مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خارطة طريق للتنمية الإقتصادية في الإمارات (3) - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF




altالأطر العامة:
كما أشرنا في المقالة السابقة سيتم تخصيص هذه المقالة والمقالات وربما العشر التالية لتناول الأطر العامة لخطة التنمية الإقتصادية المقترحة وذلك بشيء من التفصيل , وفي هذه المقالة سيتم من خلال تناول الإطار الأول محاولة فض الإشتباك الحاصل لدى المسؤولين عن الشأن الإقتصادي في الدولة بين مفهوم التنمية الإقتصادية من جانب والنمو الإقتصادي من جانب أخر والذي كان وما يزال يمثل أحد أبرز الإشكاليات التي تعاني منها خطط التنمية ومحاولات تنويع مصادر الدخل ليس في دولة الإمارات فحسب بل في مجمل دول الخليج العربية

الإطار الأول: التنمية الإقتصادية والنمو الإقتصادي
كما وقد سبقت الإشارة فإن أحد أبرز الإشكاليات التي تعاني منها خطط التنمية في العالم النامي عموماً وفي دول الخليج العربية على وجه الخصوص هو الخلط والتداخل في تصور مفهومين متداخلين ومنفصلين في اًن واحد هما التنيمة الإقتصادية والنمو الإقتصادي , وينبغي الإشارة إلى أن لهذا الخلط أسباب متعددة فمنها السياسي ومنها الإقتصادي ومنها غير ذلك , ولعل أهم أسباب الخلط في عالمنا العربي هو كون عملية التنمية عملية فردية وليست جماعية , بمعنى أنها مرتبطة برؤية فردية وتتم بتوجيهات فردية وتعزى نتائجها “الباهرة” –إن كانت لها نتائج باهرة- إلى فرد ما وإلى رؤيتة الثاقبة وتوجيهاته السديدة ورعاية الكريمة , ولإرتباط العملية التنموية برمتها بفرد واحد قد لا يسعفة العمر رؤية نتائجها فقد تحول التركيز وبصورة تلقائية غير مقصودة إلى النمو الإقتصادي السريع الذي تظهر نتائجه بصورة جلية وسريعة بغض النظر عن إمكانية إستدامته من عدمها وبغض النظر كذلك عما إذا كان تحقيق هذا النمو تم بإمكانيات ذاتية أو مستورة , ولتحقيق هذا النمو السريع ركنت الحكومات في الخليج –على سبيبل المثال- إلى الإعتماد على الإنفاق الحكومي الكبير من ناحية والإمكانيات البشرية الجاهزة والمستوردة من ناحية أخرى رغم وضوح عدم إستدامة أي منها , فلا الإنفاق الحكومي المعتمد على مداخيل النفط قابل للإستمرار ولا الإعتماد على الإمكانيات البشرية الأجنبية قابل للإستمرار ما يجعل النمو عملية غير حقيقية وغير مستدامة

لكن التفرقة -من الناحية النظرية على الأقل- بين التنمية الإقتصادية والنمو الإقتصادي ليس بالأمر العسير على البحث أو الشرح أو الفهم , فمن ناحية يعتبر النمو الإقتصادي مفهوم أو مصطلح فني له دلالة فنية معينة وهو من هذه الناحية يعني بكل بساطة الزيادة أو النقصان في ما يتم إنتاجه من سلع وخدمات في دولة ما بين سنة تُعرف بسنة الأساس والسنة التي تليها وتعرف بسنة القياس , وقد يكون النمو -كما أشرنا- بالموجب إذا كانت هناك زيادة في ما تم إنتاجه من سلع وخدمات كما يمكن أن يكون بالسالب إذا كان هنا تراجع أو نقصان فيما تم إنتاجه من سلع وخدمات وهو ما يعبر عنه فنياً بالنمو السالب أو بالتراجع الإقتصادي أو الركود الإقتصادي , وبذلك يكون النمو حالة أو وصف فني ظاهري لإقتصاد الدولة فإما أن يكون الإقتصاد قد نما أو تراجع وذلك دون الخوض في أسباب أو تفاصيل هذا النمو أو ذاك التراجع , وللنمو الإقتصادي بهذا المفهوم أسباب متنوعة ومختلفة فقد يكون نتيجة لميزة جيولوجية كالموارد الطبيعية كما هو الحال مع الدول الخليجية النفطية أو نتيجة لميزة جغرافية كالموقع الجغرافي المميز كما هو الحال مع مصر أو المناخ الموائم أو الوفرة المائية كما هو والوضع في السودان , كما يمكن –وهو الأهم- أن يكون نتيجة لسياسات وخطط تنموية شاملة وناجحة كما هو الحال مع اليابان ودول جنوب شرق اًسيا

هذا فيما يتعلق بالنمو الإقتصادي أما عن التنمية الإقتصادية بمفهومها الشامل فهي عبارة عن عملية شاملة ومتكاملة ونتيجة لرؤية وسياسة وطنية تركز على بناء القدرات وتنمية الإمكانيات الكامنة في الإقتصاد التي تأتي الكوادر البشرية في مقدمتها , كما أن الفارق المهم بين التنمية والنمو هو أن التنمية تقوم على بناء الإمكانيات ومن ثم إستغلالها في حين أن النمو يكون نتيجة إسغلال الإمكانيات سواءاً الإمكانيات المكتسبة أو الكامنة , وبذلك يمكن أن تشمل التنمية النمو وليس العكس بمعنى أن كل نمو عادة ما يكون أحد نتائج وتجليات التنمية الإقتصادية وليس كل نتائجها , كما أن التنمية بالمعنى الذي ذكر تعتبر عملية تقوم على الإستمرارية في حين أن النمو لا يقوم ولا يضمن ذلك فالنمو القائم والمعتمد على إستغلال الموارد الطبيعية النافذة كالنفط –مثلاً- خير دليل على النمو الغير قابل للإستمرار , في حين أن عملية التنمية كتلك التي شهدتها اليابان في القرن قبل الماضي خلال عهد الإمبراطور متسوهيتو قد إستمرت إلى يوم الناس هذا أي لما يزيد على القرن ونيف من الزمان
قد يكون للخلط بين التنمية الإقتصادية والنمو الإقتصادي نتائج سلبية بل قد يكون لذلك نتائج خطيرة ليس أقلها هدر الموارد سدى وتضييع الوقت والجهد دون طائل حقيقي , وبالرغم من كون مفهوم التنمية والنمو الإقتصادي مفهومان مختلفان إلا أنهما ليس متعارضان بالضرورة , بمعنى أن الإهتمام والتركيز على النمو الإقتصادي لا يكون على حساب التنمية الإقتصادية دائماً , لكن في بعض الأحيان يكون النمو الإقتصادي متعارض بل ويكون تحقيقه على حساب التنمية الإقتصادي الشاملة , فعلى سبيل المثال يوجد في علم إقتصاد التنمية مفهوم يعرف بـ”المرض الهولندي” (Dutch Disease) وهو عبارة عن نظرية تقول أن إكتشاف مورد طبيعي في دولة ما غالباً ما يكون له تأثير سلبي على التنمية والتنافسية من ثم على الإقتصاد ككل عوضاً عن أن يكون لذلك الإكتشاف تأثير إيجابي نتيجة الموارد المالية الإضافية التي يوفرها للحكومة وللإقتصاد الوطني

وهذه النظرية كانت نتيجة دراسة تناولت وضع الإقتصاد الهولندي الذي أصابته حالة من التراخي والتراجع في أداءه سواءاً من حيث الإنتاجية او التنافسية بعد أن تم إكتشاف أحتياطات كبيرة من النفط والغاز في بحر الشمال وذلك بالرغم من معدلات النمو العالية التي تحققت في البداية نتيجة عوائد النفط والغاز الإضافية , من هذه الناحية يتبين أن النمو الإقتصادي يمكن أن يكون على حساب التنمية الإقتصادية التي تركز على رفع إنتاجية وتنافسية الإقتصاد الوطني وهو ما أثبتته حالة الإقتصاد الهولندي , كما أن الخلط بين التنمية والنمو يمكن أن يؤدي إلى توجيه الموارد المالية والبشرية إلى قطاع معين في الإقتصاد بسبب تحقيقه معدلات نمو عالية وسريعة في البداية لكن يتبن فيما بعد أنها غير مستدامة الأمر الذي يؤدي إلى تراجع سريع في نمو الإقتصاد الوطني مع بقاء معدلات التضخم عالية ما يدخله في حالة من الركود وعدم التوازن الذي قد يستمر لفترة طويلة وتكون بذلك المحصلة هدر الموارد وتضييع الوقت وتفويت الفرصة في تحقيق تنمية إقتصادية مستدامة , ولعل تجربة دبي العقارية تقف شاهداً على خطورة الخلط بين النمو الإقتصادي بمفهومة الضيق الذي يعتمد على الإمكانيات الجاهرة أو المستوردة والذي قد يكون غير قابل للإستدامة وبين والتنمية الإقتصادية الشاملة التي تركز أولاً على بناء القدرات الإمكانات من خلال التعليم والتدريب والبحث والتطوير ومن ثم إستغلالها لتحقيق معدلات نمو إقتصادي عالية ومستدامة كما فعلت اليابان وبعدها دول عديدة تختلف في أعراقها وثقافاتها ودياناتها لكنها تتفق في شيء واحد هو أنها جميعاً إستطاعت إكتشاف سر التنمية الأزلي ومحورها الأساسي ألا وهو الإنسان




المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها