مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الرأي في المسألة الدستورية - دستور مملكة البحرين

طباعة PDF

بسم الله الرحمن الرحيم

الرأي في المسألة الدستورية

أعد الرأي كل من* :

1- الأستاذة جليلة السيد أحمد
2- الأستاذ حسن علي رضي
3- الأستاذ عبدالله الشملاوي
4- الأستاذ عيسى إبراهيم محمد
5- الأستاذ محمد أحمد عبدالله
شارك في الإعداد بالإسناد الوثائقي كل من :
1- الدكتور عبدالعزيز حسن أبل
2- عبدالجليل حسن العرادي

31 أغسطس ‏2002‏‏
البحرين

* وردت الأسماء حسب الترتيب الأبجدي


الرأي في المسألة الدستورية

إن الغاية من هذا الرأي هي الإجابة ، ولو بشكل يتسم ببعض الإيجاز ، على العديد من الأسئلة التي ثارت وترددت بدءً من يوم 14/فبراير/2002 ، وهو اليوم الذي شهد إصدار الدستور الجديد ، وقد تمثلت تلك الأسئلة ، بشكل أو بآخر ، في مدى مشروعية الوثيقة التي صدرت في ذلك اليوم وسميت بالدستور المعدل ، سواء من حيث شكل الإصدار أو مضمونه . وهل كانت مجرد إستجابة لميثاق العمل الوطني الذي وافق عليه شعب البحرين في الاستفتاء الذي تم في يومي 14 و 15/فبراير /2001 ؟ أم أن تلك الوثيقة خالفت ما ورد في الميثاق ؟ وهل أكدت على المبادئ والحقوق التي قررها دستور 1973 لشعب البحرين وخصوصاً تلك المبادئ المتعلقة بشكل السلطة التشريعية وإختصاصاتها أم إنها إنتقصت منها ؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها مما يطرح نفسه أثناء البحث يستوجب دراسة المحاور التالية :
• دستور 1973 : إصداره ، خصائصه الشكلية ، وخصائصه الموضوعية المتعلقة بشكل السلطة التشريعية وإختصاصاتها .
• ميثاق العمل الوطني والاستفتاء عليه .
• الوثيقة الصادرة في 14/فبراير/2002 والمذكرة التفسيرية المرفقة بها .

* * * * * * * * * * * * *

القسم الأول : دستور دولة البحرين الصادر في 1973
لقد شكلت مسألة إصدار دستور للبلاد ينظم حكمها ، ويحدد حجم ونوعية المشاركة الشعبية في إدارة شئونها ، قضية أساسية في تاريخ البحرين السياسي ، إذ شهدت البحرين منذ العقد الثالث من القرن المنصرم مطالبات شعبية متكررة ، تمثلت في أول الأمر في المطالبة بإقامة مجلس شورى يساعد الحاكم في تصريف شئون البلاد ويحد من التدخل البريطاني في أمورها . وفي عام 1938 تجددت المطالبات بإنشاء مجالس تشريعية يشارك من خلالها ممثلو الشعب الأسرة الحاكمة في صنع القرار السياسي وإدارة شئون البلاد . وفي منتصف الخمسينيات شهدت البحرين أبرز حركة ديمقراطية في تاريخها في ذلك الوقت ، إذ توحدت كل قوى الشعب بمختلف طوائفه وإنتماءاته خلف الهيئة التنفيذية العليا التي غيرت إسمها لاحقاً إلى هيئة الاتحاد الوطني بعد أن تم الاعتراف بها من قبل الحكومة كحركة سياسية . وتمثلت مطالبها في سن دستور للبلاد وإنشاء مجلس تشريعي والسماح للعمال بتشكيل نقابة لهم وتحديث أجهزة الدولة وإصلاح القضاء وبحرنة الوظائف . وفي بداية العقد السابع من القرن الماضي شهد تاريخ البحرين مرحلة جديدة تمثلت في الاستقلال عن بريطانيا في الرابع عشر من أغسطس 1971 ، كما تمثلت في تصدي شعب البحرين للإدعاءات الايرانية في السيادة على البحرين حيث وقف الشعب إلى جانب الأسرة الحاكمة من خلال الاستفتاء الذي قامت به لجنة تقصي الحقائق برئاسة السيد جينو سباردي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ، حيث أكد الشعب على رغبته في الاستقلال تحت قيادة الامير كما أكد على خيار الديمقراطية كوسيلة للحكم .

وفي 20/يونيو/1972 أصدر الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه المرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1972 بشأن إنشاء مجلس تأسيسي لإعداد دستور للدولة ، وجاء في مقدمة هذا المرسوم أنه " بعد الاطلاع على بياننا الصادر بتاريخ 16 ديسمبر سنة 1971 . وعلى المرسوم الأميري رقم (2) لسنة 1971 بشأن إعادة التنظيم الاداري للدولة . ورغبة منا في إرساء الحكم في البلاد على أسس قويمة من الديموقراطية والعدل ، وفي ظل نظام دستوري ، برلماني ، يوطد حكم الشورى ويتفق مع ظروف البلاد وتراثها العربي والإسلامى . وبناء على ما عرضه مجلس الوزراء ، وبعد موافقة مجلس الوزراء رسمنا بالقانون الآتي " . وقد نصت المادة الأولى من المرسوم على أنه " ينشأ مجلس تأسيسي لوضع مشروع دستور
للبلاد ، ويتألف من إثنين وعشرين عضواً ينتخبهم الشعب بطريق الإنتخاب العام السري المباشر ، ومن عدد لا يزيد على عشرة أعضاء يعينون بمرسوم ، ويكون الوزراء أعضاء في المجلس بحكم مناصبهم " ، وبذلك فقد تشكل المجلس التأسيسي الذى أنيط به وضع مشروع الدستور من 42 عضواً ، إثنان وعشرون عضواً منهم منتخبون من قبل الشعب ، وثمانية معينون بموجب مرسوم أميري ، والباقي وعددهم إثنى عشر فهم الوزراء وذلك بحكم مناصبهم . ولعله مما يجدر ذكره أنه على الرغم من أن المرسوم أجاز تعيين عدد لا يزيد على عشرة أعضاء فإن الأمير الراحل لم يعين إلا ثمانية أعضاء مما ترتب عليه أن الأغلبية في المجلس التأسيسي كانت للمنتخبين.


وقد إنعقدت الجلسة الأولى للمجلس التأسيسي في يوم 16/ديسمبر/1972 ، وسبقتها جلسة إفتتاحية ألقى فيها الأمير الراحل نطقاً سامياً جاء فيه : " بإسمه
تعالى ، وعلى بركة من لدنه ، أفتتح المجلس التأسيسي المنوط به إعداد دستور
للبلاد 000 وأني لأحمد الله تعالى أن أنجز الوعد الذي قطعته لشعبي بالعمل معه على وضع دستور يتفق ورغباته ويتيح المجال واسعاً أمام الجميع للمشاركة في تحمل تبعات المسئولية في هذا الوطن الغالي وإرساء قواعده على أسس سليمة وثابتة " . وبتاريخ 30/ديسمبر/1972 أقر المجلس التأسيسي لائحته الداخلية وأصدرها ونشرت بالجريدة الرسمية .

وبتاريخ 9/يونيو/1973 أقر المجلس التأسيسي دستور دولة البحرين ورفعه
للأمير فصدق الأمير الراحل على الدستور وأصدره بتاريخ 6/ ديسمبر /1973. وتم نشره في الجريدة الرسمية في عددها الصادر يوم 6/ ديسمبر /1973 ، وقد إشتمل الدستور على (109) مواد . ونصت المادة الأخيرة منه على أنه " ينشر هذا الدستور في الجريدة الرسمية ويعمل به من تاريخ إجتماع المجلس الوطني ، على ألا
يتأخر هذا الاجتماع عن اليوم السادس عشر من شهر ديسمبر 1973 " . وبتاريخ
16/ديسمبر/1973 إنعقد أول إجتماع للمجلس الوطني ومنذ ذلك التاريخ بدأ العمل بأحكام الدستور .

وقد إتسم هذا الدستور ، وسنشير إليه لاحقاً بدستور 1973 ، والذي تأثر بشكل واضح وجلي بدستور دولة الكويت الصادر في عام 1962 ، بخصائص شكلية وخصائص موضوعية ، نوجزها فيما يلي :



أولاً : الخصائص الشكلية :

إنه فيما يتعلق بالخصائص الشكلية فإن دستور 1973 هو دستور مكتوب ، وذلك تمييزاً له عن الدساتير غير المكتوبة أو ما يعرف بالدساتير العرفية . وأنه ، من حيث أسلوب نشأته أو وضعه ، هو دستور عقدى ، أي وضع بطريقة التعاقد بين الحاكم والشعب . ذلك أن السلطة التأسيسية الأصلية ( المجلس التأسيسي) تشكلت من أعضاء يمثلون السلطة الحاكمة ونواب إنتخبهم الشعب من خلال إنتخابات عامة سرية مباشرة. وبعد إقرار مشروع الدستور من قبل تلك السلطة التأسيسية الأصلية ، رفع المشروع إلى الأمير الذى وافق على ما أقره المجلس التأسيسي فصدق على الدستور وأصدره . وينتسب دستور 1973 الى فئة الدساتير الجامدة لأنه إشترط لتعديله شروطاً وإجراءات خاصة أكثر شدة من الشروط المقررة لتعديل القوانين العادية . ( أنظر في أساليب نشأة الدساتير – د. عثمان عبدالملك الصالح – النظام الدستوري والمؤسسات السياسية في الكويت – الجزء الأول – طبعة 1989 – ص : 197 – د . ثروت بدوي – القانون الدستوري – ص : 44 - د. رمزي الشاعر – النظرية العامة للقانون الدستوري – طبعة 1972 – ص: 112 إلى 125 ) .

وحالات الجمود التي نص عليها الدستور تتفاوت على النحو التالي :
أ – الحالة الأولى وتتمثل في ما نصت عليه الفقرة (و) من المادة (1) من الدستور بقولها " لا يعدل هذا الدستور إلا جزئياً وبالطريقة المنصوص عليها فيه ، كما لا يجوز إقتراح تعديله قبل مضي خمس سنوات على العمل به " ويعرف فقه القانون الدستوري هذه الحالة بأنها حالة جمود مؤقت أو حظر زمني حيث يحظر المشرع الدستوري إجراء أي تعديل على الدستور قبل مضي خمس سنوات على العمل به . كما أن الفقرة سالفة الذكر تحرم إجراء أى تعديل على الدستور إلا وفقاً لإجراءات التعديل المنصوص عليها فيه على أن يكون ذلك التعديل جزئياً وليس تعديلاً جوهرياً . وسنعود ، لاحقاً ، إلى مناقشة إجراءات التعديل ونطاق التعديل ، بشيء من التفصيل .






ب – أما الحالة الثانية فهي تدخل في نطاق الحظر الموضوعي ، وتتمثل في نص الفقرة (ج) من المادة (104) والذى يجري على أن " مبدأ الحكم الوراثي في البحرين لا يجوز إقتراح تعديله ، وكذلك مباديء الحرية والمساواة المقررة في هذا الدستور ، كما لا يجوز إقتراح تعديل المادة الثانية منه " . ونجد أن هذا النص يقرر حظراً موضوعياً مطلقاً أو مؤبداً بالنسبة للمبادىء الثلاثة الآتية : 1 – مبدأ الحكم الوراثي .
2 – مباديء الحرية والمساواة المقررة بموجب الدستور . 3 – المبدأ المتعلق بكون الشريعة الاسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع وأن دين الدولة هو الاسلام وأن اللغة الرسمية هي اللغة العربية . فلا يجوز ، تبعاً لهذا النص ، إقتراح تعديل هذه المباديء الثلاثة . ويذهب الرأي السائد في الفقه الدستوري الكويتي ، الذى تعرض لنص مشابه في الدستور الكويتي لنص الفقرة (ج) من المادة (104) من دستور 1973 ، إلى أن الحظر الموضوعي المتعلق بمبدأ الحكم الوراثي ومباديء الحرية والمساواة المقررة بموجب الدستور هو حظر مستثنى منه تعديل لقب الامارة إلى ملكية مثلاً دون المساس بمبدأ الحكم الوراثي ، ويترتب على هذا الرأي جواز تغيير مسمى الدولة ورأسها من إمارة وأمير مثلاً الى مملكة وملك ، كما يستثنى منه التعديلات الخاصة بالمزيد من ضمانات الحرية والمساواة وليس بالإنتقاص منها . (انظر في ذلك د.عثمان عبدالملك الصالح – المرجع السابق – ص 189) .

ج – والحالة الثالثة وهي تدخل ضمن نطاق الحظر الموضوعي المؤقت فتتمثل في نص الفقرة (د) من المادة (104) من دستور 1973 والذي يجري على أن " صلاحيات الأمير المبينة في هذا الدستور لا يجوز إقتراح تعديلها في فترة النيابة عنه " . ( أنظر في حالات الجمود المؤقت والجمود المطلق للدساتير – د. عثمان عبدالملك الصالح – المرجع السابق – ص: 187 – د. عادل الطبطبائى – النظام الدستوري في الكويت – الطبعة الثالثة 1998 – ص: 428) .

ثانياً : الخصائص الموضوعية :
أما بالنسبة للخصائص الموضوعية لدستور 1973 ، فإنه لما كانت الغاية من هذا الرأي دراسة الأحكام التي قررتها الوثيقة الصادرة يوم 14/ فبراير /2002 بشأن السلطة التشريعية ، فإن إستعراضنا للخصائص الموضوعية سيقتصر على الأحكام الخاصة بالسلطة التشريعية والتي وردت في الفصل الثاني من الباب الرابع من دستور 1973 ، مع الإشارة بشكل موجز إلى المرتكزات الأساسية التي حددها هذا الدستور بشأن نظام الحكم والسلطات. ويمكن تلخيص ذلك في الآتي :
1 – مصدر السيادة وأسلوب ممارستها :
نصت الفقرة (د) من المادة (1) من الدستور على أن " نظام الحكم في البحرين ديمقراطي ، السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعاً ، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين في الدستور " . ومن المعروف في علم القانون الدستوري أن أسلوب ممارسة الشعب للسيادة يختلف من نظام دستوري إلى آخر . فبعض الأنظمة تأخذ بما يعرف بالنظام الرئاسي الذي تنحصر فيه السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب ويخضع الوزراء للرئيس خضوعاً تاماً حيث يكونون مسئولين أمامه عن تنفيذ سياسته ، ولا يكون الرئيس أو وزراؤه مسئولين أمام البرلمان . وإذا كان هذا النظام يتميز في شكله التقليدي بالفصل التام بين السلطات إلا أن مثاله الأبرز وهو النظام الأمريكي بات يعرف أشكالاً من أوجه التعاون والتأثير المتبادل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية . أما النظام الآخر فهو ما يعرف بالنظام البرلماني أو بنظام الحكومة البرلمانية ، ولعل أبرز مثال على ذلك هو المملكة المتحدة ، حيث يسود رأس الدولة ولكنه لا يحكم ، فلا يمارس أي سلطات فعلية ، والسلطة الفعلية تكون بيد حكومة يشكلها البرلمان وبالتالي تصبح الوزارة مسئولة أمام البرلمان الذي يستطيع أن يسحب الثقة منها إذا ما خالفت توجهاته ، فضلاً عن ذلك فإن هذا النظام يتميز بقيام تعاون أو توازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ، ففي الوقت الذي يملك فيه البرلمان سحب الثقة من الحكومة فإن السلطة التنفيذية تملك حق حل البرلمان . ( أنظر في هذا المعنى : د. عادل الطبطبائي – المرجع السابق – ص: 447 إلى 451 ) .

وكلا النظامين سالفي الذكر يشتركان في قيامهما على أربعة أركان هي : 1 – قيام برلمان منتخب من الشعب . 2 – عضو البرلمان يمثل الشعب بأسره وليس الأفراد الذين إنتخبوه . 3 – إستقلال البرلمان عن هيئة الناخبين . 4 – البرلمان يمثل الشعب لمدة محدودة .

وبالعودة إلى دستور 1973 نجد أنه أخذ بسمات مشتركة من كلا النظامين . فالأمير يمارس سلطات سياسية ، فهو رئيس السلطة التنفيذية إذ يعين بأمر أميري رئيس مجلس الوزراء ويعفيه من منصبه ، كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم بمرسوم أميري ، كما يمارس سلطاته بواسطة وزرائه ولديه يسأل الوزراء متضامنين عن تنفيذ سياسة الحكومة . وفي ذات الوقت فإن ذاته مصونة لا تمس فلا يسأل أمام المجلس الوطني الذي يختص بالتشريع والرقابة على أداء الجهاز الحكومي.

2 - العلاقة بين السلطات :
تنص الفقرة (أ) من المادة (32) من الدستور على أنه " يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها وفقاً لأحكام هذا
الدستور 000 ألخ " . كما تقضي الفقرة (ب) من ذات المادة بأن " السلطة التشريعية يتولاها الأمير والمجلس الوطني وفقاً للدستور ، ويتولى السلطة التنفيذية مع مجلس الوزراء والوزراء ، وبإسمه تصدر أحكام السلطة القضائية ، وذلك كله وفقاً لأحكام
الدستور " . وقد أشرنا فيما سلف إلى أن دستور 1973 أخذ ببعض السمات من النظام الرئاسي ومزجها بعناصر من النظام البرلماني ، ولذلك نلاحظ إشتراك الأمير مع المجلس الوطني في التشريع وخصوصاً فيما يتعلق بالتشريع الدستوري أي التصديق على التعديلات الدستورية التي يقرها مجلس السلطة التشريعية ، وبالتالي فإن التعاون الذي ينص عليه الدستور فيما بين السلطات يتخذ أحد أشكاله في إشتراك رأس الدولة مع المجلس الوطني في التشريع . أما في مواجهة مجلس الوزراء فإن المجلس الوطني يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية على الرغم من أن الوزراء أعضاء في المجلس بحكم مناصبهم . ونكتفي بهذه الإشارات الموجزة فيما يتعلق ببعض الخصائص الموضوعية لدستور 1973 ونعود إلى إستعراض أحكام السلطة التشريعية في ذلك الدستور .

3 – السلطة التشريعية :
أ - تشكيل السلطة التشريعية :
تنص المادة (43) من الدستور على تشكيل المجلس الوطني على النحو التالي
" أ – ثلاثون عضواً ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر وفقاً للأحكام التي يبينها قانون الانتخاب . ويرفع هذا العدد إلى أربعين عضواً إبتداءً من إنتخابات الفصل التشريعي الثاني . ويكون تحديد الدوائر الانتخابية بقانون . ب – الوزراء بحكم مناصبهم " .
وتنص الفقرة (ج) من المادة (33) على أنه " لا يجوز تعيين الوزراء من أعضاء المجلس الوطني في الفصل التشريعي الأول ، ويكون تعيينهم من أعضاء المجلس الوطني أو من غيرهم إبتداءً من الفصل التشريعي الثاني . ويصبح الوزراء المعينون من خارج المجلس أعضاء فيه بحكم مناصبهم ، ولا يزيد عدد الوزراء جميعاً على أربعة عشر وزيراً " .

ويتضح من النصين سالفي الذكر أن نسبة الأعضاء المعينين في المجلس الوطني تقل في الفصل التشريعي الأول عن ثلث العدد الإجمالي الذي يتكون منه مجلس السلطة التشريعية ، بينما تقل عن تلك النسبة بكثير في الفصل التشريعي الثاني إذ لا تتجاوز القوة التصويتية للأعضاء المعينين ما نسبته 25.9 % من عدد أعضاء المجلس
الوطني .

ب - إختصاصات السلطة التشريعية :
تنقسم إختصاصات المجلس الوطني إلى إختصاص تشريعي وإختصاص رقابي ، ونتناولهما بإيجاز على النحو التالي :
1 – الاختصاص التشريعي :
يتولى السلطة التشريعية كل من الأمير والمجلس الوطني ، وعلى ذلك نصت المادة (42) بقولها " لا يصدر قانون إلا إذا أقره المجلس الوطني وصدق عليه الأمير " .
إن الأحكام المتعلقة بممارسة سلطة التشريع من قبل الأمير والمجلس
الوطني ، طبقاً لدستور 1973 الذي تبنى ما قرره الدستور الكويتي ، تفرق بين ما يعرف في فقه القانون الدستوري بالإعتراض التوقيفي وحق التصديق . ذلك أن سلطة التشريع التي يتولاها الأمير مع المجلس الوطني فيما يتعلق بالتشريعات العادية ،
وإن كانت تتمثل في سلطة الأمير في التصديق على القانون الذي يرفعه إليه المجلس الوطني ، إلا أن سلطة التصديق هذه ، في واقع الحال ، هي سلطة إعتراض توقيفي وليست سلطة تصديق بمعناها الفني . فالمادة (35) تنص على الآتي : " أ – للأمير حق إقتراح القوانين ، ويختص بالتصديق عليها وإصدارها . ب- يعتبر القانون مصدقاً عليه ويصدره الأمير إذا مضت ثلاثون يوماً من تاريخ رفعه إليه من المجلس الوطني دون أن يرده إلى هذا المجلس لإعادة نظره . ج – إذا رد الأمير في خلال الفترة المنصوص عليها في البند السابق مشروع القانون إلى المجلس الوطني ، بمرسوم مسبب ، لإعادة نظره ، حدد ما إذا كانت هذه الإعادة تجري في ذات دور الإنعقاد أو في الدور التالي له . د – إذا أعاد المجلس إقرار المشروع بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم ، صدق عليه الأمير وأصدره في خلال شهر من إقراره للمرة الثانية " . ويتضح من هذا النص أنه إذا رد الأمير القانون إلى المجلس الوطني ، فإن المجلس في ذات دور الانعقاد أو في الدور الذي يليه يستطيع أن يقر ذات المشروع الذي رده
الأمير ، ولا يملك الأمير في هذه الحالة إلا التصديق عليه وإصداره خلال شهر من تاريخ إقراره من قبل المجلس الوطني للمرة الثانية ، وهذا ما يعرف بالإعتراض التوقيفي ، أي سلطة الأمير في تأخير صدور القانون لأجل لا يتجاوز، بأي حال من الأحوال ، التاريخ الذي يقر فيه المجلس للمرة الثانية مشروع القانون . ( أنظر في سلطة الاعتراض التوقيفي وسلطة التصديق ، د. عثمان عبدالملك الصالح – المرجع السابق – ص: 473 ) .

أما فيما يتعلق بالتشريع الدستوري فإن سلطة الأمير هي سلطة تصديق بمعناها الفني وهي سلطة تشريعية حقيقية ، إذ يتوجب تصديق الأمير على أي تعديل دستوري يقره المجلس الوطني وبدون هذا التصديق لا تقوم لذلك التعديل أية قائمة . وعلى هذا تنص الفقرة (أ) من المادة (104) بقولها " يشترط لتعديل أي حكم من أحكام هذا الدستور أن تتم الموافقة على التعديل بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس ، وأن يصدق الأمير على التعديل وذلك إستثناء من حكم المادة (35) من هذا الدستور " . وهذا الحكم تأكيد آخر على الطبيعة العقدية لدستور 1973 .

2 – الإختصاص الرقابـي :
تمثلت أدوات الاختصاص الرقابي للمجلس الوطني في الآتي :
- السؤال : وقد نصت عليه المادة (66) بقولها " لكل عضو من أعضاء المجلس الوطني أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء أسئلة لإستيضاح الأمور الداخلة في إختصاصهم ، وللسائل وحده حق التعقيب مرة واحدة على الإجابة ، فإذا أضاف الوزير جديداً تجدد حق العضو في التعقيب " .

- إبداء الرغبات : وتنظمه المادة (73) بقولها " للمجلس الوطني إبداء رغبات للحكومة في المسائل العامة ، وإن تعذر على الحكومة الأخذ بهذه الرغبات وجب أن تبين للمجلس أسباب ذلك وللمجلس أن يعقب على بيانها " .

- الاستجواب : وهذا الحق مقرر طبقاً للمادة (67) التي تنص على أنه " لكل عضو من أعضاء المجلس الوطني أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء إستجوابات عن الأمور الداخلة في إختصاصاتهم . ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد ثمانية أيام على الأقل من يوم تقديمه ، ما لم يوافق الوزير على تعجيل هذه
المناقشة . ويجوز أن يؤدي الاستجواب إلى طرح موضوع الثقة على المجلس وفقاً لأحكام المادتين (68) و (69) من هذا الدستور " .

- طرح موضوع عام للمناقشة : نظمت هذا الحق المادة (72) من الدستور بقولها
" يجوز ، بناء على طلب موقع من خمسة أعضاء على الأقل ، طرح موضوع عام على المجلس الوطني للمناقشة لإستيضاح سياسة الحكومة في شأنه وتبادل الرأي بصدده ، ولسائر الأعضاء حق الاشتراك في المناقشة " .

- تأليف لجان التحقيق : تنص المادة (74) على حق المجلس الوطني " في كل وقت أن يؤلف لجان تحقيق أو يندب عضواً أو أكثر من أعضائه للتحقيق في أي أمر من الأمور الداخلة في إختصاصات المجلس المبينة في الدستور . ويجب على الوزراء وجميع موظفي الدولة تقديم الشهادات والوثائق والبيانات التي تطلب منهم " .


- تشكيل لجنة لبحث عرائض وشكاوى المواطنين : وتنظم هذا الحق المادة (75) من الدستور بقولها " يشكل المجلس ضمن لجانه السنوية لجنة خاصة لبحث العرائض والشكاوى التي يبعث بها المواطنون إلى المجلس ، وتستوضح اللجنة الأمر من الجهات المختصة ، وتعلم صاحب الشأن بالنتيجة . ولا يجوز لعضو المجلس الوطني أن يتدخل في عمل أي من السلطتين القضائية والتنفيذية " .

- طرح الثقة : تقرر الفقرة (أ) من المادة (68) من الدستور مسئولية كل وزير عن أعمال وزارته لدى المجلس الوطني . وتنص ذات المادة في فقرتيها (ب) و (ج) على أنه " ب – لا يجوز طرح موضوع الثقة بالوزير إلا بناء على رغبته أو طلب موقع من عشرة أعضاء إثر مناقشة إستجواب موجه إليه . ولا يجوز للمجلس أن يصدر قراره في الطلب قبل سبعة أيام من تقديمه . جـ - إذا قرر المجلس عدم الثقة بأحد الوزراء أعتبر معتزلاً للوزارة من تاريخ قرار عدم الثقة ، ويقدم إستقالته فوراً . ولا يكون سحب الثقة من الوزير إلا بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس الوطني فيما عدا الوزراء . وفي جميع الأحوال لا يشترك الوزراء في التصويت على الثقة " .

- عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء : نظم الدستور هذا الشكل من أشكال رقابة السلطة التشريعية على أعمال السلطة التنفيذية من خلال المادة (69) التي تنص على أنه " أ – لا يطرح في المجلس الوطني موضوع الثقة برئيس مجلس الوزراء ، ما لم تقض ضرورة بتوليه إحدى الوزارات مع الرئاسة ، فيسأل عن أعمال تلك الوزارة كسائر الوزراء . ب – إذا رأى ثلثا أعضاء المجلس الوطني بالطريقة المنصوص عليها في المادة (68) من هذا الدستور عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء ، رفع الأمر إلى الأمير للبت فيه ، بإعفاء رئيس مجلس الوزراء وتعيين وزارة جديدة ، أو بحل المجلس الوطني . فإن حل المجلس وتجددت تولية رئيس مجلس الوزراء المذكور ولكن قرر المجلس الجديد ، بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم ، عدم التعاون معه كذلك ، أعتبر معتزلاً منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن ، وتشكل وزارة جديدة " .

وما سلف ، كان إطلالة سريعة ومختصرة على دستور 1973 . وقبل أن ننتقل إلى مناقشة المحور الثاني لهذا الرأي نرى أن نتناول ما آلت إليه التجربة البرلمانية الأولى في تاريخ البحرين والتي إنتهت بحل المجلس الوطني بتاريخ 26/أغسطس/1975 .



• حل المجلس الوطني وتعطيل أحكام الدستور المتعلقة بالسلطة التشريعية :
بتاريخ 26/أغسطس/1975 أصدر الأمير الراحل مرسوماً أميرياً برقم (14) لسنة 1975 بحل المجلس الوطني نص على الآتي :
" نحن عيسى بن سلمان آل خليفة أمير دولة البحرين
بعد الاطلاع على المادة (65) من الدستور والأسباب الواردة في كتاب إستقالة الوزارة السابقة وجواب تأليف الوزارة القائمة والمتعلقة بالتعاون بين المجلس الوطني
والحكومة ، وبناء على ما عرضه علينا رئيس مجلس الوزراء ،
وبعد موافقة مجلس الوزراء ،
رسمنا بما يلي :
( مادة أولى) يحل المجلس الوطني .
(مادة ثانية) على رئيس مجلس الوزراء تنفيذ مرسومنا هذا ويعمل به إبتداء من
اليوم ، الثلاثاء العشرين من شعبان سنة 1395 هـ الموافق للسادس والعشرين من أغسطس سنة 1975 م وينشر في الجريدة الرسمية " .
وفي ذات التاريخ صدر الأمر الأميري رقم (4) لسنة 1975 والذي نص على
الآتي :
" نحن عيسى بن سلمان آل خليفة أمير دولة البحرين
لما كنا نرى في الأسباب التي من أجلها أمرنا بحل المجلس الوطني خطراً يتهدد الوحدة الوطنية وأمن البلاد وهو ما يقتضي إجراء تعديل في قانون الانتخاب . وبناء على ما عرضه علينا رئيس مجلس الوزراء ، وبعد موافقة مجلس الوزراء ، أمرنا بما هو آت :
( مادة أولى ) يؤجل إنتخاب أعضاء المجلس الوطني إلى أن يصدر قانون إنتخاب
جديد .
(مادة ثانية) يوقف العمل بنص المادة (65) من الدستور وغيرها من المواد التي تتعارض مع الحكم الوارد في المادة السابقة .
(مادة ثالثة) يتولى معنا مجلس الوزراء السلطة التشريعية خلال تلك الفترة .
(مادة رابعة) على رئيس مجلس الوزراء تنفيذ أمرنا هذا ويعمل به من تاريخ صدوره وينشر في الجريدة الرسمية " .
وبصرف النظر عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى حل المجلس الوطني وإصدار الأمر الأميري رقم (4) لسنة 1975 ، فإن حل مجلس السلطة التشريعية هو رخصة تقررها المادة (65) من دستور 1973 للأمير ، إلا أن هذه الرخصة مقيدة بأمرين هما:
1 – تضمين المرسوم الأميري بحل المجلس الوطني الأسباب التي أدت إلى حله. وواقع الحال أن المرسوم رقم (14) لسنة 1975 قد خلا من بيان هذه الأسباب ، وإكتفى في هذا الشأن بالإحالة إلى الأسباب التي وردت في خطاب إستقالة الوزارة وهو أمر يصادر الغاية التي توخاها المشرع الدستوري من بيان أسباب الحل والمتمثلة في أن تكون تلك الأسباب ماثلة أمام أعين أفراد الشعب ضماناً لعدم حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى .

2 – إن فترة الحل يجب أن لا تتجاوز بأي حال من الأحوال فترة شهرين من تاريخ الحل وذلك لضمان ألا يكون الحل وسيلة لتعطيل أي حكم من أحكام الدستور .

وتأسيساً على ذلك فإن الأمر الأميري رقم (4) لسنة 1975 هو أمر غير دستوري من حيث الشكل والمضمون إذ ترتب عليه تعطيل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور المتعلقة بالسلطة التشريعية ، وهو ما يخالف مخالفة صريحة نص المادة
(108) من الدستور والتي تنص على أنه " لا يجوز تعطيل أي حكم من أحكام هذا الدستور إلا أثناء قيام الأحكام العرفية وذلك في الحدود التي يبينها القانون . ولا يجوز بأي حال تعطيل إنعقاد المجلس الوطني في تلك الأثناء أو المساس بحصانة أعضائه ".

إن النتائج التي نخلص إليها من الاستعراض السابق هي :
1 – إن دستور 1973 هو دستور وضع بطريقة التعاقد بين الحاكم والشعب . وهو دستور جامد فيما يتعلق بتعديله ، إذ إستلزم لذلك إجراءات محددة تم النص عليها في صلب الدستور طبقاً لأحكام المادة (104) منه .
2 – إن مجلس السلطة التشريعية ( المجلس الوطني ) يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية أصيلة، ويشكل نواب الشعب المنتخبين أغلبية بما نسبته 74% تقريباً بينما يشكل عدد الأعضاء المعينين فيه بحكم مناصبهم – وهم الوزراء – ما نسبته 26% تقريباً من عدد أعضاء المجلس الوطني .

3- أقام الدستور نظاماً متوازناً ، فيما يتعلق بالأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات على الرغم من كون الوزراء أعضاء في مجلس السلطة التشريعية بحكم مناصبهم .

4– إن الأمر الأميري رقم (4) لسنة 1975 الذي قضى بتأجيل إنتخاب أعضاء المجلس الوطني وبوقف العمل بأحكام الفصل الخاص بالسلطة التشريعية في الدستور وبتولي الأمير ومجلس الوزراء السلطة التشريعية هو أمر غير دستوري .

******************

القسم الثاني : ميثـاق العمـل الوطني

إستمرت الحالة السياسية والدستورية التي آلت إليها البلاد نتيجة المرسوم والأمر الأميريين لعام 1975 سالفي الذكر وما ترتب عليهما من حل المجلس الوطني وتعطيل الحياة النيابية ، إستمرت هذه الحالة لما يزيد على ربع قرن تكررت خلاله المطالبة بعودة الحياة النيابية ، وإتخذت هذه المطالبات شكل العرائض في بداية العقد التاسع من القرن الماضي حيث رفعت للأمير في البداية عريضة تم التوقيع عليها من قبل مجموعة من الشخصيات والأفراد وعرفت لاحقاً بعريضة النخبة ، ثم أعقبتها عريضة وقع عليها عدد كبير من المواطنين وسميت بالعريضة الشعبية . وفي مقابل ذلك طرح الحكم صيغة مجلس الشورى وذلك بموجب الأمر الأميري رقم (9) لسنة 1992 بإنشاء مجلس الشورى ، إلا أن هذه الصيغة لم تجد لها قبولاً أو مصداقية لدى شعب
البحرين . واتسمت المطالبة بعودة الحياة النيابية والرد عليها من قبل الحكومة بدءً من أواخر عام 1994 بأشكال متبادلة من العنف . وفي مارس من عام 1999 تولى حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم بعد وفاة المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه ، ومنذ ذلك الحين بدأت تصدر إشارات من الحكم تتعلق بضرورة التغيير والعمل لبناء مرحلة جديدة ، إلى أن صدر الأمر الأميري رقم (36) لسنة 2000 بتاريخ 22/نوفمبر/2000 بتشكيل اللجنة الوطنية العليا
لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني . وقد ضمت اللجنة 44 عضواً برئاسة وزير العدل والشئون الإسلامية . وإشتملت هذه اللجنة المعين أعضاؤها جميعاً من قبل
الأمير على عدد من الوزراء والموظفين الحكوميين وأعضاء من مجلس الشورى فضلاً عن أعضاء بعض الجمعيات المهنية والأهلية وبعض أساتذة الجامعات .

وقد ناقشت اللجنة مسودة أولى طرحها الحكم قوبلت بإعتراضات عديدة فتم استبدالها بمسودة أخرى إشتملت على مقدمة بعنوان " شخصية البحرين التاريخية، حضارة ونهضة " ، وسبعة فصول ، عناوينها المقومات الأساسية للمجتمع ، ونظام الحكم والأسس الاقتصادية للمجتمع والأمن الوطني والحياة النيابية والعلاقات الخليجية والعلاقات الخارجية ، وخاتمة عنوانها " إستشرافات المستقبل " اشتملت على
فقرتين ، الأولى بشأن " مسمى دولة البحرين " والثانية بشأن " السلطة التشريعية " .

ومرة أخرى ، ولغايات هذا الرأي ، فإننا سنكتفي بمناقشة موجزة لنصوص الميثاق المتعلقة بنظام الحكم والحياة النيابية وإستشرافات المستقبل مفضلين تأجيل مناقشة موضوع القوة الملزمة للميثاق إلى حين إستعراض القسم الثالث من هذا الرأي . ولابد من أن نشير هنا إلى أنه على الرغم من أن الأمر الأميري بتشكيل اللجنة الوطنية العليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني قد نص في مادته الخامسة على أن " يعرض مشروع ميثاق العمل الوطني على مؤتمر شعبي عام تمثل فيه كافة شرائح وفئات المجتمع لإقراره . ويصدر بأمر منا تشكيل المؤتمر الشعبي ودعوته للانعقاد " ، كما نص ذلك الأمر في مادته السادسة على أن " يرفع ميثاق العمل الوطني إلينا بعد إقراره من المؤتمر الشعبي العام للمصادقة عليه " . على الرغم من هذا فقد صدر أمر أميري برقم (8) لسنة 2001 بتاريخ 23/ يناير / 2001 بدعوة المواطنين للإستفتاء على مشروع ميثاق العمل الوطني مما ترتب على ذلك ضمناً إلغاء ما ورد في المادتين
(5) و (6) من الأمر الأميري رقم (36) لسنة 2000 سالفتي الذكر وهو ما يقتضي منا إلقاء بعض الضوء على الاستفتاء من حيث قيمته وطبيعته القانونية .

أولاً : عرض موجز لبعض نصوص ميثاق العمل الوطني :
تميزت الكثير من نصوص وصياغات ميثاق العمل الوطني بتبنيها الأحكام التي وردت في دستور 1973 ، بل أن العديد من الفصول التي إحتواها الميثاق لم تكن
إلا ترديداً لنصوص ذلك الدستور ، ومن السهولة تلمس ذلك من خلال إستعراض بعض نصوص الميثاق على النحو الآتي :

ا – المقدمة المعنونة : شخصية البحرين التاريخية ، حضارة ونهضة :
يستعرض الجزء الأكبر من هذه المقدمة تسلسلاً تاريخياً مختصراً لمختلف العصور التي مرت بها البحرين وصولاً إلى حكم أسرة آل خليفة الكرام لأرخبيل البحرين وتأكيد الشعب البحريني لعروبة البلاد وإستقلالها تحت قيادة الأمير الراحل من خلال الإستطلاع الذي قامت به الأمم المتحدة بواسطة لجنة تقصي الحقائق ، وفي هذا الإطار تشير المقدمة إلى تجاوب الأمير الراحل لهذه الوقفة لشعب البحرين " بأن أصدر دستور دولة البحرين كنموذج لأرقى المبادئ الدستورية والديموقراطية " ، مؤكدة بأن قرار الأمير – رحمه الله – " بدء الحياة الدستورية وإجراء إنتخابات حرة لتأسيس المجلس الوطني طبقاً للدستور ، علامة بارزة في تاريخ البحرين " . ثم تنتقل تلك المقدمة بعد ذلك إلى تأكيد أن شعب البحرين يتطلع إلى مستقبل مشرق " . . ملؤه الحرية والمساواة وركيزته العدالة والشورى ، وقاعدته المشاركة الشعبية لكل فئات الشعب في مسئوليات الحكم " . وفي تسبيب مقتضب للنتيجة التي تخلص إليها المقدمة نجد تكراراً في الإشارة إلى دستور دولة البحرين – والمقصود به بالطبع دستور 1973 – بإعتباره الركيزة التي أقيمت عليها أسس الدولة الحديثة ، وبأن أمير البلاد " يطمح إلى تحقيق نهج ديموقراطي يرسي هيكلاً متوازناً يؤكد الشراكة السياسية الدستورية بين الشعب والحكومة ، والفصل بين السلطات الثلاث . . . " . ثم تشير المقدمة إلى أن حصيلة تجربة البحرين في العمل السياسي والاقتصادي طوال العقود الثلاثة الماضية " تتطلب مراعاة ما إستجد من تطورات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وتشريعية " . وتنتهي من كل ذلك إلى أن الرأي قد إستقر " على أن يؤخذ بالثوابت الوطنية والسياسية والدستورية في هوية الدولة تأكيداً على النظام الملكي الوراثي الدستوري الديموقراطي ، حيث يخدم عاهل البلاد شعبه ويمثل رمزاً لهويته المستقلة وتطلعاته نحو التقدم ، وعلى إدخال تحديث في دستور البلاد بالإستفادة من التجارب الديموقراطية لمختلف الشعوب في توسيع دائرة المشاركة الشعبية في أعباء الحكم والإدارة ، ذلك أن ما أثبتته بعض هذه التجارب من الأخذ بنظام المجلسين في العمل التشريعي يتيح الجمع بين ميزة الإستفادة من حكمة ذوي العلم والخبرة من أعضاء مجلس الشورى وتفاعل الآراء الشعبية من كافة الاتجاهات التي يضمها المجلس المنتخب إنتخاباً حراً مباشراً " .

2- الفصل الثاني : نظام الحكم :
يؤكد هذا الفصل على مجموعة من المبادئ والأسس المتمثلة في أن " نظام الحكم في البحرين ملكي وراثي دستوري على الوجه المبين في الدستور والمرسوم الأميري الخاص بالتوارث " ، كما يؤكد على أنه فيما يتعلق بشكل الدولة الدستوري " فقد صار من المناسب أن تحتل البحرين مكانتها بين الممالك الدستورية ذات النظام الديموقراطي الذي يحقق للشعب تطلعاته نحو التقدم " ، وأن نظام الحكم ديموقراطي وأن الشعب هو مصدر السلطات جميعاً وأن ممارسة السيادة تكون على الوجه المبين في الدستور ، فضلاً عن أن نظام الحكم يعتمد على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث مع التعاون بين هذه السلطات وفق أحكام الدستور ، مع التأكيد على أن سيادة القانون وإستقلال القضاء هما ضمانتان أساسيتان لحماية الحقوق والحريات وأن من حق المواطنين رجالاً ونساءً ، التمتع بالمشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية في البلاد .


3- الفصل الخامس : الحياة النيابية :
يرسم هذا الفصل صورة للحياة النيابية المقبلة وذلك بعد أن يشير إلى أن " العديد من الديموقراطيات العريقة تأخذ بنظام المجلسين . فتضم مجالسها التشريعية مجلسين أحدهما يمثل الاتجاهات والأفكار المتنوعة ووجهات النظر المختلفة بين أفراد الشعب في القضايا المعاصرة . والآخر يعمل كمجلس للمختصين وأهل الخبرة " .

وينتهي هذا الفصل إلى أنه " ومن أجل مزيد من المشاركة الشعبية في الشئون
العامة . . . وإيماناً بحق الشعب جميعه ، وبواجبه أيضاً ، في مباشرة حقوقه السياسية الدستورية ، وأسوة بالديموقراطيات العريقة ، بات من صالح دولة البحرين أن تتكون السلطة التشريعية من مجلسين ، مجلس منتخب إنتخاباً حراً مباشراً يتولى المهام التشريعية إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص للإستعانة بآرائهم فيما تتطلبه الشورى من علم وتجربة . ويتميز هذا التكوين الثنائي المتوازن للسلطة التشريعية بأنه يقدم في آن واحد مجموعة من المزايا تتضافر مع بعضها البعض . فهو يسمح بالمشاركة الشعبية في الشئون التشريعية ، ويسمح بتفاعل كافة الآراء والاتجاهات في إطار مجلس تشريعي واحد . وهكذا فإن هذا التشكيل المقترح للمجلس التشريعي ، الذي سوف يتطلب تعديلاً دستورياً ، سوف يتيح له أن يستمد الحكمة والدراية من جانب ، وكافة التوجهات العامة للناخب البحريني من جانب
آخر . ولا شك أن هذا التعديل يؤدي إلى فتح آفاق أرحب لديموقراطية تعمل من أجل البناء والتنمية والاستقرار والرخاء ، ديموقراطية تعمل من أجل السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية " .

4- إستشرافات المستقبل :
نصت خاتمة الميثاق المعنونة باستشرافات المستقبل على " أن هذا الميثاق وقد توافق الجميع على محتواه حكومة وشعباً ، وأخذاً في الاعتبار أنه يمثل وثيقة عمل مستقبلية للبلاد ، وأن تفعيل الأفكار الأساسية الواردة فيه تتطلب بعض التعديلات الدستورية ، فإنه يلزم لذلك ما يلي : أولاً : مسمى دولة البحرين : يقرر التعديل الدستوري التسمية الرسمية لدولة البحرين بناءً على الطريقة التي يقرها الأمير وشعبه . ثانياً : السلطة
التشريعية : تعدل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور الخاصة بالسلطة التشريعية لتلائم التطورات الديموقراطية والدستورية في العالم وذلك بإستحداث نظام المجلسين ، بحيث يكون الأول مجلساً منتخباً إنتخاباً حراً مباشراً يختار المواطنون نوابهم فيه ويتولى المهام التشريعية ، إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص للإستعانة بآرائهم فيما تتطلبه الشورى من علم وتجربة . وتصدر القوانين على النحو الذي يفصله الدستور وفق النظم والأعراف الدستورية المعمول بها في الديموقراطيات العريقة " .

وبعد هذا الإستعراض الموجز لبعض نصوص ميثاق العمل الوطني ، وبالتحديد النصوص التي تتعلق بنظام الحكم والحياة النيابية ، فإننا نتناول فيما يلي عرضاً موجزاً للاستفتاء من حيث طبيعته وقيمته القانونية وذلك لكي نتعرف على القيمة القانونية للاستفتاء الذي تم يومي 14 و 15 فبراير عام 2001 والذي وافق شعب البحرين بموجبه ، وبنسبة وصلت إلى 98.4% ، على ميثاق العمل الوطني .



ثانياً : الإستفتاء :
يفرق فقهاء القانون الدستوري بين ثلاثة أنواع من الاستفتاءات وهي :
1- الاستفتاء الشخصي : ويقصد به أن يطلب من الشعب إبداء رأيه في إنتخاب شخص معين بذاته أو عدم إنتخابه كرئيس للدولة ، وقد أطلق بعض الفقه الدستوري على هذا النوع من الاستفتاءات إسم (الإسترئاس) وذلك لأن هذه العملية يطلقها عادة صاحب السلطة الفعلية في الدولة طالباً من الشعب تنصيبه رئيساً للجمهورية دون منافسة أو إختيار بينه وبين غيره .

2- الاستفتاء السياسي : ويكون الإستفتاء " سياسياً عندما يراد معرفة رأي الشعب
في موضوع معين يثير الخلاف ولا ينطوي على قاعدة عامة مجردة ، فإذن هو
معرفة رأي الشعب في موضوع من الموضوعات بقصد إشراك الشعب فيما يستفتى فيه " (المرجع : الاستفتاء في النظام الدستوري المصري د. محمد قدري حسن –
ص 30 – طبعة 1991) . والمقصود بعدم إنطواء موضوع الاستفتاء على قاعدة عامة مجردة هو أن لا يشتمل الموضوع الذي يستفتى فيه الشعب على صياغة فنية محددة لنصوص قانونية بقصد العمل بها وتقرير نفاذها . ويقرر الفقه الدستوري أن هناك أمثلة متعددة للاستفتاء السياسي منها – على سبيل المثال لا الحصر – الاستفتاء على إختيار نظام الحكم مثل الاستفتاء على قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في أبريل سنة 1979 . والاستفتاء على تقرير المصير مثل إستفتاء الشعبين المصري والسوري في عام 1958 على قيام الوحدة . والإستفتاء على مصالح البلاد العليا مثل الاستفتاء الذي جرى في مصر على ورقة إكتوبر التي تقدم بها الرئيس المصري أنور السادات في مايو سنة 1974 ، وقد تم هذا الاستفتاء بناءً على حكم المادة (152) من الدستور المصري الذي يجيز لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا . ويشترط في مثل هذا النوع من الاستفتاء ألا يكون موضوعه مخالفاً للدستور ( د. محمد قدري حسن - المرجع السابق – ص 34) .

3- الاستفتاء التشريعي : أما النوع الثالث فهو الاستفتاء التشريعي الذي يمكن تعريفه بأنه "أخذ رأي الشعب في قانون صوت عليه البرلمان للموافقة عليه أو رفضه . والإستفتاء هنا يكون بعد موافقة البرلمان على القانون . . . وليس هناك ما يمنع من أن يكون الاستفتاء التشريعي بمناسبة موضوع لم يقره البرلمان بعد" ( د . محمد قدري حسن - المرجع السابق – ص 35) . ويقسم الفقه الدستوري هذا النوع من الاستفتاءات من حيث موضوعها إلى الاستفتاء الدستوري والإستفتاء المتعلق بالقوانين ، وفيما يتعلق بالاستفتاء الدستوري فإن الفقه مجمع على عدة شروط لابد من توافرها حتى يكون الاستفتاء وسيلة ديموقراطية فعالة تمنع إستبداد أي سلطة من سلطات الدولة . ولعل أهم هذه الشروط هي : أ- أن يكون الاستفتاء في حدود الدستور ، فلا يجوز إستفتاء الشعب في أمر يخالف أحد أحكام الدستور كإلغاء بعض الحريات الشخصية أو توسيع سلطات رئيس الدولة أو السلطة التنفيذية مما يهدد بتدمير الحياة الدستورية والديموقراطية من أساسها ( د. محمد قدري حسن - المرجع
السابق – ص122) . ب- وحدة موضوع الاستفتاء : ويقصد بهذا الشرط أن يكون موضوع الاستفتاء " بسيطاً غير مركب ومحدداً تحديداً دقيقاً ، إذ أن تعدد موضوعات الاستفتاء يجعل إرادة الناخبين مقيدة بقبول الموضوعات المطروحة للاستفتاء كلها جملة واحدة أو رفضها كلها مجتمعة ، فلا يستطيع أن يوافق على مسألة دون
الأخرى . . . " ( د. محمد قدري حسن - المرجع السابق – ص 122) . ويعبر أحد أساتذة القانون الدستوري بشكل آخر عن هذا الرأي ويضيف عليه جزئية أخرى وذلك بقوله " يجب أن يكون الاستفتاء على فكرة معينة أو مبدأ عام ، أي بمعنى آخر على المبادئ العامة التي سيتضمنها الدستور ، وليس على الصياغة الفنية حتى يتمكن الشعب من تفهم الموضوعات محل الاستفتاء " (د. رمزي الشاعر – النظام الدستوري المصري – ص 277 – طبعة 2000) . ج- عدم ورود الاستفتاء على موضوع محرم بنص الدستور : " فالاستفتاء يجب ألا يكون مخالفاً لنص في الدستور الذي أعطى جهة ما هذا الحق فلا يجوز أن تخرج هذه الجهة على القواعد التي أعطتها حق الاستفتاء ، وإلا جاز تعديل الدستور نفسه دون إتباع الإجراءات المنصوص عليها فيه تحت دعوى الاستفتاء الشعبي أو بمعنى آخر إرادة الشعب " ( د. محمد قدري حسن - المرجع السابق – ص 124) . بل أن بعض الفقه يذهب إلى أن الاستفتاء السياسي " يستخدم لاستفتاء الشعب في مسألة تتصل بوضع الدستور بصورة تجعل من المحتم على الشعب أن يقر ما يستفتى فيه ، حيث تكون السيادة الشعبية ذات دور سلبي فقط يتمثل في قبول الأوضاع الدستورية دون تقريرها ، إذ لا تستطيع في أغلب الأحيان أن تفعل غير ذلك . وبذلك يختلف هذا النوع من الاستفتاء عن الاستفتاء الدستوري الذي يتم بصورة تعطي الحرية الكاملة للشعب في إقرار الوثيقة الدستورية أو عدم إقرارها " .
( د. رمزي الشاعر – النظرية العامة للقانون الدستوري – طبعة 1972 –
ص : 136 ) .

تلك كانت نظرة موجزة لموضوع الإستفتاء من حيث طبيعته القانونية والشروط التي تحكمه . وننتهى من الإستعراض الموجز لنصوص الميثاق وما أسلفناه من عرض نظري لموضوع الاستفتاء إلى تحديد طبيعة الاستفتاء الذي جرى يومي 14 و 15 فبراير 2001 على ميثاق العمل الوطني وبالتالي تحديد طبيعة هذه الوثيقة ونخلص إلى الآتي :

1- لابد من التأكيد ، أولاً ، على أن دستور 1973 لا ينص بأي شكل من الأشكال على الاستفتاء كوسيلة من وسائل الديموقراطية شبه المباشرة أو على إعتباره شكلاً من أشكال المشاركة الشعبية في الشئون العامة . وبالتالي فإن الاستفتاء الذي تم على
الميثاق ، ومن المنظور الدستوري المحض ، هو إستفتاء يخرج عن نطاق أحكام دستور 1973 وليس له أي سند في تلك الأحكام . وتبعاً لذلك لا يمكن وصف الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني بأنه إستفتاء تشريعي ، ذلك أن هذا النوع من الاستفتاءات تنظمه نصوص دستورية وتكون الغاية منه ، على نحو ما سلف ، إقرار الشعب لتعديل في الدستور أو أخذ رأيه فيه ، أو إقرار مشروع قانون .

2 – إن النص الأكثر إثارة للجدل ، وهو الفقرة الثانية من خاتمة الميثاق والمعنونة بإستشرافات المستقبل ، لا يمكن أن يفهم منه أن شعب البحرين عندما وافق على الميثاق أنه قد وافق بذلك على أن تكون للمجلس المعين سلطات تشريعية كالسلطات المقررة للمجلس المنتخب . وحتى إذا ما إفترضنا جدلاً ، وهو أمر لا نتفق معه ، أن تلك الفقرة من الميثاق قررت سلطات تشريعية للمجلس المعين ، فإنه ليس في تلك الفقرة أو في غيرها من الميثاق ما يدل صراحة أو ضمنا على أن للمجلس المعين سلطات تشريعية متساوية مع سلطات المجلس المنتخب . وينسحب هذا الأمر أيضاً على تشكيل المجلس المعين من حيث عدد أعضائه . وحتى إذا ما شئنا إختيار أسلوب المقاربة اللغوية لنص الفقرة الثانية من إستشرافات المستقبل ، فإن إيراد عبارة " ويتولى المهام التشريعية " بعد الإشارة إلى المجلس المنتخب ما هو إلا تأكيد على قصر تولي المهام التشريعية على المجلس المنتخب وذلك على الرغم من أن العبارة السابقة عليها وهي
"لتلائم التطورات الديمقراطية والدستورية في العالم" كافية بحد ذاتها لكي ترسم ملامح سلطة تشريعية مماثلة ومساوية لمثيلاتها في الأنظمة الديمقراطية الأخرى ، وبدليل أنه عندما إنتقل النص إلى الإشارة للمجلس المعين قضى بأن الغاية منه "الإستعانة بآرائهم" أي بآراء الأعضاء المعينين ، وفي اللغة فإن الاستعانة هي "طلـب المساعـدة" ( أنظر في ذلك : المعجم العربي الأساسي – إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – طبعة 1989 – ص : 879 ) . وفيما تعارف عليه الناس فإن لجوئي إليك للاستعانة برأيك في أمر من أموري لا يعنى إلتزامي برأيك ، إذ أن لي الأخذ به أو عدم الأخذ
به . وتأسيساً على هذا فإن الاستعانة بالرأي لا تحمل مطلقاً معنى الإلزام ويظاهر هذا النظر قول الحق سبحانه لرسوله الأكرم (ص): "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله" وقد أجمع المفسرون على أن العزم هنا يعني عدم لزوم الأخذ بالمشورة رغم الحصول عليها من المستشار .

ولا يغير من هذا النظر القول بأن الميثاق أورد المجلس المعين في باب
" السلطة التشريعية " من إستشرافات المستقبل فهذا مردود عليه بالنص اللاحق على نص المجلس المعين وهو أنه " تصدر القوانين على النحو الذي يفصله الدستور وفق النظم والأعراف الدستورية المعمول بها في الديمقراطيات العريقة " ، وهذا النص وإن قرر مبدأ مفاده صدور القوانين على النحو الذي يفصله الدستور إلا أنه مبدأ مقيد بالعبارة التي تليه والتي قررت صدور تلك القوانين " وفق النظم والأعراف المعمول بها في الديمقراطيات العريقة " وهي نظم وأعراف معلومة من الكافة وليس منها هذا الذي قرره الدستور الجديد .

كما أن دليلنا على ما نقرره من أن مفهوم " الشورى " الوارد في الميثاق هو مفهوم لا يتجاوز نطاق إبداء الرأي والمشورة يستند أيضاً على ما قرره الحكم بشأن ذلك المفهوم في كل الوثائق والتشريعات الصادرة منه بدءً من عام 1992 . فالأمر الأميري رقم (9) لسنة 1992 بإنشاء مجلس الشورى يقرر في ديباجته أنه "إيماناً منا بأن شعبنا قادر بإذن الله بتراثه الحضاري على أن يتدبر الآراء ويوصي بأرجحها وي