مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خارطة طريق للتنمية الإقتصادية في الإمارات (2) - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF




altفي أي دولة يقوم الإقتصاد فيها على مقومات وأسس ، فالمقومات تتمثل في القطاعات الإقتصادية الرائدة التي يملك الإقتصاد الوطني فيها أفضلية نسبية (comparative advantage ) تمكنه من منافسة والتفوق على باقي الدول ، مثال ذلك قطاع الطاقة وقطاع البتروكيماويات في دول الخليج ، إما الأسس فتتمثل في السياسات الإقتصادية ( المالية والنقدية والتجارية) إضافةً — وهو الأهم — إلى القطاعات الحيوية كالقطاع المصرفي والأسواق الرئيسية كسوق العمل وسوق رأس المال والتي سيتم تخصيص مقالة لكلٍ منها

- أولاً: سوق العمل
يعتبر العمل أحد أهم عوامل الإنتاج , لذلك كانت أسواق العمل من أهم الإسواق المكونه للإقتصاد الوطني لإي دولة , ونتيجة لهذا الدور تولي الحكومات الكثير من الإهمية لإسواق العمل من خلال التشريعات المنظمة للعلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال وكذلك التشريعات المنظمة لساعات العمل وبيئة العمل وظروفها والأجور والتشريعات التي تكفل حماية العمالة المحلية من منافسة العمالة الإجنبية التي قد تكون أكثر تنافسية من خلال كونها أكثر تأهيلاً وكفاءة أو أقل كلفة وكذلك القوانين التي تكفل حقوق العمال من تأمين إجتماعى وصحي وحق تشكيل النقابات والتفاوض الجماعى وحق الإضراب وغيرها من الحقوق التي كفلتها ونضمتها الدول ذات المشارب السياسية والنظم الإقتصادية المختلفة , لعل وضع سوق العمل في دولة الإمارات وباقي دول الخليج له خصوصية فريده كونه يتشكل ويعتمد بصورة أساسية على العمالة المستوردة ما يعني ويقتضي بالضرورة أن تراعى التشريعات المنظمة للسوق هذه الخصوصية , قد لا تكون الحاجة إلى حماية العمالة المحلية من المنافسة الخارجية مقصورة على أسواق العمل في دولة الإمارات ودول الخليج لكنها حتماً تملك أهمية خاصة في هذه الدول نتيجة الظروف الإقتصادية السائدة والتي تطلبت إستيراد أعداد كبيرة من العمالة خاصة في أوقات الطفرات (النفطية والعقارية) ما جعل العمالة الوطنية أقلية لا تحظى بأي حماية قانونية أو تشريعية , وقد يكون الوضع الذي وصل إليه سوق العمل في الإمارات من نسبة عمالة أجنبية عالية مقابل معدلات بطالة متزايدة بين العمالة الوطنية من المؤشرات التي تدل على أن سوق العمل في الدولة يعاني من قصور وخلل هيكلي خطير لا يؤثر على سوق العمل فحسب بل يتعداه ليؤثر على النسيج الإجتماعى والوضع الثقافي والجانب الإمنى والكيان السياسي للدولة الأمر الذي يتطلب التدخل المباشر والسريع لإصلاح مكامن الخلل في سوق العمل قبل تفاقمها

- ثانياً: سوق رأس المال
لأ تقل سوق رأس المال أهمية عن أسواق عوامل الإنتاج الأخرى لذلك نجد سوق رأس المال من أكثر الأسواق والقطاعات تنظيماً من قبل الحكومات , ويقصد بسوق رأس المال هنا أسواق الأوراق المالية سواءاً أدوات الدين كسندات الدين والعملات أو سندات الملكية كالأسهم العادية أو المشتقات المالية , وتكمن أهمية هذه الأسواق في أنها الجهة التي تلجأ إليها الشركات والحكومات للحصول على الأموال المطلوبة لتمويل أوجة الإنفاق المختلفة , وتركز التشريعات الحكومية المنظمة لأسواق رأس المال على رفع كفاءتها من خلال تعزيز الشفافية وتقليص فرص المضاربة والتلاعب , ولعل أسواق المال في الدولة رغم حداثتها قد لعبت دور كبير في خدمة الإقتصاد الوطني ككل من خلال تسهيل حركة رأس المال والحصول عليه من قبل المستثمرين وتوظيفه في العملية الإنتاجية , لكن نتيجة لحداثة التجربة في الإمارات فقد عانت أسواق الأسهم وما تزال وكذلك أسواق الدين من الكثير من المشكلات نتيجة إلى قصور الأطر القانونية التي تنظم عملها , فعلى سبيل المثال عانت أسواق الأسهم والسندات في كل من أبوظبي ودبي بسبب القصور التشريعي وتدني مستوى الشفافية من مستويات مضاربة عالية أدت إلى تذبذبها بدرجة كبيرة ومن ثم إنهيارها بصورة دراماتيكية إبان الأزمة المالية وهي حتى الاَن ما تزال تعاني من مستويات أسعار ومستويات تداول منخفضة , الإمر الذي يستدعي تدخل مباشر وسريع لتنظيم عمل هذه الأسواق لرفع مستوى شفافيتها وكفاءتها

- ثالثاً: القطاع المصرفي
يعتبر قطاع البنوك من أهم القطاعات الإقتصادية إن لم يكن أهمها على الإطلاق وذلك لما له من أهمية قصوى ودور محورى في العملية الإقتصادية , فهو شريان الحياة للإنشطة الإقتصادية ولولاه لما إستطاع المستثمر أن يستثمر ولا المدخر أن يدخر ولا المستهلك أن يستهلك ولا المنتج أن ينتج , هو بذلك قلب الإقتصاد وشرايينه ودورته الدموية فلا يتصور أن يزدهر إقتصاد دولة ما إن كان النظام المصرفي فيه غير صحي ويعاني من مشاكل , وللنظام المصرفي كذلك أهمية في إعمال السياسات الإقتصادية التي تقرها الحكومة فالسياسات النقدية -التي تعتبر من أهم أدوات السياسات الإقتصادية التي تستخدمها الحكومة في ضبط العملية الإقتصادية ومعالجة الكثير من المشكلات التي تعاني منها كالتضخم والركود والبطالة وضعف التنافسية وتراجع الصادرات وغيرها من المشكلات التي تعتبر من إهم سمات النظم الإقتصادية الحديثة- تعتمد بشكل أساسي في إقرارها وتطبيقيها على النظام المصرفي , ونتيجة للإزمة المالية وبسبب بعض أوجه القصور عانى القطاع المصرفي في الدولة من مشاكل كثيرة كشح السيولة وإرتفاع مستوى الديون المعدومة ومعدلات العجز عن السداد والتي ما تزال البنوك ترزح تحت وطأتها الأمر الذي ينذر بأزمة في قطاع البنوك بدأت تظهر بوادرها ما يتطلب تدخل سريع لتطويق هذه الأزمة في مهدها

الإستراتيجية ثلاثية الأبعاد تتضمن:

- أولا – إجراءات قصيرة الأمد وتهدف إلى التعامل مع اَثار الأزمة الإقتصادية:
- السماح بعملية التصحيح في الأسواق ومحاولة تقليل اًثارها الجانبية وليس منعها
- التعامل مع الشركات العقارية ومخلفات أزمة قطاع العقار(ترك الشركات غير الكفؤة تخرج من السوق من خلال تسهيل عملية الإفلاس التجاري)
- التعامل مع مشاكل الشركات الحكومية (زيادة الشفافية وكفاءة الإدارة ومحاربة مظاهر الفساد)
- التعامل مع الديون الحكومية وشبه الحكومية بطريقة مركزية وشفافة
- إصلاح أسواق المال والنظام المصرفي (دعم وتسهيل الإندماجات بين البنوك وشركات التمويل)

- ثانياً – إجراءات متوسطة الإمد وتهدف إلى الوصول إلى مرحلة التشغيل الكامل والنضوج:
- إصلاح هيكل الأقتصاد الوطني (إقتصاد كبير ولكن غير وطني) وتفعيل دور رأس المال الوطني
- إستخدام الضرائب كأحد أهم أدوات السياسة المالية
- إصلاح تشوهات سوق العمل
- نقل التكنولوجيا عن طريق بناء شراكات دولية من خلال الإستثمار الخارجي
- مراجعة السياسات النقدية (ربط العملية بالمحلية بلادولار)
- تقليل الإعتماد على ما يسمى “صناعة” إعادة التصدير
- إستحداث قاعدة بيانات على المستوى الإتحادي ونظام أحصائي شامل
- تحديث البنية القانونية المنظمة لجميع القطاعات الإقتصادية
- ترشيد قطاع الصناعات والخدمات في المناطق الحرة بالتركيز على الصناعات عالية التقنية والمكثفة لرأس المال

- ثالثاً – أجراءات بعيدة الإمد وتهدف إلى تحقيق الإستدامة:
- التركيز على ثالوث: التعليم والصحة والإسكان
- إعتماد سياسة سكانية تنموية من خلال المحافظة على تركيبة ديمغرافية متوازنة (دعم الإنجاب والتجنيس)
- الموازنه ما بين قطاعي الصناعة والخدمات
- الموازنة بين المحلي والإتحادي والخليجي
- تحويل محور الإقتصاد من النفط إلى الفرد


المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها