مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

دراسة حول الحركات والجماعات السياسية في البحرين (1938 - 2001) الجزء ( 6 ) - د. فلاح المديرس

طباعة PDF





الجزء (6)..
الفصائل اليسارية البحرينية أولت مسألة الديمقراطية اهتماما كبيرا عقب الاستقلال عن بريطانيا




·        المجلس الوطني لم يستمر طويلا حيث أن السلطة لم تتحمل وجوده


·        الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج تطالب بإلغاء المعاهدات مع بريطانيا



تأليف: د.فلاح عبدالله المديرس:




الحركات والجماعات اليسارية  والاستعمار البريطاني


عبرت البيانات الصادرة عن "جبهة التحرير الوطني البحرانية" في سنواتها الأولى عن عدائها للاستعمار حيث أكدت أن الهدف السامي الذي تطمح إليه هو الحرية والاستقلال والديمقراطية للشعب البحريني· وعبرت نشرة "الجماهير" لسان حال الجبهة والتي تطبع وتوزع بشكل سري داخل البحرين عن موقفها تجاه الاستعمار البريطاني في البحرين بقولها: " فالمستقبل في ظل السيطرة الاستعمارية حالك السواد ومن دون استقلال البحرين وانتزاع حريتها وتحرر اقتصادنا لا يمكن رفع معيشة الشعب"· (54)

وأكدت نشرة "الجماهير" على أن المستعمرين البريطانيين لن يسلموا الشعب البحريني مطالبه الوطنية بسهولة ولابد من النضال الحازم ضد الاستعمار البريطاني لأنه الكفيل بتحقيق الاستقلال الوطني والديمقراطية للشعب البحريني· (55) وأكد برنامج الجبهة رفض الحماية الاستعمارية والمعاهدات التي وصفها بأنها معاهدات غير متكافئة فرضها الاستعمار البريطاني على الشعب البحريني وطالبت بإلغائها، (56) كما طالبت الجبهة في بيان أصدرته في شهر نوفمبر 1962 بتصفية القواعد العسكرية· (57)

أما "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" فقد طالبت بإلغاء المعاهدات والاتفاقات التي أبرمتها الحكومة البريطانية مع حكام الخليج العربي والتي بموجبها سيطر الاستعمار البريطاني على ساحة عمان والخليج العربي الممتدة  من ظفار وحتى الكويت والتي من خلالها مارس الاستعمار البريطاني أبشع سياسات القمع والإرهاب وأنها هي المسؤولة عن تفتيت المنطقة سياسيا وتحويلها إلى مجموعة كبيرة من السلطنات والمشيخات والكيانات السياسية من أجل إضعاف المنطقة وعزل أبنائها بعضهم عن بعض وزرع التناحرات المصطنعة والنعرات المحلية والإقليمية بين كل جزء وآخر حتى يسهل له بذلك إخضاعها واستغلالها لأطول مدة ممكنة· ودعت "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" إلى تحرير المنطقة من جميع أشكال الوجود الاستعماري وتحقيق الاستقلال والقضاء على التجزئة وتحقيق وحدة المنطقة السياسية· (58)

عندما أعلنت بريطانيا عن قرارها بالانسحاب من شرق السويس ادعى  شاه إيران تبعية البحرين  لإيران· وتشير بعض المصادر غير الموثقة أنه على إثر هذا الادعاء تمكنت بريطانيا مع إيران عبر مجلس الأمن من عقد صفقة يتم بموجبها تخلي إيران عن ادعاءاتها في البحرين مقابل حصول إيران على الجزر العربية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وتم تكليف يوثانت الأمين العام للأمم المتحدة القيام بهذه المهمة عبر مندوبه فيتوري جوشباردي بمهمة تقصي الحقائق حول مستقبل البحرين السياسي· (59) واتخذت "جبهة التحرير الوطني البحرانية" موقفا رافضا لدور الأمم المتحدة على اعتبار أن البحرين جزء من الوطن العربي وأكدت على أن الاستقلال الحقيقي للبحرين يتمثل في رفض الاستعمار البريطاني وإدانة الادعاء الإيراني· وطالبت  بحق تقرير المصير بحيث يكفل الاستقلال الحقيقي وإلغاء المعاهدات والقواعد العسكرية وإطلاق الحريات الديمقراطية· (60)

عندما أعلنت البحرين استقلالها في 14 أغسطس 1971 وإلغاء المعاهدات الخاصة التي كانت تحكم العلاقة بين المملكة المتحدة والبحرين، اعتبرت "جبهة التحرير الوطني البحرانية" هذا الاستقلال  حلقة من حلقات التحركات الإمبريالية وأن هذا الاستقلال  ربط البحرين بعجلة الاستعمار الانجلو- أمريكي وبمعاهدات جديدة تقيد الشعب البحريني بقيود ثقيلة وتستغل ثروة الشعب البحريني عن طريق وضع جميع مقدرات البلاد تحت هيمنة رؤوس الأموال الأجنبية وفتح الباب على مصراعيه للشركات والبنوك الرأسمالية، وجعل البحرين قاعدة عسكرية تحت سيطرة الدول الاستعمارية· (61)

أما "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" فقد اعتبرت إعلان الانسحاب البريطاني من المنطقة ما هو إلا أحد المشاريع الإجرامية من قبل الاستعمار البريطاني لإحكام قبضتهم على شعب المنطقة ومنعه بكل الوسائل من استلام مقدرات أموره بنفسه· (62)



الحركات والجماعات اليسارية  والقضايا الديمقراطية


اهتمت الفصائل اليسارية بمسألة الديمقراطية حيث تضمن البند الثالث  من برنامج "جبهة التحرير الوطني البحرانية" الصادر في ديسمبر عام 1962 بأنها تناضل من أجل  إيجاد حكومة وطنية ديمقراطية  وإقامة مؤسسات ديمقراطية تكفل الحريات الديمقراطية لجميع أفراد الشعب البحريني وهذا لا يأتي إلا بوجود برلمان ومجالس إدارة وبلدية ينتخبها الشعب وتمثله حقا وتضع دستورا يقوم على أساس ديمقراطي· (63)

بعد  استقلال البحرين عن بريطانيا كانت مسألة الديمقراطية من القضايا التي أولتها الفصائل الماركسية اهتماما كبيراً حيث شاركت عناصر "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" إقليم البحرين و"جبهة التحرير الوطني البحرانية"  من العمال في المسيرات والمظاهرات العمالية في مارس 1972 والتي رفعت شعارات إطلاق الحريات العامة والمطالبة بالسماح بتشكيل التنظيمات النقابية العمالية، وعلى إثر هذا أصدرت الحكومة البحرينية مرسوما بقانون رقم 1972/12 بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للبلاد ووجهت "جبهة التحرير الوطني البحرانية" انتقادات عنيفة لهذا المرسوم حيث اعتبرت مواد هذا المرسوم تؤدي إلى جعل المجلس التأسيسي مجلسا للحكومة وبالتالي فإن الحكومة هي التي ستضع الدستور، ودعت الجبهة  الشعب إلى مقاطعة الانتخابات  على أساس أنه لا يمكن إجراء انتخابات في ظل مصادرة الحريات العامة واشترطت رفع حالة الطوارئ وإطلاق حرية القول والتعبير والاجتماع والصحافة وتشكيل المنظمات السياسية والجماهيرية الممثلة لإرادة الشعب وإطلاق المعتقلين وعودة المنفيين· (64) وإبعاد أجهزة القسم الخاص عن ملاحقة الشعب· (65)

على الرغم من مقاطعة "جبهة التحرير الوطني البحرانية" انتخابات المجلس التأسيسي فإنها شاركت في انتخابات المجلس الوطني حيث شارك عدد من مرشحيها مع عدد من العناصر الديمقراطية تحت تسمية "كتلة الشعب"   وكانت وجهة نظر الجبهة أن المشاركة في الحملة الانتخابية للمجلس الوطني سيتيح لها طرح برنامجها للوصول إلى قطاعات أوسع من الجماهير· (66)  وتضمن البرنامج الانتخابي لـ"كتلة الشعب" عدة مطالب مثل: إطلاق حرية التنظيم النقابي، وضع قانون عمل جديد، إعادة النظر في جميع الاتفاقيات النفطية، بحرنة الجهاز الإداري، القضاء على التقسيم الطائفي المتبع في مؤسسات الدولة واعتماد معيار الكفاءة بغض النظر عن المذهب والجنس، تأكيد حق ممارسة الديمقراطية والحريات السياسية، وإنهاء حالة الطوارئ· (67) قام العمال المنتمون إلى "جبهة التحرير الوطني البحرانية" بدور كبير في الدعاية لمرشحي "كتلة الشعب" من خلال لجان الإحياء التي تولت شرح برنامج "كتلة الشعب" للعمال في المصانع والمعامل أو عن طريق المشاركة في الندوات الانتخابية التي كانت تقام في المساجد والأندية مما مكن "كتلة الشعب" من تحقيق انتصار كبير بفوز ستة من مرشحي الكتلة· (68) وتبنى ممثلو "كتلة الشعب" داخل المجلس الوطني قضايا الطبقة العاملة البحرينية عن طريق الدفاع عن العمال وحقهم بتشكيل النقابات العمالية حيث تقدموا بمشروع قانون جديد للعمال ومشروع قانون باعتبار يوم الأول من أيار، وهو اليوم التضامني العالمي للعمال، عطلة رسمية· (69) وقد تصدت السلطة وممثلي "الكتلة الدينية" الذين عارضوا الاقتراح  وتمكنوا من إسقاطه  وقد برر أحد ممثلي "الكتلة الدينية" مصطفى القصاب موقفها بالقول في أثناء مناقشة المشروع داخل المجلس الوطني " إننا غنيون بمناسباتنا الدينية وحري بنا أن نحييها وأن نجعلها عيدا رسميا· إنني مقتنع أن هذا العيد بعيد كل البعد عن واقعنا وهو دخيل علينا ··· وأن الأخذ بهذا العيد يعني ربط ذهنية العمال بالصراع الذي يفتت عضد المجتمعات ··· هذا من جهة، ومن جهة ثانية تبني الشيوعيون هذا العيد باعتباره يدغدغ عواطف العمال···وهذا ما ترتكز عليه العقيدة الشيوعية"·(70)  أما "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج" - إقليم البحرين فقد اتخذت مواقف جذرية من النظام السياسي في البحرين حيث دعت إلى إسقاطه عن طريق الكفاح المسلح ومن هذا المنطلق دعت إلى مقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي واعتبرت هذه الانتخابات مهزلة انتخابية· (71) وفي هذا الصدد يشرح أحد قياديي الجبهة محمد بونفور موقف الجبهة من مقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي ويقول "فالطبقة الحاكمة تنتقل من أسلوب إلى آخر لا بدافع المصادفة ولا بدافع حساب سيئ النية يقوم به بعض الأشخاص، بل بدافع التناقض الأساسي في وضعها بالذات· إذ إن مجتمعا رأسماليا لا يستطيع أن يتطور بنجاح دون نظام تمثيلي مستقر، دون بعض الحقوق السياسية، هكذا يقول لينين· وعلى هذا الأساس تأتي لعبة الدستور والانتخابات والمجلس النيابي والديمقراطية في البحرين· وعلى هذا الأساس سوف نتصرف بوعي وسنبني تكتيكاتنا بشكل علمي على أساس أن النضال الجماهيري هو المولد للأساليب الجديدة التي تزداد تنوعا يوما بعد يوم فالحزب الثوري لا يمكن أن يرفض سلفا وبصورة مطلقة أي شكل من أشكال النضال أو يدير ظهره لأشكال النضال الممكنة والقائمة في فترة معينة"· (72)  عندما أعلن عن إنشاء المجلس الوطني عام 1973 دعت "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" - إقليم البحرين الشعب البحريني لمقاطعة انتخابات المجلس الوطني مؤكدة أن مقاطعتها لانتخابات المجلس الوطني لا يعني أن الجبهة هي ضد مبدأ الانتخابات العامة وإقامة مجلس وطني منتخب ولكن الجبهة لا تريد أن تعطي السلطة لنفسها شرعية من خلال المجلس الوطني الذي سبق تحديد صلاحياته وآفاقه من خلال الدستور والقوانين الحكومية وهو مجلس محدود الصلاحيات· ( 73) في الحقيقة إن الدستور الذي أقره المجلس التأسيسي وهو يعتبر نسخة طبق الأصل من الدستور الكويتي قد تضمن  مواد تخرق مبدأ المساواة ما بين المواطنين مثل حرمان المرأة من حقوقها السياسية، واحتوى كذلك مواد تخول السلطة التنفيذية التدخل والتأثير على السلطة التشريعية وهو ما يتناقض مع مبدأ فصل السلطات مثل تعيين الوزراء  أعضاء في المجلس الوطني ولهم كامل حقوق الأعضاء المنتخبين بينما هم لا يستندون إلى إرادة شعبية· (74)

وعلى الرغم من مقاطعة الجبهة انتخابات المجلس التأسيسي والمجلس الوطني فإنها أصدرت بيانا حددت فيه مطالبها : (75)

1- إطلاق حرية الرأي والصحافة والتجمع·

2 - السماح بالعمل النقابي ·

3 - إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين والمبعدين·

4-  إيقاف الاعتقالات الكيفية الذي يقوم بها القسم الخاص·

5 - رفع حالة الطوارئ المفروضة منذ 1956·

6 - ضمان الحقوق السياسية والديمقراطية للمرأة·

7 - تحديد سن الترشيح بـ 26 سنة والسن الانتخابية بـ 18 سنة·

في الوقت نفسه دخلت  "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج لعربي" -إقليم البحرين قي صراع مع "جبهة التحرير الوطني البحرانية" حيث تبودلت الاتهامات والتشهير التي انعكست على التنظيمات الجماهيرية مثل القطاع الطلابي  والقطاع العمالي وأثرت على المعارضة السياسية بشكل عام في البحرين· (76)

لم يستمر المجلس الوطني لأكثر من عشرين شهرا حيث لم تحتمل السلطة وجود مجلس تشريعي محدود الصلاحيات خاصة بعد أن تقدمت "كتلة الشعب" بمشروع قرار بسحب سلطات الأمير من التصرف بجميع أراضي الدولة القائمة  وجعلها ملكا للدولة حيث إن تلك الأراضي كانت تحت تصرف الأمير قبل استقلال البحرين، كذلك أعلن النواب معارضتهم بالإجماع  القانون بمرسوم تدابير أمن الدولة المكروه شعبيا والذي أصدرته الحكومة  قبل يوم واحد من استئناف المجلس الوطني دور الانعقاد الثاني في1974/10/22  لهذا أقدم الأمير على  حل المجلس في 1975/8/26· (77) بعد حل المجلس الوطني شنت أجهزة الأمن حملة كبيرة ضد أعضاء وقيادات "جبهة التحرير الوطني البحرانية" و"الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" -إقليم البحرين في ظل قانون أمن الدولة الذي يخول أجهزة الأمن اعتقال أي مواطن لمدة ثلاث سنوات دون محاكمة· (78) وعلى ضوء هذا الوضع اتخذت  القوى السياسية موقفا موحدا من الإجراءات التي أقدم عليها النظام  حيث وصف البيان الصادر عن هذه القوى هذه الإجراءات بأنها  جزء من مخطط التصفية الذي تنفذه الدوائر الإمبريالية في منطقة الخليج العربي وهي ضمن المخطط الإمبريالي لإعادة رسم الخارطة  في الشرق الأوسط· (79)



الحركات والجماعات اليسارية  والتيار الديني


حرصت الحركات والجماعات اليسارية في البحرين على ربط المناسبات الوطنية والدينية للطائفتين الشيعية والسنية بالقضايا الوطنية  وفي هذا الصدد يقول يوسف الحسن، أحد قياديي "جبهة التحرير الوطني البحرانية"،  "مع أن الفترة البرلمانية شهدت اتساعا ··· في نضالات الطبقة العاملة وحلفائها وانخرطت الجماهير الكادحة المتدينة بسرعة في الحركة الإضرابية والمطلبية، إلا أن التقدميين ظلوا محافظين على تقاليد العمل المتواصل في أوساط هذه الجماهير وأماكن تجمعاتها الدينية"· (80) واستثمرت الحركات والجماعات اليسارية  الحسينيات ومواكب عاشوراء في المناسبات مثل شهر محرم  كمنابر تحريضية ضد ممارسات النظام السياسي فعندما أعلنت الحركات والجماعات اليسارية مقاطعتها لانتخابات المجلس التأسيسي حولت مواكب عاشوراء إلى مسيرات احتجاجية ضد المجلس التأسيسي من خلال الهتافات التي أطلقتها الجموع في هذه المواكب· وعندما تم إلغاء عضوية الدكتور عبد الهادي خلف أحد قياديي "جبهة التحرير الوطني البحرانية" وأحد ممثلي "كتلة الشعب" من المجلس الوطني بحجة عدم اكتمال السن القانونية للترشيح وتم إحلال أحد المرشحين من الذين سقطوا في الانتخابات، هتفت الجماهير ضد السلطة:

مال ميزان العدالة وفاز بالكرسي بديل

من بعد سحب الثقة أصبح الكرسي هزيل (81)    

واتخذت "كتلة الشعب" مع "الكتلة الدينية" بعض المواقف المشتركة داخل المجلس الوطني مثل إلزام وزير الخارجية للالتزام أمام البرلمان بإلغاء اتفاقية التسهيلات العسكرية الممنوحة للأمريكان في البحرين كذلك رفض قانون أمن الدولة في المجلس الوطني· (82) عندما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران عبرت الحركات والجماعات اليسارية عن تأييدها وتضامنها معها واعتبرت "جبهة التحرير الوطني البحرانية" انتصار الثورة في إيران مؤشرا كبيرا على تغيير ميزان القوى لصالح قوى التحرر والاشتراكية في العالم واعتبرتها حافزا عظيما للجماهير البحرينية التي تناضل من أجل الديمقراطية، ودعت الجبهة إلى الوقوف مع الشعب الإيراني من أجل تثبيت دعائم المجتمع الإيراني الجديد وإلى عدم استخدام الجزر البحرينية ومياه البحرين الإقليمية كمراكز للتآمر الإمبريالي ضد الثورة الإسلامية في إيران· (83) ورأت الجبهة في قيام الثورة الإسلامية في إيران بأنها "وحدت أهداف التحرر والديمقراطية والتقدم الاجتماعي للغالبية الساحقة من الجماهير الإيرانية بغض النظر عن انتماءاتها الفكرية والقومية· وهذه الوحدة الداخلية بالتحالف مع القوى الثورية العالمية تشكل الضمانة الحقيقية لاستمرارية الثورة"· (84) وأكدت الجبهة على أن المضمون الاجتماعي للدين لا يتعارض مع تطلعات الشعب البحريني نحو الاشتراكية والتقدم ودعت إلى عدم إعطاء الفرصة للمتاجرين بالدين وبالطائفية وبوقف نضال شعب البحرين نحو أهدافه المشروعة يدا بيد مع الشعب الإيراني· (85)

أما "الجبهة الشعبية في البحرين" فقد أعلنت تضامنها وتأييدها للثورة الإسلامية في إيران وشاركت عناصرها في المظاهرات التي انطلقت احتفالا بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، وحاولت السلطة دق إسفين ما بين العناصر المتدينة وعناصر الجبهة الشعبية في البحرين· (86) وفي هذا الصدد يقول حسين موسى أحد قياديي "الجبهة الشعبية في البحرين" استندت السلطة في مواجهتها للحركة الوطنية على إحداث الشقاق ما بين التيار الوطني اليساري والتيار الديني كامتداد لسياسة الإنجليز (فرق تسد) وحققت في ذلك نجاحا كبيراً خصوصا قبل عام 1979، أما بعد ظهور الثورة الإسلامية في إيران  فانه رغم وجود الخلاف الإيديولوجي، فان التيارين اليساري والديني قد طرحا مهمات متماثلة  مما جعل جماهير التيارين تلتقيان عمليا في الشارع حتى دون اتفاق رسمي وهذا مما زاد في رعب السلطة السياسة وجعلها تعود إلى استخدام السلاح القديم الطائفية· (87)  واستثمرت الفصائل الماركسية هذا الوضع حيث وزعت "الجبهة الشعبية في البحرين" نداء  يدعو إلى إقامة "التجمع الوطني الديمقراطي" بين جموع المتظاهرين، (88) ونشطت اللجان السرية العمالية التابعة للفصائل الماركسية فأصدرت "لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية" نشرتها الشهرية "صوت العامل" كما أصدرت "اللجنة التأسيسية لاتحاد عمال البحرين" نشرتها الشهرية "صوت العمال"، واستغلت الفصائل اليسارية الوضع خاصة في  المناسبات الدينية مثل عاشوراء وشهر رمضان للقيام بالمسيرات وإلقاء الخطابات المنددة بسياسة النظام· (89)  دعت نشرة 5 مارس  إلى صياغة برنامج الحد الأدنى الذي تلتقي عليه القوى الوطنية والتقدمية الخليجية مع النظام الإسلامي في إيران بدلا من تجاهل النظام الإسلامي في إيران للقوى الوطنية والتقدمية الفاعلة في الساحة الخليجية وحصر تعاطيه مع هذه الساحة من خلال منظمات شيعية· (90)

عندما واجهت تنظيمات التيار الديني الشيعي التي ظهرت بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، السلطة في البحرين، (91)  أبدى هذا التيار معارضة قوية وجريئة للنظام البحريني الذي واجه ذلك فامتلأت السجون والمعتقلات  بأعضاء التنظيمات الشيعية· (92) وأدى هذا إلى تضامن الحركات والجماعات اليسارية مع التيار الديني الشيعي وللمرة الأولى يجتمع  ممثلو الحركات والجماعات اليسارية وممثلو التيار الديني الشيعي لتدارس الأوضاع في البحرين وأصدروا بيانا مشتركا من قبل لجان التضامن التي تمثل الحركات والجماعات اليسارية والتيار الديني الشيعي احتجاجا على ممارسات السلطة ضد الحركة الدينية الشيعية· (93) في أثناء الأحداث التي شهدتها الساحة السياسية في البحرين والتي تمثلت بالانتفاضة الدستورية عام 1992 بدءا بتقديم العرائض إلى حاكم البحرين وانتهاء بانتفاضة شعبية شاركت فيها جميع القوى السياسية· هذه الأحداث مهدت الطريق إلى تعاون أكبر بين الحركات والجماعات اليسارية وتنظيمات التيار الديني الشيعي· وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمن النعيمي الأمين العام للجبهة الشعبية في البحرين "نحن ألان مع الإسلاميين متفقون على قضية الديمقراطية وهي ستحل المشكلة على الصعيد المذهبي وحقوق الناس"· (94) واعتبر سيف بن علي الأمين العام "لجبهة التحرير الوطني البحرانية" الحركة الدينية في البحرين بأنها حركة سياسية تطرح المطالب التي تطرحها الفصائل الماركسية والتي تتمثل بتفعيل الدستور وعودة الحياة البرلمانية وإطلاق سراح المعتقلين والحوار بين السلطة والناس والشعب والمعارضة· (95)

عام 1994 شارك ممثلو الحركات والجماعات اليسارية مع القوى الدينية في التوقيع على العرائض وفي المسيرات الجماهيرية، وشكلت لجان التنسيق بين الفصائل الماركسية و"الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" و"حركة أحرار البحرين الإسلامية"، وصدر بيان من قبل الفصائل اليسارية والدينية تطالب السلطة في البحرين بالاستجابة للمطالب التي رفعتها الحركة الدستورية في البحرين· (96) وفي لندن عقدت لجنة التنسيق اجتماعا ضم "الجبهة الشعبية في البحرين" و"جبهة التحرير الوطني البحرانية" و"الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" و"حركة الأحرار الإسلامية في البحرين" وتم الاتفاق على أن المطالب التي أجمع عليها المواطنون والتي وقع عليها 25 ألف مواطن تتسق مع ما تناضل من أجله الحركات والجماعات اليسارية والحركة الدينية والتي تتمثل في احترام السلطة دستور البلاد وأن تعيد الحياة البرلمانية وأن تسمح للمبعدين بالعودة إلى البلاد وأن تطلق سراح المعتقلين السياسيين وأن تحل مشكلة البطالة· (97)

_____________________________________________________



الهوامش


54 - نشرة الجماهير،  مارس 1963·

55 - المرجع السابق·

56 - برنامج الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والسلم،  مرجع سابق، ص 22·

57 - بيان صادر عن "جبهة التحرير الوطني البحرانية"، منشور في  نشرة الجماهير، نوفمبر 1962·

58 - الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، وثائق النضال الوطني: 1965-1974، بيروت : دار الطليعة للطباعة والنشر، 1974،  ص 26-25·

59 - حسين موسى، مرجع سابق،   ص 96·  أمل الزياني،   البحرين من سنة 1783 - 1973: دراسة في محيط العلاقات الدولية وتطور الأحداث في منطقة الخليج،  بيروت : دار الترجمة والنشر لشؤون البترول،  1973· ص 174 - 175·

60 - مذكرة "جبهة التحرير الوطني البحرانية" حول مستقبل البحرين السياسي مرفوعة إلى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة يوثانت،   إبريل 1970·

61 - نشرة الجماهير،   يونيو 1971·

62 -  الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، وثائق النضال الوطني: 1965-1974، مرجع سابق، ص 22·

63 -  برنامج الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والسلم، مرجع سابق، ص 22·

64 - نشرة الجماهير،   نوفمبر 1972 ·كذلك انظر المقابلة التي نشرت في مجلة الطليعة الكويتية بتاريخ 3 سبتمبر  1972 مع سيف بن علي المتحدث الرسمي باسم جبهة التحرير الوطني البحرانية·

65 - يعتبر القسم الخاص في البحرين بمثابة جهاز أمن الدولة ويترأسه ضابط بريطاني Ian Stewart Henderson  ولمزيد من الاطلاع حول ممارسات القسم الخاص تجاه المعارضة السياسية في البحرين انظر: The Independent, 28, February, 1996.

66 - سيف بن على، "الحركة الوطنية في الخليج العربي" محاضرة ألقاها ممثل جبهة التحرير الوطني البحرانية، 1973، بيروت·   

67 - برنامج كتلة الشعب،   (د·م · د·ن · د·ت) ·

68 - حسين عبد الله، مرجع سابق، ص 50·

69 - لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين،  شيء من تاريخ الطبقة العاملة البحرانية، منشورات لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين : 1978، د·م، ص 20 - 97·

70 - المرجع السابق، ص98·

71 - بيان "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي"-إقليم البحرين،  29 نوفمبر 1972·

72 - عبد النبي العكري، مرجع سابق، ص 36·

73 - الجبهة الشعبية في البحرين، تطورات الوضع الراهن في البحرين ومتطلبات المرحلة الراهنة، منشورات الجبهة الشعبية في البحرين، د·م·د·ت،   ص 63 - 69· ولمزيد من التفاصيل حول الأسباب التي دعت "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي" - إقليم البحرين إلى مقاطعة انتخابات المجلس الوطني أنظر مثلا:

الجبهة الشعبية في البحرين، تطورات الوضع الراهن في البحرين ومتطلبات المرحلة الراهنة، مرجع سابق·

- الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، الترقيعات الإمبريالية في البحرين، عدن:مؤسسة صوت العمال للطباعة والنشر،ب·ت·

- الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي "الترقيعات الإمبريالية الأخيرة في البحرين"، الشرارة،  العدد 12، 1972·

- الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي "المجلس القادم موقعة من المخطط الإمبريالي"،  الشرارة، العدد 18،   1972·

74 - عبد العزيز محمد الراشد،دستور دولة البحرين، البحرين:  1973·

75 - بيان صادر عن "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، يناير 1974، منشور في مجلة 9 يونيو، عدن·

76 - لمزيد من التفاصيل حول الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين "الجبهة الشعبية في البحرين" و"جبهة التحرير الوطني البحرانية" أنظر:الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، الترقيعات الإمبريالية في البحرين، مرجع سابق·

- لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين،  شيء من تاريخ الطبقة العاملة البحرانية، مرجع سابق·

- الجبهة الشعبية في البحرين، تطورات الوضع الراهن في البحرين، مرجع سابق·

- الجبهة الشعبية في البحرين،  في الوحدة الوطنية البحرانية،  بيروت : دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979·

77 - حسين موسى، مرجع سابق،  ص 123· منيرة فخرو،  مرجع سابق، ص 54·

78 - لمزيد من التفاصيل حول قانون تدابير أمن الدولة   أنظر مثلا:                                         - الجبهة الشعبية في البحرين، الطبقة العاملة البحرانية ستفشل قانون أمن الدولة الرجعي، منشورات الجبهة الشعبية في البحرين، د·م · د · ت· الجبهة الشعبية في البحرين، أحداث أغسطس وأزمة النظام في البحرين، منشورات الجبهة الشعبية في البحرين، 1976،  د· م· منيرة فخرو،  مرجع سابق،   ص 54·

79 - بيان سياسي صادر عن القوى الوطنية البحرانية حول تطور الأحداث الأخيرة، سبتمبر 1975·

80 - يوسف الحسن، "موقفنا تجاه الحركات الدينية في البحرين"، مجلة النهج،   السنة الرابعة،   العدد الخامس عشر، 1978، ص 60·

81 - سيف بن علي، قضايا التحرر والديمقراطية في البحرين والخليج،   بيروت : دار الفارابي، 1980،  ص63·

82 - يوسف الحسن، مرجع سابق، ص62·       ــ  83 - نشرة الجماهير،  فبراير 1979·     ـــ  84 - المرجع السابق·

85 - المرجع السابق·     ـــ  86 - حسين موسى، مرجع سابق، ص 147·  ـــــ  87 - المرجع السابق، ص 147·

88 - المرجع السابق، ص 148·

89 - المرجع السابق، ص 149·

90 - نشرة 5 مارس، فبراير 1979 ·

91 - لمزيد من الإطلاع حول تنظيمات التيار الديني الشيعي في البحرين  أنظر:

- فيصل مرهون، البحرين قضايا السلطة والمجتمع، لندن : دار الصفا للنشر والتوزيع، 1988 ·

- أحمد حسين، الحركة الإسلامية في البحرين : لنصحح مسيرة الحوار، لندن : دار الصفا للنشر والتوزيع، 1989 ·

- فلاح المديرس، الشيعة في المجتمع البحريني والاحتجاج السياسي، مرجع سابق·

92 -  يوسف الحسن، مرجع سابق، ص62·

93 - المرجع السابق، 62·

94 - "أربعة من أقطاب المعارضة البحرينية يتحدثون"، مجلة المشاهد السياسي،  السنة الثالثة، العدد83،  12 - 18 أكتوبر 1997

95 - المرجع السابق·

96 - بيان القوى الوطنية والإسلامية في البحرين تطالب باستعادة الدستور والحريات العامة، وقع هذا البيان كل من: الجبهة الشعبية في البحرين، الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، حركة أحرار البحرين الإسلامية، جبهة التحرير الوطني البحرانية، الثاني من إبريل 1994 ·

97 - أربعة من أقطاب المعارضة البحرينية يتحدثون"،  مرجع سابق ·  




المصدر: صحيفة الطليعة الكويتية

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها