفاضة 5 مارس 1965 عانت "حركة القوميين العرب" من الانقسامات التنظيمية بين قيادات الداخل والخارج مما أدى  إلى ظهور عدد من التنظيمات الصغيرة من يسار "حركة القوميين العرب"  مثل "منظمة القوى التقدمية" و "منظمة الريف الديمقراطية" " ومنظمة النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة" و"جبهة تحرير الخليج"· (65)

بعد أن أعلنت بريطانيا نيتها عن الانسحاب من منطقة الخليج العربي عام 1968 طرحت مشروع إقامة اتحاد بين الإمارات التسع في الخليج العربي (البحرين-قطر - أبوظبي - دبي- الشارقة - عجمان - أم القيوين - الفجيرة - رأس الخيمة)· على إثر هذا المشروع البريطاني دعت "حركة القوميين العرب" شعب الخليج العربي إلى مقاومة هذا الاتحاد وأن الترتيبات التي تقوم بها بريطانيا لقيام هذا الاتحاد تتم بمعزل عن قوى الشعب صاحبة المصلحة الحقيقية، وأن قيام هذا الاتحاد لا يغير من الواقع الحالي· إن هذا الشكل من الاتحادات إنما يخدم المخططات الجديدة الإمبريالية في الحفاظ على مصالحها ودعت "حركة القوميين العرب" القوى الثورية إلى توحيد قواها للقضاء على الاستعمار وأعوانه من أجل قيام كيان واحد يشمل عمان وإمارات الخليج ابتداء من ظفار وحتى الكويت ودعت الحركة إلى قيام ثورة مسلحة للقضاء على الاستعمار والأنظمة التابعة له· (66)

بعد هزيمة العرب في الحرب العربية الإسرائيلية التي أدت بالتالي إلى انهيار النظام الناصري شهدت "حركة القوميين العرب" في جميع فروعها في الوطن العربي انقسامات حيث التزمت معظم فروع الحركة بالماركسية مما ألقى بظلاله على فرع الحركة في البحرين الذي أعلن عن تشكيل "الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي - إقليم البحرين" والتي التزمت بالماركسية والكفاح المسلح لإسقاط النظام السياسي في البحرين· وشكل هؤلاء جناحا عسكريا في قوة دفاع البحرين عام 1969 واستطاعت السلطة اكتشاف أمر التنظيم العسكري والمدني وتم القضاء عليه· (67)  



انتفاضة مارس


استهدفت هذه الدراسة دراسة الحركة القومية، كحركة معارضة سياسية رئيسية في البحرين· وقد كان للحركة دور رئيسي في تنمية الثقافة القومية في المجتمع البحريني وفي تطور الوعي الوطني والقومي حيث ساهم الاتجاه القومي من خلال  الأندية الثقافية والروابط الشعبية في تنمية الشعور القومي العربي لدى أبناء الشعب البحريني منذ بداية هذا القرن ولعبت القضية الفلسطينية والادعاءات الإيرانية في البحرين دورا كبيرا في تعميق الارتباط القومي العربي بين المجتمع البحريني والمجتمعات العربية في مختلف الأقطار العربية·

مع ظهور الحركات والأحزاب القومية في بداية الخمسينات والتي كانت شعاراتها تتمحور حول مقاومة الاستعمار البريطاني ومعارضة المطالب الإيرانية ومعارضة النظام السياسي في البحرين استطاعت هذه الحركات والأحزاب استقطاب أعداد كبيرة من البحرينيين وربطهم بإخوانهم من أبناء الجزيرة والخليج العربي والعرب العاملين في البحرين حيث خلقت شعورا موحدا إقليميا وقوميا مما عزز الروح المعنوية لدى أبناء المنطقة من خلال ربط المعركة في الخليج والجزيرة بالمعركة القومية وخلقت شعورا بالانتماء إلى أمة واحدة لديها أهداف وطنية وديمقراطية·

استطاعت الحركات القومية تنظيم انتفاضة 5 مارس 1965 التي رفعت شعارات إصلاحية  كما استطاعت استقطاب الطبقة العاملة التي لعبت دورا رئيسيا في الانتفاضة حيث علقت صحيفة “The Guardian” على الدور الذي لعبه العمال في الانتفاضة بأن الطبقة العاملة كانت تقف وراء الاضطرابات التي شهدتها البحرين في 5 مارس 1965 خلافا للاضطرابات التي حدثت عامي 1953 - 1956 والتي كان وراءها الطبقة المتوسطة· (68) وتحولت بعد ذلك إلى استخدام السلاح في مواجهة السلطة حيث أقدمت السلطة على القضاء على الانتفاضة بشكل دموي·

على الرغم من الدور الذي لعبته الحركات والأحزاب القومية في معارضتها للسلطة والاستعمار البريطاني إلا أنها ارتكبت جملة من الأخطاء مثل موقفها من القوى الماركسية حيث رفعت شعارات معادية للشيوعية مما أدى إلى عدم توحيد القوى المعارضة ضد السلطة والموقف الشوفيني من البحرينيين من أصول إيرانية  الأمر الذي دفعهم إلى العزوف عن الانضمام إلى صفوف المعارضة مما سهل الطريق للسلطة لضرب المعارضة السياسية·

في نهاية الستينات أصاب الانحسار والزوال معظم التنظيمات السياسية القومية التي مثلت الاتجاه القومي والتي تأسست في الخمسينات حيث هجرها معظم أعضائها، خاصة إذا عرفنا أن البنية الطبقية لقيادات التنظيمات السياسية القومية معظمها كانت من المثقفين خريجي الجامعات الذين ثاروا بعد عودتهم من الدراسة ضد تخلف الوضع السياسي السائد، فانخرط بعضهم في العمل في مؤسسات الدولة، أما القسم الآخر من القوميين، وبعد سقوط النظام الناصري وسقوط الأيدلوجية القومية، فقد اتجه نحو الأفكار الماركسية - اللينينية حيث أعلنوا عن تبنيهم لمبادئ الاشتراكية العلمية· ولا تزال بعض هذه التوجهات تعمل بشكل سري في المجتمع البحريني· ومن شواهد فعاليتها السياسية المشاركة في  الحركة الدستورية  التي حدثت في البحرين عام 1992· (69)



___________________________________________________




الهوامش


58 - مــــوسى ، مـــرجـــع ســـابـــــق، ص 81 - 80

59 -    o p. cit., p.301.  Mohammed G . AL - Rumaihi ,

60 - الجبهة الشعبية في البحرين، انتفاضة مارس 1965 ، ديترويت : لجنة مناصرة الثورة العمانية، 1978 ، ص 21 - 20

61 - العبيدي، مرجع سابق، ص 238.

62 - موسى، مرجع سابق، ص 85 ·

63 - مذكرة من جبهة القوى القومية إلى  اتحاد المحامين العرب، 1965·

64 - The Economist, 28/3/1965.  The Observer, 28 /3/1965

65 - الجبهة الشعبية في البحرين،  "التجربة التنظيمية في البحرين حتى 1975"، دراسة غير منشورة مطبوعة على الآلة الكاتبة· ص2 ·

66 - حركة القوميين العرب،  بيان  صادر عن المكتب السياسي "لحركة القوميين العرب" في الخليج العربي، 1968·

67 - فخرو، مرجع سابق، ص 95 ·

68 -The Guardian, 24/3/1995

69 - بيان القوى الوطنية والإسلامية تطالب باستعادة الدستور والحريات العامة في البحرين  موقع من الجبهة الشعبية في البحرين، الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، جبهة التحرر الوطني البحرانية وحركة أحرار البحرين الإسلامية، 1994 ·




المصدر: صحيفة الطليعة الكويتية

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها