مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

علي ربيعة يحكي التسعينات

طباعة PDF

 

ولادة لجنـــــة العريضــــة الشعبيــة.. لقــاء الوطنــي بالدينـي


يبدو أن فترة التسعينات من القرن الماضي من الفترات التي ستتعدد فيها الشهادات التي تضيء هذه الحقبة التي شهدت فيها البحرين منعطفات بالغة القوة والقسوة، والتي انتهت بالتحولات التي تعيشها البلاد الآن.
فعلى رغم المرارات والخيبات المتلاحقة، كان في الأفق يلوح حلٌ ربما أرضى البعض وأسخط آخرين، وكان بين هذا وذاك في مواقف شتى، ولكنه كان أساساً للخروج من انسداد الطريق الذي كانت تسير البلاد فيه.
بعد عدد من التحقيقات والشهادات المتناثرة التي نشرتها الصحافة منذ الانفتاح على وجل، أتت ''الوقت'' في 21 فبراير/ شباط لتفتح ملفاً موثقا لشهادة عدد من الذين كانت لهم مساهمات في هذه الفترة، وكان ينقصنا في تلك الشهادات موقف وزارة الداخلية مما حدث ووجهة نظرها في عدد من القضايا التي تعرضت لها، وتم إرسال جملة من الأسئلة إلى الوزارة في شهر ديسمبر/ كانون الأول ,2005 ولكن الصحيفة إلى اليوم لم تتلق رد الوزارة التي ظلت في واجهة الاتهامات من دون أن يكون لها موقف يفسر ما جرى.
في هذه الأثناء، اتجهت أنظارنا إلى علي قاسم ربيعة، واحد من الوجوه الوطنية التي كانت لها في كل محطة موقف، وفي كل تحرك بصمة، ولكنه - آنذاك - آثر الصمت لا لشيء إلا ليروي روايته الخاصة بما جرى، بجهد أرشيفي ضخم ومداخلات لتحليل المواقف.
في مقدمة كتابه الذي يستعد للنزول إلى الأسواق تحت عنوان ''لجنة العريضة الشعبية في مسار النضال الوطني في البحرين''، يستميح ربيعة الواردة أسماؤهم في الكتاب عذراً إن لم تأت قراءته لما حدث كما يشتهون، فهو شاهد، وليس على الشاهد إلا أن يقول ما يعتقد أنه الحق، وربما ما رآه حقاً يراه الآخرون بشكل مختلف.. إلا أن شهادة رجل في وزن ربيعة في هذا الظرف الذي لم يعلوه الغبار بعد، ستكون إضافة وإضاءة، وإن كانت الشهادات الفردية - في الغالب - لا تضيء المشهد كاملاً، ولكن تبقى على أهميتها في انتظار استكمال شهادات أخرى.
بدايات المسألة.. يونيو 1990
في شهر يونيو/حزيران من العام ,1990 شهدت مجالس مدينة المحرق مناقشات جادة من قبل اليساريين والوطنيين عن تردي الوضع السياسي والاقتصادي والمعيشي وتفاقم مشكلة البطالة. بعد شهر أو يزيد من تبادل الأفكار والآراء استقر رأي المتحاورين على ضرورة مخاطبة القيادة السياسية عن طريق تحرير عريضة باسم أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة تتضمن المطالب الشعبية وعلى رأسها المطلب الخاص بتفعيل الدستور المعلق منذ 26 أغسطس/ آب العام 1975 وعودة الحياة النيابية، وكان أبرز المتحاورين فاضل الحليبي، حسن ربيعة، المحامي عبدالوهاب أمين، النائب السابق محمد جابر صباح، عبدالرحمن عثمان، سيد جعفر الوداعي، محمد نصر الله، أحمد الكواري، جواد الفردان، أحمد منصور، ثائر علي ربيعة وغيرهم.
مع غزو العراق للكويت في أغسطس/ آب 1990 ارتفعت النبرة المطالبة بالديمقراطية والمشاركة في صنع القرار على اعتبار أن الشرعية الدستورية هي التي تعزز التلاحم الوطني وتوفر الحماية للوطن وتدرأ عنه الأخطار الخارجية. وجاءت عريضة ''النخبة القطرية'' الموجهة إلى أمير قطر في 21 ديسمبر/كانون الأول 1991 - المطالبة بوضع دستور للبلاد ومجلس منتخب للشورى ذي سلطات تشريعية ورقابية موسعة، وتحقيق المشاركة السياسية - جاءت هذه لترفع من معنويات النخبة السياسية في البحرين وتدفعهم للمضي قدماً في هذا الاتجاه المطلبي.
وللأمانة التاريخية فإن النقاش والحوار في هذه الفترة كان محصوراً فقط في أوساط النخبة السياسية والمثقفين من قوى اليسار.
في بداية أكتوبر/تشرين الأول 1992 فوجئت الساحة السياسية في البحرين بحديث وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن عزم حكومة البحرين على تأسيس مجلس استشاري معين.
لم تمضِ إلا بضعة أيام على هذا التصريح حتى أفادت أغلب المصادر السياسية والصحافية المحلية والعربية أن أمير البحرين قد حدد 16 ديسمبر/كانون الأول 1992 وهو مناسبة العيد الوطني للبحرين موعداً للإعلان عن هذا المجلس. وقد أثار هذا الإعلان والتصريح قلق القوى السياسية والاجتماعية في البحرين حيال نوايا القيادة السياسية بتجاوز تجربة المجلس الوطني التي خاضها شعب البحرين في الفترة ما بين 1973- 1975 والإقدام على تعليق الدستور وإقامة مجلس استشاري معين.
آراء في الزمن الصعب
في مقابلة لمجلة ''الشروق'' الإماراتية بتاريخ 4/11/1992 قال عبداللطيف آل محمود إن الدستور الذي أقره المجلس التأسيسي المنتخب وأصدره سمو الأمير يعني أن العلاقة بين الحاكم والمواطنين باتت علاقة العقد الذي هو شريعة المتعاقدين وأن المجلس الاستشاري المزمع إنشاؤه لا يمت بصلة للمجلس الوطني، ولا يعد جزءاً من السلطة التشريعية التي نظمها الدستور. أما النائب محمد جابر صباح فقد قال في هذه المقابلة إنه من حق الأمير أو رئيس الوزراء أو أي وزير تشكيل مجلس استشاري يستأنس بآرائهم ويستكشف اتجاهات سياسته من خلالهم طالما أن هذا المجلس لن يمس الدستور، لأن الدستور لم يتضمن وجود مادة تنص على وجود مجلس استشاري له مميزات وخصائص معينة.
غير أن أي توجه يفيد بأن يحل هذا المجلس محل المجلس الوطني المنتخب فهذا يعد خرقاً للدستور الذي ينص على أن المجلس الوطني يكون بالاقتراع السري ولا بد من التصدي لهذا الجانب كون الدستور قد أتى نتيجة نضال شعبي امتد من العام .1920
أما علي ربيعة فقد قال إن دستور دولة البحرين هو أول عقد اجتماعي ينقل البحرين إلى مصاف الدول المتحضرة، ولكن إذا ما صدقت الأطروحات حول المجلس المعين كونه خليفة للمجلس الوطني ويحل محله، فهذا ما يتعارض وأهم مادة من مواد الدستور وهي المادة الأولى الفقرة (د) التي جاء فيها: ''نظام الحكم في البحرين ديمقراطي والسيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعا''. كما يتعارض والمادة (2) الفقرة (هـ) ''للمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بدءاً بحق الانتخابات''. إضافة إلى المادة (32) التي تقول صراحة ''نظام الحكم يقوم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا يجوز لأي من السلطات الثلاث التنازل للغير عن كل أو بعض اختصاصها''. فهذه المواد جلية وواضحة وهي تحدد هوية وشكل السلطة التشريعية في البحرين.
يضيف ربيعة ''أنه لا يمكن القول إن الشارع البحريني غير واع للتجربة الديمقراطية ويحتاج إلى تهيئة ومقدمات، ذلك للفترة الطويلة التي امتد فيها التعليم (نحو 73 عاماً) وكذلك تراكم الوعي السياسي طيلة الفترات والعقود الماضية. فالشارع كان مهيئاً في السبعينات ليخوض تجربة ديمقراطية صحيحة وأثبت جدارة في وعيه في اختيار ممثليه، فلا يمكننا اليوم - ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين - أن نحكم بانعدام الوعي في الشارع البحريني''.
وعن مقارنة الوضع في البحرين والوضع في الجزائر بالنسبة إلى المد الديني، قال ربيعة في ذلك اللقاء ''لا يمكننا مقارنة وضع البحرين بالجزائر، فالدستوران مختلفان. في البحرين يبقى نظام الحكم كما هو والتغيير يحدث في السلطة التشريعية''. ويضيف ''اليوم هناك البعض الذي يتخوف من انه لو عادت الحياة النيابية إلى البحرين، فسوف يكون للدينيين مدّ كبير. وربما أصدروا تشريعات تخدم مناهجهم، ولكن الأمر يرجع في النهاية إلى الشارع عن طريق تغيير الوجوه والرموز وبذلك تتغير التشريعات غير المتماشية مع طبيعة المجتمع''. ويختتم حديثه مؤكدا أن الالتزام بالدستور كعقد اجتماعي هو خير ضمان للاستقرار في البلد ويجب على أبناء هذا البلد المحافظة على هذا الإنجاز الحضاري.
أنباء عن مجلس استشاري
يصف ربيعة رد الفعل حيال الأنباء التي تواترت عن تأسيس مجلس للشورى بأنها ''قوية جداً'' فكثفت عناصر اليسار من اجتماعاتها لشهرين آخرين للوصول إلى موقف.
كانت النتيجة أن تمخضت هذه اللقاءات والمشاورات عن ضرورة تشكيل التحالف الوطني الواسع الذي يضم بين جنباته ممثلي جميع الأطياف السياسية التقدمية منها والدينية. وتم تكليف ربيعة بمفاتحة الشيخ عيسى الجودر الذي أبدى حماساً كبيراً للفكرة. وللشيخ الجودر ''تاريخ مشرف في الحركة الوطنية وقد تعرض للاعتقال السياسي والسجن في الأعوام 1957 و1963 و.''1968 في الاجتماع التمهيدي اقترح الجودر الاتصال بأستاذين جامعيين هما الشيخ عبداللطيف آل محمود وهلال الشايجي.
اختار الجودر الشخصية الأولى بسبب نجمها السياسي الذي سطع إثر مشاركته في ندوة جمعية أعضاء التدريس بجامعة الكويت وجمعية الخريجين ورابطة الاجتماعيين ما بين 2 و9 ديسمبر/كانون الأول .1991 كانت ورقته تحت عنوان ''دور المشاركة الشعبية في صياغة القرار السياسي ومستقبل الديمقراطية في المنطقة''. وفي هذه الورقة تطرق آل محمود إلى الجمع في الحكم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وغياب المجالس التشريعية، وقد أثار هذا الطرح الجريء زوبعة في الوسط السياسي الخليجي وأصبحت الورقة مدار حديث الناس فأدت إلى اعتقاله في 14 ديسمبر/كانون الأول 1991 وإيداعه السجن لمدة أسبوعين. وقد تم الاتصال بالشيخ آل محمود في فبراير/شباط 1992 ولم يتردد في إبداء الموافقة المبدئية على المشاركة في هذا المشروع الوطني.
أما الشايجي فقد عبر عن تأييده للمشروع لكنه اعتذر عن عدم الانخراط فيه بسبب كونه أستاذاً في جامعة البحرين.
الاجتماع الأول في منزل ربيعة
تم عقد الاجتماع التمهيدي الأول في منزل ربيعة وبحضور كل من: محمد جابر صباح والمحامي أحمد الشملان والمهندس هشام الشهابي وأحمد منصور والمحامي محسن مرهون وعيسى الجودر والمهندس سعيد العسبول وإبراهيم كمال الدين. وفي هذا الاجتماع طرح الشيخ آل محمود اسم الشيخ عبدالأمير الجمري كممثل للطائفة الشيعية، فوافق المجتمعون على الترشيح وكلفوا آل محمود بمفاتحته، وانضم أيضاً عبدالوهاب حسين إلى المجموعة.
ما إن تشكلت لجنة العريضة النخبوية حتى باشرت بكتابة العريضة التي تضمنت المطلب الخاص بتفعيل الدستور وعودة المجلس الوطني عن طريق إجراء انتخابات حرة لاختيار الأعضاء وإرجاع كل الصلاحيات الدستورية المخولة للمجلس كسلطة تشريعية. وقد أكدت العريضة موضوعاً في غاية الأهمية وهو أن المجلس الاستشاري - الذي يصار إلى تشكيله -لا يتعارض والمجلس الوطني، وأن المجلس الاستشاري لا يحل محل المجلس الوطني كسلطة تشريعية دستورية. وقد اعتمدت هذه العريضة التاريخية الخطاب الدستوري والقانوني ومثلت باكورة عمل لجنة العريضة.
تم تمرير العريضة على مجموعة من الفعاليات، فاكتسبت أهميتها السياسية كونها حملت توقيعات 365 نائباً سابقاً وشخصيات دينية من الطائفتين ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعة وغيرهم من مختلف الاتجاهات والانتماءات السياسية والاجتماعية، مما عكس الاتفاق العام على ضرورة العمل بدستور البلاد وعودة المجلس الوطني المنتخب. ''ومن الملاحظ غياب توقيع المحامي النائب محسن حميد مرهون الذي أعلن انسحابه. وقد اقتصرت العريضة على تواقيعات النخبة والمثقفين والمحامين وعلماء الدين من المجتمع البحريني ولذا فقد سميت بالعريضة النخبوية''.
في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1992 توجه أعضاء الوفد الخمسة - بمعية المحامي حميد صنقور الذي لم يُدعَ إلى التوقيع ولكنه وافق مباشرة على ما جاء في العريضة وقبل من دون نقاش التوجه إلى قصر الأمير - وكان الوفد مؤلفاً من كل من: النائب الشيخ عبدالأمير الجمري والنائب محمد جابر صباح والشيخ عبداللطيف المحمود وعيسى الجودر وعبدالوهاب حسين، واختير الشيخ الجمري متحدثاً باسم المجموعة.
في الديوان الأميري كان رئيس الديوان يوسف ارحمه الدوسري، الذي استقبلهم بحفاوة بالغة، ومن ثم أخبرهم باعتذار الأمير عن ملاقاتهم في هذا اليوم نتيجة لارتباطه باستقبال السفير الفرنسي لكنه نصح الوفد بالحضور في أي يوم من أيام الثلثاء وهو اليوم المخصص لاستقبال الوفود وغيرهم. وهنا قام الشيخ آل محمود بتسليم العريضة إلى رئيس الديوان الأميري من أجل إيصالها إلى الأمير.
حق في التمثيل
على إثر الاتصال الذي أجراه الشيخ آل محمود حدد الديوان الأميري يوم الثلثاء الموافق الثالث من يناير/كانون الثاني 1993 موعداً لملاقاة الأمير. وفي هذا اليوم كان اللقاء التاريخي بين الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ووفد لجنة العريضة النخبوية وقد تخلف عن هذا اللقاء النائب محمد جابر صباح الذي ألم به المرض وكان نائماً بمستشفى السلمانية. كان الاستقبال ودياً للغاية إذ رحب بهم الأمير أجمل ترحيب ومن بعد ذلك سأل الأمير الشيخ آل محمود عن الهدف من وراء الزيارة، ورد الشيخ باستعراض الوضع والحديث عن المطالب التي تضمنتها العريضة وأن شعب البحرين يطالب بدستور .1973 وعندئذ وجه الأمير للشيخ عبدالأمير الجمري السؤال التالي ''وأنت يا شيخ عبدالأمير ماذا لديك؟''، فرد عليه الشيخ الجمري قائلاً ''إن ما قاله الشيخ عبداللطيف هو الكلام نفسه الذي كنت سأقوله وأن الموقعين هم وراء هذه المطالب''.
دار كلام بين الطرفين في أحقية تمثيلهم للناس، وتجربة مجلس الشورى التي عقد الحكم العزم على دخولها وتجربتها أولاً، وانتهى اللقاء عند هذا الحد.



العريضة الشعبية من الدائرة الخاصة إلى المشـاركة المفتـوحة


بعد لقاء وفد العريضة النخبوية مع الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في الثالث من يناير/ كانون الأول ,1993 عقدت لجنة العريضة النخبوية جلسة مستعجلة لتبادل الرأي حول ما دار من حوار. وقد استرعى انتباه الأعضاء ما أشار إليه الأمير من أن أعضاء العريضة لا يمثلون الا أنفسهم وذلك بحكم النفر القليل الذي وقع على العريضة والذين لا يتجاوز عددهم 365 شخصية.
وقد توصل أعضاء لجنة العريضة إلى قناعة تامة بضرورة معالجة النقص الذي دفع به الأمير من عدم شرعية تمثيل لجنة العريضة النخبوية لشعب البحرين في رفع هذه المطالب الكبيرة بسبب العدد المحدود من الموقعين.
بعد ثلاث جلسات من التشاور والتداول؛ اتخذت لجنة العريضة قرارها التاريخي بالمضي قدماً في تنفيذ مشروع العريضة الشعبية وذلك بهدف قطع الطريق على استخدام قلة الموقعين كأداة للطعن في مشروعية الطلب المقدم في المستقبل.
ويبدو أن وزارة الداخلية قد تنبهت لخطورة المشروع المطلبي بعد إصرار القائمين عليه على الاستمرار فيه فباشرت بفرض الرقابة على أماكن الاجتماع لمحاصرة هذا التحرك ووأده في مهده.
ففي السادس من مارس/ آذار 1993 أقدمت وزارة الداخلية على منع الندوة المزمع عقدها في مسجد الخواجة والتي كان سيتحدث فيها الشيخ الجمري وعبدالوهاب حسين. وخوفا من أن يتطرق الشيخ الجمري لموضوع العريضة في اجتماع عام؛ أصدرت وزارة الداخلية أمرها بمنعه من الذهاب إلى مسجد مؤمن لإحياء إحدى المناسبات. ولم تمض ثلاثة أيام على هذا المنع حتى أصدرت الوزارة أمرها للشيخ بالامتناع عن إلقاء المحاضرات في الندوات العامة. وقد استمر مسلسل المضايقات بحق الشيخ الجمري بهدف إلغاء مشاركته في لجنة العريضة، فتم استدعاؤه من قبل جهاز الاستخبارات وتهديده بالإبعاد من البحرين، لكنه لم يغير موقفه.
الانتقال إلى دائرة أوسع
ففي بداية الاسبوع الثاني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1994 بدأ الترويج العلني لمشروع العريضة الشعبية. ويشار إلى أن الأعضاء قاموا بإخضاع مسودة العريضة الشعبية للكثير من المراجعات والتعديلات قبل أن يقوموا بعرضها على رجال القانون لسماع وجهة نظرهم القانونية وكل ذلك من أجل تجنب المساءلة القانونية ولتفادي أية تحركات مناهضة من قبل السلطة.
وفي محاولة جادة لتوسيع دائرة المشرفين على العريضة الشعبية وكسب المزيد من التأييد لها، تشكل وفد خاص من كل من الشيخ عبدالأمير الجمري وعبدالوهاب حسين والشيخ علي سلمان، لزيارة الشيخ سليمان المدني وعرض المشروع عليه في محاولة لإقناعه بدخول لجنة العريضة الشعبية. وقد طلب الشيخ المدني إمهاله عشرة أيام لدراسة المشروع قبل اتخاذ أي قرار، لكن المهلة انتهت من دون أن يرد الشيخ المدني على هذه الدعوة، الأمر الذي فسره الجميع بعدم رغبته في المشاركة.
حملت النسخة الأولى من العريضة الشعبية توقيعات الأعضاء الذين تحملوا مسؤولية هذا المشروع الوطني وأشرفوا عليه، مما نتج عن ذلك ارتباط أسمائهم بهذه الوثيقة التاريخية. وبمناسبة التوقيع على النسخة الأصلية للعريضة تم عقد اجتماع خاص في منزل الشيخ الجمري مساء السبت الموافق 26 سبتمبر/ أيلول .1994 ومن الملاحظ ورود اسم منيرة فخرو من ضمن أسماء أعضاء اللجنة الأساسيين، وهو العنصر النسائي الوحيد الذي جاء لتمثيل المرأة في هذا المشروع المطلبي، وذلك بعد أن تأكدت فخرو من أن المطلب الخاص بإعطاء المرأة حقوقها السياسية كافة قد ورد من ضمن المطالب الأساسية.
وقع على العريضة الشعبية ما يربو على 23 ألف مواطن معظمهم من أبناء الشيعة ومن القرى. ويعزا سبب عزوف أبناء السنة عن التوقيع إلى سببين رئيسين هما:
1) ضعف تأثير القوى اليسارية والتقدمية في الشارع السياسي وذلك بفعل الضربات المستمرة التي تعرضت لها منذ حل المجلس الوطني وإيداع قياداتها في السجون.
2) عدم مشاركة التنظيمات الدينية السنية في هذا العمل المطلبي.
ديسمبر 1994 الشتاء الساخن
في هذا الحراك السياسي الذي عم أغلب أرجاء البحرين، برز الدور الكبير والمؤثر الذي لعبه الشيوخ والعلماء الدينيون من أبناء الطائفة الشيعية، وبالأخص الشيخ الجمري والشيخ علي سلمان والشيخ حمزة الديري والسيد حيدر الستري، في شحذ الهمم وحث الناس على تبني هذا المشروع المطلبي والتوقيع عليه. وكان الشيخ علي سلمان أكثرهم استخداماً للمساجد من أجل الترويج للعريضة الشعبية والتأكيد على المطالب التي حوتها وخصوصاً المطلب الخاص بتفعيل الدستور وعودة الحياة النيابية.
إلا أن حادثة الماراثون كادت أن تحدث شرخاً بين أعضاء لجنة العريضة. كان اللقاء في منزل علي ربيعة، حيث طرح الشيخ عبداللطيف قضية الماراثون على بساط البحث، وكان رأي الوطنيين أن هذه القضية لا علاقة لها بالحركة المطلبية، وأن لجنة العريضة لا تتحمل مسؤوليتها. الا أن الشيخ آل محمود بدا من حديثه الذي كان يوجهه للشيخ الجمري وعبدالوهاب حسين أنه يحمّل القيادة الدينية مسؤولية ما حدث.
وقد تبين فيما بعد أن أحداث الماراثون تفجرت بسبب اعتراض بعض العلماء على مشاركة المرأة الأجنبية فيه وهي في لباس غير محتشم، مما اعتبروه خدشاً للحياء وتعارضاً مع أخلاق القرية، وما أعقب هذه المشاركة من تعرض أربعة أجانب من المشاركين للاعتداء والإيذاء الجسدي من قبل بعض الأهالي فإنه يمكن القول إجمالاً إنه لم يكن هناك ما يعكر صفو الأمن والاستقرار، لكن الحكومة نجحت في استغلال هذا الحادث واستثماره للنيل من مروجي مشروع العريضة الشعبية.
ومن هنا، فإن ما حدث في الخامس من شهر ديسمبر/ كانون الأول ,1994 لم يكن متوقعاً، وقد أثار زوبعة سياسية وأمنية كان بالإمكان احتواؤها لولا إصرار الحكومة على الحل الأمني من وجهة نظر الكاتب.
ففي هذا اليوم، وفي نحو الساعة الثانية صباحا، أقدم جهاز الاستخبارات مدعوماً بقوات الأمن ومكافحة الشغب بتفتيش منزل الشيخ علي سلمان ومن ثم اعتقاله. وقد انتشر خبر الاعتقال كالنار في الهشيم وسارع العلماء وفي اليوم نفسه للاعتصام مع مواطنين آخرين أمام منزل الشيخ الواقع في قرية البلاد القديم، مطالبين بإطلاق سراحه وسراح بقية المعتقلين.
لكن السلطة لم تكن لتتجاوب مع هذا الطلب، الأمر الذي أدى إلى اندلاع المظاهرات التي عمت معظم قرى البحرين مثل البلاد القديم والدراز وكرانة وأبوصيبع وسترة وجدحفص وسنابس والديه. كما قامت الشرطة بتفريق المظاهرة التي خرجت من مسجد المؤمن بالمنامة.
وفي محاولة منهم لتطويق الأحداث؛ بادر العلماء في الثاني عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول بتشكيل وفد من الشيخ حمزة الديري والشيخ خليل سلطان والشيخ سليمان المدني والشيخ أحمد العصفور لمقابلة رئيس الوزراء ومن بعده طلبوا اللقاء مع وزير الداخلية وتمت الموافقة على الطلب الثاني، لكن الوزير لم يقابل إلا اثنين من الحضور وهما الشيخ أحمد العصفور والشيخ سليمان المدني.
عندما خرج الشيخان من مكتب الوزير أفادا بأنهما نقلا المطالب إلى الوزير لكن الوزير رفض التجاوب معها. وقد اعترض الشيخ الديري والشيخ سلطان على منعهما من الدخول وأصرا على طلب اللقاء من جديد، وقد تم لهما ذلك. في هذا اللقاء حضر من جانب الوزير كل من عبدلله المسلم وآخر كان يمثل الادعاء العام. وما إن طرح موضوع إطلاق سراح الشيخ علي سلمان حتى بادر الوزير بالقول إن الشيخ علي سلمان ارتكب من المخالفات والجرائم ما لا يسمح بإطلاق سراحه. وهنا أشار إلى الملف الذي يحمله موظف الادعاء العام وقال إن هذا هو ملف الشيخ علي سلمان وقد امتلأ بما ارتكبه من أعمال تضر بأمن الدولة. بعد ذلك توجه إلى الشيخ الديري والشيخ سلطان ووجه إليهما الاتهام بأنهما وراء استمرار الاعتصام الكبير الذي تشهده منطقة البلاد منذ اعتقال الشيخ علي سلمان، وأنهما يشجعان المعتصمين على أعمال التخريب والاعتداء على الشرطة.
وقد رد الشيخ الديري على اتهام الوزير لهما بالقول إن عدد المعتصمين لا يتجاوز المئتين، وأن وجودهما ضروري من أجل ضبط المعتصمين حتى لا يخرجوا عن الخط السلمي المرسوم للاعتصام، وأنه لولا وجودهما لشهدت المنطقة أعمال تخريب وصدام مع قوات الشغب.
نتيجة لفشل اللقاء، عمت في اليوم التالي الاحتجاجات الكثير من المناطق والقرى، لكن المظاهرات التي جابت شوارع العاصمة كانت أكثرها حدة، حيث قام المتظاهرون بمهاجمة مركز شرطة باب البحرين في العاصمة المنامة، وتحطيم مداخل فندق عذاري وفندق صحاري، مما أدى إلى اندلاع المواجهات بين المتظاهرين وقوات الشغب وقيام الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.
لكن يمكن القول إجمالا إن مقتل الشاب عبدالقادر الفتلاوي (18 سنة) في منطقة الدراز في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول، ومن ثم مقتل كل من هاني أحمد الوسطي وهاني عباس خميس في المظاهرات التي عمت قرية جدحفص والسنابس والديه في السابع عشر من الشهر نفسه وذلك نتيجة استخدام الرصاص المطاطي والغاز المسيل الدموع قد أدى إلى حدوث منعطف خطير في تطور الأحداث، وكان إيذاناً ببدء المرحلة الدامية التي خيمت على أجواء البحرين طوال عقد التسعينات.
هل للعريضة مكان؟
بعد سقوط الشهيدين هاني الوسطي وهاني خميس، حاول الشيخ الديري والشيخ حيدر الستري إعادة تشكيل الوفد لمقابلة وزير الداخلية. لكن الشيخ العصفور والشيخ المدني أصرا على توسيع الوفد بإضافة كل من رجل الأعمال أحمد منصور العالي، والنائب السابق في البرلمان المنحل سيد علوي الشرخات، ولم يجد العضوان الآخران بدّاً من القبول، وذلك بحكم الوضع المتأزم وتعقيداته.
لكن ما يبعث على الحيرة والشك هو التغير المفاجئ في موقف الشيخ العصفور والشيخ المدني اللذين طالبا بإسقاط عضوية كل من الشيخ الديري والشيخ سلطان من الوفد مما أدى إلى إلغاء فكرة تشكيل الوفد.
في غمرة هذه الأحداث حاول أعضاء لجنة العريضة الشعبية تسليم العريضة إلى سمو الأمير، وذلك في الثالث من يناير/ كانون الثاني ,1995 إلا أن وزير العدل والشؤون الإسلامية الشيخ عبدالله بن خالد، اتصل بالمحامي أحمد الشملان وطلب منه أن يؤخر أعضاء اللجنة تقديم العريضة وذلك بحجة اندلاع الأحداث.
ولم يمض أسبوعان على طلب وزير العدل بالتأجيل حتى أضيف ثلاثة قتلى جدد على قائمة الشهداء هم محمد رضا الحجي وعبدالقادر الفتلاوي، اللذان سقطا في الثالث عشر من يناير/كانون الثاني، وحسين علي الصافي الذي سقط في السادس والعشرين من الشهر نفسه.

نص العريضة الشعبية
بسم الله الرحمن الرحيم
// 1414 هجرية
// 1994 م
حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة
أمير دولة البحرين حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
لقد كانت خطوتكم التاريخية الموفقة في إرساء دعائم دولة البحرين الحديثة بعد الاستقلال بمصادقتكم على الدستور في 6 ديسمبر/ كانون الأول 1973 وإجراء الانتخابات التشريعية علامة بارزة في تاريخ دولة البحرين الحديث وتاريخ المنطقة تؤكد إيمانكم بأهمية المشاركة الشعبية على أساس من الشورى والعدل، لمواجهة متطلبات مستقبل التطور الحضاري لدولتنا الحديثة وتوطيد دعائم مؤسساتها بعزم وثقة لا حدود لها بأبنائها وبأهليتهم لتحمل مسؤولياتهم فى تنمية البلاد وتوطيد الأمن والاستقرار فيها على أساس من الإخاء والتضامن والتكافل الاجتماعي.
وإذا كان وطننا قد عانى الكثير بعد حل المجلس الوطني منذ يوم 26/8/ 1975 وحتى يومنا هذا وتراكمت من جراء ذلك العديد من الرواسب التي عطلت المسيرة الديمقراطية الرائدة التي افتتحتموها بافتتاحكم أول فصل تشريعي للمجلس الوطني المنتخب، فإن شعبكم كان حريصاً على توفير فرص التفكير المتروي لسموكم الكريم في التجربة التي مرت بها دولة البحرين ونتائجها بعد افتتاح المجلس الوطني وبعد حله بموجب المرسوم الأميري رقم 4/.1975 ولقد لمستم سموكم كما لمس شعبكم الأمين فداحة هذا الانقطاع في مواصلة المسيرة الديمقراطية رغم ما كان متوقعاً من أخطاء قد ترافقها، إلا أنها أخطاء ترافق أي تجربة جديدة في أي بلد، ولذلك كان أملنا كبيراً في فتح باب التحاور مجدداً مع سموكم الكريم حول مستقبل هذا الوطن، مما دفع بنخبة من أبناء وطنكم ومن مواطنيكم إلى كتابة العريضة التي قدمت إلى سموكم في 15/11/1992 والتي لخصت مطالبها في إعادة العمل بكامل مواد دستور دولة البحرين وبعودة المجلس الوطني المنحل للعمل وفقا للدستور، والتمهيد لانتخابات مجلس وطني جديد.
وكما تعلمون سموكم فإن مجلس الشورى الذي ارتأيتم تأسيسه بإرادة أميرية لم يسد الفراغ الدستوري الموجود بسبب تعطل أهم مؤسسة دستورية عن العمل وهي مؤسسة المجلس الوطني المنتخب.
والحقيقة التي تظهر أمامنا كمواطنين ومسلمين هي أننا سنكون مقصرين في تحملنا المسؤولية ما لم نصارحكم ونصارح فيكم القيادة الحكيمة المؤمنة بما نلمسه من أوضاع غير سوية تمر بها بلدنا في ظروف من المتغيرات الدولية والإقليمية تحتم علينا المطالبة برفع بعض أعباء المسؤولية عن كاهلكم لتتحملها المؤسسات الدستورية التي لازالت معطلة، والتي لو انتهى عطلها لكانت خير معين على إيقاف التراكمات السلبية التي تكاد تسد مجرى حياتنا كمواطنين نعيش معاناة مادية وأدبية، حيث تتمثل معاناتنا المادية في محدودية فرص العمل وتضخم البطالة وغلاء المعيشة ومشاكل الجنسية والتجنس، ومنع العديد من أبنائنا من العودة إلى وطنهم، يرافق كل ذلك القوانين التي صدرت منذ غياب السلطة التشريعية والتي تحد من حرية المواطنين وتتناقض مع الدستور، وما رافقها من انعدام حرية التعبير والرأي وخضوع الصحافة للسلطة التنفيذية خضوعاً مباشراً إلى جانب الإعلام الموجه من قبلها. وهذه الأمور مجتمعة يا صاحب السمو الكريم هي التي تستحثنا كمواطنين إلى المطالبة بعودة المجلس الوطني للعمل مع النظر في إشراك المرأة في العملية الديمقراطية، وذلك بإجراء انتخابات حرة إن ارتأيتم عدم دعوة المجلس الوطني المنحل إلى الانعقاد، وطبقا للمادة 65 من الدستور التي نصها:
(للأمير أن يحل المجلس الوطني بمرسوم تبين فيه أسباب الحل، ولا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى. وإذا حل المجلس وجب إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل. فإن لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة يسترد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية ويجتمع فوراً كأن الحل لم يكن، ويستمر في أعماله إلى أن ينتخب المجلس الجديد).
وأننا على أمل وثقة في رؤيتكم لعدالة مطالبنا في هذه العريضة التي قصدنا منها الحث على استكمال هيكل دولتنا الفتية، وتقديم العون لقيادتكم الحكيمة على أساس من العدل والشورى والإيمان بما أرساه ديننا الإسلامي الحنيف من دعائم متينة اعتمدتها حكمتكم السامية فى دستور وطننا الغالي.
أدامكم الله لنا وأدام لكم موفور الصحة والعزيمة، ووفقنا الله وإياكم لما فيه خير وعزة وطننا.

الموقعون:
1) د. عبداللطيف محمود آل محمود.. أستاذ جامعي
2) الشيخ عبدالأمير الجمري .. عالم دين وعضو المجلس الوطني المنحل
3) محمد جابر صباح .. عضو المجلس الوطني المنحل
4) السيد عيسى عبدالله الجودر.. عاطل عن العمل
5) أحمد عيسى الشملان .. محام
6) عبدالوهاب حسين علي .. مشرف اجتماعي
7) علي قاسم ربيعة.. مدير عام وعضو المجلس الوطني المنحل
8) هشام عبدالملك الشهابي... مهندس
9) إبراهيم السيد علي كمال الدين.. مسؤول تسويق
10) د. منيرة أحمد فخرو .. أستاذة في جامعة البحرين
11) سعيد عبدالله العسبول .. مهندس
12) أحمد منصور .. موظف مبيعات

 


خلاف يدبّ في لندن ما بين الأشقاء الفرقــاء.. ولا تأثيـر على الداخــل


الفترة من منتصف ديسمبر/ كانون الأول ,1994 وحتى منتصف يناير/كانون الثاني ,1995 لا تبدو طويلة، ولكنها كانت مؤلمة جدا بسقوط ستة بحرينيين في المواجهات التي جرت بين قوات الأمن والمتظاهرين، وكان المعول عليه أنه بإبعاد بعض ممن يعتقد تحملهم مسؤولية ما جرى من جانب المتظاهرين كفيل بأن ينهي الأوضاع. تم في الخامس عشر من يناير/كانون الثاني 1995 إبعاد كل من الشيخ علي سلمان والشيخ حمزة الديري والسيد حيدر الستري إلى الخارج. وقد تم استدعاء كل من الشيخ الديري والستري كل على حدة إلى القلعة في الوقت الذي كان الشيخ علي سلمان في السجن وتم إبلاغهما بقرار الإبعاد. وبالرغم من احتجاج الشيخ الديري بأن الإبعاد غير قانوني ولا دستوري، فوجئ بأن الإبعاد سيتم حالاً وبأنه سيغادر القلعة إلى المطار مباشرة وأن الطائرة ستقله إلى مطار دبي، ولكن الثلاثة المبعدين اختاروا العاصمة البريطانية لندن مقراً لهم. لا شك أن اختيار بريطانيا كمحطة أخيرة للمبعدين والتقدم بطلب اللجوء يعد خطوة سياسية ذكية، وهي تحقق للمبعدين وللحركة المطلبية عدة أهداف منها أن اللجوء السياسي في لندن يوفر الأمن والطمأنينة والعيش الكريم، ويمكنهم من خلالها لفت أنظار العالم - وخصوصاً حكومات الغرب - إلى سياسة الإبعاد عن الوطن التي تتعارض والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، إضافة إلى حرية العمل السياسي والقيام بالحملات الإعلامية والدعائية. بعد عشرة أيام من وصولهم إلى بريطانيا، وتحديداً في 27 يناير/كانون الثاني قام وزير خارجية البحرين بزيارة إلى لندن التقى خلالها وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد وخلال شرحه للوضع الإقليمي أثار الوزير موضوع المبعدين وخاطب الوزير هيرد بالقول ‘’إنه لا يجب أن تفتح الأبواب لهؤلاء المخربين لكي يمارسوا نشاطاتهم الهدامة ضد البحرين من بريطانيا أو من أي دولة أخرى’’. كان رد الوزير هيرد هو التأكيد أن بريطانيا لا تريد أن تكون ملاذاً للإرهابيين ومقراً لممارسة نشاطات ضد الدول العربية والخليجية من قبل مؤسسات إرهابية، إلا أن موضوع طلب اللجوء السياسي الذي تقدم به العلماء الثلاثة يتم البحث فيه من خلال الجوانب القانونية، وهو أمر يخص وزير الداخلية وستراعى فيه القوانين البريطانية والقوانين الدولية.


نشاط العلماء المبعدين في بريطانيا
يعتبر المؤتمر الصحافي الذي عقده العلماء في اليوم الأول لوصولهم مطار لندن هو باكورة عملهم. تبع ذلك مشاركة الشيخ علي سلمان في ندوة مجلس اللوردات ومن بعدها مباشرة إصدار البيانات السياسية التي تكفلت أحرار البحرين بتوزيعها عن طريق البريد الإلكتروني.
كما شاركوا مع غيرهم من المبعدين أمثال سيد هادي والسيد جعفر الحسابي في عمل أرشيف وثائقي في دار الحكمة التابع لحركة الأحرار.
لكن النشاط الذي استرعى انتباه الرأي العام الخليجي والعربي وحتى العالمي هو البرنامج الخطابي والإعلامي الذي قام به المبعدون في زاوية الخطابة (speakers corner) بحديقة الهايدبارك في لندن. بدأ هذا النشاط في صيف العام 1996 وحرص القائمون عليه على الالتزام بالحضور كل يوم أحد لأداء العمل الخطابي والدعائي للحركة المطلبية، وقد كانت هناك مشاركة فعالة من قبل أعضاء الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين في هذا النشاط السياسي والإعلامي.
وقد سجل هذا البرنامج نجاحاً منقطع النظير في اطلاع مختلف الأجناس على الأزمة الدستورية والقضية المطلبية في البحرين، ونجح في لفت أنظار الجمهور إلى ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان. لكن هذا البرنامج الإعلامي الناجح لم تكتب له الاستمرارية ولم يستمر لأكثر من ثلاث سنوات وذلك بفعل الخلاف العميق الذي دب بين العلماء وقادة أحرار البحرين.
قبل تفجر هذا الخلاف، كانت أحرار البحرين تنظر إلى الشيخ علي سلمان على أنه يمثل امتداداً للشيخ عيسى قاسم المقيم في مدينة قم (إيران)، وأنه نسخة طبق الأصل منه، وأن هذه العلاقة في اعتقادهم قد تركت أثرها السلبي على خط سير العمل الوطني بشكل عام. وقد تأكدت صحة وجهة النظر هذه بعد الانفتاح السياسي وعودة الشيخ علي سلمان إلى البحرين، وأثبتت الأيام مدى تأثير هذه العلاقة الحميمة بين الشيخين على النهج السياسي لجمعية الوفاق وعلى افتقاد قيادة الجمعية لقرارها السياسي.

خلاف العلماء و«الدكاترة»
بدأ الخلاف عندما طالب العلماء حركة أحرار البحرين بإطلاعهم على كل ما تمتلكه الحركة من أموال وعقار على اعتبار أن هذه الأموال والممتلكات لا تخص القادة الثلاثة فقط وإنما هي تخص شعب البحرين، وأنه من حقهم معرفتها والمشاركة في إدارتها وإحكام الرقابة عليها. لكن أحرار البحرين رفضت هذا الطلب بحكم سرية العمل وحاولت إقناع العلماء بأن كشف هذه الأوراق ليس من صالح الحركة لما يمثل ذلك من خطورة على سلامة هذه الموجودات، ويؤثر على مستقبل التمويل من الخارج.
وكان من نتيجة إثارة هذا الموضوع الحساس وإصرار كل طرف على موقفه أن تحول الخلاف إلى القطيعة بين الطرفين. وتجدر الإشارة إلى أن حركة أحرار البحرين كانت تقوم بدفع مصروف شهري قدره ثلاثمئة جنيه إسترليني لكل من الشيخ الديري والسيد الستري وذلك بعد مضي فترة زمنية قصيرة على استقرار العلماء في لندن. وقد أدت حدة الخلاف إلى انقطاع هذا المرتب الشهري عنهما.

يقول الشيخ حمزة الديري إنه بعد انقطاع هذا المورد الشهري من حركة أحرار البحرين اضطر في بداية الأمر إلى العمل كموزع إعلانات لشركة بيتزا هت وغيرها من الشركات قبل أن يضطر بعد ذلك للعمل كسائق سيارة أجرة. ولم يختلف الوضع بالنسبة للشيخين الآخرين، علي سلمان والسيد حيدر الستري اللذين اضطرتهما الظروف للعمل من أجل إصلاح وضعهما المادي والمعيشي. أما الشيخ علي سلمان فقد رفض منذ البداية استلام أية معونة مالية من الأحرار واختار بدلاً من ذلك العمل مع جماعة العلماء وهم مجموعة من العلماء العراقيين الذين يعيشون في بريطانيا وينحصر نشاطهم في الحقل التبشيري، أي زيارة المناطق والأماكن من أجل نشر الأفكار الدينية والمبادئ الإسلامية. ونظير هذا العمل التبشيري كان الشيخ علي سلمان يتقاضى من جماعة العلماء العراقية نحو ثلاثمئة وخمسين جنيهاً إسترلينيا في الشهر.

وقد انعكس الخلاف حول المال والعقار على العمل السياسي، وتوقفت حركة أحرار البحرين عن توزيع بيانات العلماء على شعب البحرين الأمر الذي أثار تساؤلات الشارع البحريني. ومن الطبيعي أن تصبح هذه الخلافات الجانبية مثار جدل واسع في الساحة السياسية، لكنه ولحسن حظ الحركة المطلبية لم تؤدِ هذه الخلافات إلى إضعاف الجبهة الداخلية لسبب بسيط وهو أن الأحداث العنيفة التي كانت تستهدف الجميع وقفت سداً منيعاً ضد تفتيت الصف الوطني.

وقد شكل هذا الخلاف أحد المواضيع المهمة في أجندة معظم اللقاءات التي حدثت بين أعضاء لجنة العريضة والمعارضة في لندن. وعلى رغم الجهود التي بذلها أعضاء لجنة العريضة في رأب الصدع، إلا أن الشيخ الديري لا زال - وحتى هذا التاريخ - يحمّل أعضاء لجنة العريضة جزءاً من المسؤولية، ويتهمهم بعدم استخدامهم العلاقات القوية التي تربطهم بقيادة الحركة في ممارسة الضغط الكافي عليها من أجل تسوية الخلاف، وأنهم لم يعطوا هذه القضية ما تستحقه من اهتمام.

والحقيقة أن هذا الاتهام هو في محله، لكن السبب في ذلك يكمن في حرص لجنة العريضة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لحركة أحرار البحرين، وفي خوفها من أن ممارسة الضغط على حركة أحرار البحرين في هذا الموضوع الحساس ربما تسبب في تعكير العلاقة بين لجنة العريضة والأحرار بما يؤثر سلباً على مسيرة العمل السياسي للحركة المطلبية في الداخل والخارج. لكن ذلك لا ينفي أبدا تكرار طرح موضوع الخلاف على حركة الأحرار والدفع دائماً في طريق إيجاد تسوية بين الطرفين.
ما يسترعي الانتباه في هذا الموضوع أن الشيخ علي سلمان دأب على تقديم نفسه لنا على أنه شخص محايد بين الطرفين المتنازعين، وأنه حاول شخصياً التدخل لحل الخلاف، ولكنه فشل ولذا اختار أن يحافظ على علاقته الحميمة بطرفي النزاع.

من مجلس جاسم مراد تخرج «رسالة تاريخية»
كانت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ في الشارع البحريني، وكانت الأخبار اليومية لا تحمل في ظاهرها وباطنها إلا القتامة بما تشير إليه من مخططات وأيد أجنبية وحرق وتدمير على الجانب الرسمي، وعلى الجانب الشعبي يتم تناقل أخبار الاعتقالات والتعذيب.
في تلك الأثناء يروي علي ربيعة أنه جرى الترتيب لاجتماع خاص في منزل الوجيه أحمد منصور العالي، إلا أن البرلماني السابق رسول الجشي والمحامي حسن رضي وجواد حبيب استشعروا أبعاد لعبة طائفية من وراء هذا الاجتماع الذي اقتصر على الطائفة الشيعية، فما كان منهم الا أن اعتذروا عن الحضور. كان رد فعل المعارضة على هذا التحرك الطائفي سريعاً جداً، حيث تداعت الشخصيات والرموز الوطنية لعقد اجتماع لتدارس الوضع السياسي المتدهور والبحث في أسباب الأزمة وتداعياتها في محاولة لإيجاد الحلول السياسية كبديل للحل الأمني والذي تسبب في إراقة دماء الأبرياء. وقد تم عقد هذا الاجتماع التاريخي في منزل جاسم محمد مراد وذلك مساء السبت 25 مارس/ آذار 1995 وضم 24 شخصية من مختلف الأطياف.
كان الموضوع المطروح للنقاش هو تداعيات الأزمة السياسية والأمنية وما آلت إليه البلاد من فقدان للأمن والاستقرار، وكيفية الوصول إلى الحل السياسي الكفيل بوضع حد لهذه التداعيات الخطيرة. وقد احتدم النقاش وتباينت الآراء والأفكار حول المعالجة الصحيحة للخروج من الأزمة المحدقة بالوطن. وقد استقر رأي الغالبية على تحرير خطاب باسم الأمير لمناشدته الحوار لحل المشكل بدلاً من الحل الأمني للأزمة. وفي هذا الخصوص تم تكليف كل من المحامي أحمد الشملان والمحامي سلمان سيادي بإعداد مسودتي الرسالة على أن يتم بعد ذلك مراجعة المسودتين ودمجهما معاً في رسالة واحدة من قبل لجنة مكونة من علي هلال وحسين قاسم والمرحوم قاسم فخرو ورسول الجشي، إضافة إلى المحاميين الشملان وسيادي.
وقد عقدت اللجنة المكلفة بالصياغة اجتماعاتها في نادي العروبة وقامت بإعداد مسودة مشتركة [1] نالت موافقة الجميع.
في الثلاثين من مارس/ آذار ,1995 تم عقد الاجتماع الثاني والأخير في منزل النائب السابق جاسم مراد، وبدا للوهلة الأولى - ومن خلال علامات الوجوم والأعصاب المشدودة - أن هذا الاجتماع سوف لن يكون طبيعياً وهادئاً. كان المتحدث الأول المحامي حسن رضي الذي اطلع الحضور على استدعائه من قبل وزير شؤون مجلس الوزراء بهدف إخطاره بعلم الحكومة باجتماعاتهم في منزل مراد، وبتشكيل لجان وكتابة عرائض وليعبر له عن عدم رضا الحكومة بهذه الأعمال. وتحدث من بعده المحامي سيادي وأفاد أن الوزير قد اتصل به وعبر له عن عدم ترحيب الحكومة بمشروع العريضة. والواقع أن الحكومة لم تكتف بهذا القدر من التبليغ عن انزعاجها بل قام الوكيل المساعد للشؤون الإسلامية بالاتصال بكل من حسن إبراهيم كمال وعبدالله العصفور على انفراد وأبلغهما استياء الحكومة من هذا النشاط الذي يقومون به وأن الحكومة ليست على استعداد لتسلم أية عرائض أو رسائل تخرج من هذا الاجتماع. وقد كانت هذه الاستدعاءات وبهذه اللهجة أكثر من كافية لإحداث البلبلة والانقسام في صفوف الحضور وزرع الخوف في قلوب البعض ودفعهم لرفض مشروع الرسالة. لكن إصرار الغالبية على المضي قدماً في هذا المشروع اضطر ستة من المعارضين للانسحاب.
واتفق الموقعون على تشكيل الوفد الذي سيقابل القيادة السياسية، على أن يقوم جاسم مراد بالاتصال بدار الحكومة من أجل تحديد موعد للقاء الوفد برئيس الوزراء لتسليمه الرسالة. يقول ربيعة ‘’اكتشفنا فيما بعد أن الحكومة كانت على علم ودراية بما دار في الاجتماع، ولذا فقد بادرت بقطع الطريق على المجتمعين وذلك بإخطارهم بعدم استعداد الحكومة لاستلام أي كتاب أو عريضة. وقد اتضح فيما بعد أن الحكومة كانت تحتفظ بنسخة من الرسالة التي حصلت عليها عن طريق أحد رجالاتها الحاضرين في الاجتماع’’.

[1] نص الرسالة وارد في الإطار أدناه

أربعة مطالب ترفع إلى الأمير بتوقيع 24 شخصية
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان الخليفة أمير البحرين حفظه الله
تحية واحتراما وبعد ،،،
فنحن الموقعين على هذا الخطاب تداعينا من منطلق إيماننا العميق بأن الأحداث التي يمر بها وطننا العزيز في الآونة الأخيرة تفرض علينا ضرورة العمل من أجل المساهمة في رأب الصدع، ووضع كافة الحلول الكفيلة بالحفاظ على وحدتنا الوطنية ومكتسباتنا الحضارية وتعزيز التلاحم الوطني بين كافة أبناء الشعب البحريني بما يحفظ له كيانه الذي امتد عبر تاريخ طويل ومشرق من العمل الحضاري الخلاق بفضل جهود أبنائكم من مختلف قطاعات وفئات هذا الشعب تحت قيادتكم الرشيدة.
أن إيماننا بهذا الواجب الوطني ينطلق من ثقتنا الراسخة وعلمنا الذي لا يداخله أي شك بأن قيادتنا ال