مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حديث في نموذج التنمية السعودي - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF





عند الحديث عن التنمية الاقتصادية في الوطن العربي ومحاولة البحث عن قصة نجاح ونموذج جدير بالتوقف عنده لا يمكن التغاضي عن تجربة دبي التي كانت ولاتزال مصدر فخر البعض، حسد البعض، وتشكيك البعض الآخر.

ولكن رغم الجدل الذي تحول في بعض الأحيان إلى لغط حول جدوى ومدى نجاح النموذج الذي قدمته دبي، لا أستطيع أن أشك أو أشكك في أنها (دبي) قد حركت المياه الراكدة في المنطقة وأثارت اهتمام الكثيرين، وحولت أخبار المنطقة من صفحة «الحوادث» إلى صفحة «الاقتصاد» في وسائل الإعلام العالمية. وأنا هنا لست في معرض تقييم تجربة دبي التنموية واستعراض محاسنها التي هي بلا شك كثيرة، أو الحديث عن مساوئها التي هي بلا شك كثيرة أيضاً؛ بل أنا في معرض الحديث عن تجربة أخرى ونموذج آخر لم يحظ بالحملة الدعائية ولا الهالة الإعلامية ولا موجة الانتقادات المغرضة التي حظي بها نموذج دبي، رغم أنها لا تقل جدارة بالاهتمام عن تجربة دبي التي حظيت بمدح لم تستأهله وقدح لم تستحقه.

النموذج الذي أود الحديث عنه في هذه المقالة هو نموذج التنمية الذي يتم تطبيقه الآن في المملكة العربية السعودية، والذي كما أشرت لم يستقطب الزخم الإعلامي الذي استقطبه نموذج دبي، والسبب في ذلك- في اعتقادي- يرجع إلى طبيعية الثقافة في المملكة سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الرسمي، والتي تركن دائماً إلى الابتعاد عن الأضواء الإعلامية، والتي غالباً ما تتم فيها الأمور بهدوء بعيداً عن الإعلام بما له وما عليه.

في الحقيقة إن التجربة التنموية السعودية لم تسترع انتباهي إلا مؤخراً، ولم أبدأ في متابعة أخبارها إلا في الأشهر القليلة الماضية. وقد لفت نظري خلال هذه المتابعة عدة أمور جعلتني أكثر اهتماما بالتجربة التنموية التي تقدمها المملكة، والتي أعتقد أنها يمكن أن تشكل نموذجاً تنموياً فريداً من نوعه في المنطقة، وجديراً بالاهتمام، إلى حد يجعلني أعتقد بأنها تمثل مرحلة انتقالية مهمة، ومن الممكن أن تكون نقطة تحول أكثر أهمية ليس في السعودية فحسب، بل في منطقة الخليج، وربما المنطقة العربية بأسرها، وقد تنتقل بالمنطقة، في حال نجاح النموذج، من العالم الثالث إلى العالم الأول.

في كتابة الشهير «من العالم الثالث إلى الأول»، ذكر الرئيس السنغافوري ليكوان يو- في معرض استعراضه تجربة سنغافورة التنموية التي قادها- الكثير من الأمور لعل أهمها شروط التنمية وعوامل نجاحها التي من أهمها- وإن لم يكن أهمها على الإطلاق- هو التركيز على العنصر البشري الذي هو مبدأ العملية التنموية ومنتهاها.

ومن خلال متابعة التجربة السعودية، أكاد أجزم أن ما تقدمه السعودية من نموذج يكاد يكون أقرب إلى النموذج السنغافوري منه إلى نموذج دبي، رغم اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية وفارق الإمكانيات البشرية والطبيعية بين كل من سنغافورة والسعودية.

ومرد ذلك في نظري إلى أن كلا النموذجين السنغافوري والسعودي بإمكانهما تقديم الإجابة على تساؤلات التنمية الاقتصادية الكبيرة، مثل الفرق بين التنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي، وكذلك التنمية لمن وبمن؟ والتي لم يفلح نموذج دبي الأخير حتى الآن-على الأقل- في تقديم إجابة شافية ومقبولة عليها.

في نموذج دبي كان التركيز منصباً على النمو الاقتصادي بمعناه الضيق، أي الزيادة في إنتاج السلع والخدمات، من خلال التركيز على قطاع واحد هو القطاع العقاري وتحويله من قطاع داعم إلى قطاع رائد، والاعتماد على الاستثمارات والقروض الخارجية دون مراعاة الجوانب والعناصر الأخرى للعملية التنموية كالعنصر البشري، وكذلك عدم حساب التكلفة الفعلية لهذا النمو كالتكلفة الاجتماعية والبيئية والثقافية وحتى الأمنية، والتي تجعل من النمو مجرد رقم قد لا يعني الكثير.

ولكن التجربة السعودية ركزت على جوانب مختلفة وقطاعات متعددة يمكن أن تشكل مجتمعة عملية تنموية شاملة قادرة على تحقيق عنصر الاستدامة. وبالنظر في النموذج السعودي يمكن تحديد عدة ركائز يقوم عليها:

أولاً التنمية البشرية، ثانياً البنية التحتية بشقيها المادي والقانوني، ثالثاً القطاع الصناعي، وأخيراً البعد الجغرافي للتنمية.

فبالنسبة للتنمية البشرية فإن للسعودية سياسة تنمية بشرية متقدمة مقارنة بدول المنطقة بل ودول العالم النامي، فمن المعروف أن المملكة تتمتع بتركيبة ديمغرافية خاصة سواء من حيث نسبة الخصوبة التي تعد من أعلى النسب ونسبة النمو الطبيعي العالية للسكان- دون حساب معدل الهجرة- وكذلك انخفاض معدل الأعمار في المجتمع، حيث إن نسبة 60 بالمئة من عدد السكان دون سن العشرين، ما يعد ميزة من الناحية الاقتصادية بسبب ما يشكله هؤلاء من قوة عمل صاعدة، وهذا ما يميزها عن باقي الدول التي يعاني أغلبها من ظاهرة الشيخوخة التي تعتبر من أكثر التحديات المستقبلية التي تواجه تلك الدول. لكن هذه الميزة -كي تكون ميزة- فلا بد من أن تقترن باستراتيجية واضحة للتنمية البشرية.

وقد تبنت المملكة خطة طموحة للتعليم، منها مبادرة الملك عبداللـه بابتعاث 100 ألف طالب وطالبة خلال خمس سنوات لدراسة تخصصات متعددة في مختلف جامعات العالم، وكذلك خطط إصلاح وتحسين أداء قطاع التعليم المحلي سواء العام أو الخاص من حيث الكم أو النوع، حيث يمثل افتتاح جامعة الملك عبداللـه للعلوم والتكنولوجيا في العام الماضي أحد أهم سمات الإصلاح، إضافة إلى دخول جامعات سعودية قائمة أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم.

وأما بالنسبة للبنية التحتية فتشهد المملكة طفرة حقيقية من خلال المشاريع الكبيرة في قطاع الكهرباء، والنقل والمطارات والموانئ ومشاريع إصلاح وتطوير الأنظمة والقوانين، والتي بفضلها صعدت المملكة من المركز 67 عام 2005 إلى المركز 13 عام 2009 في تقرير أداء الأعمال الصادر عن «مؤسسة التمويل الدولية» التابعة للبنك الدولي، محققة المركز الأول على مستوى العالم العربي.

وفي ما يتعلق بالقطاع الصناعي، يعد قطاع صناعة البتروكيماويات السعودي من أكبر القطاعات على مستوى العالم، وهو يشهد نمواً كبيراً من خلال الاستثمارات الحكومية والخاصة الضخمة في قطاع التكرير الذي يعد الرافد الأساسي لهذه الصناعات، حيث تخطط الحكومة السعودية لرفع طاقة التكرير لديها من 2.1 مليون برميل في 2006 إلى 3.4 مليون برميل يومياً عام 2012، ما يعبر عن بعد نظر من خلال الاستعداد المسبق لمرحلة تحول النفط من مصدر للطاقة إلى مصدر للمواد الأولية.

ولم يغفل النموذج السعودي البعد والأثر الجغرافي لعملية التنمية الاقتصادية، من خلال تبني مبدأ أن التنمية هي عملية يشارك فيها الجميع، ومن ثم يستفيد منها الجميع، خصوصاً سكان المناطق الجغرافية البعيدة عن مراكز الأعمال، والتي غالباً ما يكون لها حصة الأسد في مشاريع التنمية. وقد تبنت المملكة سياسة التنمية الجغرافية المتوازنة من خلال إنشاء المدن الاقتصادية المتخصصة والمناطق الصناعية في مختلف التجمعات الحضرية، خصوصاً الموجودة على الأطراف وربطها بمراكز الأعمال في المدن الكبرى بشبكة طرق وقطارات لتسهيل نقل الأفراد والسلع بين هذه وتلك، ما يقلل الآثار السلبية لعملية التنمية كالهجرة الداخلية، ويعطيها بعداً شمولياً.

ولكن يبقى أن نشير أن هذا النموذج رغم ما يتمتع به من مميزات وما تم تهيئته له من ظروف النجاح، يبقى نموذجاً وليداً لايزال طور النمو ومرحلة الاختبار، ومن السابق لأوانه الحكم عليه أو التبشير بنجاحه أو إعلان فشله.

ويبقى لنا أن نراقب وننتظر الأيام القادمة التي ستكون حتماً حبلى؛ فإما أن تتحول السعودية ومعها باقي دول الخليج إلى نمور الشرق الأوسط بسبب تأثير السعودية على محيطها، وإما يكون النموذج السعودي محاولة أخرى من محاولات التنمية الاقتصادية التي لم يكتب لها النجاح.


المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها