مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

إذا كان التعاون الخليجي فاشلاً.. فكيف سيكون «الاتحاد»؟ - حسين غباش

طباعة PDF



قليل من الخليجيين، العارفين بشؤون ديارهم، أخذو ا قرار الرياض، إبان القمة الخليجية في ديسمبر الماضي، القاضي بالانتقال بمجلس التعاون الخليجي إلى «الاتحاد الخليجي»، محمل الجد. الاتحاد كان ولا يزال حلما من أحلام الشعوب الخليجية. ترى فيه خلاصها من التمزق والهوان الداخلي، وتأمل فيه حمايتها من التبعية الخارجية المهلكة. كما ترى فيه علاجا ضروريا لمأزقها الديمغرافي الخطر. بيد أن المعطيات الذاتية والموضوعية لا تسمح بالتفاؤل. وتاريخ مجلس التعاون ومحصلة إنجازاته المحدودة، خلال العقود الثلاثة الماضية، محبطان جدا. إذاً، كيف لنا أن نشيد صرحا أرقى على أرضية هشة؟


يجلس مجلس التعاون، على جملة من التناقضات والإشكاليات البنيوية المتعلقة بطبيعة سلطته السياسية، كما الفكرية المرتبطة بالثقافة السياسية للسلطة، التي لا تتماهى وفكرة الاتحاد، ولا تؤهله للتعايش مع صيغة اتحادية. فطبيعة البناء السياسي، بمعنى النظم، كما طبيعة الثقافة الرسمية لبلدان الخليج، تحدد طبيعة الاتحاد المنشود. والحديث عن المجلس هو الحديث عن أعضائه.

المعروف، كما تؤكده الأنظمة ذاتها، أن النظم العائلية لا تحكم البلاد فحسب، بل «تملكها». هي تملك الأرض، (الأوطان)، وما فيها من ثروات، ولا يمكنها، بالتالي، بصفتها المالك، أن تعتبر وتتعامل مع سكانها إلا كرعايا. أما الجزيرة العربية مثلا تسمى، هي وشعبها، على اسم العائلة السعودية. هل يمكن لهذه الثقافة ان تخلق مواطنيين حقيقيين فاعلين في التاريخ؟

الثقافة الرسمية الخليجية بصفة عامة لا تخلق أسيادا على أرضهم بالمفهوم السياسي و الحقوقي، بل يصيرون أتباعا. وهذه الصفة لا تلغي الذات الوطنية للإنسان فحسب، بل تلغيه كإنسان سيد ذاته. لا يمكن أن يكون الإنسان مواطنا بدون أن يمتلك إرادته. لكن كيف يمكن أن يكون الإنسان مواطنا مالكا لإرادته الحرة في ملكيات خاصة؟
فضلا عن ذلك، ان فكر المصالح الخاصة هو بطبيعته فكر مصالح وقوى متضاربة. والدليل أن المجلس لم يتمكن من إرساء لبنة واحدة لمشروع التكامل والاتحاد؟ فقد أخفق في توحيد السياسات الخارجية. ولم يفلح في توحيد السياسات المالية والاقتصادية، وتفرق عند إقرار العملة الموحدة. واختلف على توحيد السياسات الجمركية. وأخفق إخفاقا مدويا في معالجة الخلافات الحدودية المزمنة. والواقع أن الحالة الخليجية لا تعبر عن خلافات حدودية بين أوطان، يمكن أن يحلها عقلاء من الطرفين، بل خلافات حدودية بين ممالك خاصة. لذلك تبدو مستعصية على الفهم والمنطق، ولا نجد لها حلولا عادلة.

لنأخذ مثالا على ذلك. هنالك خلافات بين السعودية والكويت، التي لا زالت تشعر بالغبن تجاه المملكة. وبين السعودية وقطر، والأخيرة مبتلية بهواجس الصغار. ثم بين السعودية والإمارات، التي انتزعت السعودية منها، بغير وجه حق، جزءا كبيرا من أراضيها، زائد آبار النفط الغنية. ولا ننسى، بالطبع، الخلافات بين السعودية واليمن، وهي خلافات مرشحة للعودة إلى المشهد السياسي بعد إسقاط علي عبد الله صالح، وتشييد الدولة اليمينة الديموقراطية. إنها حقوق وطنية يمنية سيادية، واليمنيون لن يسكتوا على ضيم.

مجلس التعاون، الذي شُكل عام1981، لم يأت كثمرة بناء استراتيجي و«فكر وحدوي» نهضوي، بل أتى كرد فعل على الثورة الايرانية وتداعياتها. فبعد سقوط الشاه، حليف الأنظمة الخليجية وعميدها، اختل التوازن التقليدي وشعر الحكام الخليجيون، آنذاك، بالتهديد لأنظمتهم، والتفوا حول ذواتهم، وشكلوا محورهم الدفاعي. اليوم أتت رياح الثورات العربية العاتية لتزيد المجلس تصدعا وإرباكا. وتأتي فكرة الاتحاد الخليجي كرد فعل آخر، كأن المأمول منه أن يكون «الدرع الحامي» من رياح الثورات.

تبدو هذه السياسات كسلسلة ردود أفعال تعوزها الحكمة. لم نر في معظم القرارات التي اتخذت أي وعي تاريخي، أو إدراك لمقتضيات العصر. وبالتالي، لم يكن ممكنا ان تسير بهذه البلدان إلا من أزمة إلى أخرى.

أوليست من المفارقة أن يكون أمن الأنظمة في تعارض شبه دائم وأمن الشعوب؟ يحدث هذا الانفصال عندما لا تمثل السلطات شعوبها وتفقد المشترك العام. ذلك لأنه إذا لم تخضع المصالح الخاصة لما هو أسمى منها، أي المصلحة الوطنية العليا، تتغلب الأولى على الثانية وتهمشها. وهذه من حقائق الوجود.
المواطن في الثقافة الرسمية هو الآخر. هو شيء من الخصم المفترض، حتى يُثبت ولاءه وتبعيته، ثم يُقبل كتابع من درجة ما.

لقد رأينا، كيف تم تعامل السلطات في المملكة السعودية مع المعارضين السياسيين، ومطالبهم المشروعة (يقدر عدد سجناء الضمير في المملكة بين عشرة آلاف وثلاثين ألفا). ثم كيف تم التعامل مع الحركات الإصلاحية، حتى غير الدينية منها، في البحرين.

لكل نظام فكره السياسي ومصطلحاته. لم نسمع يوما في الخطاب الرسمي، منذ أن تأسست هذه الكيانات السياسية بشكلها الحديث في سبعينيات القرن الماضي، أي إشارة، ولو يتيمة، إلى الأمن الاجتماعي، أو الأمن الوطني، أو السيادة الوطنية، ناهيك عن الأمن الثقافي المخترق. والكل يعلم أن السيادة مغيبة، والقرار الوطني صادرته العولمة، والأمن الثقافي ملغى من الوعي تماما، بل لا يثير اهتمام حتى مثقفي الخليج المعنيين بالأمر.

فضلا عن ذلك، كما هو حال مفهوم «المواطن»، يغيب مصطلح الشعب في الثقافة السياسية الرسمية. لأن الاعتراف تتبعه حقوق وتليه مسؤوليات متبادلة. كما يفترض أن تتبعة ولادة ضرورية لعقود اجتماعية ودساتير تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهذا يتناقض وطبيعة بعض السلطات القائمة في الخليج. بالتأكيد، نستثني الكويت، التي تميزت، مبكرا، عن بقية البلدان الخليجية وشيدت نظامها السياسي على دستور متقدم وضع عام 1962، ودخلت الحياة الديموقراطية.

من دون نقلة، بل ثورة إصلاحية في الدول الخليجية، ستكون للثورات العربية ارتداداتها الحتمية. إنها حركة التاريخ. ولن يكون الاتحاد المنشود إلا محورا عسكريا أمنيا آخر. ولن يكون قادته قد استوعبوا حركة التاريخ المعاصر. وفي الأخير، لن يكون الاتحاد، بالتأكيد، مُعبرا عن تطلعات الشعوب الخليجية.


المصدر: جريدة السفير


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها