مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خارطة طريق للتنمية الإقتصادية في الإمارات (4) - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF




altالإطار الثاني: وضوح الرؤية ودقة تحديد الأهداف:

أن عدم وضوح الرؤية وعدم تحديد الأهداف التنموية بدرجة مقبولة من الدقة يعتبر كذلك أحد أبرز عوائق التنمية الإقتصادية , وبند عدم وضوح الرؤية يشمل العديد من الأمور في مقدمتها عدم تحديد الأهداف التنموية أو عدم تحديد الإطار الزمني المناسب المطلوب لتحقيقها وقد يشمل كذلك تحديد أهداف لا علاقة لها بالتنمية لا من قريب ولا من بعيد ,

وفي الدولة فإن تبني كل إمارة في الدولة رؤيها التنموية المنفردة إضافة إلى الرؤية التنموية الإتحادية والتي تختلف فيما بينها في كل شيء حتى الإطار الزمني يشكل مثال على عدم وضوح الرؤية التنموية في الدولة , فأبوظبي لديها رؤية 2030 ولدبي خطة 2015 وللحكومة الإتحادية رؤية 2021 ولباقي الإمارات خططها الخاصة بها كذلك

كما أن التنافس الشديد والتسابق المحموم بين المدن والدول الخليجية والإهتمام الكبير -الذي يصل حد الهوس- بالترويج وبالظهور على الخارطة العالمية مهما كانت التكلفة من خلال إستضافة ورعاية فعاليات وأنشطة لا ناقة لنا فيها ولا جمل أو من خلال بناء الأكبر في العالم أو شراء الأضخم في العالم أو إقتناء الإول في العالم يعتبر من أهم سمات ونتائج عدم وضوح الرؤية عند صنّاع القرار أو المسؤولين عن الشؤون الإقتصادية في دول الخليج , فقطر تريد أن تستضيف نهائيات كأس العالم لعام 2022 وقد حشدت جميع الإمكانيات لإقناع الإتحاد الدولي لنمحها هذا الشرف ورصدت في سبيل ذلك ما يزيد على 100 مليار دولار سيتم إنفاقها على الملاعب المكيفة والفنادق والبنى التحتية المختلفة والتي لن يكون لها أي إستخدام حقيقي بعد أن تستضيف كأس العالم , وفي أبوظبي تم إنفاق مليارات الدراهم لإقامة الحلبة التي تستضيف سباق السيارات Formula-one والذي لا تتعدى ثلاثة أيام في السنة بمعنى أنها –أي الحلبة- تستخدم ثلاثة أيام في السنة ولا يكون لها أي إستخدام حقيقي في الأيام الـ 362 المتبقية من السنه , هذا عدى عن بطولات التنس والقولف والمهرجانات السينمائية التي ينفق عليها وفيها ملايين الدولارات لا لشيء إلا لسماع كلمات إطراء مصطنعة من وسائل الإعلام والمسؤولين الأجانب ولكي يقال أن المدينة الفلانية قد أستضافة الفعالية الفلانية وقد يقال وقد لايقال

كما يتجلى عدم وضوح الرؤية في سعي الإمارات المختلفة إلى تحقيق أهداف مختلفة وأحياناً متناقضة ما يجعل مصالحها الإقتصادية وأحياناً السياسة تتضارب فيما بينها , فعلى سبيل المثال كانت لدبي رؤاها ومصالحها الإقتصادية الخاصة التي لم تكن دائماً تتقاطع وتستقيم مع مصالح الإمارات الإخرى أو مع مصالح الإتحاد , ولعل علاقة دبي التجارية الخاصة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية -التي تربطها علاقة أقل ما يقال عنها أنها متوترة مع دولة الإمارات بسبب إحتلالها لثلاث جزر إماراتية- دليل واضح على تناقض وتضارب الرؤى والمصالح والإهداف بين الإمارات المختلفة

هذا بالإضافة إلى أن إقامة فروع للمتاحف الأجنبية أو إستضافة المنظمات الدولية أو إقامة المناطق الحرة للتكنولوجيا أو الإعلام التي تكلف الدولة مليارات الدولارات -هذا عدى عن التكلفة الإجتماعية المستترة- مع عائد ضئيل إن لم يكون معدوم يمثل كذلك أحد وجوه ونتائج عدم وضوح الرؤية للتنمية الإقتصادية , فعلى سبيل المثال لا الحصر تمثل المناطق الصناعية في جبل على وكذلك المناطق الحرة الأخرى في دبي كمدينة دبي للإعلام ومدينة دبي للإنترنت واجهات خلابة وقصص نجاح للتنمية الإقتصادية في دبي بالرغم من التكلفة الإقتصادية والبيئية والإجتماعية الباهظة لها , في حين أن الناظر المتفحص يجد أن مثل هذه المناطق لا ترفد إقتصاد دبي بأي عائد مجدي سواءاً في صورة عوائد مالية أو فرص عمل للمواطنين أو حتى تقنية تنقل للإقتصاد المحلي من خلال الشركات العاملة في هذه المناطق

كما أن عدم وضوح الرؤية قد يتجلي كذلك في إقامة مشاريع غير مجدية هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع و لا يمكن لأحد أن يجد لها جدواى أو فائدة وإلا لسارع في إقامتها من يملك التكنولوجيا والإمانيات وقبل هذا وذلك الحاجة الملحة وذلك من باب “لو كان خيراً ما سبقونا إليه” , فمشروع مدينة مصدر الذي هو عبارة عن مشروع لمدينة خالية من إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتي تبلغ تكلفته المبدئية 22 مليار دولار يشكل بالرغم من مما قيل عنه وفيه يمثل أحد أبزر الأمثلة على عدم إتضاح الرؤية فالتكلفة الكلية غير واضحة والعائد المباشر وغير المباشر على الإقتصاد الوطني غير واضح وكذلك الوجهه النهائية والجدوى الإقتصادية للمشروع

كذلك يمثل التنافس الشديد واللاعقلاني أحياناُ بين الإمارات في كل شيء إبتداءاً من الموانئ والمطارات مروراً بشركات الطيران وإنتهاءاً بمدن الإعلام والذي يمثل –أي التنافس بين الإمارات- دليل اَخر على ضبابية الرؤية التنموية لدى الإمارات المختلفة ولدى السلطة الإتحادية , فبعد أن أقامت دبي ميناء جبل علي وأطلقت طيران الإمارات في 1985 وأقامت مدينة دبي للإعلام في في 1997 أنشأت مطار اَل مكتوم في 2010 وحققت في ذلك نجاح واضح نجد الإمارات الأخرى تحاول إقامت نفس المشاريع ونفس الشركات لمنافسة دبي ولتحقيق النجاح الذي حققته ,

فأبوظبي مثلاً أطلقت شركة الإتحاد للطيران وتسعى لتوسعة مطارها ليكون من أكبر المطارات في المنطقة مع العلم أنه لا يبعد عن مطار اَل مكتوم أكثر من خمسين ميلاً وكذلك تسعى لإقامت ميناء ومنطقة صناعية كبيرة في منطقة الطويلة التي لا تبعد عن ميناء ومنطقة جبل على الحرة أكثر من ثلاثين ميلاً , كما أنها تسعى لأن تكون مركز للإعلام في المنطقة من خلال إقامة مدينة إعلامية على غرار مدينة دبي للإعلام , والإمارات الأخرى من جانبها تسعى لإقامة نفس المشاريع وإن كان بدرجة أقل من الطموح بسبب محدودية القدرة المالية لديها

وللتغلب على إشكالية عدم وضوح رؤية يجب:

 أولأ: توحيد الرؤية على مستوى الدولة على الأقل -إن لم يكن على مستوى مجلس التعاون- وذلك بوضع أهداف إستراتيجية مشتركة تقوم على أرضية مشتركة مثال ذلك رفع مستوى التعليم ومن ثم الإنتاجية والتنافسية للكوادر الوطنية الخليجية

 ثانياً: التأكد من تناغم الأهداف غير المشتركة بين الإمارات وكذلك السياسات المحققة لها وذلك لمنعها من الدخول في شكل من أشكال المنافسة غير المشروعة أو غير الصحية يتم من خلالها هدر الطاقات والثروات والوقت والجهد دون طائل حقيقي في مشاريع متشابهه

ثالثا: تقوية ودعم المؤسسات المشتركة أو مؤسسات العمل المشترك على المستوى الإتحادي للدولة وذلك لمساهمة مثل هذه المؤسسات في توضيح وتوحيد الرؤى التنموية ووضع الإستراتيجيات التنموية المشتركة

 رابعاً: تحديد جهة إتحادية تملك السلطة والموارد ما يمكنها من وضع اَلية للإشراف والرقابة تمكنها من التنسيق بين الإمارات المختلفة ولتوزيع أدوار الخطة التنموية الشاملة بينها وكذلك تقديم الدعم المالي للإمارات المختلفة ما يمكنها من تنمية القطاعات التي تمتلك فيها المقومات التنافسية المطلوبة


المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها