مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

في السعودية، متى ستقول الحكومة أنا فهمتكم؟ - فؤاد فرحان

طباعة PDF

 

 

عندما ينظر السعودي من حول بلاده، يجد المجتمعات المجاورة في حال حراك شديد تنبئ عن مخاض عسير لولادة بلدان ونظم جديدة لسنا متأكدين من صورتها النهائية، ولكننا متأكدين من أن ماضيها كان من السوء بدرجة كبيرة، ليطلق هذا الحراك، ولن يكون المستقبل أسوأ من الماضي بأي حال.
شمالاً

في العراق لازالوا يدفعون ضريبة الاحتلال الأمريكي ويبحثون عن الاستقرار بعد خروجه
في سوريا تكاد ثورتها تُنجز
في لبنان ينتظرون نجاح ثورة سوريا ليتغير وجه البلد
في الأردن حراك سلمي شعبي ضاغط نحو الإصلاح وبداية محاكمات للفساد

غرباً

سقوط مبارك ونظامه ومواصلة المعركة ضد العسكر
سقوط بن علي ونظامه وولادة دولة جديدة بنجاح
نهاية مناسبة للقذافي ونظامه وولادة دولة بنظام جديد
ولادة دولة جديدة جنوب السودان بعد حروب لعقود

جنوباً

ثورة يمنية مباركة وتنحي صالح وقرب نهاية فلول نظامه
حراك إصلاحي سلمي شعبي في عمان واعتقالات للناشطين وهدوء مؤقت

شرقاً

حراك إماراتي إصلاحي شبابي مفاجئ واعتقال خمسة قيادات منهم وسحب جنسيات ستة آخرين
ثورة في البحرين لم تنجح ولم تنتهي
حراك إصلاحي شعبي ناجح في الكويت يطرد رئيس مجلس الوزراء من منصبه ويبشر بمعركة حامية ضد الفساد لاستئصاله
ثورة خضراء في إيران خمدت وتصعيد سياسي لنظام الملالي ضد الجيران والمجتمع الدولي والتهديد بقنبلة نووية إيرانية

في وسط هذا الحراك الرهيب من حولنا، ماذا عنا؟

هل يمكن القول أن السعودية تعيش حالة استقرار سياسي كبير إذا ما قورنت بما يدور حولها؟ كل الأحداث والحراك الذي حصل في البلاد طوال 2011 لا يمكن مقارنته (لو جمعنا كل ما حصل) ليوضع بنفس المصاف مع ما يدور حولنا.
يقال أننا نعيش حالة استقرار سياسي، والسؤال المشروع الذي يجب أن يُطرح هو: هل يعكس المشهد العام للبلد، حالة استقرار سياسي حقيقي؟ أم هي حالة استقرار وهمية مرت بها كل البلدان التي حولنا قبل انفجار الحراك الذي نراه فيها؟

هل يشبه “استقرارنا” استقرار تونس بن علي، ومصر مبارك، وليبيا القذافي، وسوريا بشار، ويمن صالح قبل الثورات؟ أم أنه يمثل حالة رضا وارتياح شعبية عامة حقيقية؟

كمجتمع سعودي يعيش في الألفية الثالثة، لا يوجد لدينا مؤسسات مجتمع مدني (جمعيات مستقلة، أحزاب،…) أو أدوات يمكن من خلالها رصد ومعرفة توجهات الشعب ومطالبهم، ومن الطبيعي عدم اعتبار وسائل الإعلام التقليدية المحلية أدوات لقياس نبض الشعب لأنها تعتبر غير مستقلة عند الكثير. لذلك نجد أن أصدق وسيلتين لقياس رضا الشعب حالياً هي المجالس العائلية والشبكات الاجتماعية على الانترنت (فيسبوك، تويتر، المدونات، يوتيوب،..)، وهاتان الوسيلتان فيهما نوع معقول من الاستقلال يسمح بالاعتماد عليهما بشكل جزئي كوسيلتين بديلتين عن وسائل أدق وأكثر علمية.

من خلال هذه الوسيلتين، يمكن قراءة وجود حالة احتقان شعبية واضحة. وهناك بعض الأحداث التي حدثت خلال 2011 في الواقع يمكن أن تسند هذه القناعة مثل: اعتصامات أهالي المعتقلين التي حدثت أكثر من مرة، اعتصامات المعلمين المطالبين بالترسيم، اعتصامات واضراب فئات أخرى تطالب بحقوقها، بيانات متفرقة تطالب بالإصلاح السياسي. ولكن، هل هذا الحراك الذي حدث، ولغة الاحتقان العامة التي يمكن رؤيتها بوضوح في الشبكات الاجتماعية تثبت أن حالة الاستقرار السياسي هو استقرار وهمي وغير حقيقي؟

أعتقد أن حالة الاستقرار السياسي التي عاشتها السعودية في 2011 الساخن والممتلئ بالأحداث من حولنا وتعيشها الآن هي حالة استقرار حقيقية للأسباب التالية:
انخفاض سقف المطالب عند الفئات التي نزلت للشارع في 2011

عوائل المعتقلين الذين اعتصموا أكثر من مرة خلال العام الماضي، وكانت مطالبهم تتركز في الإفراج عن ذويهم المعتقلين منذ سنوات، ولم يطلبوا أكثر من ذلك بحسب ما رُصِد. المعلمين الذين اعتصموا أكثر من مرة، تجمعات معلمات محو الأمية، تجمعات طلاب الكيات الصحية، بعض تجمعات شباب البطالة، وغيرها من التجمعات التي كانت مطالب أصحابها تدور حول توظيفهم لا أكثر. لا أتذكر نزول فئات وأعداد كبرى تطالب بإصلاح سياسي حقيقي للشارع على شكل مظاهرات واعتصامات. بل الذين نزلوا للشارع هم أصحاب حقوق مباشرة تمس حياتهم بشكل مباشر. فلنقارن سقف هذه المطالب (وهي مشروعة)، بسقف المطالب التي نزلت بها الفئات والشعوب في البلدان من حولنا خلال 2011! لا أعتقد أنه يوجد مقارنة.
عدم وجود رؤية إصلاحية شعبية سياسية، جامعة وبديلة تخرج الأسرة الحاكمة من المعادلة

في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، عندما نزل الشعب للشارع، كان يحمل رؤية واضحة واحدة متفق عليها من معظم التيارات والأحزاب ومكونات المجتمع، تبلورت في جملة واحدة: الشعب يريد إسقاط النظام.
في السعودية، لازالت الأسرة الحاكمة السعودية -رغم كل ما يحدث- يُنظر لها كثابت وطني. د. عبدالله الحامد والذي يعتبر الإصلاحي السعودي صاحب سقف المطالبات الأعلى ضجيجاً أكد مجدداً في أحدث بياناته على عدم “القفز للمجهول” و التمسك بثابت الأسرة السعودية. بيان “نحو دولة الحقوق و المؤسسات” الذي وقع عليه حشد كبير من الإصلاحيين السعوديين والقيادات وأكثر من عشرة آلاف مواطن كما يُذكر، أكد على ثابت الأسرة السعودية. هناك مطالب إصلاحية حقوقية دعت لها فئات متظلمة في المجتمع، وهناك مطالب إصلاحية طرحتها نُخب سعودية ووافقهم عليها العديد من المواطنين، وكل هذه المطالب لا يمكن النظر لها كمهدد لحالة الاستقرار. ففي كل بلد في العالم، نجد هناك مظاهرات واعتصامات يومية لفئات وممثلين للمجتمع وتسير الحياة بشكل طبيعي بدون تهديد للكيان السياسي، وبدون أن يقال بأن بلدانهم فقدت الاستقرار السياسي.
الأسرة الحاكمة ثابت وطني عند المؤمن بها والمضطر لها

قابلت واحداً من القيادات الصحوية، فسألته إن كانت الأسرة الحاكمة تشكل ثابت حقيقي عندهم، فقال: نعم! وبكل الأحوال هم أفضل من سيطرة قوى ليبرالية تغريبية على البلد مدعومة غربياً تحت مظلة الديمقراطية! وسألت مثقف ليبرالي شهير نفس السؤال، فقال: نعم! وماذا تعتقد سيحصل بنا عندما يتولى “المطاوعة” الحكم؟ ستبدو أفغانستان طالبان دولة ديمقراطية تقدمية مقارنة بنا. وسألت إصلاحي شيعي نفس السؤال، فقال: نعم! وماذا تعتقد سيفعل مشايخ السنة بنا لو تمكنوا من الحكم؟ وأي حقوق يرون أن نستحقها وهل بينها حق التنفس؟. وسألت أحد أفراد قبيلتي إن كان يرى الأسرة الحاكمة ثابت؟ فقال: نعم! وماذا ستفعل بنا القبائل الأخرى لو تولت الحكم علينا؟
إذا استثنينا المتأثرين بالقاعدة والذين يطالبون بإسقاط النظام من منطلق عقائدي تكفيري يشاركهم فيه من يحمل نفس الرؤية العقائدية، وهم إما في السجون أو ناشطين في الانترنت تحت معرفات مستعارة، وإذا استثنينا صفحات الفيسبوك الوهمية التي ظهرت في 2011 تبشر بما سمي ثورة حنين، فإن الشخص الوحيد الذي طالب علناً بإسقاط النظام كان: محمد الودعاني صاحب مقاطع اليوتيوب الشهيرة.
كيف تمكنت الحكومة من المحافظة على الاستقرار؟

بما أننا لسنا دولة تقليدية مثل دول العالم يوجد فيها نظام وحياة سياسية يشارك فيها المواطنين عبر مؤسسات المجتمع المدني، وبما أنه لا يوجد لديناً أصلاً مؤسسات مجتمع مدني تذكر، فهيكل الدولة السعودية بوضعها الحالي يبدو غريباً إذا ما قورن بدول العالم المختلفة. وهو أقرب ليكون بالشكل التالي:

 

 

 

المؤسسة الدينية

عبر مكانتها وقياداتها وهيئاتها وبعدها التاريخي، لازالت المؤسسة الدينية والنخب العلمية والدعوية والحركية حتى اليوم تملك المقدرة الأعلى على تشكيل رؤية قطاع عريض من الشعب نحو كثير من الأمور الحياتيه والفكرية والمواقف السياسية. أهم ثوابت ومكاسب هذه المؤسسة هي انفرادها بنشر الخطاب الديني الذي تراه (السلفية/مشروع الصحوة/..)، وأن لا تقوم الدولة بتمكين مدارس دينية فقهية أو فكرية أخرى من منافستها. هذا (الثابت) يكاد يكون هو الثابت الوحيد الذي مقابله ممكن أن تتنازل المؤسسة عن أي مهام وواجبات أخرى مثل: المطالبة بالإصلاح السياسي، العمل الحقوقي والدفاع عن حقوق الإنسان،. ليس من الظلم القول بأن المؤسسة الدينية لا تحمل أي مشروع إصلاح سياسي. بل الراصد لمطالبها يجد أنها تدور حول مطالبتها للدولة بالحفاظ على الوضع كما هو مع الخلاص من بعض ما يطلقون عليها “مظاهر التغريب”. لقد كان احتفاء المؤسسة الدينية بقرارات الملك التي تدعم بعض مؤسساتهم وتمنع الإعلام من تداول قياداتهم بالنقد، احتفاءً غير مسبوق، يؤكد أن الأولويات لدى المؤسسة هي مكاسبها ذاتها وليس حقوق الشعب أو الإصلاح السياسي. لقد ثبت أن المؤسسة الدينية تنتشي وترضى بتصريحات إعلامية من قبل المسؤولين، كما أنها تستخدم الخطاب واللهجة الدينية بذكاء، فتبالغ في تمجيد تلك التصريحات لدرجة تؤكد، مرة تلو مرة، بأن ما تسعى له هو مكاسب مؤسساتية لا أكثر.
المؤسسة الرأسمالية

كبرى العائلات التجارية والمجموعات والشركات تدين بالشكر للدولة التي ساعدتها في صناعة ثرواتها عبر المشاريع الحكومية التي منحت لهم، والقروض الحكومية المالية الممنوحة لمشاريعهم والتي يحصلون عليها عبر علاقاتهم الواسعة. أما الذين صنعوا ثرواتهم من سوق العقار فبكل تأكيد لم يكونوا يستطيعون جمع هذه الأموال الطائلة لولا نظام السوق العقاري السعودي الذي يبيح ويسمح ويدعم احتكار الأراضي ويحميه. القطاع الخاص السعودي والذي تمكله المؤسسات الرأسمالية السعودية والبنوك هو قطاع أبعد ما يكون عن شريعة الإسلام التي تحارب الاحتكار والجشع والظلم واستعباد البشر. ولم يكن للقطاع الخاص أن يكون بهذا التوحش الذي يسعى لتراكم الثروات بأي شكل وبأي طريقة كانت، حتى لو كان بانتهاك حقوق الناس والبيئة والظلم، لولا التشريعات الموجودة والتي تسمح له، وكذلك غض النظر طوال عقود عن أسلوب عمله.
بالإمكان -بكل أسف- رؤية انحياز الدولة للمؤسسات الرأسمالية ضد المواطن بوضوح عبر:

الحماية والدعم الحكومي الكبير للبنوك السعودية التي امتصت ولازالت تمتص دم المواطن بلا رحمة طوال عقود عبر أنظمة وقروض مالية بالغة التوحش.
الحماية الكبرى لمافيات العقار التي احتكرت الأراضي وضيقت على البشر حتى وصلت نسبة السعوديين الذي لا يمتلكون سكن لأرقام فلكية تقارب 80% من الشعب.

ثوابت المؤسسة الرأسمالية تتمحور حول عدم فرض الضرائب عليها، وعدم فرض سقف رواتب دنيا للموظفين في القطاع الخاص، وعدم اجبارهم على دفع الزكاة عبر إيجاد منافذ لا أخلاقية للتهرب منها، وعدم فرض رسوم على احتكار الأراضي البيضاء، والتي لو فرضت لتغير وجه القطاع الخاص التجاري السعودي للأبد. مقابل هذه الثوابت، نجد أن هذا القطاع الرأسمالي مستعد أن يقدم أي شيء ممكن لإقناع الناس بأن الخطأ خطأهم لأنهم لم يستطيعوا الحصول على نصيبهم من ثروات البلد.
المؤسسة القبلية

القبيلة في السعودية هي مؤسسة كانت وستبقى موجودة. ووجود القبيلة والطائفة لم يكن مشكلة يوماً لدى الشعوب المتحضرة بل عامل بناء وتقوية. وفي المجتمعات الديمقراطية، تعتبر الاثنيات والطوائف عوامل دعم استقرار وفخر وشاهد على رقي الشعب وتحضره وتعايشه مع بعضه رغم اختلافاته. ولكن في السعودية، تلام القبيلة على وجودها منذ الأمد، وتُحمل مسؤولية وجود العنصرية والواسطة، ولا تلام الدولة على عدم وضعها نظام صارم ضد العنصرية والمحسوبية والواسطة.
لازالت الدولة تعتمد وتؤكد على دور القبيلة وشيوخها ورموزها فيما يخص استقرار البلد، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد حصول التفجيرات الإرهابية في السعودية خلال العقد الماضي والتي نفذها من بين من نفذها أبناء لقبائل مختلفة من المملكة، فكانت كل قبيلة ترسل وفداً يرأسه شيوخها ورموزها ليقف أمام كبار المسؤولين ليؤكد براءة القبيلة من أبنائها المتورطين في الإرهاب، وإعادة التأكيد على موقفها الدائم المؤيد لشرعية الحكومة والأسرة الحاكمة.
شيوخ القبائل لا يزال لديهم قوة وتأثير على أفراد قبائلهم في أغلب القبائل. وبما أن هؤلاء الشيوخ ( أغلبهم من محدودي الثقافة والمعرفة ) لايزال لديهم امتيازات وهبات وحظوة، فإن السيطرة على أفراد قبائلهم ممكن وبين اليدين.
المؤسسة الثقافية

تكاد تكون المؤسسة الثقافية أضعف المؤسسات في السعودية، هذا إن حسبناها كمؤسسة. وينضوي تحت هذه المؤسسة (مجازاً)، المثقفين من كتاب وأدباء ورؤساء تحرير وإعلاميين. ويمكن القول بأن المؤسسة الثقافية هي الوجه المضاد للمؤسسة الدينية. ودور المؤسسة الثقافية هو عمل موازنة في المجتمع حتى لا يطغى دور وخطاب المؤسسة الدينية على المجتمع ككل. كما أن دورها الآخر التأكيد للخارج على وجود تنوع وتسامح في مشهد المجتمع السعودي، وأن المجتمع ليس مسلّم بالكامل لتيار ديني يعتبر الغرب عدواً. مكاسب المؤسسة الثقافية التي تسعى للحفاظ عليها محدودة ولا تخرج عن ضمان وجود الإعلام تحت أيديهم وكذلك الأندية الأدبية. يتمنون وجود حياة ثقافية ومسارح وسينما ومساحة أكبر لحرية الرأي ولكن يمكن أن يتنازلون عن ذلك مقابل أن يبقى لهم منافذ إعلامية يبرزون من خلالها. من خلال المقالات والمشاركات، تمارس المؤسسة الثقافية دورها بتمكن مع التأكيد الدائم على أن سبب مشاكل الشعب هي المؤسسة الدينية وانصياع الشعب لها، وكذلك أن الشعب نفسه هو سبب مشاكله، أما الدولة فلم تقصر في شيء.

ضمان الدولة لمصالح ومكاسب المؤسسات الأربعة (الدينية، الرأسمالية، القبلية، الثقافية) وقياداتها هو ضمان استقرار للدولة لأن الشعب لايزال ينصاع بشكل أو بآخر لخطاب ورؤية وطرح المؤسسات الأربعة بتفاوت.
متى سيهتز استقرار السعودية؟

الحالة الوحيدة داخلياً والتي ستتسبب في هز استقرار البلد بشكل حقيقي، هو عندما يتكون جيل شاب سعودي يعاني من البطالة الفاقعة ويصل لقناعة بأن هذه المؤسسات الأربعة شريكة مع الحكومة بشكل مباشر في سبب هذه البطالة العالية والاقتصاد المتردي والفساد المنتشر بالإضافة لعدم وجود منافذ للتعبير عن الرأي والتجمع وفقدان وجود مجتمع مدني حقيقي.

عندما خرج الشعب المصري في المظاهرات لم ينصتوا للأزهر والمؤسسة الدينية في مصر، وكذلك شباب تونس لم ينصتوا للقيروان وعلماء بن علي، و كذلك في اليمن مع علماء صالح، أما في سوريا فقد ضربوا بالبوطي وباقي العلماء عرض الحائط. شباب تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا تجاوزوا المؤسسة الدينية بعدما اقتنعوا بأنها جزء أساسي في الحال التي وصلت لها بلدانهم، كما أنهم تجاوزوا كل وسائل إعلامهم الغير مستقلة والتي مارست التزييف طوال عقود، وتجاوزوا المثقفين والأدباء والكتاب.

في السعودية، هناك بطالة متصاعدة بشكل مخيف ويقابلها استحالة تامة لأن يتمكن القطاع الخاص من استيعاب هذه الأرقام حتى ولو كان هناك جهد خرافي لتحسين وضع الاقتصاد وقدراته. ولكن في نفس الوقت، ما يزال للمؤسسة الدينية والقبلية والثقافية تأثير ومكانة تؤثر وتطوع هؤلاء الشباب وتعيد تأكيد الثوابت عليهم. لا أعتقد أن هذه المكانة للمؤسسات وهذا التأثير هو أمر مضمون ودائم. بل من الواضح أن مكانة هذه المؤسسات التي تعتمد عليها الدولة لضمان استقرار الحال وكبت سقف تطلعات الشعب تهتز يوماً بعد يوم وتفقد أكثر وأكثر . فالمؤسسة الثقافية تعتبر الأقل مصداقية عند الشباب لأن وسائل الإعلام التي تخضع لها، لا يُنظر لها على أنها تحظى باستقلالية. وينظر الشباب للمؤسسة الرأسمالية المسيطرة على القطاع الخاص بحنق كبير لأنهم يرون جشعها وظلمها، ويظهر هذا جالياً في صحوة الشباب والشعب وخطابهم العدائي ضد أباطرة العقار الذين احتكروا الأراضي، وينوون احتكار السماء. المؤسسة القبلية والمؤسسة الدينية تظهر بأنها في وضع مطمئن ولكن الحقيقة أنهما يخسران أكثر مما يكسبان، كلما صمتا وباركا الوضع كما هو، دون أن يبادرا في إعادة ترتيب أولوياتهم ليضعوا مصالح الشعب وحقوق الناس في درجة متقدمة من اهتمامهم.
أنا فهمتكم! أنا فهمتكم!

نعم، السعودية تعيش استقرار سياسي وسط حراك عارم من حولنا. هذا الاستقرار ليس بسبب صحة الوضع السياسي والحريات، فليس لدينا انتخابات ولا مؤسسات مجتمع مدني، وذلك أيضاً ليس بسبب رضا الشعب عن الوضع الاقتصادي في ظل نسبة بطالة هائلة يشعر بها كل بيت، وتصاعد متزايد للفساد والفاسدين. ولكن سبب الاستقرار السياسي هو أن العلاقة بين العائلة الحاكمة عبر الحكومة والمؤسسات الأربعة لازالت قوية، وأن المؤسسات الأربعة بشكل عام لازالت تستطيع التأثير في الرأي العام وصياغته وتوجيهه لما يخدم مصالح الدولة وبالتالي مصالح هذه المؤسسات وقياداتها ومنظريها.

متى ما وصلت نسبة البطالة بين الشباب للرقم الحرج، وواصل الفساد نخره وتزايده مقابل مقاومة رسمية ضعيفة، وتصاعد التضييق على الحريّات، وكل ذلك يحصل بمباركة أو صمت من المؤسسات الأربعة، فإن الناس ستصبح أكثر اقتناعاً بأن هذه المؤسسات الأربعة هي جزء من المشكلة ولن يعود لطرحها أي تأثير، وبالتالي ستجري سنة الحياة على هذه الدولة مثلما جرت على امبراطوريات ودول من قبلنا طوال التاريخ وأمام أعيننا من حولنا في 2011 المجيد.

بما أنه من الواضح تماماً أن الدولة لن تقوم بأي خطوات إصلاح سياسي في القريب، فمن الطبيعي أن يتصاعد الاحتقان الشعبي ولغته التي يمكن بسهولة رصدها في الشبكات الاجتماعية. عندما تصل الأمور لحالة الخطر، وتجد الدولة نفسها عاجزة عن محاربة الفساد وحل مشاكل وآثار البطالة الهائلة ومواجهة الاحتقان الشعبي، سيُعلن حينها عن برنامج إصلاح سياسي لكي تُرمى الكرة في ملعب الشعب ويحملون مسؤلية معالجة الوضع الذي سنصل إليه وهو بالطبع نتيجة احتكار تام للسلطة السياسية منذ قيام الدولة وعدم وجود أي مشاركة شعبية تذكر في القرار السياسي. ولكن للأسف سيُعلن هذا البرنامج الإصلاحي في ظني بعد أن تكون الملفات تعقدت ووصلت لمرحلة يستحال وقتها حلها!

سيخرج علينا شخصاً ما وقتها ليقول: أزعجتمونا! أزعجتمونا! أزعجتمونا! تطالبون بانتخابات مجلس شورى؟ تطالبون برئيس مجلس وزراء منتخب؟ تطالبون بمجتمع مدني وحريّات؟ تطالبون بمحاكمات لكبار الفاسدين؟ هاكم ما تريدون.. وقبل أن يمضي سيقول: أنا فهمتكم! أنا فهمتكم!

ولكن لا أعلم إن كان جواب الناس وقتها سيكون: شكراً لأنك فهمتنا أم سيكون: فاتكم القطار!..



المصدر: مدونة فؤاد فرحات

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها