مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خارطة طريق للتنمية الإقتصادية في الإمارات (5) - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF




altالإطار الثالث : حساب التكلفة الحقيقية

إن من أكثر العوائق التي يمكن أن تأثر سلباً على إمكانية نجاح أي مشروع سواءاً كان خطة تنموية إستراتيجة لدولة ما أو مشروع تجاري بسيط هو عدم حساب تكلفته الحقيقية والتي تشمل التكلفة الإقتصادية المباشرة بالإضافة إلى التكلفة غير المباشرة إو ما يسمى بالتكلفة الإجتماعية , ولعل أحد أبرز الإشكاليات التي عانت وتعاني منها الخطط أو المحاولات التنموية الخليجية عموماً والإماراتية على وجه الخصوص هي أنها لم تراعي التكلفة االحقيقية (المباشرة وغير المباشرة) عند إقرار السياسات والقوانين أو عند تبني المشاريع الإقتصادية المختلفة

(1) التكلفة الإقتصادية المباشرة

قد يعتقد البعض أن حساب التكلفة الإقتصادية المباشرة لأي خطة تنموية لا يمثل أي مشكلة كما هو حال التكلفة الخفية الغير مباشرة , لكن قد يتفاجئ هؤلاء إذا علموا أن الكثير من المشاريع حتى الصغيرة تفشل بسبب عدم حساب هذه التكلفة المباشرة أو عدم توقعها , فعلى سبيل المثال فقد تفاجئ الكثير من المراقبين لنتائج الدراسة التي قامت بها وزارة العمل بالإشتراك مع مجلس دبي الإقتصادي بالتعاون مع جامعة زايد [1] والتي كشفت بأن هناك 55 مليار درهم سنوياَ لا يتم حسابها في تكلفة النشاطات الإقتصادية في دولة الإمارات لإن هذه التكلفة لا يتحملها القطاع الخاص وإنما تتحملها الموازنة العامة بطريقة غير مباشرة وهو ما يمثل معونة حكومية مستترة وغير مقصودة لقطاعات وشركات قد تكون غير تنافسية ولو تم تحميل الشركات هذة التكلفة فإن الكثير منها سوف لن يستطيع الإستمرار , وإذا ما أضفنا المناطق الصناعية الحرة مثلاً فإن التكلفة المباشرة قد تتجاوز هذا الرقم بكثير لأنه لا يشمل دعم الخدمات التي تقدم مجاناً أو بأسعار رمزية في المناطق الحرة , كما أنه لا يشمل كذلك الدعم الذي تقدمه الدولة للطاقة سواءاً الطاقة الكهربائية أو الوقود والذي يستفيد منه بالدرجة الأولى الشركات والأفراد الأجانب الذين يمثلون 80% من عدد سكان الدولة

ولا تمثل هذه التكلفة عبئ على الإقتصاد الوطني والموازنة العامة فحسب بل تسبب كذلك تشوه خطير في الهيكل الإقتصادي للدولة وذلك بالسماح للشركات غير الكفؤة من حيث الإنتاجية والتنافسية في العمل وإستغلال الفرص الإستثمارية والموارد التي لا تتحمل جزء كبيرة من تكلفتها , إضافة إلى ذلك فإن تحمل هذه التكلفة من قبل الحكومة تمثل هدر كبير ليس للموارد فحسب بل للفرص كذلك ولنا أن نتخيل لو أنه تم إنفاق هذه الأموال في قطاعات مثل التعليم أو الصحة أو الإسكان التي تعاني من قلة الموارد إضافة إلى سوء التخطيط والتنظيم

(2) التكلفة غير المباشرة

التكلفة الغير مباشرة هي تلك التي تشمل العبء الغير المباشر الذي يصاحب النشاطات الإقتصادية وينتج عنها , وتنقسم هذه التكلفة إلى تكلفة يمكن تقويمها بالمال كالتكلفة البيئية والتكلفة الأمنية وتكلفة لا يمكن تقويمها بالمال كالتكلفة الثقافية والمتمثلة في تراجع ثقافة ولغة البلد الأصلية أمام ثقافات أجنبية غريبة أو نشوء صراع ثقافات بين الثقافة والديانة واللغة المحلية والثقافات والديانات واللغات القادمة من العمالة الأجنبية , ولعل هذه التكلفة الثقافية -كونها لا يمكن تقويمها بالمال- تمثل أكثر التكاليف يأثيراً إذ أنها يمكن أن تؤدي في المحصلة إلى فقدان البلاد برمتها بمجرد سيطرة الثقافة القادمة من الخارج التي قد تؤدي في النهاية إلى تغيير النظام الإجتماعي الإقتصادي والسياسي للبلاد وهذا التغيير لا يكون دائماً وبالضرورة للإفضل

(ا) التكلفة البيئية:

إن عدم إحتساب التكلفة البيئية للنشاطات الإقتصادية يعتبر مشكلة عالمية لا تختص بها دولة الإمارات ودول الخليج فحسب , حيث إن أغلب الصناعات في العديد من الدول لا تتحمل تلكفة التلوث الناتج عن ممارسة نشاطها الصناعي وذلك حرصاً من حكوماتها على الحفاظ على تنافسية إقتصاداتها إذ أن تحميل الشركات التكلفة البيئية من شأنه رفع تكلفة الإنتاج لديها ومن ثم تراجع تنافسية أسعار منتجاتها في السوق العالمية , وكذلك أيضاً لعدم قدرة الدول –حتى الاَن على الإقل- على إبرام إتفاقية دولية ملزمة تجبر الحكومات الوطنية على سن قوانين تلزم الشركات العاملة في دولها على تحمل التكلفة البيئية لنشاطاتها إما بشكل مباشر إو من خلال فرض ضرائب ورسوم لحماية البيئة[2] , إلا أنه وبعد أن أصبحت ظاهرة الإحتباس الحراري حقيقة قائمة على الأرض تعاني منها كل الدول وأصبح لها تكلفة إقتصادية كبيرة وحالية بدأت الدول بالسعى الجاد من أجل إقرار إتفاقية تلزم جميع الدول على السواء بتحميل الشركات والأفراد التكفلة البيئية لنشاطاتهم الإقتصادية , وتجدر الإشارة بأن التكلفة البيئية المنخفضة للنشاطات الإقتصادية تعتبر أحد أبرز عناصر التنمية الإقتصادية المستدامة إذ أن التكلفة البيئية المنخفضة أو المعدومة تضمن إستمرارية العملية التنموية وهو ما يفرقها عن النمو الإقتصادي الذي قد تكون له تكلفة بيئية عالية تحد من إمكانية إستدامته

وفي دولة الإمارات وفيما يتعلق بالتكلفة البيئية للنشاطات الإقتصادية (سواءاً الإنتاج أو الإستهلاك ) فإن الأوضاع أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير واضحة , لكن الواضح أن هنالك الكثير من صور التكلفة البيئية التي لا تتحملها الشركات أو الأفراد , فعلى سبيل المثال لا تتحمل الشركات العاملة في قطاع صناعة الإسمنت -التي تسبب درجات عالية من التلوث- وكذلك المحاجر والكسارات ومصانع المعادن والألومينيوم وصناعات الكيماويات والبتروكيماويات العاملة في المناطق الحرة تكلفة التلوث الناتج عن نشاطاتها , كما أن للأنشطة العقارية التي تقوم على ردم البحر لإنشاء الجزر الصناعية تكلفة بيئية غير معروفة –الاَن على الأقل- ما يصّعب مسألة حسابها وتحميلها للشركات العقارية المطورة , هذا فيما يتعلق بالنشاطات الإنتاجية للشركات أما عن النشاطات الإستهلاكية للأفراد فيكفي أن نعرف أن دولة الإمارات تتربع على قمة العالم بأعلى حصة لإنبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون لكل فرد (per capita)[3], حتى القطاع العقاري له مساهمة كبيرة في مستوى الإنبعاثات الغازية العالية في الدولة بسبب إستهلاك المباني الكبير للطاقة كونها تتكون من مسطحات زجاجية لا تناسب سواءاً مع البيئية الصحراوية الحارة أو البيئة الساحلية الرطبة , وفي إعتقادي فإنه في حال إقرار إتفاقية دولية تفرض على الدول نسب إنبعاثات غازية معينة حسب نسبة السكان فإن دولة الإمارات ومعها دول الخليج الأخرى ستواجه صعوبات كبيرة في الإلتزام بهذه النسب وستضطر في سبيل تحقيق ذلك إلى إيقاف الكثير من الصناعات والنشاطات الإقتصادية

(ب) التكلفة الأمنية:

يعتبر الأمن ببعديه الداخلي والخارجي أحد أهم عوامل التنمية ليس الإقتصادية فحسب بل التنمية الإنسانية بإبعادها وصورها المختلفة , فعلى المستوى الإقتصادي مثلاُ لا يتصور قيام إي نشاط من النشاطات الإقتصادية دون توفر الإمن الذي يضمن سلامة الأنفس والأموال , لذلك فقد إتفقت كافة المدارس الفكرية في علم الإقتصاد –سواءاً تلك التي تدعو إلى دور واسع للحكومات في الشأن الإقتصادي إو تلك التي تقول بعدم التدخل الحكومي في الإقتصاد- على أن توفير الأمن يعتبر من أهم وظائف الحكومة التي يجب عليها أن توفره وبشكل مباشر , والسبب في ذلك هو أن الأمن ينضوي تحت ما يعرف بالسلع العامة (Public Good) التي لا يستطيع القطاع الخاص تقديمها بكفاءة , والمشكلة في السلع العامة هي أنها متى ما توفرت فإنها تتوفر للجميع ولا يمكن المساهمين في توفيرها إستبعاد غير المساهمين ما يمثل مشكلة بسبب عدم وجود من يريد إن يساهم في توفيرها طمعاً في إن يتم ذلك من قبل الغير وبذلك يسود شعور بالتكّسُب (free riding) لدى الجميع يدفعهم إلى الإعتقاد بأن أحداً اَخر سيقوم بتحمل تكلفة توفير هذه السلعة ما يؤدي في النهاية إلى عدم توفيرها إطلاقاً , لذلك كانت الحكومات بما تملكه من سلطة جبر وموارد مالية وبشرية أضمن وأقدر على توفير هذه السلعة , لكن هذا لا يمنع من إمكانية تحميل المجتمع تكلفة الأمن الذي توفره الحكومة من خلال ما تفرضه هذه الأخيرة من ضرائب لتمويل تكاليف توفير الأمن والخدمات الأخرى التي توفرها

إن الإنفتاح الكبير وغير المحسوب إحياناً الذي تتبناه الإمارات على العالم أدى إلى ظهور الكثير من النشاطات وقدوم الكثير من الجماعات التي لم تكن دائماً في وئام مع بعضها البعض أو مع البلد الذي تتواجد وتعمل فيه , وهذا الوضع أدى إلى إرتفاع أهمية ومعها تكاليف الأمن الداخلي التي لولا وجود هذه الجماعات والنشاطات لكانت رُبع وربما عُشر ما هي عليه الاَن , وبما أن دولة الإمارات قد إختارت وقدمت نفسها على إنها ملاذ وجنة ضريبية للإفراد والمؤسسات والشركات فإن التكلفة العالية لتوفير الأمن تتحملها الحكومة الإماراتية سواءاً الإتحادية أو المحلية دون أي مساهمة من الشركات أو الأفراد سواءاً المواطنين أو حتى الأجانب الذي يمثلون السواد الأعظم من السكان كما يعلم الجميع , الأمر الذي يعني أن التكلفة الأمنية التي تمثل جانب مهم وكبير من تكلفة الأعمال والنشاطات الإقتصادية لا يتحملها القائمون بها

(ج) التكلفة الثقافية:

كما سبقت الإشارة فإن التكلفة الثقافية تعتبر من أوجه التكلفة غير المباشرة صعبة التحديد ما يضيف إشكالية فوق إشكالية , لكن بالرغم من ذلك وفي الوقت نفسه فلا يمكن لأحد أن يغفل أو ينكرها لما تمثله من عبء كبير وإن كان عبء غير مالي وغير حال , بمعنى إن اًثارها لا تظهر في الوقت الحالي ولا يمكن تقييمها بالمال وهو –في نظري- مكمن الخطورة , وبالعودة إلى التاريج القريب نجد أن التكلفة الثقافية غير المقومة وغير الحالة هي ما إدى إلى فقدان الإتحاد الماليزي سلطنة سنغافوره بعد أن تغيّرت شيئاً فشيئاً ثقافتها من الثقافة االمالاوية الإسلامية إلى الثقافة الصينية , ولعل التركيز في الإمارات على السياحة بل والتركيز على إستقطاب السياح الغربيين بإقامة الفنادق والنوادي والحانات دون الإلتفات إلى تأثير ذلك على ثقافة البلد الذي من المفترض أن يكون بلداً عربياً إسلامياً يعتبر أمراً تنقصه الحصافة , ولابد لي في هذا الشأن أن إعترف أنني لا أدري كيف يمكن حساب التكلفة الثقافية عند حساب جدوى الخطط أو المشاريع التنموية

(3) أوجه التكلفة الأخرى:                                

أضافة إلى أوجه التكلفة التي ذكرت فإن هناك أوجه أخرى للتكلفة المباشرة وغير المباشرة , منها على سبيل المثال الدعم الحكومي للطاقة الكهربائية و الوقود , وكذلك الدعم والإعفاءات المختلفة التي تقدمها حكومات الإمارات المختلفة للشركات العاملة في المناطق الحرة المنتشرة فيها , كما أن الخدمات المجانية أو التي تقدم مقابل رسم رمزي تعتبر كذلك من إبرز أوجه التكلفة التي لا يتم تحميلها أصحاب النشاطات الإقتصادية أو المستفيدين منها , ولعل القيام بحساب التكلفة الحقيقية للمشاريع والنشاطات الإقتصادية في الدولة وتحميلها -أو جزء منها على الأقل- للقائمن بها يعتبر من أكثر القرارات صعوبة وذلك لتشابك وتعقد هذه النشاطات وكذلك لأنها سوف تكشف عن وضع قد يفاجئ الكثيرين ويؤدي إلى إيقاف العديد من النشاطات الأمر الذي لن يُرضي الكثير من الجهات النافذة في الدولة , ولعل ما كشفت عنه دراسة وزارة العمل (التي سيتم تناولها بالتفصيل عند مناقشة سوق العمل) من دعم كبير تقدمة الحكومات الإتحادية والمحلية لا يستفيد منه سوى الأجانب وفئة قليلة من المواطنين يعكس جانب صغير من الصورة الكلية

في الحلقة القادمة سنتناول الإطار الرابع: واقعية الطموحات وجدوى الأهداف — إلى اللقاء

 

[1] Vazquez-Alvariz, R., The Micro-Structure of Wages and Wage Determination In UAE, Paper Presented at Wages and Cost of Labour in UAE Workshop,Dubai, UAE October 2010

[2] تجدر الإشارة إلى أنه توجد إتفاقية إطار تحت مسمى (Kyoto Protocol) , وهي إتفاقية محدودة من حيث والأعضاء والإلتزامات التي تفرضها , إذ تشمل 38 دولة تلتزم بتخفيض نسب أربعة أنواع من الغازات (ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروس، وسداسي فلوريد الكبريت) وينتهي العمل بهذه الإتفاقية في 2012 , وتجدر الإشارة أنه تحاول الدول الوصول إلى إتفاقية أكثر شمولية وقد فشلت حتى الاَن في إجتماعات كوبهاجن 2009 وكانكون 2010
 


المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها