مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الشيعة في الخليج العربي... يُغيّرونه ؟ - سركيس نعوم

طباعة PDF


الشيعة في الخليج العربي... يُغيّرونه ؟

سركيس نعوم


اجرى في تونس ثم في مصر من ثورة شعبية اطاحت رئيسين، وإن لم يثبت حتى الآن انها اسقطت نظامين، وما يجري حالياً في المنطقة كلها من ثورات أو انتفاضات شعبية، أقلق الولايات المتحدة، ودفع ادارتها ومراكز أبحاثها والمختصين فيها في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي الى متابعة التطورات المذكورة على نحو دقيق جداً والى تحليلها والى محاولة معرفة ابعادها ومراميها وخلفياتها، وتالياً انعكاساتها ليس على المنطقة فحسب بل على العالم، وذلك بغية وضع السياسات القادرة على مواكبة كل ذلك ومواجهة السلبي منها.


بماذا خرجت المتابعة المشار اليها اعلاه؟

يبدأ خبراء اميركيون يعرفون المنطقة تمام المعرفة جوابهم بالخليج ودوله وتحديداً بمملكة البحرين، فيقولون انها عملياً امتداد للمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، ويلفتون الى ان الشعب في الاثنتين ينتمي الى الطائفة الاسلامية الشيعية التي تنتمي اليها الغالبية الساحقة من شعب الجمهورية الاسلامية الايرانية. ويقولون ايضاً ان دولة الكويت التي احتلها جيش صدام حسين (الراحل) في مطلع التسعينات، ثم أُجبر على الانسحاب منها بعد حرب شنها عليه فيها تحالف عسكري دولي قادته الولايات المتحدة وشارك فيه عرب، يقولون ان هذه الدولة هي امتداد بدورها لجنوب العراق وتحديداً لعاصمته واكبر مدينة فيه أي البصرة. ويلفتون الى ان غالبية أبناء المنطقة الجنوبية في العراق ينتمون الى الطائفة الاسلامية الشيعية. طبعاً لا يذهب هؤلاء الخبراء الى حد القول ان التظاهرات التي شهدتها الكويت أخيراً كانت "شيعية" اذا جاز التعبير على هذا النحو. ذلك انهم يعرفون ان الذين قاموا بها هم الذين يطلق عليهم الكويتيون تسمية رسمية هي "البدون"، أي الذين لا يمتلكون اوراقاً ثبوتية كويتية أو لا يحملون الجنسية الكويتية. لكنهم يؤكدون وجود نوع من التعاطف من الشيعة الكويتيين مع "البدون" بل من الدعم لهم، ويشددون على ان هؤلاء الشيعة يساعدون البدون لتحقيق مطالبهم وابرزها على الاطلاق الحصول على الجنسية الكويتية ومكاسبها، اقتناعاً منهم بأن ذلك لا بد أن يُمكِّنهم من جني مكاسب كثيرة، كما لا بد ان تقوي موقعهم في هذه الدولة الخليجية العريقة.


ويقول الخبراء أنفسهم ثالثاً انه كلما قوي شيعة مملكة البحرين التي يشكلون من 70 الى 75 في المئة من شعبها، أي كلما نجحوا في اقناع مليكها او اجباره لا فرق على تحقيق مطالب اساسية لهم، كلما شعر ابناء المنطقة الشرقية في السعودية وغالبيتهم الساحقة من الشيعة بالقوة أيضاً. ذلك ان كلاً من "الشعبين" الشيعيين عانى كثيراً وعلى مدى عقود من النظام الحاكم في بلاده. كما ان النظامين المذكورين عانيا بدورهما من الشعبين المذكورين جراء الاختلاف المذهبي بين السنة والشيعة في الدولتين، وتالياً جراء التطورات السلبية التي يشهدها كل منهما بسبب هذا الاختلاف، والتي كانت دائماً تهدد الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي وتحديداً النفطي فيهما. لكن معاناة النظامين كانت أقصر وأخف وطأة من معاناة الشعبين. ذلك ان المعاناة الاولى أنهاها اركان النظامين بقمع المتسببين بها وبقسوة شديدة احياناً، وبالاستمرار في مراقبتهم تحوطاً لعودتهم الى اثارة المشكلات من جديد. في حين ان معاناة الشعبين كانت مستمرة وهي لا تزال قائمة. والأمر نفسه يمكن ان يقال عن شيعة دولة الكويت وعن معاناتهم وعن معاناة نظام بلادهم منهم. علماً ان الانصاف يقتضي الاشارة الى ان حجم المعاناتين في الكويت كان أخف من حجم معاناتي البحرين والسعودية.


كيف يشعر الخليجيون العرب اليوم؟

يشعرون بالقلق، يجيب الخبراء الاميركيون انفسهم. فالثورة الشعبية غير المسبوقة التي قادها شباب مصر في "25 يناير" الماضي، والتي نجحت في ازاحة الرئيس حسني مبارك، وفي شق الطريق أمام اصلاحات ديموقراطية تُجدّد النظام أو تؤسس لنظام جديد، والثورة الشعبية التي اطاحت قبل ذلك برئيس تونس زين العابدين بن علي والتي تعمل على ما يبدو لاقامة نظام جديد مكانه، هاتان الثورتان اشعرتا الانظمة العربية الحاكمة، وخصوصاً في الخليج بأن عليها أن "تستسلم" لمطالب شعوبها والشيعة منهم تحديداً، وان تحقق لهم الكثير من أهدافهم، علماً ان المملكة العربية السعودية، وهي الدولة الخليجية الاكبر، لا تزال تمانع في الخضوع للابتزاز بواسطة الشارع. طبعاً يعرف قادة هذه الانظمة انهم لا يستطيعون الاعتماد على حليفها الدولي الأول، أي على متعهد حمايتها ومن زمان  اميركا لكي ينقذهم من الورطة التي يجدون فيها انفسهم الآن. ذلك ان موقفه اثناء ثورة مصر لم يكن مشجعاً في نظرهم وكذلك اثناء ثورة تونس. لكنهم في الوقت نفسه يعتقدون ان لهم ولبلادهم أولوية على الدول العربية الأخرى بما في ذلك اكبرها وأقواها مصر، وفرها لهم وسيبقى يوفرها لهم النفط "المتخزن" في باطن اراضي دولهم وبكميات هائلة. ومعروف انه سلعة استراتيجية، وان اميركا كما العالم كله يعتبران استمرار تدفقه وحماية منابعه وطرق امداده مصلحة حيوية للجميع. الا ان هذا الاعتقاد ليس في محله أو بالأحرى هو في غير محله جزئياً، يلفت الخبراء الاميركيون انفسهم. فخليج النفط العربي وغير العربي مهم جداً للعالم وهو مصلحة حيوية له ولزعيمته اليوم اميركا. لكن مصر أيضاً مهمة له وخصوصاً لزعيمته اميركا لأنها أولاً أقوى وأكبر دولة عربية، ولأن لا حرب عسكرية مع اسرائيل من دونها، ولأنها في حال سلام "عقدي" معها ومن زمان. وثانياً، لأن اسرائيل وجودا وأمناً واستقراراً وازدهارا مصلحة حيوية اميركية ومنذ قيامها عام 1948.


ما الحل اذاً في حال كهذه؟

لا يمكن التوصل إلا الى حل اذا كانت ايران الاسلامية جزءاً منه، لانها هي التي اشعلت المشاعر الاسلامية وتحديداً الشيعية، وخصوصاً في المناطق والدول التي مارست الظلم والقمع في حق الشيعة. وذلك يقتضي اما التفاهم مع ايران او مواجهتها والانتصار عليها أو على الاقل تحجيمها. ولا أحد يعرف اذا كان الامران ممكنين الآن. فمصر ضعيفة. وعرب الخليج ضعفاء. واميركا قوية، لكنها لا تستطيع وحدها القيام بالعجائب. وذلك كله يعني ان الجميع ينتظر حصول ما لا بد من حصوله من تغييرات اقليمية بعضها متوقع وبعضها غير متوقع.

--------------

النهار - 2 / 04 /2011




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها .