مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

ديمقراطية الكويت تعلن الحداد! - أحمد عبد الملك

طباعة PDF


وَصفَ أمير الكويت ما حصل يوم الأربعاء -قبل الماضي- بأنه كان يوماً أسود في تاريخ البلاد. وذلك على خلفية اقتحام محتجين - بينهم نواب في مجلس الأمة - لمقر المجلس وتحطيم أبوابه والوقوف فوق المنصة. وكان المحتجون يطالبون باستقالة رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد. وقد حصل اشتباك بين المحتجين وقوات الأمن والحرس الوطني، حيث أصيب خمسة من رجال الأمن وأحدُ عناصر الحرس الوطني. كما وقعت إصابات في جانب المحتجين أيضاً.

وقد تطورت الأحداث من مسيرة سلمية نحو فناء مجلس الأمة، إلى اقتحام المبنى والاشتباك بين الطرفين، وقيام المحتجين بقذف رجال الأمن بزجاجات الماء والحجارة. وقد جاء حادث الاقتحام بعد تسريبات لفضيحة فساد اتهمَ فيها خمسة عشر نائباً من أصل خمسين هم أعضاء مجلس الأمة الكويتي، حيث فتح النائب العام (الشهر الماضي) تحقيقاً حول حسابات نواب يُشتبه في أنهم حصلوا على 350 مليون دولار "رشى"، كما يقول نواب المعارضة.

وفي إشارة إلى حزم الحكومة في التعامل مع الحوادث الأخيرة أمرَ أميرُ الكويت -اليوم التالي للاحتجاجات وبعد اقتحام مجلس الأمة - قوات الحرس الوطني والأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية بأخذ كل التدابير للحفاظ على أمن واستقرار الكويت، وبكل حزم! وكلّف مجلسُ الوزراء وزارةَ الداخلية بملاحقة المسؤولين عن اقتحام مبنى البرلمان، وتم الإعلان عن اعتقال أربعين شخصاً بينهم نواب. وصرح أمير الكويت - خلال لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الكويتية الأحد قبل الماضي: "أنا الذي أعيّن بناءً على الدستور" (في إشارة إلى تعيين رئيس الوزراء). موضحاً: "وأنا الذي أُقيل وأعيد رئيس الوزراء وأُقيل الوزراء الآخرين، ولكن أن يقسموا أنه يجب أن (يشيلوا) رئيس الوزراء، حتى لو كان لدي نية أن أطلب منه الاستقالة، فلن أطلب منه أن يستقيل بأمر من هؤلاء الناس".

وأعلن الأمير أن القضاء هو الذي سيحكم على هؤلاء وأن "جُرمَهم" يختلف اختلاقاً كليّاً، لأنه جُرمٌ على الكويت نفسها، وحكم المحكمة والقانون سيطبّق".

وكان وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح قد استقال من منصبه، بعد اتهامات وجهها أحد النواب بوجود عمليات تحويل مالية غير مشروعة للخارج عبر السفارات الكويتية.

وتأتي هذه الحوادث التي "توّجت" باقتحام متظاهرين مجلس الأمة والعبث بمحتوياته بعد استقالة الحكومة ست مرات، وحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة ثلاث مرات.

إذن هذه هي الديمقراطية الكويتية التي كان الشارع العربي عامة والخليجي خاصة يعتبرها نموذجاً مخالفاً للديمقراطيات العربية التي كانت الديكتاتوريات تتخفى خلفها، بل إن بعض شعوب الخليج كانت تأمل أن يصل بها الحال إلى نصف أو ربع ما وصل به الحال مع الديمقراطية التي تحققت في الكويت.

ومع كل التقدير لآراء المعارضة الكويتية وحقها في الاعتراض حول تصرفات وأعمال تراها سلبية على مسيرة التنمية في الكويت، إلا أن العنف ليس من شيم أو أساليب الديمقراطية! بل إن تعرُّضَ مجلس الأمة للأذى، وهي إشارة ليست سياسية بقدر ما هي أخلاقية، أفسد إعجابنا كـ-خليجيين- بالمعارضة الكويتية وبحرية التعبير التي يتمتع بها المجتمع الكويتي! فماذا كان سيحدث لو اكتفى المحتجون بالوقوف أمام مجلس الأمة وأوصلوا رسالتهم بصورة حضارية، بما في ذلك طلب استقالة رئيس الوزراء، كما يحدث في الدول الديمقراطية.

لقد قام المجتمع الخليجي على التواصل والرحمة والتوافق حتى في الأمور السياسية، ونحن نعجب بحكمة أبي الدستور الكويتي الشيخ عبدالله السالم، الذي أرسى دعائم الديمقراطية في الكويت، ونصّ على ذلك صراحة في المرسوم الأميري الذي أصدره عام 1961. والدستور الكويتي وإن نصّ صراحة على وراثية الحكم في الكويت، إلا أنه أوجد مجلساً للأمة يتولى تأسيس نظام ديمقراطي يقوم على الانتخاب السري والمباشر، ولا نعتقد أن عبدالله السالم كان يخطر بباله أن مبادرته الجريئة - وسط ظروف خليجية صعبة آنذاك - سينتج عنها إخلال بالتوافقية، وأن مجلس الأمة الذي يمنع اقتحام بيوت المواطنين يكون هو نفسه ضحية لاقتحام من المواطنين، بل ومن بعض أعضاء المجلس ذاته.

إننا نؤيد حوار العقل، ونرى أن الأمور لا تؤخذ بالصرامة والتحدي والانفراد بالرأي. كما أن دولة الكويت لها تاريخ حافل بنزاهة القضاء، وهو القادر على إدانة من تدور حوله الشكوك في التلاعب بالمال العام، وهذا من حق الشعب الكويتي كله وليس فقط من حق النواب ومريديهم. وكما أن المسؤولين -ومنهم الكبار- ليسوا كلهم من الملائكة، فإن النواب أو المطالبين بالإصلاحات ليسوا بالضرورة من الشياطين.

إن مجلس الأمة يدخله النواب من الأبواب المشرعة و(عِقلهُم) -مجموع عقال- على رؤوسهم، أي كامل الزي الوطني، كما هو الحال في مجلس الشيوخ الأميركي والبرلمان البريطاني والبرلمان الألماني وغيرها من المجالس التي يدخلها أعضاؤها وهم بكامل لباسهم الرسمي، احتراماً لذات المجلس. أما دخول مجلس الأمة -كما حدث الأسبوع الماضي- وكأنَّ الإخوان في رحلة بحرية أو في ديوانية يلعبون فيها (الكوت) -نوع من اللعب بالكوتشينة - فهو دخول غوغائي لا يليق بمجلس الأمة ولا بديمقراطية الكويت.

لقد أدخل ذلك العمل المشين ديمقراطية الكويت في سرادق العزاء، وجعل الناس -المحتاجين لريح الديمقراطية - يتساءلون: أهكذا ديمقراطية نريد؟! أهكذا تتم المطالبة بالحقوق، في بلاد هي من أعمق بلاد العالم العربي تجربة في حرية التعبير وفي التوصل إلى نيل الحقوق عبر الكلمة السلمية لا اقتحام البيوت، ولا بيت أعز وأهم من مجلس الأمة، الذي هو بيت الكويتيين كلهم.
-----------------

المصدر: الاتحاد الاماراتية

24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها