مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

السلطة في الكويت.. كلام مظلوم ووجه ظالم - عبد الرحمن المناعي

طباعة PDF


ورد في كتب التاريخ عن رجل أحضر امرأته الى احد قضاة البصرة، وكانت حسنة المنقب قبيحة المنظر، فمال لها القاضي على زوجها، وقال: أيعمد أحدكم الى المرأة الكريمة فيتزوجها ثم يسيء اليها، ففطن الرجل لميل القاضي اليها، فقال: أصلح الله القاضي، قد شككت في انها امرأتي، فمرها أن تسفر عن وجهها، وافق القاضي، فقال لها: أسفري رحمك الله عن وجهك، فأسفرت فإذا هو وجه قبيح، فقال القاضي لما نظر الى قبح وجهها: قومي عليك لعنة الله، كلام مظلوم ووجه ظالم.
ألهذا المثال القديم تطابق مع واقعنا السياسي، حيث ادعاء المظلوم لا ينسجم مع حقيقة الواقع؟ ربما.

في هذه الأيام عندما نتحدث عن الحالة الكويتية، فإننا نتحدث عمليا عن حالة من الفوضى وعدم الاستقرار النسبيين، فوضى خلقها اللاعبون في المسرح السياسي وعززها الهيكل القانوني للديموقراطية الكويتية، لا علاقة لهذه الفوضى بفكرة الديموقراطية الصحيحة، اذ الديموقراطية هي تنظيم الفوضى، الفوضى التي هي طبع الإنسان سواء كان كويتيا أو غيره. هذا ما أسس له من أتوا بفكرة الديموقراطية في القرن السادس عشر مثل هوبز وروسو ولوك، لكن الديموقراطية عندنا مختلفة، كاختلاف العديد من المصطلحات الجميلة التي نسمع عنها في الخارج مثل التنمية والاقتصاد المفتوح وغيرهما، فهي جميلة في الخارج قبيحة لدينا.
كيف نعالج هذه الفوضى؟ وما علاقة هذه الفوضى بمثال قاضي البصرة الذي ابتدأنا به؟ ومن هم مفتعلوها؟ لا يملك أحد أن يدعي حل جميع مشاكلنا باختزال وحلول أحادية كما فعل قوميو الأمس، عندما ادعوا أن القومية وحدها هي حل مشاكلنا جمعاء، إذ ان زمن الحلول الأحادية كان وهما، وهذا الوهم، بحمد الله، قد ولى.

تبدأ المعالجة السياسية لهذه الفوضى من خلال تبني منظومة متكاملة قائمة على ثلاثة مرتكزات: أولا، وجود نظام ديموقراطي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، فالتجربة تقر بأن استقرار البلد دائما مرتبط باستقرار السلطة التنفيذية، ولن تستقر السلطة التنفيذية ما لم يكن البلد قائما على فكرة الأحزاب، فالحزب الذي يشكل الأغلبية النيابية يقوم بتشكيل حكومة ذات برنامج عمل. ثانيا، وجود جو من الحرية السياسية يجعل من فكرة ولادة فرعون (وهي التي اعتدنا عليها عربيا) في قيادة السلطة التنفيذية شيئا من المستحيلات، هذا بطبيعته سيضفي جوا من التنافسية التي تخدم المواطن قبل ان تخدم الفرعون نفسه. ثالثا، حد أدنى من العدالة الاجتماعية لا تسرقها فكرة الأغلبية أيا كانت، إذ ان العدالة كقيمة تعلو الديموقراطية من حيث المبدأ.

الصراع القائم بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهو الذي يشغل ساحتنا السياسية منذ أمد طويل في شتى القضايا، صغر حجمها أو كبر، لم يقدم شيئا لمعالجة لب المشكلة الهيكلية في السياسة الكويتية، اذ ان كل واحدة من السلطتين اعتادت القاء اللوم على الاخرى، وتحاول تسويق هذا اللوم للمواطنين حسب وسائلها. لنقل لهما بكل صراحة: كلتاكما يا سلطتان كلامكما للشعب كلام مظلوم لكن أفعالكما أفعال ظالم وأكثر!
-------

المصدر: جريدة القبس
25 سبتمبر/ أيلول 2011



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها