مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الإصلاح والمواطنة - مشاري عبدالله النعيم

طباعة PDF

لإصلاح والمواطنة - مشاري عبدالله النعيم

مشاري عبدالله النعيم

مشاري عبد الله النعيمخلال العشرة الأعوام الفائتة، كنت اتتبع حركة الاصلاح في بلادنا، كنت أشعر أن التحولات مقبولة لكنها تحتاج أن تكون أسرع من وتيرتها الحالية، ربما لأن العالم الذي حولنا ازدادت وتيرته سرعة وليس لأننا نتغير ببطء، لكنها ظروف الزمن الذي زاد إيقاعه وسرعته وعلينا أن نحترم هذا الإيقاع وإلا أصبحنا متأخرين عن العالم وسجناء مشاكلنا الداخلية.

 

أنا على يقين أنه لايوجد بيننا من يريد أن تمر هذه البلاد بأي فتنة حتى أولئك الحانقين على المجتمع وعلى كل المسؤولين، لأن الفتنة ليست في مصلحة أحد، ولا أعتقد أن أبناء هذه البلاد يسمحون أو سيسمحون لكائن من كان أن يمس وحدتنا الوطنية، لأنها العقد الذي يجمعنا والذي حول الصحراء النائية والجبال العسيرة إلى حواضر زاهرة. دعونا نتفق أن هناك أخطاء ودعونا نقول أن هناك مظالم، لكننا لم نفقد بعد المقدرة على الحوار ولم تسد في وجوهنا كل الأبواب التي نستطيع من خلالها إصلاح بيتنا الداخلي، فكل عاقل يعرف ما تبذله الدولة من أموال طائلة من أجل رفاهية المواطن، ربما يكون هناك بعض الخلل الإداري الذي يقلل من فاعلية هذه الأموال ويهدر جزءاً كبيراً منها لكن الدولة تبذل وتحاول وتركز في بذلها على تقاسم الثروة بين كافة المواطنين.

 

في اعتقادي أن من يكرس الأخطاء هم نحن من يعمل ويدير المؤسسات التي تمس حياة الناس، نحن من نتهاون في مسؤولياتنا ونحن من نكرس هذه الروح التي تبتعد كليا عن روح المواطنة، تهاوننا هذا ربما نابع من عدم استثمار ثقة ولاة الأمر، وشعورنا أنه لن يحاسبنا أحد على أخطائنا.

 

ما أود أن أقوله هنا إننا بحاجة إلى تماسك الوطن وقوته، فمنه نستمد قوتنا، ولا أربط هذه الرغبة بالسكون وعدم مناشدة ولاة الأمر بالإصلاح بل لابد أن ننصح ولا بد أن نصر على نصحنا ولا بد أن نفتح قنوات جديدة للمناصحة وللتواصل من أجل التغيير الذي يضمن قوة الوطن وتنميته وزيادة اللحمة بين أبنائه.

 

ربما يقول البعض إننا تعبنا من المناصحة فالأخطاء تتكرر ولا يساءل المسؤول، وأنا هنا لا أنكر مثل هذه الأخطاء الإدارية التي صارت تزعج الجميع، وصارت تفقد الناس الثقة في المستقبل، لكننا مازلنا نصر على مسألة المناصحة التي هي الطريق الصحيح للتغيير.

 

أعتقد أننا نحتاج إلى مزيد من حرية الصحافة حتى يستطيع الناس إيصال مطالبهم، ونحتاج أن نخفف على الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني لأن هذه الوسائل مهمة وتفتح الباب واسعا أمام الناس للتعبير عن آرائهم وتوصل أصواتهم لولاة الأمر، لكننا نحتاج دون شك إلى قنوات واضحة للمساءلة والنظر في شكوى الناس، لأن التفاعل مع صوت الناس يضمن الاحساس بالعدل، حتى لو لم تحل تلك المظالم.

 

نحتاج إلى تقارب أكثر بين مؤسسات الدولة والناس، فالناس تسأم من عدم اكتراث بعض المسؤولين بشكواهم، التعامل السيء الذي يمارسه صغار المسؤولين وليس كبارهم. لا أريد أن أخوض في تفاصيل يعيشها الناس كل يوم لكننا بحاجة إلى ثقافة إدارية نكسر فيها قاعدة "أهل الثقة" و "أهل العلم" و"أهل الخبرة" لكي يصبح المعيار الوحيد هو "أهل الكفاءة"، فمن يدير ومن يتحمل المسؤولية يجب ان يكون فقط هم "أهل الكفاءة".

 

الحاجة إلى استمرار الإصلاح السريع نابع من كون أغلب سكان بلادنا هم الشباب وهؤلاء لهم ثقافتهم التي تجاوزت التصنيفات القديمة التي تشعرهم بالتهميش وتبعدهم أكثر عن الفرص الكبيرة التي قدمها لهم الوطن والتي يصعب أن يجدوها في مكان آخر، فهم يعانون من مرحلة انقطاع مع تاريخ بلادهم ومع الجهود الكبيرة التي وحدتها، ربما فقدوا ذلك الإحساس الذي كان موجودا لدى آبائهم بأن هذا الوطن شركة للجميع، الكل ساهم في توحيده وبنائه، هذا الانقطاع مع البدايات يسهل تمرير الكثير من الافكار التي تمس أمن الوطن ووحدته لدى أبنائنا، وهذا في حد ذاته تقصير كبير منا، أتمنى أن لا ندفع ثمنه.

 

فئة الشباب لها مطالبها ولها تطلعاتها ونحتاج أن نكون أكثر مرونة وأن نتحمل مسؤولياتنا الكبيرة التي تضمن الاصلاح الإداري الذي يلبي احتياجاتهم ويضمن الاستقرار، وهذا لن يحدث بإبقاء الأمور على ماهي عليه، فلكل عصر أدواته ولكل زمان رجاله، والتفاعل مع مطالب الشباب يقتضي إعادة هيكلة النظام الاداري لدينا برمته، فهو نظام مضى عليه وقت، ونحن نعيش في زمن يتطلب منا المنافسة مع الأمم الأخرى ما يؤكد عدم جدوى ترقيع مؤسسات الدولة الحالية، هو أننا ننتقد التعليم العام والتعليم العالي والصحة والبلديات وغيرها من وزارات ولم يتغير شيء لأن هيكلة هذه الوزارات لا تشجع على التغيير.

 

أتمنى أن يراجع أحدنا ما صرفته الدولة على التعليم والصحة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، سوف يصدم بالأرقام التي توازي ميزانيات دول لعدة أعوام وسوف يفاجأ بالخدمات التي تقدمها هذه الوزارات، أعيد وأكرر أن المواطنة هي شعور عفوي ينبع من الاحساس بالانتماء للأرض، وتقوى وتتشكل عندما يشعر الانسان بالعدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وتصبح شعورا غامرا بالفخر، عندما يحاسب المخطئ بحزم، وتتحول إلى ممارسة حقيقية عندما يتنحى المسؤول عندما يشعر أنه أخطأ حتى لا يتضرر الوطن من خطأه وحتى لا يضع ولاة الأمر في حرج. والمواطنة رفيقة الإصلاح لا كتاب يدرس في المدرسة.

 

------------
المصدر : جريدة الرياض 12-3-2011

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها .