مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

علي ربيعة يحكي التسعينات

طباعة PDF

 

ولادة لجنـــــة العريضــــة الشعبيــة.. لقــاء الوطنــي بالدينـي


يبدو أن فترة التسعينات من القرن الماضي من الفترات التي ستتعدد فيها الشهادات التي تضيء هذه الحقبة التي شهدت فيها البحرين منعطفات بالغة القوة والقسوة، والتي انتهت بالتحولات التي تعيشها البلاد الآن.
فعلى رغم المرارات والخيبات المتلاحقة، كان في الأفق يلوح حلٌ ربما أرضى البعض وأسخط آخرين، وكان بين هذا وذاك في مواقف شتى، ولكنه كان أساساً للخروج من انسداد الطريق الذي كانت تسير البلاد فيه.
بعد عدد من التحقيقات والشهادات المتناثرة التي نشرتها الصحافة منذ الانفتاح على وجل، أتت ''الوقت'' في 21 فبراير/ شباط لتفتح ملفاً موثقا لشهادة عدد من الذين كانت لهم مساهمات في هذه الفترة، وكان ينقصنا في تلك الشهادات موقف وزارة الداخلية مما حدث ووجهة نظرها في عدد من القضايا التي تعرضت لها، وتم إرسال جملة من الأسئلة إلى الوزارة في شهر ديسمبر/ كانون الأول ,2005 ولكن الصحيفة إلى اليوم لم تتلق رد الوزارة التي ظلت في واجهة الاتهامات من دون أن يكون لها موقف يفسر ما جرى.
في هذه الأثناء، اتجهت أنظارنا إلى علي قاسم ربيعة، واحد من الوجوه الوطنية التي كانت لها في كل محطة موقف، وفي كل تحرك بصمة، ولكنه - آنذاك - آثر الصمت لا لشيء إلا ليروي روايته الخاصة بما جرى، بجهد أرشيفي ضخم ومداخلات لتحليل المواقف.
في مقدمة كتابه الذي يستعد للنزول إلى الأسواق تحت عنوان ''لجنة العريضة الشعبية في مسار النضال الوطني في البحرين''، يستميح ربيعة الواردة أسماؤهم في الكتاب عذراً إن لم تأت قراءته لما حدث كما يشتهون، فهو شاهد، وليس على الشاهد إلا أن يقول ما يعتقد أنه الحق، وربما ما رآه حقاً يراه الآخرون بشكل مختلف.. إلا أن شهادة رجل في وزن ربيعة في هذا الظرف الذي لم يعلوه الغبار بعد، ستكون إضافة وإضاءة، وإن كانت الشهادات الفردية - في الغالب - لا تضيء المشهد كاملاً، ولكن تبقى على أهميتها في انتظار استكمال شهادات أخرى.
بدايات المسألة.. يونيو 1990
في شهر يونيو/حزيران من العام ,1990 شهدت مجالس مدينة المحرق مناقشات جادة من قبل اليساريين والوطنيين عن تردي الوضع السياسي والاقتصادي والمعيشي وتفاقم مشكلة البطالة. بعد شهر أو يزيد من تبادل الأفكار والآراء استقر رأي المتحاورين على ضرورة مخاطبة القيادة السياسية عن طريق تحرير عريضة باسم أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة تتضمن المطالب الشعبية وعلى رأسها المطلب الخاص بتفعيل الدستور المعلق منذ 26 أغسطس/ آب العام 1975 وعودة الحياة النيابية، وكان أبرز المتحاورين فاضل الحليبي، حسن ربيعة، المحامي عبدالوهاب أمين، النائب السابق محمد جابر صباح، عبدالرحمن عثمان، سيد جعفر الوداعي، محمد نصر الله، أحمد الكواري، جواد الفردان، أحمد منصور، ثائر علي ربيعة وغيرهم.
مع غزو العراق للكويت في أغسطس/ آب 1990 ارتفعت النبرة المطالبة بالديمقراطية والمشاركة في صنع القرار على اعتبار أن الشرعية الدستورية هي التي تعزز التلاحم الوطني وتوفر الحماية للوطن وتدرأ عنه الأخطار الخارجية. وجاءت عريضة ''النخبة القطرية'' الموجهة إلى أمير قطر في 21 ديسمبر/كانون الأول 1991 - المطالبة بوضع دستور للبلاد ومجلس منتخب للشورى ذي سلطات تشريعية ورقابية موسعة، وتحقيق المشاركة السياسية - جاءت هذه لترفع من معنويات النخبة السياسية في البحرين وتدفعهم للمضي قدماً في هذا الاتجاه المطلبي.
وللأمانة التاريخية فإن النقاش والحوار في هذه الفترة كان محصوراً فقط في أوساط النخبة السياسية والمثقفين من قوى اليسار.
في بداية أكتوبر/تشرين الأول 1992 فوجئت الساحة السياسية في البحرين بحديث وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن عزم حكومة البحرين على تأسيس مجلس استشاري معين.
لم تمضِ إلا بضعة أيام على هذا التصريح حتى أفادت أغلب المصادر السياسية والصحافية المحلية والعربية أن أمير البحرين قد حدد 16 ديسمبر/كانون الأول 1992 وهو مناسبة العيد الوطني للبحرين موعداً للإعلان عن هذا المجلس. وقد أثار هذا الإعلان والتصريح قلق القوى السياسية والاجتماعية في البحرين حيال نوايا القيادة السياسية بتجاوز تجربة المجلس الوطني التي خاضها شعب البحرين في الفترة ما بين 1973- 1975 والإقدام على تعليق الدستور وإقامة مجلس استشاري معين.
آراء في الزمن الصعب
في مقابلة لمجلة ''الشروق'' الإماراتية بتاريخ 4/11/1992 قال عبداللطيف آل محمود إن الدستور الذي أقره المجلس التأسيسي المنتخب وأصدره سمو الأمير يعني أن العلاقة بين الحاكم والمواطنين باتت علاقة العقد الذي هو شريعة المتعاقدين وأن المجلس الاستشاري المزمع إنشاؤه لا يمت بصلة للمجلس الوطني، ولا يعد جزءاً من السلطة التشريعية التي نظمها الدستور. أما النائب محمد جابر صباح فقد قال في هذه المقابلة إنه من حق الأمير أو رئيس الوزراء أو أي وزير تشكيل مجلس استشاري يستأنس بآرائهم ويستكشف اتجاهات سياسته من خلالهم طالما أن هذا المجلس لن يمس الدستور، لأن الدستور لم يتضمن وجود مادة تنص على وجود مجلس استشاري له مميزات وخصائص معينة.
غير أن أي توجه يفيد بأن يحل هذا المجلس محل المجلس الوطني المنتخب فهذا يعد خرقاً للدستور الذي ينص على أن المجلس الوطني يكون بالاقتراع السري ولا بد من التصدي لهذا الجانب كون الدستور قد أتى نتيجة نضال شعبي امتد من العام .1920
أما علي ربيعة فقد قال إن دستور دولة البحرين هو أول عقد اجتماعي ينقل البحرين إلى مصاف الدول المتحضرة، ولكن إذا ما صدقت الأطروحات حول المجلس المعين كونه خليفة للمجلس الوطني ويحل محله، فهذا ما يتعارض وأهم مادة من مواد الدستور وهي المادة الأولى الفقرة (د) التي جاء فيها: ''نظام الحكم في البحرين ديمقراطي والسيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعا''. كما يتعارض والمادة (2) الفقرة (هـ) ''للمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بدءاً بحق الانتخابات''. إضافة إلى المادة (32) التي تقول صراحة ''نظام الحكم يقوم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا يجوز لأي من السلطات الثلاث التنازل للغير عن كل أو بعض اختصاصها''. فهذه المواد جلية وواضحة وهي تحدد هوية وشكل السلطة التشريعية في البحرين.
يضيف ربيعة ''أنه لا يمكن القول إن الشارع البحريني غير واع للتجربة الديمقراطية ويحتاج إلى تهيئة ومقدمات، ذلك للفترة الطويلة التي امتد فيها التعليم (نحو 73 عاماً) وكذلك تراكم الوعي السياسي طيلة الفترات والعقود الماضية. فالشارع كان مهيئاً في السبعينات ليخوض تجربة ديمقراطية صحيحة وأثبت جدارة في وعيه في اختيار ممثليه، فلا يمكننا اليوم - ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين - أن نحكم بانعدام الوعي في الشارع البحريني''.
وعن مقارنة الوضع في البحرين والوضع في الجزائر بالنسبة إلى المد الديني، قال ربيعة في ذلك اللقاء ''لا يمكننا مقارنة وضع البحرين بالجزائر، فالدستوران مختلفان. في البحرين يبقى نظام الحكم كما هو والتغيير يحدث في السلطة التشريعية''. ويضيف ''اليوم هناك البعض الذي يتخوف من انه لو عادت الحياة النيابية إلى البحرين، فسوف يكون للدينيين مدّ كبير. وربما أصدروا تشريعات تخدم مناهجهم، ولكن الأمر يرجع في النهاية إلى الشارع عن طريق تغيير الوجوه والرموز وبذلك تتغير التشريعات غير المتماشية مع طبيعة المجتمع''. ويختتم حديثه مؤكدا أن الالتزام بالدستور كعقد اجتماعي هو خير ضمان للاستقرار في البلد ويجب على أبناء هذا البلد المحافظة على هذا الإنجاز الحضاري.
أنباء عن مجلس استشاري
يصف ربيعة رد الفعل حيال الأنباء التي تواترت عن تأسيس مجلس للشورى بأنها ''قوية جداً'' فكثفت عناصر اليسار من اجتماعاتها لشهرين آخرين للوصول إلى موقف.
كانت النتيجة أن تمخضت هذه اللقاءات والمشاورات عن ضرورة تشكيل التحالف الوطني الواسع الذي يضم بين جنباته ممثلي جميع الأطياف السياسية التقدمية منها والدينية. وتم تكليف ربيعة بمفاتحة الشيخ عيسى الجودر الذي أبدى حماساً كبيراً للفكرة. وللشيخ الجودر ''تاريخ مشرف في الحركة الوطنية وقد تعرض للاعتقال السياسي والسجن في الأعوام 1957 و1963 و.''1968 في الاجتماع التمهيدي اقترح الجودر الاتصال بأستاذين جامعيين هما الشيخ عبداللطيف آل محمود وهلال الشايجي.
اختار الجودر الشخصية الأولى بسبب نجمها السياسي الذي سطع إثر مشاركته في ندوة جمعية أعضاء التدريس بجامعة الكويت وجمعية الخريجين ورابطة الاجتماعيين ما بين 2 و9 ديسمبر/كانون الأول .1991 كانت ورقته تحت عنوان ''دور المشاركة الشعبية في صياغة القرار السياسي ومستقبل الديمقراطية في المنطقة''. وفي هذه الورقة تطرق آل محمود إلى الجمع في الحكم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وغياب المجالس التشريعية، وقد أثار هذا الطرح الجريء زوبعة في الوسط السياسي الخليجي وأصبحت الورقة مدار حديث الناس فأدت إلى اعتقاله في 14 ديسمبر/كانون الأول 1991 وإيداعه السجن لمدة أسبوعين. وقد تم الاتصال بالشيخ آل محمود في فبراير/شباط 1992 ولم يتردد في إبداء الموافقة المبدئية على المشاركة في هذا المشروع الوطني.
أما الشايجي فقد عبر عن تأييده للمشروع لكنه اعتذر عن عدم الانخراط فيه بسبب كونه أستاذاً في جامعة البحرين.
الاجتماع الأول في منزل ربيعة
تم عقد الاجتماع التمهيدي الأول في منزل ربيعة وبحضور كل من: محمد جابر صباح والمحامي أحمد الشملان والمهندس هشام الشهابي وأحمد منصور والمحامي محسن مرهون وعيسى الجودر والمهندس سعيد العسبول وإبراهيم كمال الدين. وفي هذا الاجتماع طرح الشيخ آل محمود اسم الشيخ عبدالأمير الجمري كممثل للطائفة الشيعية، فوافق المجتمعون على الترشيح وكلفوا آل محمود بمفاتحته، وانضم أيضاً عبدالوهاب حسين إلى المجموعة.
ما إن تشكلت لجنة العريضة النخبوية حتى باشرت بكتابة العريضة التي تضمنت المطلب الخاص بتفعيل الدستور وعودة المجلس الوطني عن طريق إجراء انتخابات حرة لاختيار الأعضاء وإرجاع كل الصلاحيات الدستورية المخولة للمجلس كسلطة تشريعية. وقد أكدت العريضة موضوعاً في غاية الأهمية وهو أن المجلس الاستشاري - الذي يصار إلى تشكيله -لا يتعارض والمجلس الوطني، وأن المجلس الاستشاري لا يحل محل المجلس الوطني كسلطة تشريعية دستورية. وقد اعتمدت هذه العريضة التاريخية الخطاب الدستوري والقانوني ومثلت باكورة عمل لجنة العريضة.
تم تمرير العريضة على مجموعة من الفعاليات، فاكتسبت أهميتها السياسية كونها حملت توقيعات 365 نائباً سابقاً وشخصيات دينية من الطائفتين ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعة وغيرهم من مختلف الاتجاهات والانتماءات السياسية والاجتماعية، مما عكس الاتفاق العام على ضرورة العمل بدستور البلاد وعودة المجلس الوطني المنتخب. ''ومن الملاحظ غياب توقيع المحامي النائب محسن حميد مرهون الذي أعلن انسحابه. وقد اقتصرت العريضة على تواقيعات النخبة والمثقفين والمحامين وعلماء الدين من المجتمع البحريني ولذا فقد سميت بالعريضة النخبوية''.
في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1992 توجه أعضاء الوفد الخمسة - بمعية المحامي حميد صنقور الذي لم يُدعَ إلى التوقيع ولكنه وافق مباشرة على ما جاء في العريضة وقبل من دون نقاش التوجه إلى قصر الأمير - وكان الوفد مؤلفاً من كل من: النائب الشيخ عبدالأمير الجمري والنائب محمد جابر صباح والشيخ عبداللطيف المحمود وعيسى الجودر وعبدالوهاب حسين، واختير الشيخ الجمري متحدثاً باسم المجموعة.
في الديوان الأميري كان رئيس الديوان يوسف ارحمه الدوسري، الذي استقبلهم بحفاوة بالغة، ومن ثم أخبرهم باعتذار الأمير عن ملاقاتهم في هذا اليوم نتيجة لارتباطه باستقبال السفير الفرنسي لكنه نصح الوفد بالحضور في أي يوم من أيام الثلثاء وهو اليوم المخصص لاستقبال الوفود وغيرهم. وهنا قام الشيخ آل محمود بتسليم العريضة إلى رئيس الديوان الأميري من أجل إيصالها إلى الأمير.
حق في التمثيل
على إثر الاتصال الذي أجراه الشيخ آل محمود حدد الديوان الأميري يوم الثلثاء الموافق الثالث من يناير/كانون الثاني 1993 موعداً لملاقاة الأمير. وفي هذا اليوم كان اللقاء التاريخي بين الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة ووفد لجنة العريضة النخبوية وقد تخلف عن هذا اللقاء النائب محمد جابر صباح الذي ألم به المرض وكان نائماً بمستشفى السلمانية. كان الاستقبال ودياً للغاية إذ رحب بهم الأمير أجمل ترحيب ومن بعد ذلك سأل الأمير الشيخ آل محمود عن الهدف من وراء الزيارة، ورد الشيخ باستعراض الوضع والحديث عن المطالب التي تضمنتها العريضة وأن شعب البحرين يطالب بدستور .1973 وعندئذ وجه الأمير للشيخ عبدالأمير الجمري السؤال التالي ''وأنت يا شيخ عبدالأمير ماذا لديك؟''، فرد عليه الشيخ الجمري قائلاً ''إن ما قاله الشيخ عبداللطيف هو الكلام نفسه الذي كنت سأقوله وأن الموقعين هم وراء هذه المطالب''.
دار كلام بين الطرفين في أحقية تمثيلهم للناس، وتجربة مجلس الشورى التي عقد الحكم العزم على دخولها وتجربتها أولاً، وانتهى اللقاء عند هذا الحد.



العريضة الشعبية من الدائرة الخاصة إلى المشـاركة المفتـوحة


بعد لقاء وفد العريضة النخبوية مع الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في الثالث من يناير/ كانون الأول ,1993 عقدت لجنة العريضة النخبوية جلسة مستعجلة لتبادل الرأي حول ما دار من حوار. وقد استرعى انتباه الأعضاء ما أشار إليه الأمير من أن أعضاء العريضة لا يمثلون الا أنفسهم وذلك بحكم النفر القليل الذي وقع على العريضة والذين لا يتجاوز عددهم 365 شخصية.
وقد توصل أعضاء لجنة العريضة إلى قناعة تامة بضرورة معالجة النقص الذي دفع به الأمير من عدم شرعية تمثيل لجنة العريضة النخبوية لشعب البحرين في رفع هذه المطالب الكبيرة بسبب العدد المحدود من الموقعين.
بعد ثلاث جلسات من التشاور والتداول؛ اتخذت لجنة العريضة قرارها التاريخي بالمضي قدماً في تنفيذ مشروع العريضة الشعبية وذلك بهدف قطع الطريق على استخدام قلة الموقعين كأداة للطعن في مشروعية الطلب المقدم في المستقبل.
ويبدو أن وزارة الداخلية قد تنبهت لخطورة المشروع المطلبي بعد إصرار القائمين عليه على الاستمرار فيه فباشرت بفرض الرقابة على أماكن الاجتماع لمحاصرة هذا التحرك ووأده في مهده.
ففي السادس من مارس/ آذار 1993 أقدمت وزارة الداخلية على منع الندوة المزمع عقدها في مسجد الخواجة والتي كان سيتحدث فيها الشيخ الجمري وعبدالوهاب حسين. وخوفا من أن يتطرق الشيخ الجمري لموضوع العريضة في اجتماع عام؛ أصدرت وزارة الداخلية أمرها بمنعه من الذهاب إلى مسجد مؤمن لإحياء إحدى المناسبات. ولم تمض ثلاثة أيام على هذا المنع حتى أصدرت الوزارة أمرها للشيخ بالامتناع عن إلقاء المحاضرات في الندوات العامة. وقد استمر مسلسل المضايقات بحق الشيخ الجمري بهدف إلغاء مشاركته في لجنة العريضة، فتم استدعاؤه من قبل جهاز الاستخبارات وتهديده بالإبعاد من البحرين، لكنه لم يغير موقفه.
الانتقال إلى دائرة أوسع
ففي بداية الاسبوع الثاني من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1994 بدأ الترويج العلني لمشروع العريضة الشعبية. ويشار إلى أن الأعضاء قاموا بإخضاع مسودة العريضة الشعبية للكثير من المراجعات والتعديلات قبل أن يقوموا بعرضها على رجال القانون لسماع وجهة نظرهم القانونية وكل ذلك من أجل تجنب المساءلة القانونية ولتفادي أية تحركات مناهضة من قبل السلطة.
وفي محاولة جادة لتوسيع دائرة المشرفين على العريضة الشعبية وكسب المزيد من التأييد لها، تشكل وفد خاص من كل من الشيخ عبدالأمير الجمري وعبدالوهاب حسين والشيخ علي سلمان، لزيارة الشيخ سليمان المدني وعرض المشروع عليه في محاولة لإقناعه بدخول لجنة العريضة الشعبية. وقد طلب الشيخ المدني إمهاله عشرة أيام لدراسة المشروع قبل اتخاذ أي قرار، لكن المهلة انتهت من دون أن يرد الشيخ المدني على هذه الدعوة، الأمر الذي فسره الجميع بعدم رغبته في المشاركة.
حملت النسخة الأولى من العريضة الشعبية توقيعات الأعضاء الذين تحملوا مسؤولية هذا المشروع الوطني وأشرفوا عليه، مما نتج عن ذلك ارتباط أسمائهم بهذه الوثيقة التاريخية. وبمناسبة التوقيع على النسخة الأصلية للعريضة تم عقد اجتماع خاص في منزل الشيخ الجمري مساء السبت الموافق 26 سبتمبر/ أيلول .1994 ومن الملاحظ ورود اسم منيرة فخرو من ضمن أسماء أعضاء اللجنة الأساسيين، وهو العنصر النسائي الوحيد الذي جاء لتمثيل المرأة في هذا المشروع المطلبي، وذلك بعد أن تأكدت فخرو من أن المطلب الخاص بإعطاء المرأة حقوقها السياسية كافة قد ورد من ضمن المطالب الأساسية.
وقع على العريضة الشعبية ما يربو على 23 ألف مواطن معظمهم من أبناء الشيعة ومن القرى. ويعزا سبب عزوف أبناء السنة عن التوقيع إلى سببين رئيسين هما:
1) ضعف تأثير القوى اليسارية والتقدمية في الشارع السياسي وذلك بفعل الضربات المستمرة التي تعرضت لها منذ حل المجلس الوطني وإيداع قياداتها في السجون.
2) عدم مشاركة التنظيمات الدينية السنية في هذا العمل المطلبي.
ديسمبر 1994 الشتاء الساخن
في هذا الحراك السياسي الذي عم أغلب أرجاء البحرين، برز الدور الكبير والمؤثر الذي لعبه الشيوخ والعلماء الدينيون من أبناء الطائفة الشيعية، وبالأخص الشيخ الجمري والشيخ علي سلمان والشيخ حمزة الديري والسيد حيدر الستري، في شحذ الهمم وحث الناس على تبني هذا المشروع المطلبي والتوقيع عليه. وكان الشيخ علي سلمان أكثرهم استخداماً للمساجد من أجل الترويج للعريضة الشعبية والتأكيد على المطالب التي حوتها وخصوصاً المطلب الخاص بتفعيل الدستور وعودة الحياة النيابية.
إلا أن حادثة الماراثون كادت أن تحدث شرخاً بين أعضاء لجنة العريضة. كان اللقاء في منزل علي ربيعة، حيث طرح الشيخ عبداللطيف قضية الماراثون على بساط البحث، وكان رأي الوطنيين أن هذه القضية لا علاقة لها بالحركة المطلبية، وأن لجنة العريضة لا تتحمل مسؤوليتها. الا أن الشيخ آل محمود بدا من حديثه الذي كان يوجهه للشيخ الجمري وعبدالوهاب حسين أنه يحمّل القيادة الدينية مسؤولية ما حدث.
وقد تبين فيما بعد أن أحداث الماراثون تفجرت بسبب اعتراض بعض العلماء على مشاركة المرأة الأجنبية فيه وهي في لباس غير محتشم، مما اعتبروه خدشاً للحياء وتعارضاً مع أخلاق القرية، وما أعقب هذه المشاركة من تعرض أربعة أجانب من المشاركين للاعتداء والإيذاء الجسدي من قبل بعض الأهالي فإنه يمكن القول إجمالاً إنه لم يكن هناك ما يعكر صفو الأمن والاستقرار، لكن الحكومة نجحت في استغلال هذا الحادث واستثماره للنيل من مروجي مشروع العريضة الشعبية.
ومن هنا، فإن ما حدث في الخامس من شهر ديسمبر/ كانون الأول ,1994 لم يكن متوقعاً، وقد أثار زوبعة سياسية وأمنية كان بالإمكان احتواؤها لولا إصرار الحكومة على الحل الأمني من وجهة نظر الكاتب.
ففي هذا اليوم، وفي نحو الساعة الثانية صباحا، أقدم جهاز الاستخبارات مدعوماً بقوات الأمن ومكافحة الشغب بتفتيش منزل الشيخ علي سلمان ومن ثم اعتقاله. وقد انتشر خبر الاعتقال كالنار في الهشيم وسارع العلماء وفي اليوم نفسه للاعتصام مع مواطنين آخرين أمام منزل الشيخ الواقع في قرية البلاد القديم، مطالبين بإطلاق سراحه وسراح بقية المعتقلين.
لكن السلطة لم تكن لتتجاوب مع هذا الطلب، الأمر الذي أدى إلى اندلاع المظاهرات التي عمت معظم قرى البحرين مثل البلاد القديم والدراز وكرانة وأبوصيبع وسترة وجدحفص وسنابس والديه. كما قامت الشرطة بتفريق المظاهرة التي خرجت من مسجد المؤمن بالمنامة.
وفي محاولة منهم لتطويق الأحداث؛ بادر العلماء في الثاني عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول بتشكيل وفد من الشيخ حمزة الديري والشيخ خليل سلطان والشيخ سليمان المدني والشيخ أحمد العصفور لمقابلة رئيس الوزراء ومن بعده طلبوا اللقاء مع وزير الداخلية وتمت الموافقة على الطلب الثاني، لكن الوزير لم يقابل إلا اثنين من الحضور وهما الشيخ أحمد العصفور والشيخ سليمان المدني.
عندما خرج الشيخان من مكتب الوزير أفادا بأنهما نقلا المطالب إلى الوزير لكن الوزير رفض التجاوب معها. وقد اعترض الشيخ الديري والشيخ سلطان على منعهما من الدخول وأصرا على طلب اللقاء من جديد، وقد تم لهما ذلك. في هذا اللقاء حضر من جانب الوزير كل من عبدلله المسلم وآخر كان يمثل الادعاء العام. وما إن طرح موضوع إطلاق سراح الشيخ علي سلمان حتى بادر الوزير بالقول إن الشيخ علي سلمان ارتكب من المخالفات والجرائم ما لا يسمح بإطلاق سراحه. وهنا أشار إلى الملف الذي يحمله موظف الادعاء العام وقال إن هذا هو ملف الشيخ علي سلمان وقد امتلأ بما ارتكبه من أعمال تضر بأمن الدولة. بعد ذلك توجه إلى الشيخ الديري والشيخ سلطان ووجه إليهما الاتهام بأنهما وراء استمرار الاعتصام الكبير الذي تشهده منطقة البلاد منذ اعتقال الشيخ علي سلمان، وأنهما يشجعان المعتصمين على أعمال التخريب والاعتداء على الشرطة.
وقد رد الشيخ الديري على اتهام الوزير لهما بالقول إن عدد المعتصمين لا يتجاوز المئتين، وأن وجودهما ضروري من أجل ضبط المعتصمين حتى لا يخرجوا عن الخط السلمي المرسوم للاعتصام، وأنه لولا وجودهما لشهدت المنطقة أعمال تخريب وصدام مع قوات الشغب.
نتيجة لفشل اللقاء، عمت في اليوم التالي الاحتجاجات الكثير من المناطق والقرى، لكن المظاهرات التي جابت شوارع العاصمة كانت أكثرها حدة، حيث قام المتظاهرون بمهاجمة مركز شرطة باب البحرين في العاصمة المنامة، وتحطيم مداخل فندق عذاري وفندق صحاري، مما أدى إلى اندلاع المواجهات بين المتظاهرين وقوات الشغب وقيام الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.
لكن يمكن القول إجمالا إن مقتل الشاب عبدالقادر الفتلاوي (18 سنة) في منطقة الدراز في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول، ومن ثم مقتل كل من هاني أحمد الوسطي وهاني عباس خميس في المظاهرات التي عمت قرية جدحفص والسنابس والديه في السابع عشر من الشهر نفسه وذلك نتيجة استخدام الرصاص المطاطي والغاز المسيل الدموع قد أدى إلى حدوث منعطف خطير في تطور الأحداث، وكان إيذاناً ببدء المرحلة الدامية التي خيمت على أجواء البحرين طوال عقد التسعينات.
هل للعريضة مكان؟
بعد سقوط الشهيدين هاني الوسطي وهاني خميس، حاول الشيخ الديري والشيخ حيدر الستري إعادة تشكيل الوفد لمقابلة وزير الداخلية. لكن الشيخ العصفور والشيخ المدني أصرا على توسيع الوفد بإضافة كل من رجل الأعمال أحمد منصور العالي، والنائب السابق في البرلمان المنحل سيد علوي الشرخات، ولم يجد العضوان الآخران بدّاً من القبول، وذلك بحكم الوضع المتأزم وتعقيداته.
لكن ما يبعث على الحيرة والشك هو التغير المفاجئ في موقف الشيخ العصفور والشيخ المدني اللذين طالبا بإسقاط عضوية كل من الشيخ الديري والشيخ سلطان من الوفد مما أدى إلى إلغاء فكرة تشكيل الوفد.
في غمرة هذه الأحداث حاول أعضاء لجنة العريضة الشعبية تسليم العريضة إلى سمو الأمير، وذلك في الثالث من يناير/ كانون الثاني ,1995 إلا أن وزير العدل والشؤون الإسلامية الشيخ عبدالله بن خالد، اتصل بالمحامي أحمد الشملان وطلب منه أن يؤخر أعضاء اللجنة تقديم العريضة وذلك بحجة اندلاع الأحداث.
ولم يمض أسبوعان على طلب وزير العدل بالتأجيل حتى أضيف ثلاثة قتلى جدد على قائمة الشهداء هم محمد رضا الحجي وعبدالقادر الفتلاوي، اللذان سقطا في الثالث عشر من يناير/كانون الثاني، وحسين علي الصافي الذي سقط في السادس والعشرين من الشهر نفسه.

نص العريضة الشعبية
بسم الله الرحمن الرحيم
// 1414 هجرية
// 1994 م
حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة
أمير دولة البحرين حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
لقد كانت خطوتكم التاريخية الموفقة في إرساء دعائم دولة البحرين الحديثة بعد الاستقلال بمصادقتكم على الدستور في 6 ديسمبر/ كانون الأول 1973 وإجراء الانتخابات التشريعية علامة بارزة في تاريخ دولة البحرين الحديث وتاريخ المنطقة تؤكد إيمانكم بأهمية المشاركة الشعبية على أساس من الشورى والعدل، لمواجهة متطلبات مستقبل التطور الحضاري لدولتنا الحديثة وتوطيد دعائم مؤسساتها بعزم وثقة لا حدود لها بأبنائها وبأهليتهم لتحمل مسؤولياتهم فى تنمية البلاد وتوطيد الأمن والاستقرار فيها على أساس من الإخاء والتضامن والتكافل الاجتماعي.
وإذا كان وطننا قد عانى الكثير بعد حل المجلس الوطني منذ يوم 26/8/ 1975 وحتى يومنا هذا وتراكمت من جراء ذلك العديد من الرواسب التي عطلت المسيرة الديمقراطية الرائدة التي افتتحتموها بافتتاحكم أول فصل تشريعي للمجلس الوطني المنتخب، فإن شعبكم كان حريصاً على توفير فرص التفكير المتروي لسموكم الكريم في التجربة التي مرت بها دولة البحرين ونتائجها بعد افتتاح المجلس الوطني وبعد حله بموجب المرسوم الأميري رقم 4/.1975 ولقد لمستم سموكم كما لمس شعبكم الأمين فداحة هذا الانقطاع في مواصلة المسيرة الديمقراطية رغم ما كان متوقعاً من أخطاء قد ترافقها، إلا أنها أخطاء ترافق أي تجربة جديدة في أي بلد، ولذلك كان أملنا كبيراً في فتح باب التحاور مجدداً مع سموكم الكريم حول مستقبل هذا الوطن، مما دفع بنخبة من أبناء وطنكم ومن مواطنيكم إلى كتابة العريضة التي قدمت إلى سموكم في 15/11/1992 والتي لخصت مطالبها في إعادة العمل بكامل مواد دستور دولة البحرين وبعودة المجلس الوطني المنحل للعمل وفقا للدستور، والتمهيد لانتخابات مجلس وطني جديد.
وكما تعلمون سموكم فإن مجلس الشورى الذي ارتأيتم تأسيسه بإرادة أميرية لم يسد الفراغ الدستوري الموجود بسبب تعطل أهم مؤسسة دستورية عن العمل وهي مؤسسة المجلس الوطني المنتخب.
والحقيقة التي تظهر أمامنا كمواطنين ومسلمين هي أننا سنكون مقصرين في تحملنا المسؤولية ما لم نصارحكم ونصارح فيكم القيادة الحكيمة المؤمنة بما نلمسه من أوضاع غير سوية تمر بها بلدنا في ظروف من المتغيرات الدولية والإقليمية تحتم علينا المطالبة برفع بعض أعباء المسؤولية عن كاهلكم لتتحملها المؤسسات الدستورية التي لازالت معطلة، والتي لو انتهى عطلها لكانت خير معين على إيقاف التراكمات السلبية التي تكاد تسد مجرى حياتنا كمواطنين نعيش معاناة مادية وأدبية، حيث تتمثل معاناتنا المادية في محدودية فرص العمل وتضخم البطالة وغلاء المعيشة ومشاكل الجنسية والتجنس، ومنع العديد من أبنائنا من العودة إلى وطنهم، يرافق كل ذلك القوانين التي صدرت منذ غياب السلطة التشريعية والتي تحد من حرية المواطنين وتتناقض مع الدستور، وما رافقها من انعدام حرية التعبير والرأي وخضوع الصحافة للسلطة التنفيذية خضوعاً مباشراً إلى جانب الإعلام الموجه من قبلها. وهذه الأمور مجتمعة يا صاحب السمو الكريم هي التي تستحثنا كمواطنين إلى المطالبة بعودة المجلس الوطني للعمل مع النظر في إشراك المرأة في العملية الديمقراطية، وذلك بإجراء انتخابات حرة إن ارتأيتم عدم دعوة المجلس الوطني المنحل إلى الانعقاد، وطبقا للمادة 65 من الدستور التي نصها:
(للأمير أن يحل المجلس الوطني بمرسوم تبين فيه أسباب الحل، ولا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى. وإذا حل المجلس وجب إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل. فإن لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة يسترد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية ويجتمع فوراً كأن الحل لم يكن، ويستمر في أعماله إلى أن ينتخب المجلس الجديد).
وأننا على أمل وثقة في رؤيتكم لعدالة مطالبنا في هذه العريضة التي قصدنا منها الحث على استكمال هيكل دولتنا الفتية، وتقديم العون لقيادتكم الحكيمة على أساس من العدل والشورى والإيمان بما أرساه ديننا الإسلامي الحنيف من دعائم متينة اعتمدتها حكمتكم السامية فى دستور وطننا الغالي.
أدامكم الله لنا وأدام لكم موفور الصحة والعزيمة، ووفقنا الله وإياكم لما فيه خير وعزة وطننا.

الموقعون:
1) د. عبداللطيف محمود آل محمود.. أستاذ جامعي
2) الشيخ عبدالأمير الجمري .. عالم دين وعضو المجلس الوطني المنحل
3) محمد جابر صباح .. عضو المجلس الوطني المنحل
4) السيد عيسى عبدالله الجودر.. عاطل عن العمل
5) أحمد عيسى الشملان .. محام
6) عبدالوهاب حسين علي .. مشرف اجتماعي
7) علي قاسم ربيعة.. مدير عام وعضو المجلس الوطني المنحل
8) هشام عبدالملك الشهابي... مهندس
9) إبراهيم السيد علي كمال الدين.. مسؤول تسويق
10) د. منيرة أحمد فخرو .. أستاذة في جامعة البحرين
11) سعيد عبدالله العسبول .. مهندس
12) أحمد منصور .. موظف مبيعات

 


خلاف يدبّ في لندن ما بين الأشقاء الفرقــاء.. ولا تأثيـر على الداخــل


الفترة من منتصف ديسمبر/ كانون الأول ,1994 وحتى منتصف يناير/كانون الثاني ,1995 لا تبدو طويلة، ولكنها كانت مؤلمة جدا بسقوط ستة بحرينيين في المواجهات التي جرت بين قوات الأمن والمتظاهرين، وكان المعول عليه أنه بإبعاد بعض ممن يعتقد تحملهم مسؤولية ما جرى من جانب المتظاهرين كفيل بأن ينهي الأوضاع. تم في الخامس عشر من يناير/كانون الثاني 1995 إبعاد كل من الشيخ علي سلمان والشيخ حمزة الديري والسيد حيدر الستري إلى الخارج. وقد تم استدعاء كل من الشيخ الديري والستري كل على حدة إلى القلعة في الوقت الذي كان الشيخ علي سلمان في السجن وتم إبلاغهما بقرار الإبعاد. وبالرغم من احتجاج الشيخ الديري بأن الإبعاد غير قانوني ولا دستوري، فوجئ بأن الإبعاد سيتم حالاً وبأنه سيغادر القلعة إلى المطار مباشرة وأن الطائرة ستقله إلى مطار دبي، ولكن الثلاثة المبعدين اختاروا العاصمة البريطانية لندن مقراً لهم. لا شك أن اختيار بريطانيا كمحطة أخيرة للمبعدين والتقدم بطلب اللجوء يعد خطوة سياسية ذكية، وهي تحقق للمبعدين وللحركة المطلبية عدة أهداف منها أن اللجوء السياسي في لندن يوفر الأمن والطمأنينة والعيش الكريم، ويمكنهم من خلالها لفت أنظار العالم - وخصوصاً حكومات الغرب - إلى سياسة الإبعاد عن الوطن التي تتعارض والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، إضافة إلى حرية العمل السياسي والقيام بالحملات الإعلامية والدعائية. بعد عشرة أيام من وصولهم إلى بريطانيا، وتحديداً في 27 يناير/كانون الثاني قام وزير خارجية البحرين بزيارة إلى لندن التقى خلالها وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد وخلال شرحه للوضع الإقليمي أثار الوزير موضوع المبعدين وخاطب الوزير هيرد بالقول ‘’إنه لا يجب أن تفتح الأبواب لهؤلاء المخربين لكي يمارسوا نشاطاتهم الهدامة ضد البحرين من بريطانيا أو من أي دولة أخرى’’. كان رد الوزير هيرد هو التأكيد أن بريطانيا لا تريد أن تكون ملاذاً للإرهابيين ومقراً لممارسة نشاطات ضد الدول العربية والخليجية من قبل مؤسسات إرهابية، إلا أن موضوع طلب اللجوء السياسي الذي تقدم به العلماء الثلاثة يتم البحث فيه من خلال الجوانب القانونية، وهو أمر يخص وزير الداخلية وستراعى فيه القوانين البريطانية والقوانين الدولية.


نشاط العلماء المبعدين في بريطانيا
يعتبر المؤتمر الصحافي الذي عقده العلماء في اليوم الأول لوصولهم مطار لندن هو باكورة عملهم. تبع ذلك مشاركة الشيخ علي سلمان في ندوة مجلس اللوردات ومن بعدها مباشرة إصدار البيانات السياسية التي تكفلت أحرار البحرين بتوزيعها عن طريق البريد الإلكتروني.
كما شاركوا مع غيرهم من المبعدين أمثال سيد هادي والسيد جعفر الحسابي في عمل أرشيف وثائقي في دار الحكمة التابع لحركة الأحرار.
لكن النشاط الذي استرعى انتباه الرأي العام الخليجي والعربي وحتى العالمي هو البرنامج الخطابي والإعلامي الذي قام به المبعدون في زاوية الخطابة (speakers corner) بحديقة الهايدبارك في لندن. بدأ هذا النشاط في صيف العام 1996 وحرص القائمون عليه على الالتزام بالحضور كل يوم أحد لأداء العمل الخطابي والدعائي للحركة المطلبية، وقد كانت هناك مشاركة فعالة من قبل أعضاء الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين في هذا النشاط السياسي والإعلامي.
وقد سجل هذا البرنامج نجاحاً منقطع النظير في اطلاع مختلف الأجناس على الأزمة الدستورية والقضية المطلبية في البحرين، ونجح في لفت أنظار الجمهور إلى ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان. لكن هذا البرنامج الإعلامي الناجح لم تكتب له الاستمرارية ولم يستمر لأكثر من ثلاث سنوات وذلك بفعل الخلاف العميق الذي دب بين العلماء وقادة أحرار البحرين.
قبل تفجر هذا الخلاف، كانت أحرار البحرين تنظر إلى الشيخ علي سلمان على أنه يمثل امتداداً للشيخ عيسى قاسم المقيم في مدينة قم (إيران)، وأنه نسخة طبق الأصل منه، وأن هذه العلاقة في اعتقادهم قد تركت أثرها السلبي على خط سير العمل الوطني بشكل عام. وقد تأكدت صحة وجهة النظر هذه بعد الانفتاح السياسي وعودة الشيخ علي سلمان إلى البحرين، وأثبتت الأيام مدى تأثير هذه العلاقة الحميمة بين الشيخين على النهج السياسي لجمعية الوفاق وعلى افتقاد قيادة الجمعية لقرارها السياسي.

خلاف العلماء و«الدكاترة»
بدأ الخلاف عندما طالب العلماء حركة أحرار البحرين بإطلاعهم على كل ما تمتلكه الحركة من أموال وعقار على اعتبار أن هذه الأموال والممتلكات لا تخص القادة الثلاثة فقط وإنما هي تخص شعب البحرين، وأنه من حقهم معرفتها والمشاركة في إدارتها وإحكام الرقابة عليها. لكن أحرار البحرين رفضت هذا الطلب بحكم سرية العمل وحاولت إقناع العلماء بأن كشف هذه الأوراق ليس من صالح الحركة لما يمثل ذلك من خطورة على سلامة هذه الموجودات، ويؤثر على مستقبل التمويل من الخارج.
وكان من نتيجة إثارة هذا الموضوع الحساس وإصرار كل طرف على موقفه أن تحول الخلاف إلى القطيعة بين الطرفين. وتجدر الإشارة إلى أن حركة أحرار البحرين كانت تقوم بدفع مصروف شهري قدره ثلاثمئة جنيه إسترليني لكل من الشيخ الديري والسيد الستري وذلك بعد مضي فترة زمنية قصيرة على استقرار العلماء في لندن. وقد أدت حدة الخلاف إلى انقطاع هذا المرتب الشهري عنهما.

يقول الشيخ حمزة الديري إنه بعد انقطاع هذا المورد الشهري من حركة أحرار البحرين اضطر في بداية الأمر إلى العمل كموزع إعلانات لشركة بيتزا هت وغيرها من الشركات قبل أن يضطر بعد ذلك للعمل كسائق سيارة أجرة. ولم يختلف الوضع بالنسبة للشيخين الآخرين، علي سلمان والسيد حيدر الستري اللذين اضطرتهما الظروف للعمل من أجل إصلاح وضعهما المادي والمعيشي. أما الشيخ علي سلمان فقد رفض منذ البداية استلام أية معونة مالية من الأحرار واختار بدلاً من ذلك العمل مع جماعة العلماء وهم مجموعة من العلماء العراقيين الذين يعيشون في بريطانيا وينحصر نشاطهم في الحقل التبشيري، أي زيارة المناطق والأماكن من أجل نشر الأفكار الدينية والمبادئ الإسلامية. ونظير هذا العمل التبشيري كان الشيخ علي سلمان يتقاضى من جماعة العلماء العراقية نحو ثلاثمئة وخمسين جنيهاً إسترلينيا في الشهر.

وقد انعكس الخلاف حول المال والعقار على العمل السياسي، وتوقفت حركة أحرار البحرين عن توزيع بيانات العلماء على شعب البحرين الأمر الذي أثار تساؤلات الشارع البحريني. ومن الطبيعي أن تصبح هذه الخلافات الجانبية مثار جدل واسع في الساحة السياسية، لكنه ولحسن حظ الحركة المطلبية لم تؤدِ هذه الخلافات إلى إضعاف الجبهة الداخلية لسبب بسيط وهو أن الأحداث العنيفة التي كانت تستهدف الجميع وقفت سداً منيعاً ضد تفتيت الصف الوطني.

وقد شكل هذا الخلاف أحد المواضيع المهمة في أجندة معظم اللقاءات التي حدثت بين أعضاء لجنة العريضة والمعارضة في لندن. وعلى رغم الجهود التي بذلها أعضاء لجنة العريضة في رأب الصدع، إلا أن الشيخ الديري لا زال - وحتى هذا التاريخ - يحمّل أعضاء لجنة العريضة جزءاً من المسؤولية، ويتهمهم بعدم استخدامهم العلاقات القوية التي تربطهم بقيادة الحركة في ممارسة الضغط الكافي عليها من أجل تسوية الخلاف، وأنهم لم يعطوا هذه القضية ما تستحقه من اهتمام.

والحقيقة أن هذا الاتهام هو في محله، لكن السبب في ذلك يكمن في حرص لجنة العريضة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لحركة أحرار البحرين، وفي خوفها من أن ممارسة الضغط على حركة أحرار البحرين في هذا الموضوع الحساس ربما تسبب في تعكير العلاقة بين لجنة العريضة والأحرار بما يؤثر سلباً على مسيرة العمل السياسي للحركة المطلبية في الداخل والخارج. لكن ذلك لا ينفي أبدا تكرار طرح موضوع الخلاف على حركة الأحرار والدفع دائماً في طريق إيجاد تسوية بين الطرفين.
ما يسترعي الانتباه في هذا الموضوع أن الشيخ علي سلمان دأب على تقديم نفسه لنا على أنه شخص محايد بين الطرفين المتنازعين، وأنه حاول شخصياً التدخل لحل الخلاف، ولكنه فشل ولذا اختار أن يحافظ على علاقته الحميمة بطرفي النزاع.

من مجلس جاسم مراد تخرج «رسالة تاريخية»
كانت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ في الشارع البحريني، وكانت الأخبار اليومية لا تحمل في ظاهرها وباطنها إلا القتامة بما تشير إليه من مخططات وأيد أجنبية وحرق وتدمير على الجانب الرسمي، وعلى الجانب الشعبي يتم تناقل أخبار الاعتقالات والتعذيب.
في تلك الأثناء يروي علي ربيعة أنه جرى الترتيب لاجتماع خاص في منزل الوجيه أحمد منصور العالي، إلا أن البرلماني السابق رسول الجشي والمحامي حسن رضي وجواد حبيب استشعروا أبعاد لعبة طائفية من وراء هذا الاجتماع الذي اقتصر على الطائفة الشيعية، فما كان منهم الا أن اعتذروا عن الحضور. كان رد فعل المعارضة على هذا التحرك الطائفي سريعاً جداً، حيث تداعت الشخصيات والرموز الوطنية لعقد اجتماع لتدارس الوضع السياسي المتدهور والبحث في أسباب الأزمة وتداعياتها في محاولة لإيجاد الحلول السياسية كبديل للحل الأمني والذي تسبب في إراقة دماء الأبرياء. وقد تم عقد هذا الاجتماع التاريخي في منزل جاسم محمد مراد وذلك مساء السبت 25 مارس/ آذار 1995 وضم 24 شخصية من مختلف الأطياف.
كان الموضوع المطروح للنقاش هو تداعيات الأزمة السياسية والأمنية وما آلت إليه البلاد من فقدان للأمن والاستقرار، وكيفية الوصول إلى الحل السياسي الكفيل بوضع حد لهذه التداعيات الخطيرة. وقد احتدم النقاش وتباينت الآراء والأفكار حول المعالجة الصحيحة للخروج من الأزمة المحدقة بالوطن. وقد استقر رأي الغالبية على تحرير خطاب باسم الأمير لمناشدته الحوار لحل المشكل بدلاً من الحل الأمني للأزمة. وفي هذا الخصوص تم تكليف كل من المحامي أحمد الشملان والمحامي سلمان سيادي بإعداد مسودتي الرسالة على أن يتم بعد ذلك مراجعة المسودتين ودمجهما معاً في رسالة واحدة من قبل لجنة مكونة من علي هلال وحسين قاسم والمرحوم قاسم فخرو ورسول الجشي، إضافة إلى المحاميين الشملان وسيادي.
وقد عقدت اللجنة المكلفة بالصياغة اجتماعاتها في نادي العروبة وقامت بإعداد مسودة مشتركة [1] نالت موافقة الجميع.
في الثلاثين من مارس/ آذار ,1995 تم عقد الاجتماع الثاني والأخير في منزل النائب السابق جاسم مراد، وبدا للوهلة الأولى - ومن خلال علامات الوجوم والأعصاب المشدودة - أن هذا الاجتماع سوف لن يكون طبيعياً وهادئاً. كان المتحدث الأول المحامي حسن رضي الذي اطلع الحضور على استدعائه من قبل وزير شؤون مجلس الوزراء بهدف إخطاره بعلم الحكومة باجتماعاتهم في منزل مراد، وبتشكيل لجان وكتابة عرائض وليعبر له عن عدم رضا الحكومة بهذه الأعمال. وتحدث من بعده المحامي سيادي وأفاد أن الوزير قد اتصل به وعبر له عن عدم ترحيب الحكومة بمشروع العريضة. والواقع أن الحكومة لم تكتف بهذا القدر من التبليغ عن انزعاجها بل قام الوكيل المساعد للشؤون الإسلامية بالاتصال بكل من حسن إبراهيم كمال وعبدالله العصفور على انفراد وأبلغهما استياء الحكومة من هذا النشاط الذي يقومون به وأن الحكومة ليست على استعداد لتسلم أية عرائض أو رسائل تخرج من هذا الاجتماع. وقد كانت هذه الاستدعاءات وبهذه اللهجة أكثر من كافية لإحداث البلبلة والانقسام في صفوف الحضور وزرع الخوف في قلوب البعض ودفعهم لرفض مشروع الرسالة. لكن إصرار الغالبية على المضي قدماً في هذا المشروع اضطر ستة من المعارضين للانسحاب.
واتفق الموقعون على تشكيل الوفد الذي سيقابل القيادة السياسية، على أن يقوم جاسم مراد بالاتصال بدار الحكومة من أجل تحديد موعد للقاء الوفد برئيس الوزراء لتسليمه الرسالة. يقول ربيعة ‘’اكتشفنا فيما بعد أن الحكومة كانت على علم ودراية بما دار في الاجتماع، ولذا فقد بادرت بقطع الطريق على المجتمعين وذلك بإخطارهم بعدم استعداد الحكومة لاستلام أي كتاب أو عريضة. وقد اتضح فيما بعد أن الحكومة كانت تحتفظ بنسخة من الرسالة التي حصلت عليها عن طريق أحد رجالاتها الحاضرين في الاجتماع’’.

[1] نص الرسالة وارد في الإطار أدناه

أربعة مطالب ترفع إلى الأمير بتوقيع 24 شخصية
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان الخليفة أمير البحرين حفظه الله
تحية واحتراما وبعد ،،،
فنحن الموقعين على هذا الخطاب تداعينا من منطلق إيماننا العميق بأن الأحداث التي يمر بها وطننا العزيز في الآونة الأخيرة تفرض علينا ضرورة العمل من أجل المساهمة في رأب الصدع، ووضع كافة الحلول الكفيلة بالحفاظ على وحدتنا الوطنية ومكتسباتنا الحضارية وتعزيز التلاحم الوطني بين كافة أبناء الشعب البحريني بما يحفظ له كيانه الذي امتد عبر تاريخ طويل ومشرق من العمل الحضاري الخلاق بفضل جهود أبنائكم من مختلف قطاعات وفئات هذا الشعب تحت قيادتكم الرشيدة.
أن إيماننا بهذا الواجب الوطني ينطلق من ثقتنا الراسخة وعلمنا الذي لا يداخله أي شك بأن قيادتنا السياسية حريصة كل الحرص على مد جسور التواصل القائم على الثقة المتبادلة بيننا، حكاماً ومحكومين كأسلوب للحوار الحضاري بين أبناء ورجالات هذا الوطن. توصلاً لوضع الحلول الصحيحة وتهيئة للأجواء الكفيلة بخدمة وتعزيز مسيرة العمل الوطني البناء، وبما يساهم فى الحفاظ على الأمن والأمان وللتخفيف من حدة التوتر وتجنيب البلاد الفتنة وتعزيز مسيرة التنمية.
إننا نرى، يا صاحب السمو بأن ما تمر به بلادنا هذه الأيام ليس وليد لحظته، ذلك أنه على الرغم من تقديرنا لجهودكم المخلصة فى خدمة أبناء هذا الوطن، سواء على صعيد تعزيز أطر المشاركة الشعبية، أو على صعيد جهود التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي تقودها حكومتنا الرشيدة، إلا أنه مما لا شك فيه أن الذى تعاني منه بلادنا منذ فترة ليست قصيرة، والذي يتمثل فى غياب السلطة التشريعية التي تكفّل دستور البلاد برسم إطارها، فضلاً عما تعاني منه قطاعات واسعة من أبناء وشباب هذا الوطن من قسوة الحياة نتيجة للبطالة وانعدام فرص العمل ومنافسة العمالة الأجنبية، كل ذلك أدى إلى زيادة حدة الإحساس بالمعاناة والمرارة لدى فئات عديدة من شعبكم والتي تتطلع لكم اليوم باعتباركم الملاذ الذي لا يقبلون غيره لرفع مظاهر ومسببات هذه الأحداث المؤسفة التي لا نقبل لوطننا استمرارها.
فإننا نحن الموقعين، ونظن بأن جموعاً كبيرة من أبناء شعبكم تشاطرنا هذا الرأي، نرى ضرورة وقف كافة أشكال ومظاهر العنف وتجاوز القانون، أيا كانت الجهة التي تمارس هذا العنف أو ذلك التجاوز لأحكام القانون وضماناته.
كما نرى يا صاحب السمو - بأن الأسس والمبادئ التالية ستكون بلا شك ضمانة راسخة للحفاظ على هذا الوطن ومنجزاته كما ستعمل على تهدئة وطمأنة مواطنيه بما يقطع الطريق على أي أعمال ضارة ونرى بأن هذه الأسس هي:
أولا: الإسراع في إطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين ممن لم يثبت تورطهم في أية أعمال مخلة بالأمن والقانون وإعادتهم إلى أعمالهم.
ثانيا: التأكيد على التزام أجهزة الأمن بالقواعد الإجرائية والضمانات القانونية التي يكفلها القانون لحريات الأفراد وحرمة المساكن.
ثالثا: العمل على صياغة وخلق الأطر والقنوات الكفيلة بمناقشة مبدأ إعادة العمل بالمواد المعلقة من الدستور وصولا إلى تمكين السلطة التشريعية من ممارسة دورها المنوط بها طبقا للدستور وتعزيزاً لدور الحكومة الرشيدة في مسيرة الخير والرخاء.
رابعا: كفالة فرص العمل للمواطنين واعتماد أسس علمية في التأهيل والتدريب وتنمية القوى البشرية.
وإننا إذ نرفع لسموكم الكريم خطابنا هذا ليحدونا وطيد الأمل وتدفعنا الثقة المطلقة في رحابة صدركم وثاقب نظركم وحرصكم اللامحدود على الحفاظ على مكتسبات هذا الوطن والذود عن أهله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

مفاوضات السجن للوصول إلى «المبادرة» وتهدئة الأجواء

 

يأتي علي ربيعة في كتابه ‘’لجنة العريضة الشعبية في مسار النضال الوطني في البحرين’’ إلى واحدة من أهم النقاط التي يقود موضوع الكتاب إليها، وهي مسألة علاقة ‘’أصحاب المبادرة’’ بـ ‘’أصحاب العريضة الشعبية’’، وهو الأمر الذي عنون عليه كتابه هذا، وربما هو ‘’مربط الفرس’’ بالنسبة له.
يقول ربيعة ‘’لاشك أن عملية الاعتقال التي تمت في النصف الأول من شهر إبريل/ نيسان 1995 وطالت قيادات ورموز التيار الديني الشيعي وعلى رأسهم الشيخ عبدالأمير الجمري وعبدالوهاب حسين قد أدت إلى تدهور الوضع الأمني والحقوقي وتفاقم الوضع السياسي بشكل كبير.
فقد عمت المظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية مجمل قرى البحرين وذلك في رد فعل قوي على استخدام السلطة وسائل عنف مختلفة لإنهاء الوضع المتوتر.
ومع بدء العام الدراسي، عمت المظاهرات الكثير من المدارس. وقد قامت وزارة الداخلية باقتحام بعض المدارس والاصطدام بالطلبة، كما قامت قوات مكافحة الشغب باقتحام جامعة البحرين في 29/4/1995 واستلام الجهاز الأمني فيها والتحكم في دخول الطلبة الجامعيين وخروجهم.
وأمام هذا التطور الخطير اضطرت الحكومة إلى الدخول في لعبة سياسية ذكية جداً من شأنها أن تتيح للحكومة تحقيق عدة مكاسب، أهمها: استمالة القيادات الشيعية واستخدامها كأداة لإسكات الشارع السياسي، القضاء على لجنة العريضة الشعبية عن طريق تحطيم وحدتها بعزل الرموز الدينية عن القيادات الوطنية والعلمانية، إسكات صوت المعارضة في الخارج عن طريق التسوية في الداخل.ش

اتفاقات غير مكتوبة في السجن
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف مجتمعة لجأت وزارة الداخلية ممثلة في وزيرها الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة ومدير الأمن العام ايان هندرسون إلى الدخول في اتفاق غير مكتوب مع القيادات الدينية، حيث بدأ في الأسبوع الثاني من شهر ابريل/ نيسان 1995 ما سمي بالحوار بين الرموز والقادة الدينيين الموجودين في سجن القلعة وبين وزارة الداخلية.
وقد كان الحوار في بداية الأمر بين مسؤول جهاز الأمن والاستخبارات هندرسون والعقيد عادل فليفل من جهة وبين جماعة من أطلقوا على أنفسهم ‘’جماعة المبادرة’’. ومن ضمن شروط المبادرة أن يقوم أصحابها بإقناع جماعة لندن (حركة أحرار البحرين) وجماعة قم في إيران بقبول هذه الصفة السياسية وأن تبادر جماعة لندن بتخفيف لهجة البيانات السياسية وتتوقف عن ممارسة العمل السياسي التحريضي.
رفض أصحاب المبادرة قبول شرط الإقناع على اعتبار أنهم لا يملكون أية سلطة على جماعة لندن، وأن دورهم لا يتعدى عرض المشروع عليهم وأن لهم كامل الحرية في القبول أو الرفض.
تظاهر هندرسون بالغضب من هذا الجواب وغادر الاجتماع ولم يلتق بأصحاب المبادرة إلا بعد أن قام فليفل بتلطيف الأجواء - حسب الخطة المرسومة - ويطمئن الحاضرين باستمرار مشروع الاتفاق مما هيّأ لعودة هندرسون واستمرار الحوار.
وحسب قول الشيخ خليل سلطان فإن الاجتماعات مع هندرسون غالباً ما كان يعقبها اجتماع وزير الداخلية مع أصحاب المبادرة كل على حدة، للاطلاع على نتائج ما تم التوصل إليه من أمور وبحضور كل من وكيل وزارة الداخلية الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة والمدعي العام عيسى بوخوة وفليفل.
استمر الحوار حتى شهر أغسطس/ آب، حيث عقد الاجتماع الأخير بتاريخ 14/8/1995 وهو الاجتماع الموسع الذي التقى فيه الشيخ الجمري وحسن مشيمع ومعهم بقية القائمين على المبادرة بوزير الداخلية في مكتبه وبحضور وزير العمل عبدالنبي الشعلة، ورئيس محكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية الشيخ منصور الستري، ووكيل محكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية الشيخ أحمد العصفور، وعضو محكمة الاستئناف العليا الشرعية الجعفرية الشيخ سليمان المدني، ورجل الأعمال عضو مجلس الشورى الحاج أحمد منصور العالي.
وفي معرض حديثه أمام الحضور، قال وزير الداخلية إنه قام بدعوة الشهود من أجل سماع ما تم الاتفاق عليه مع الشيخ الجمري ورفاقه وعندئذ طلب من الشيخ الجمري أن يقرأ نص الاتفاق.

طبيعة المبادرة والورقة المكتوبة
كان الشيخ الجمري قد أعد ورقة مكتوبة قام بتلاوتها أمام الحضور ونصها ‘’أن هذه المبادرة أو الجهود قد لقيت القبول والتشجيع من قبل المسئولين (الأمنيين) وقد ناقشناها مع سعادة وزير الداخلية فوجدنا تشجيعه لها على أن يبدأ التنفيذ لهذه الجهود يوم الأربعاء الموافق 16-8-1995 وذلك بعد إطلاق سراح الأستاذ حسن مشيمع والشيخ خليل سلطان من القائمين على المبادرة بالإضافة إلى الشيخ علي أحمد الجدحفصي وفضيلة السيد إبراهيم السيد عدنان الموسوي وفضيلة الشيخ حسين الديهي للمساعدة في إنجاح الجهود. ومع إطلاق سراح هؤلاء العلماء والشيوخ يتم الإفراج عن مائة وخمسين من المعتقلين من غير المحكومين. وفي 7-9-1995 يتم إطلاق سراح الأستاذ عبدالوهاب مصحوباً بإطلاق سراح باقي المعتقلين غير المحكومين حال عودة الهدوء والاستقرار.
أما بشأن المعتقلين في الأحداث من غير المحكومين فسوف يخضع موضوعهم إلى المساعي الحميدة مع سمو الأمير بالإضافة إلى المبعدين والمهجرين وغير ذلك من المسائل العالقة. أما المطالب السياسية فنحن نؤمن بعدم المطالبة بها في الوقت الحاضر ونرى ترك معالجتها إلى ما بعد عودة الهدوء والاستقرار إلى البلاد في ظل توفير الأرضية من جانب الحكومة’’. وقد اعتبر أصحاب المبادرة حضور هذه الشخصيات الحكومية والدينية والحقوقية في هذا اللقاء بمثابة الشهود على الاتفاق.

في 16-8-1995 قامت الحكومة بالإفراج عن الدفعة الأولى من القادة والرموز وفي مقدمتها مشيمع والشيخ سلطان على اعتبار أن هذين الشخصين سيمثلان الوفد الذي سيغادر خلال عشرة أيام لمقابلة المعارضة في الخارج. وقد استرعى انتباه الوفد عدم توقف وزارة الداخلية عن حملة الاعتقالات والمظاهر العسكرية الأمر الذي دفع الوفد إلى الاتصال بوزارة الداخلية من أجل لفت نظرها بوجوب التوقف عن هذه الممارسات التي لا تهيئ لهم الأرضية المناسبة لتهدئة المواطنين. كما نصح الوفد وزارة الداخلية بإصدار بيان تناشد فيه المواطنين الذين صودرت جوازات سفرهم بالتوجه إلى دائرة الهجرة والجوازات من أجل استرجاع جوازات سفرهم مما يساعد على زرع ثقة المواطنين في الاتفاق.
قبل سفر الوفد إلى لندن عقدت المعارضة مؤتمراً في مجلس اللوردات بلندن في الرابع والعشرين من شهر أغسطس/آب وذلك بمناسبة مرور عشرين عاماً على حل البرلمان. وقد افتتح هذا المؤتمر اللورد ايفبوري وشارك فيه - بالإضافة إلى ممثلي حركة أحرار البحرين - عضو المجلس الوطني المنحل عبدالهادي خلف وعبدالنبي العكري، ممثلا عن لجنة التنسيق بين جبهة التحرير والجبهة الشعبية والشيخ عبدالحميد الرضي ممثلا عن الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين.

مشيمع وسلطان إلى لندن
في 26 أغسطس/ آب غادر مشيمع والشيخ سلطان إلى محطتهما الأولى.. لندن وهناك قابلا قيادة حركة أحرار البحرين المتمثلة في سعيد الشهابي ومنصور الجمري ومجيد العلوي، وقد حضر هذا الاجتماع عبدالهادي خلف.
وبعد أن خلص الوفد من شرح تفاصيل المبادرة ومن الرد على الأسئلة والاستفسارات عبرت قيادة أحرار البحرين عن تحفظها على هذا المشروع، لأنه جاء نتيجة الحوار مع وزارة الداخلية، ولم يأت عن طريق التفاوض مع القيادة السياسية، وبالتالي فإن المشروع لا تتوفر فيه الضمانات الكافية لنجاحه. ومما عزز وجهة نظر أحرار البحرين وأثار استياء عضوي الوفد؛ التصريحات التي أطلقها وزير شؤون مجلس الوزراء والإعلام محمد المطوع وفيها ينفي وجود أي اتفاق مع المعارضة الدينية ويصف عناصرها بالمخربين.
بعد محطة لندن، توجه الوفد إلى إيران، حيث التقى في قم بالشيخ عيسى قاسم وجماعة الطلبة، وأطلعهم على تفاصيل المشروع وعلى عكس رد فعل القيادة في لندن، فقد عبرت جماعة قم عن تقبلها لهذا المشروع رغم تحفظاتها عليه.
انتهت مهمة أعضاء الوفد في إيران وقبل الرجوع إلى البحرين اقترح الشيخ خليل سلطان إضافة سوريا كمحطة أخيرة، لكن مشيمع رفض هذا الاقتراح بدافع التقيد بالاتفاق الذي لم يدرج سوريا كإحدى المحطات. وأمام إصرار الشيخ سلطان على وجهة نظره، اضطر مشيمع للعودة إلى البحرين فيما سافر الشيخ سلطان إلى سوريا، حيث التقى أولا بالمعارضة التقدمية في منزل عبدالرحمن النعيمي، حيث عبرت المعارضة التقدمية عن رفضها التام لهذا المشروع الذي تمت ولادته في وزارة الداخلية، وبادرت بتكرار ما قالته حركة أحرار البحرين من أن الحوار والتفاوض يجب أن يتم مع القيادة السياسية وليس مع وزارة الداخلية، وألا يقتصر الحوار على العناصر الدينية بل يجب أن تكون العناصر الوطنية من ضمن الوفد المفاوض.
في اليوم التالي لزيارة سوريا، كان لقاء الشيخ سلطان مع السيد عبدالله الغريفي في حي السيدة زينب الذي رحب - من حيث المبدأ - بالمشروع، لكنه عبر عن تحفظاته عليه، لأنه لم يوفر الحد الأدنى من المطالب.
كان من المفترض أن يرجع الشيخ خليل سلطان إلى البحرين حال انتهائه من مهمته في محطة سوريا الاعتراضية. لكنه فاجأ حكومة البحرين والعالم الخارجي بتغيير خط سيره والتوجه إلى لندن ومنها إلى هولندا، حيث تقدم هناك بطلب اللجوء السياسي، وهو ما زال يعيش في العاصمة أمستردام ويمارس دور الواعظ والمرشد في عدة مساجد شيعية.

الانتكاسة الأولى ومشروع المصالحة
يعتبر سفر الشيخ سلطان إلى هولندا أول انتكاسة لمشروع المصالحة، وفي 23 أغسطس/ آب 2004 أي بعد مرور ما يقارب تسع سنوات على هذا الحدث، التقى المؤلف علي ربيعة بالشيخ سلطان في الدنمارك، فبادره بالسؤال عن الأسباب التي دفعت الشيخ سلطان إلى اقتناص فرصة وجوده خارج البحرين واللجوء إلى هولندا. وجاء رد الشيخ بالقول إنه لم يكن بالأساس مقتنعاً بالحوار الذي دار في مبنى وزارة الداخلية، وأنه لم يكن ليثق في كلام المسؤولين الأمنيين وتعهداتهم، خصوصاً وأن سوء المعاملة والتعذيب النفسي لم يتوقف عنهم حتى أثناء ما سمي بالحوار. وضرب مثلاً على ذلك بالتصريحات التي أطلقها الوزير المطوع بعد خروجهم من السجن مباشرة وقيامهم بدورهم كوسطاء.
يركز ربيعة في هذا الفصل من كتابه على توثيق كل ما أمكن الوصول إليه من رسائل وشهادات وبيانات تخص المبادرة، لما يصفه ‘’من القضايا المحورية في تاريخ الحركة المطلبية التي تخص عقد التسعينات’’.

ويورد ملخص الحوار مع وزارة الداخلية كما سجلته وثائق حركة الأحرار وهو:
البند الأول: هو الدعوة للهدوء والاستقرار مقابل إطلاق سراح جميع الموقوفين (غير المحكومين) وتم الاتفاق على أن يطلق سراح ثلاثة من المحاورين مع 150 شخصاً في 16 أغسطس/ آب، ثم يتم الإفراج عن عبدالوهاب حسين مع 150 معتقلاً آخرين، وفي 30 سبتمبر/ أيلول يتم الإفراج عن الشيخ الجمري مع 500 ـ 600 موقوف.
البند الثاني: معالجة الآثار المتخلفة عن الأزمة. ولكي يتحقق استقرار دائم فلا بد من الإفراج عن الذين حكم عليهم وإرجاع المبعدين ومناقشة عودة البرلمان المنتخب.
البند الثالث: تعزيز العلاقة الطيبة بين الشعب والحكومة. وقد أصروا على كلمة تعزيز بدلاً من الكلمة الأصلية ‘’خلق’’.
البند الرابع: (الذي لم توافق عليه الحكومة): كان ينص على تصحيح العلاقة بين المعارضة في الخارج والحكومة.
رأي مشيمع في الحوار
يقول مشيمع ‘’إن مثل هذا الحوار لم يكن ليحصل لو أن القادة كانوا على انفراد في زنزانات متفرقة. وكانت الخطوة الأولى التي سعوا إليها هي إقناع وزارة الداخلية بسجنهم في مكان مشترك لأجل التداول في جميع القضايا. وفي مقابل هذا الطلب، كانت المخابرات تريد الحصول على ورقة مكتوبة وموقعة من القادة الخمسة يذكرون فيها ‘’اعتذاراً’’ لأمير البلاد. لذا ترك الخمسة في غرفة خاصة ومجهزة بأجهزة التصنت للاستماع لما يتم الاتفاق عليه’’.
ويواصل ‘’إن القرار الذي اتخذه الخمسة كان كتابة رسالة تحمل جملة ‘’شرطية’’ يقول فيها الموقعون عليها إنهم يعتذرون ‘’إذا’’ كان قد صدر منهم خطأ’’. وذكر إن كلمة ‘’اذا’’ وضعت في منتصف الكتابة لكي لا يتم حذفها بعد ذلك عندما تقوم الحكومة بنشرها فيما لو تراجعت عن الحوار. وهكذا كتبت الرسالة الموجهة إلى أمير البلاد بتاريخ 24 ابريل/نيسان 1995 (أي بعد ثلاثة أسابيع من اعتقال الشيخ الجمري) متضمنة الجملة الشرطية التالية ‘’وإزاء الأحداث المؤلمة التي شهدتها البحرين في الأشهر القليلة الماضية، نعرب عن أسفنا الشديد لسموكم ‘’إذا’’ كانت قد تسببت تصرفاتنا والأعمال التي قمنا بها وأدت إلى الاضطرابات في البلاد’’.
ويسترسل مشيمع ‘’لقد كانت خطورة الرسالة واضحة أمام الخمسة، ولكنهم فضلوا أن يقدموا على المخاطرة لكي يتمكنوا من الاجتماع مع بعضهم البعض بصورة مستمرة والخروج بمشروع مشتـرك استمر الحوار فيه لإخراجه قرابة الأربعة أشهـر داخل السجن مع قيادة الأمن العام’’.
وتعليقاً على المعلومات المذكورة أعلاه يقول ربيعة ‘’إن أعضاء لجنة العريضة كانوا يعتقدون أن أول من أطلق فكرة المبادرة هي الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية وذلك للخروج من الأزمة السياسية والحقوقية التي كانت تحاصرها، لكن رواية حسن مشيمع قد صححت معلوماتنا، حيث ثبت أن القيادات الدينية هي وراء هذا المقترح الذي أضر بالقضية المطلبية وحرفها عن مسارها الوطني’’.
ويسجل ربيعة الملاحظات التي ذكرها أفراد المعارضة في لندن حول المبادرة كما أوردتها وثائق ‘’أحرار البحرين’’، تتمثل في أن الحكومة رفضت أن توثق الاتفاق من جانبها كتابياً، ورفضت وضع جدولة واضحة للفقرة الأمنية من الحوار. كما أن المرحلة السياسية للحوار غامضة بالنسبة للآلية. فالمعارضة طرحت مطالب دستورية تعتمد على الإجماع الوطني وأية آلية للحوار لا بد أن تحتوي على ممثلين من الأطراف المشاركة في العريضة الشعبية ومن الأطراف الأخرى المؤثرة في الساحة. وإن طلب الحكومة كتابة رسالة اعتذار كمقدمة للحوار - وبالرغم أن الرسالة كتبت بلغة ‘’شرطية’’ - إلا أن التنصل من الاتفاق سيكون وارداً.
الهدف الرئيسي من تنفيذ الاتفاق
في اليوم التالي لرجوعه من إيران، التقى مشيمع بوزير الداخلية وأطلعه ومن معه من مسؤولي الوزارة على نتائج لقاءاته مع المعارضة في لندن وقم. والمقصود بالمعارضة - حسب تصنيف وزارة الداخلية - هي المعارضة الدينية الشيعية التي تتعمد استبعاد الوطنيين من أي حوار حتى تعطي الانطباع للعالم بأن الحركة المطلبية هي حركة شيعية وليست وطنية. وسواء فهمت القيادات الدينية الموجودة في السجن الهدف السياسي من وراء استبعاد العلمانيين والتقدميين من هذا الحوار أم لا، فإن أصحاب ما سمي بالمبادرة قد ارتكبوا خطأ سياسياً جسيماً بالموافقة على خطة وزارة الداخلية في شق صف الحركة الوطنية.
ولا يخفى على المتتبع لأحداث البحرين أن الهدف الرئيسي من وراء هذا الاتفاق هو إسكات صوت حركة أحرار البحرين في الخارج، ولذا فإن عدم التزام حركة الأحرار بما تم الاتفاق عليه داخل السجن قد أفشل مهمة الوفد وخيب آمال وزارة الداخلية.
في السابع من سبتمبر/ أيلول ,1995 حل موعد تنفيذ الخطوة الثانية المتمثلة في إطلاق سراح عبدالوهاب حسين و150 من المعتقلين، غير أن وزارة الداخلية لم تقم بتنفيذ هذه الخطوة في موعدها المحدد وذلك بسبب الحشد الجماهيري المكثف الذي ملأ ساحات وطرق قرية النويدرات معقل عبدالوهاب احتفاءً بخروجه. وقد أرجع سبب ذلك إلى خشية وزارة الداخلية من أن يخرج هذا التجمهر الكبير عن مساره السلمي. لكن لم يمض يومان حتى تم إطلاق سراح عبدالوهاب في 9 سبتمبر/أيلول كما تم إطلاق سراح الـ 150 على دفعات متتالية، وفور إطلاق سراحه بادر عبدالوهاب بالمشاركة مع رفاقه في تهدئة الشارع مما ساهم في إعادة الهدوء والاستقرار إلى معظم مناطق البحرين.
في 25 من الشهر نفسه، تم إطلاق سراح الشيخ الجمري وبمجرد سماع الخبر زحف المواطنون من الشيعة إلى منطقة بني جمرة، حيث يسكن الشيخ وذلك للتعبير عن تأييدهم ومساندتهم له. وأمام هذا الحشد الذي تجمع في المسجد المقابل لمنزل الشيخ خطب الشيخ الجمري في المستقبلين والمهنئين وشكرهم على صمودهم ووقفتهم معه طوال مرحلة الاعتقال.
وبهذه المناسبة أصدرت لجنة التنسيق بين الجبهة الشعبية وجبهة التحرير بياناً في 26 سبتمبر/ أيلول عبرت فيه عن سعادتها بإطلاق سراح الشيخ الجمري ورفاقه، لكنها طالبت بالحوار حول المطالب التي تضمنتها العريضة الشعبية، مؤكدة ضرورة العمل المشترك والتنسيق بين مختلف القوى الوطنية. كما طالب البيان بإطلاق سراح جميع المعتقلين والمحكومين السياسيين والسماح للموجودين في الخارج بالرجوع إلى البلاد وإعادة المفصولين إلى أعمالهم ومباشرة الحوار السياسي.

 

 

 

النرجسية أم قصور الوعي.. ما الذي قاد إلى طلاق الدينيين للوطنيين؟

 

انتهت الحلقة الماضية من كتاب علي ربيعة إلى أن ما قام به أصحاب المبادرة في السجن من اتفاق مع الحكومة في معزل عن أعضاء العريضة الشعبية، أضرّ كثيراً بالحركة المطلبية وحرفها عن سياقها الوطني، إذ تحولت القيادة إلى دينية شيعية خالصة، ومن السهل التعاطي معها رسمياً في أطر مختلفة، ويمكن استثمارها في الخطاب الإعلامي الموجه إلى الخارج من أن هذه الحركة لا تمثل كل شعب البحرين، ويمكن تركيب ما يمكن تركيبها عليها بعد ذلك.
يستمر ربيعة في طرح رأيه ''يمكن القول إن الاتفاق بين وزارة الداخلية وأصحاب المبادرة مثل بداية مرحلة جديدة من العلاقة بين الدينيين والعلمانيين في لجنة العريضة وكاد أن يؤدي ذلك إلى انتكاسة خطيرة في العمل السياسي والمطلبي، لولا الخبرة الطويلة للعلمانيين في مجال العمل السياسي ودافع حرصهم على الحفاظ على الوحدة الوطنية.
فور إطلاق سراحهم من السجن توقفت الرموز القيادية الشيعية عن استخدام اسم ''لجنة العريضة الشعبية'' وبدأت تخاطب المواطنين باسم ''لجنة المبادرة'' مما يعكس غياب الحنكة والوعي السياسي لدى الرموز الدينية الشيعية. وقد اعتبر الشيخ عبدالأمير الجمري وعبدالوهاب حسين ما جرى من اتفاق نصراً لهما ولطائفتهما، وبادرا تحت مسمى ''لجنة المبادرة'' بالانشغال بالحوار مع وزارة الداخلية في خطوات تنفيذ ما يترتب عليهما من التزامات مما يدل على نجاح الحكومة في وضعهم في مصيدة وعود وزارة الداخلية.
وقد اعترض أعضاء لجنة العريضة من العلمانيين على دخول رفاقهم في حوار سياسي مع وزارة الداخلية على اعتبار أن الحوار السياسي يجب أن يكون مع القيادة السياسية كما وعبروا في الوقت نفسه عن استيائهم لمدى استعداد القيادات الدينية للتضحية برفاق الدرب والقضاء على الوحدة الوطنية لا لشيء سوى من أجل تحقيق مكاسب وهمية.
وقد اعتبر أعضاء لجنة العريضة من العلمانيين هذا الاتفاق بمثابة أول انتصار سياسي للحكومة حيث استطاعت عن طريقه أن تحدث شرخاً في لجنة العريضة الممثلة للوحدة الوطنية الدستورية وذلك بالاستفراد بالطائفة الشيعية الدينية''.
منذ الإعلان عن مسمى لجنة المبادرة، وجد بقية أعضاء لجنة العريضة من العلمانيين صعوبة جمة في الالتقاء بأعضائها من الدينيين لمعرفة تفاصيل الاتفاق إن كان هناك اتفاق حقيقي بين الطرفين. وتحت إلحاح من سعيد العسبول، تم إقناع عبدالوهاب حسين بضرورة عقد اجتماع في منزله من أجل الاطلاع على تفاصيل الاتفاق، وقد حضر هذا الاجتماع: عيسى الجودر وهشام الشهابي وسعيد العسبول وعلي ربيعة.
تركز الحوار حول ما أطلق عليه بالمبادرة وقام عبدالوهاب بشرح أبعادها ومغزاها السياسي. وفيما كان عبدالوهاب يعتبرها انتصاراً سياسياً - وهو ما أدهش الحاضرين - فقد رأى الوطنيون أن الحكومة نجحت في الاستفراد بالجماعة الدينية وشق الصف الوطني ولم يترددوا في التعبير عن خشيتهم من أن يتحول دور أعضاء لجنة المبادرة إلى ما يشبه عمل رجال المطافئ وهم يقومون بتهدئة الشارع السياسي وبالمجان.
وخوفاً على الوحدة الوطنية ومستقبل العمل المطلبي، بادر الوطنيون في إبداء النصيحة لعبدالوهاب بوجوب الإسراع في التخلي عن ما يسمى بلجنة المبادرة والرجوع إلى العمل من خلال لجنة العريضة، ولكنه عاد ليؤكد في نهاية الاجتماع وجود اتفاق مكتوب بينهم وبين الحكومة، وأنهم (أي لجنة المبادرة) ماضون في تنفيذ بنود هذا الاتفاق. إلا أنه اختتم كلامه بالقول إنه سيقوم بنقل وجهة النظر هذه إلى أعضاء ''لجنة المبادرة''.
الوطنيون في قناعاتهم الجديدة
من خلال هذا اللقاء السريع توصل أعضاء لجنة العريضة من الوطنيين إلى قناعة تامة أن الدينيين قد اختاروا السير في طريق المبادرة وبمفردهم وعليهم تحمل مسؤولية ذلك.
والحقيقة- يقول ربيعة - أن هذه المبادرة كانت الفرصة الذهبية لتلك العناصر اليسارية والتقدمية التي كانت ترفض أي شكل من أشكال التحالف مع الدينيين وتعتبر ذلك نوعاً من أنواع الانتهازية السياسية. فقد استغلت هذه العناصر تخلي الدينيين عن رفاقهم العلمانيين وبدأت من جديد بتذكير العلمانيين بخطأ الدخول في التحالف الاستراتيجي مع الدينيين، وأخذت تجدد مطالبتها لهم بفك الارتباط بين الطرفين بعد أن دفع اليسار - حسب ادعائها - ثمن هذا التحالف.
والعجيب - كما يرى ربيعة - أن من بين هذه العناصر اليسارية المعترضة وأكثرهم تطرفاً في هذا الموضوع هو الكاتب عبدالله خليفة الذي لم يكتفِ برفض التوقيع على كلتا العريضتين النخبوية والشعبية (1992 و1994) وإنما استخدم أحد أعمدته الصحافية لشن النقد اللاذع والعنيف على اليساريين وخصوصاً من أبناء الريف الذين وقعوا على العريضتين ولم يتردد في اتهامهم بالذيلية للدينيين.
ومن حسن الصدف أن يأتي الرد على الكاتب عبدالله خليفة على لسان الأمين العام لجبهة التحرير أحمد الذوادي، وذلك في مقال مطول تحدث فيه عن أهمية التحالفات وخلق الجبهات العريضة التي يجمعها القاسم المشترك ويفرضها الحد الأدنى من المطالب التي تلتقي عليها القوى الوطنية لخدمة القضايا الوطنية.
ولا شك أن رأي الذوادي يستند إلى التجربة النضالية الطويلة التي خاضها طوال حياته والتي تنبع أساساً من التجارب التاريخية لنضالات شعب البحرين طوال عقود من الزمن. ولا شك أن رأيه يعبر - وبصدق - عن الموقف الداعم للتحالف الوطني الذي أسسته لجنة العريضة منذ .1992
والحقيقة أن هذا التحالف الوطني بين الدينيين والعلمانيين بات يشكل دعامة أساسية للوحدة الوطنية لدرجة أنه أصبح شبيهاً بالتوأم السيامي الذي لا يمكن الفصل بينهما من دون المرور بخطر تعريض حياة كليهما للموت.
بعد الاجتماع الأول بثلاثة أسابيع تقريباً، تم عقد اللقاء الثاني في منزل ربيعة. وفيما تخلف الشيخ الجمري عن الحضور، جاء برفقة عبدالوهاب حسين، حسن مشيمع بصفته أحد أعضاء ''لجنة المبادرة'' وليس عضواً في ''لجنة العريضة''.
وبعد استعراض الوضع السياسي والأمني في البلد، حاول أعضاء ''لجنة العريضة'' إقناع عضوي ''لجنة المبادرة'' بعدم جدوى الاستمرار في مشروع المبادرة، وأن القضية الوطنية المطلبية تستدعي الحفاظ على الوحدة الوطنية، لكن عضوي ''لجنة المبادرة'' كانا متشبثين برأيهما وبدا حضورهما وكأنه من أجل ذرّ الرماد في العيون، أو كما علق الشيخ عيسى الجودر من أجل تطييب الخاطر.
السقوط الرسمي لمشروع المبادرة
بدا واضحاً أن العد التنازلي لما سمي بالمبادرة كان سريعاً جداً وذلك بفعل خروج الحكومة على الاتفاق أو الهدنة المؤقتة وتوقفها عن الإفراج عن المعتقلين غير المحكومين، الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل المواطنين وتذمرهم، ومباشرتها إجراء المحاكمات حتى مع بعض الذين تم إطلاق سراحهم من الرموز، وإنكار وجود أي اتفاق مع المعارضة، وذلك من خلال التصريحات المتكررة لوزير شؤون مجلس الوزراء وزير الإعلام محمد المطوع مع محطة بي بي سي. إذ نفى الوزير وجود أي حوار مع المعارضة في الداخل أو الخارج.
وفي محاولة منها لإنقاذ الاتفاق، قامت ''لجنة المبادرة'' بالاتصال بوزارة الداخلية واطلاعها على تردي الوضع الأمني واستمرار محاكمة المعتقلين السياسيين وناشدت الوزارة وقف هذه التجاوزات، إلا أن الوزارة اعتذرت عن القيام بهذه المهمة ونصحتهم في بادئ الأمر أن يخاطبوا القيادة السياسية مباشرة، إلا أنها غيرت رأيها ووعدتهم بنقل شكواهم إلى المسؤولين وأنها سترد عليهم في غضون يومين. وقد انتهى الموعد ولم تتلق لجنة المبادرة أي رد بما يؤكد تجاهل الحكومة لدور لجنة المبادرة أو بالأحرى إلغاء دورها بالكامل.
وتعليقاً على هذا الوضع السيئ قالت حركة أحرار البحرين ''بدا واضحاً أن الحكومة لم تكن جادة في فتح باب الحوار وأن ما كانت تريده هو الالتفاف على المطالب الجوهرية للتحرك الشعبي وهو إعادة الحياة الدستورية واحترام حقوق المواطن. وهكذا بدأت الأحداث في التصاعد وبدأت تختفي مظاهر الفرح وتعود حالة اللا أمن واللا استقرار والاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجائرة والتصريحات غير المسؤولة''.
الاعتصام والإضراب عن الطعام
أمام هذا الحصار السياسي والإعلامي وانسداد نوافذ الحوار وقطع الطريق أمام ''لجنة المبادرة'' للاتصال بجماهيرها، اضطرت الرموز السبعة: الشيخ الجمري، عبدالوهاب، مشيمع، الشيخ علي الجدحفصي، الشيخ حسين الديهي، الشيخ حسن سلطان والسيد ابراهيم عدنان ، إلى استخدام الاعتصام والإضراب عن الطعام كسلاح من أجل لفت نظر الإعلام الداخلي والخارجي إلى تفاقم الأزمة السياسية وتوتر العلاقة بين رجالات المبادرة والحكومة.
وقد استهل أعضاء لجنة المبادرة هذه الخطوة بإصدار إعلان عن فشل المبادرة وذلك في خطبة الجمعة 20 أكتوبر/ تشرين الأول .1995
وحسب ما نص عليه الإعلان فإن الشعب قد فهم أن ما تم ''مناورة سياسية'' من قبل الحكومة من أجل الالتفاف على المبادرة بغرض إعاقة طرح وتقديم المطالب السياسية الأمر الذي أدى إلى التشدد في مواقف القوى السياسية الشعبية في الداخل والخارج.
ثم تطرق الإعلان إلى الموضوع المهم ألا وهو تجاهل وزارة الداخلية لمناشدة ''لجنة المبادرة'' بالإفراج عن المعتقلين وتوقيف المحاكمات، وعدم الحصول على رد القيادة السياسية التي وعدت بتقديمه وزارة الداخلية في غضون يومين على رغم مرور ستة أيام على الوعد.
وقال الإعلان إن عدم الحصول على رد القيادة السياسية قد وضع أصحاب المبادرة أمام مسؤولية دينية وطنية تاريخية، وأنهم في سبيل إقناع الحكومة بالحوار الجاد قرروا انطلاقا الدخول في اعتصام وإضراب عن الطعام ابتداء من الاثنين 23/10/1995 وأن هذا الإضراب سيستمر حتى تتحقق المطالب.
وقد حدد الإعلان المطالب في الإفراج عن المعتقلين غير المحكومين كافة، وإيقاف المحاكمات، والسماح للأشخاص الذين منعوا من دخول البلاد بسبب تفجر الأحداث بالعودة إلى الوطن، والاعتراف الرسمي بالحوار، ووضع الترتيبات اللازمة للحوار في المسائل السياسية وفي مقدمتها: المحكومون في الأحداث، المبعدون السياسيون، البرلمان.
وطالب الإعلان المواطنين الالتزام بالهدوء التام وعدم الظهور في مسيرات أو ممارسة أعمال العنف. وعين المضربون والمعتصمون عبدالوهاب حسين ناطقاً رسمياً باسمهم.
وقد مثل هذا الإعلان مفترق طرق بين أصحاب المبادرة والحكومة، فعلى إثر صدوره اتخذت قوات مكافحة الشغب مواقعها على مداخل القرى والمدن مستخدمة السيارات المصفحة وناقلات الجنود بما ينذر بقدوم الأسوأ.
بدأ الاعتصام والإضراب في الموعد، واقتصر الإضراب على الرموز السبعة. ومنذ اليوم الأول للإضراب تحول مقر الاعتصام وهو منزل الشيخ الجمري إلى مزار من قبل المتعاطفين والمؤيدين الذين احتشدوا للتعبير عن مساندتهم لقيادتهم السياسية. في هذا التاريخ أصدر المضربون بيانهم الأول الذي ناشدوا فيه المواطنين وجوب التزام الهدوء التام وعدم اللجوء لما يهدد الأمن والاستقرار. كما أكدوا تنظيم التواجد الهادئ للمتضامنين مع المعتصمين وأن لا يشارك أحد في هذا الإضراب إلا بموافقتهم.
لقاء وفراق
في اليوم الثاني للاعتصام والإضراب عقد اجتماع في مكتب المحامي أحمد الشملان وكان ضمن جدول الأعمال مناقشة موضوع زيارة المعتصمين. وقد عبر الشيخ عبداللطيف المحمود عن اعتراضه على هذه الزيارة بحجة أن المعتصمين قد اتخذوا قرارهم لوحدهم إلا أن الوفد تشكل من كل من: الشيخ عيسى الجودر وعلي ربيعة وإبراهيم كمال الدين، الذين قاموا بالزيارة للتعبير عن تضامنهم مع المعتصمين والمضربين عن الطعام ولإبراز الوحدة الوطنية في هذا الظرف العصيب وذلك على رغم تحفظات الوطنيين ومآخذهم على ما يسمى بلجنة المبادرة.
رحب المعتصمون بهذه الزيارة التضامنية وكانت فرصة لاستعراض الوضع السياسي وتداعيات الأزمة والطريق المسدود الذي وصلت إليه الأمور. إلا أن الزيارة الثانية لوفد العريضة والمكون من: سعيد العسبول وهشام الشهابي وعبدالله هاشم كانت مخيبة للآمال وأثارت استياء الجميع، وذلك بسبب عدم تمكن الوفد من الدخول حيث خرج لهم أحد الصبية ليقول لهم إن المعتصمين مشغولون وليس بمقدورهم مقابلة الوفد في الوقت الحاضر.
في زيارة وفد المهندسين للتضامن مع المعتصمين والذين قدر عددهم بخمسين مهندسا تم تكليف العسبول إلقاء كلمة التضامن. وبينما هو يتوجه إلى المنصة اعترض طريقه نفر من علماء الدين طالبين الاطلاع على فحوى الكلمة، ولكنه رفض الانصياع لهم ورد عليهم وهو في طريقه إلى المنصة بالقول ''إن الشعب يسعى لإلقاء القيود التي يفرضها النظام وأنتم على ما يبدو تريدون فرض قيود جديدة''، وبادر بإلقاء الكلمة.
يمكن القول إجمالاً إن الإضراب والاعتصام فشلا في تحقيق الهدف الذي وضعه أصحاب المبادرة في ذهنهم، وهو إقناع الحكومة بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات ومباشرة الحوار.
كانت الخطة المرسومة من قبل المضربين هي إقامة مهرجان كبير في ختام إضرابهم الذي يصادف الحادي من نوفمبر/ تشرين الثاني 1995 وفي هذا الحشد الجماهيري الكبير يلقي المضربون بياناً مفصلاً يشرحون فيه كل الظروف والملابسات التي أحاطت بما سمي بالمبادرة.
اختار المعتصمون منطقة بني جمرة لتكون مقراً لتنظيم هذا المهرجان الخطابي. وبناء على الدعوة التي وجهت لهم وافق أعضاء ''لجنة العريضة'' على حضور المهرجان باستثناء الشملان الذي عبر عن رفضه التام للحضور، وهو موقف ينسجم وموقفه السابق الذي تبناه حيال تشكيل ''لجنة المبادرة'' التي حولت العمل الوطني إلى عمل طائفي، وتحول بذلك ثقل العمل السياسي من ''لجنة العريضة الشعبية'' إلى ''لجنة المبادرة''.
ومع أن الأعضاء الوطنيين لا يختلفون مع المحامي الشملان في موقفه حيال لجنة المبادرة، لكن الظرف السياسي الحرج الذي تمر به الحركة الدستورية لا يحتمل هذا الخصام السياسي وكان يفرض على الجميع تجميد الخلافات السياسية ووضع حد للإشاعات التي تتحدث عن الطلاق السياسي بين الدينيين والعلمانيين.
فرصة تضيع وسط استقبال فاتر
بمجرد وصول الشيخ الجودر والمهندس العسبول وإبراهيم كمال الدين وربيعة إلى موقع المهرجان، قادهم أحد المشرفين إلى قاعة الاستقبال وسط الجماهير المحتشدة.
كانت القاعة المخصصة للاستقبال تطل مباشرة على ساحة التجمع، وما إن دخل أعضاء لجنة العريضة من الوطنيين حتى شعروا بفتور الاستقبال من قبل رفاقهم في العريضتين النخبوية والشعبية، وشركائهم في وحدة المصير. وقد انتاب الوطنيين الإحساس بأن حضورهم لم يكن بالأساس مرغوباً فيه إلا أن الواجب الوطني يحتم عليهم إكمال دورهم التاريخي. وكان الشيخ الجودر هو أكثر الحاضرين تأثراً بهذا الموقف المحرج ولم يكن بمقدوره إخفاء علامات الاستياء والندم التي ارتسمت على وجهه. أما المحامي عبدالله هاشم الذي لم يكن وقتها قد انضم للجنة فقد استلهم من هذا الاستقبال طبيعة العلاقة التي تحكم بين هذين الفصيلين من القوى الوطنية.
إلا أنه وعلى رغم كل هذه الأخطاء والسلبيات، فإن حضور الوطنيين في هذا المهرجان قد نجح في إضفاء الطابع الوطني على المهرجان ووضع حداً للشائعات التي تتحدث عن انقسام قيادة الحركة الدستورية.
يمكن القول إن المهرجان وفر فرصة تاريخية للمصالحة الوطنية فيما لو عرفت القيادات الدينية كيفية استثمار هذا الحدث فتجرأت بالاعتراف بأخطائها السياسية وأقرت بفشل المبادرة وبادرت بالإعلان عن العودة للعمل من خلال ''لجنة العريضة''. لكن القائمين على المبادرة ضيعوا فرصة تقديم المشروع الوطني على المشروع الطائفي وذلك باقتصار الخطابة على رجالات المبادرة وعدم إتاحة الفرصة لمشاركة الوطنيين من أجل التأكيد على التلاحم الوطني ووحدة القيادة المطلبية.
يوحي هذا التصرف النرجسي بأن أعضاء لجنة المبادرة لم يستوعبوا درس الهزيمة السياسية المنكرة وأنهم لا زالوا مصرين على العمل من خلال ''لجنة المبادرة'' على حساب تفعيل الدور الوطني لـ ''لجنة العريضة''. وهنا لا بد من التساؤل حول الدافع الحقيقي وراء الإصرار على المضي في الخطأ: هل هو الغرور السياسي والشعور بالانتصار الذي عاشته ''لجنة المبادرة'' بعد خروجها من السجن؟ أم هو انعدام الوعي السياسي لدى القادة الدينيين بما جعلهم يصرون على العمل الطائفي كبديل للعمل الوطني غير آبهين بخطورة هذا الطرح إقليميا ودولياً؟
كان الحشد كبيراً جداً بحيث امتلأت الساحات والمقبرة والطرقات المحيطة بمنزل الشيخ الجمري. وعلى إثر هذا الزحف الشعبي المنقطع النظير انسدت الطرقات وتعطل المرور على الشارع الرئيسي وكل الطرقات المؤدية إلى مكان المهرجان. وقد فاق عدد الحضور توقعات السياسيين والمراقبين وأثار استغراب ممثلي وكالات الأنباء الذين حضروا خصيصاً للاطلاع على حقيقة الوضع السياسي بعد تنكر الحكومة لوجود أي اتفاق.
وقد تراوحت التقديرات ما بين ثلاثين وخمسين ألف مواطن، إلا أن مصادر لجنة المبادرة قدرت العدد بسبعين ألفاً. ولا غرابة في ذلك، إذا ما كان الدافع وراء هذا الحضور هو من أجل الاستماع إلى القادة فيما يتعلق بقصة المبادرة والاطلاع على ما تنوي الرموز الدينية فعله بعد هذه الانتكاسة السياسية المريعة. ولما حان موعد بدء الحفل الخطابي توجه قادة المبادرة إلى منصة الخطابة فيما بقي الوطنيون في مقاعدهم لسماع ما سيقوله المعتصمون والمضربون في بيانهم الختامي وفي خطبهم.

 

رسالة «الاعتذار» توقع لجنة المبادرة في حرج كبير

 

جلس أعضاء ‘’لجنة العريضة’’، كما عشرات الآلاف من الحضور - بحسب التقديرات - لسماع ما سيقوله أعضاء المبادرة الذين قرروا أن يذيعوا على الملأ تفاصيل ما تم التوصل إليه مع الحكومة من اتفاق، وما آل إليه هذا الاتفاق. ننتقل مباشرة إلى علي ربيعة الذي يروي في كتابه ‘’لجنة العريضة الشعبية في مسار النضال الوطني في البحرين’’ ما الذي حدث في ذلك الاجتماع الحاشد. ‘’كان البيان أشبه بالمرافعة للدفاع عن حقيقة مشروع المبادرة في ظل إنكار الحكومة لوجود أي اتفاق بينها وبين القيادات الدينية. والحقيقة أن المعتصمين والمضربين عن الطعام قد وُفقوا في صياغة بيانهم الختامي الذي تحدث وبشكل تفصيلي عن قصة المبادرة منذ طرحت فكرتها في الأسبوع الثاني من شهر ابريل/ نيسان 1995 كما يقول البيان. وبالإضافة إلى الإخراج الجيد لقصة المبادرة، فإن استخدام اللغة السياسية الذكية البعيدة عن الإثارة والمزايدات والتأكيد المستمر على النهج السلمي قد تركت أثرها الايجابي على الشارع السياسي في الداخل وعلى المراسلين الأجانب ووكالات الأنباء’’.
يستعرض ربيعة النص الكامل للبيان واصفاً إياه بـ ‘’البيان التاريخي’’، ولكنه يستدرك أنه ‘’من الملاحظ أن البيان لم يتطرق - لا من بعيد ولا من قريب - إلى الدور الذي لعبته ‘’لجنة العريضة’’ أو حتى الإشارة إلى ذكر اسمها أو أسماء أعضائها من الوطنيين، وإنما ركز البيان على دحض ادعاءات الحكومة القائلة بعدم وجود أي اتفاق بينها وبين القيادات الدينية في محاولة للدفاع عن كيان لجنة المبادرة وحقيقة وجودها. وبغض النظر عن اختلافنا على مضمون هذا الخطاب البعيد عن أطروحات الحركة الدستورية والوحدة الوطنية، وعلى رغم اعتراضنا على النهج التنظيمي الجديد الذي تبناه القائمون على مشروع المبادرة، إلا أن هذا كله لا يقلل من أهمية هذا البيان الذي صيغ بطريقة أشبه بالمحاكمة السياسية. ويزيد من أهمية هذا البيان اعتماده الأسلوب الهادئ والرصين في تسجيل الأحداث والوقائع التي مرت منذ إطلاق سراح رجالات المبادرة ومن ثم الانتهاء إلى تحميل الحكومة مسؤولية التقصير والإخلال بالاتفاق.
ولا شك في أن المهرجان الخطابي قد نجح في كسر الحصار المفروض على رجالات المبادرة وحقق هدفه المنشود في تحقيق الكسب السياسي واستعادة التأييد الشعبي لصالح لجنة المبادرة. فقبل المهرجان الخطابي كان موضوع قدرة ‘’لجنة المبادرة’’ على التحدي والصمود موضع تساؤل، خاصة وأن صدقية القيادة الدينية قد تعرضت للخطر وأصبحت الريبة والشكوك تحاصرها من كل جانب وكل ذلك بفعل فشل الاتفاق.
وإذا كان المهرجان الخطابي قد نجح في تحقيق الأغراض السياسية المنوطة به وخاصة فيما يتعلق بعودة التلاحم القوي بين القيادة الدينية وبين شارعها السياسي، إلا أن الأمانة التاريخية تقتضي منا التقييم الموضوعي للأحداث ووضع هذا النجاح في إطاره الصحيح. فقياساً بالتجارب التاريخية لشعب البحرين فإن ما حققته القيادات الدينية لا يعدو كونه عملاً يصب في الإطار الطائفي والتجزيئي، وبالتالي فإن هذا النجاح لا يمكن الرهان عليه إطلاقاً على اعتبار أنه يمثل هدفاً سهلاً للسلطة السياسية وأنها ستعمل على ضربه متى ما تهيأت الظروف الموضوعية لذلك كما سنرى لاحقا.
ومن المؤكد أن صورة هذا الحشد الكبير والالتفاف الشعبي المنقطع النظير حول القيادة لم يكن ليغيب عن بال السلطة، وأنه - ولا شك - أثار مخاوفها وأقض مضجعها. ولم يكن مستبعداً أو مستغرباً أن تفسر السلطة ما حدث في بني جمرة على أنه استعراض للقوة وأنه بات عليها أن تضع الخطط وترسم السيناريوهات من أجل توجيه الضربة الاستباقية لهذا المد المتنامي قبل أن تستفحل الأمور.
تداعيات المهرجان الخطابي
لم تمض عدة أيام على هذا المهرجان الخطابي الكبير حتى شهدت البلاد تصعيداً أمنياً تمثل بداية في قيام وزارة الداخلية باستدعاء أعضاء المبادرة - الذين أنهوا اعتصامهم - إلى مركز شرطة مدينة عيسى وذلك في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني، أي بعد مضي خمسة أيام على عقد المهرجان الخطابي. وقد حضر معهم بعض المحامين. وهذا الاستدعاء الجماعي - بطبيعة الحال - يعطي الدلالة القاطعة - كما يقول ربيعة - على نهج التصعيد الذي تبنته الحكومة حيال أصحاب المبادرة. كان في استقبالهم في مركز الشرطة الشيخ عبدالعزيز بن عطية الله آل خليفة وأحمد عبدالرحمن بوعلي وعبدالله المسلم، وثلاثة من قسم التحقيق وذلك من أجل توجيه التحذيرات التالية لهم:
ـ عدم الصلاة جماعة في غير مناطق السكن.
ـ عدم الاتصال بمنظمات أو شخصيات في الداخل أو الخارج.
ـ عدم إصدار منشورات أو بيانات.
ـ عدم الاتصال بوكالات الأنباء
ـ عدم التجمع بدون تصريح رسمي من وزارة الداخلية.
ـ عدم تدخل الحوزة العلمية في الأمور السياسية وإلا تعرضت للتفتيش ومصادرة المحتويات خلال 24 ساعة.
رسالة الاعتذار
جاءت الخطوة الثانية في التصعيد ضد أصحاب المبادرة في الكشف عن رسالة الاعتذار التي كتبوها أثناء تواجدهم في السجن ووقعوها في 24 ابريل/نيسان .1995 وقد أوعزت الحكومة للصحافة آنذاك للحديث عن رسالة التعهد والاعتذار التي حملت تواقيع ستة من أصحاب المبادرة وأدت إلى فتح باب الحوار ومن ثم إلى إطلاق سراحهم. وقد أدى انتشار خبر الرسالة السرية إلى إثارة الشكوك والبلبلة في صفوف المواطنين الأمر الذي دفع رموز المبادرة إلى الإسراع في تكذيب هذا الخبر وتفسيره للناس على أنه أحد أسلحة الدعاية الحكومية.
ونظرا لحساسية الموضوع وتعرض أعضاء ‘’لجنة العريضة’’ من العلمانيين للاستفسار عن صحة أو عدم صحة الرسالة، فقد اضطر بعض الأعضاء وهم: إبراهيم كمال الدين والشيخ عيسى الجودر وعلي ربيعة وبصحبتهم المحامي عبدالله هاشم - الذي لم يصبح عضواً في ‘’لجنة العريضة’’ آنذاك - لزيارة الشيخ الجمري للاستفسار عن مدى صحة هذا الموضوع الخطير. لكن الشيخ الجمري نفى خروج مثل هذه الرسالة من السجن وطمأن الأعضاء على سلامة الموقف وصلابة الأرض التي يقفون عليها.
لا شك أن تداول مثل هذه الرسالة قد وضع الوطنيين من أعضاء لجنة العريضة في موقع حرج جداً، خصوصاً وأن أصحاب المبادرة أكدوا لهم في بداية الأمر عدم وجود مثل هذه الرسالة وأن هذه القصة هي من اختلاق الجهات الأمنية.
ومن أجل استجلاء الأمور، قام الشيخ الجودر بترتيب لقاء سريع مع عبدالوهاب حسين بهدف سماع قصة الرسالة منه شخصياً. في هذا اللقاء لم ينفِ عبدالوهاب قصة الرسالة بعد أن انفضح أمرها، لكنه علق بالقول ان الاعتذار الذي حوته الرسالة مشروط بفعل ارتكاب الخطأ وأنه طالما أن أعضاء لجنة المبادرة لم يرتكبوا أي خطأ فهم في حل من هذا الاعتذار. لكن الشيخ الجودر لم يقتنع بهذا التبرير، ورد عليه قائلاً ‘’إن ما تحمله الرسالة هو اعتذار واضح وجلي’’.
وبهدف الرد على إنكار رجالات المبادرة وبغرض إلحاق مزيد من الضرر والإساءة إلى سمعتهم ومحاصرتهم سياسيا وإعلاميا، قامت الحكومة في نهاية المطاف بتسريب رسالة الاعتذار إلى وسائل الإعلام في الداخل والخارج. وقد انتشرت الرسالة كالنار في الهشيم إذ لم تمض ساعات قليلة حتى كانت الرسالة في متناول القاصي والداني بعد أن كان تداولها في السر وحكراً على فئة معينة من المجتمع.
ومن خلال النشر اتضح أن الرسالة قد تم تحريرها في 24 إبريل/ نيسان 1995 أي أثناء تواجد القيادات السياسية في السجن، وأنها تضمنت تعهداً والتماساً إلى أمير البلاد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بتجاوز أخطائهم والتغاضي عن تقصيرهم. كما تضمنت أيضاً تقديم اعتذار الموقعين إلى الأمير عما بدر منهم من تصرفات وأعمال’’.
يورد نصّ رسالة الاعتذار التي شاعت في تلك الفترة، وذلك لأهميتها - حسب وصف ربيعة - ونصها الآتي:
‘’صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد المفدى حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فبكبير الرجاء والأمل والثقة في حكمكم وسعة صدركم نتقدم إلى سموكم بهذه الرسالة معبرين فيها عن عظيم امتناننا لما تسبغون على أبنائكم من عطف وحنان وكبير اهتمام ورعاية وعناية شأن الأب الحنون الذي لا يألو جهداً في رعاية أبنائه ورحمتهم والتجاوز عن أخطائهم والتغاضي عن تقصيرهم.
نتقــدم إلى سمــوكم بهذه الرســالة موضحــين لكــم إخــلاصــنا لسمــوكم وللــبلد والــتزامنــا بما فــيه مصلحــة الوطــن العزيــز وتجــنب ما فــيه مضــرته، مستــنيريــن بــتوجــيهاتكم السامية معربين لسموكم - حفظكم الله تعالى - عن أسفنا الشديد عن أي خطأ وتقصير حدث منا تجاهكم وتجاه مصلحة البلاد.
واننا لنرجو أن نكون عند حسن ظن سموكم وأن يبلغ سموكم عنا ما يرضيكم من الاستقامة والالتزام بما يجب علينا لديننا وبلادنا وحكومتنا.
وإزاء الأحداث المؤلمة التي شهدتها البحرين في الأشهر القليلة الماضية نعرب عن أسفنا الشديد واعتذارنا لسموكم إذا كانت قد تسببت تصرفاتنا والأعمال التي قمنا بها وأدت إلى الاضطرابات في البلاد.
ولنا وطيد الأمل بأن تسمح لنا يا صاحب السمو بأن نبادر إلى تهدئة الوضع مؤكدين على صدق نوايانا واهتمامنا الجاد في إنهاء مظاهر العنف وعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي لتنعم البلاد بالأمن والأمان تحت قيادة سموكم وسمو رئيس الوزراء وحكومته الموقرة.
اننا نرجو - يا صاحب السمو - أن تتحقق هذه النتائج الطيبة ونؤكد لسموكم بأننا نقوم بمثل هذه المبادرة دون أي مطالب أو شروط وأن كل ما نتطلع إليه هو ثقتكم ومساعدتكم لتحقيق الأهداف النبيلة القائمة على السلام الدائم والاستقرار بعون الله عز وجل.
وتفضلوا بقبول فائق تحياتنا وعظيم تقديرنا.
أبناؤكم والراجعون لرعايتكم’’
أين المطالب؟ أين التفاوض؟
ويعلــق ربيعة على هذه الرســالة بقــوله ‘’يتضح من قراءتــنا لهذه الرســالة أن الموقعــين عليها قد عــبروا عن استعــدادهم للقيــام بهذه المبــادرة دون الــتزام الحكــومة بأية مطــالب أو شــروط بعكس ما تحــدث عنه أعضــاء المبــادرة بعد إطــلاق سراحــهم من أن الصفــقة الســياسية قد تنــاولت موضوع تنفيذ الإصلاحات السياسية بعد عودة الأمن والاستقرار.
لا يوجــد أدنــى شـــك في أن نشــر رســالة الاعتــذار كــان لها وقع ســيئ على أصحــاب المبـــادرة وبات واضحــاً من رفض الحــكومة الاعتراف بوجــود المــبادرة ومن ثم إطــلاق الحملة الإعلامية المنظمة وتتويج الحملة بنشر الرسالة السرية أن الحكومة عاقدة العزم على الطعن في صدقية هذه القيادات وتعرية مواقفها أمام تيارها تمهيدا للقضاء عليها كرموز سياسية.
ما كــاد ينغلق ملف المبادرة بعد نجاح المهرجان الخطابي حتى تســببت الرســالة في إعــادة فتحــه من جــديد، الأمر الذي اضــطر الرمــوز الديــنية لإعــادة النظــر في مجــمل العملــية الســياسية والبحـــث في كيفــية معالجــة السلبـيات والتداعيــات التي خلفتها هذه الرسالة، خصوصاً أزمة الثقة التي استشرت في صفوف المواطنين وانقسام الشارع السياسي بين مبرر لأخطاء الرموز وبين منتقد لتصرفاتهم وداعياً لتحميلهم مسؤولية الفشل كاملة’’.
ونظرا للتأثير السلبي الكبير الذي أحدثته رسالة الاعتذار في الرأي العام في الداخل والخارج، فقد بادرت لجنة المبادرة إلى إصدار بيان في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني تدافع فيه عن نفسها وتشرح فيه الظروف الذاتية والموضوعية التي خرجت فيها الرسالة. وتم وضع ثماني نقاط مبررة للرسالة يمكن تلخيصها في التالي:
أن ‘’لجنة المبادرة’’ لم ترد أن تعرض الحكومة وهيبتها للاهتزاز والحرج، ولكن إزاء نشر هذه الرسالة فإنهم يضطرون للدفاع عن أنفسهم.
2) أن الرســالة لا تتضــمن أي اعــتراف بتقصــير أو اعتــذار فعليين وأن الاعــتذار جــاء بصفــة الشــرط ولم يتحقــق المشــروط حيث أنــهم (جماعة المبادرة) لم يعــترفوا في إفــادتــهم واعــترافاتــهم أمــام قــاضي التحقــيق بأي مسؤولية عما جاء في الرسالة.
3) أن إفاداتهم واعترافاتهم أمام قاضي التحقيق ليس فيها ما يدينهم بل أن بعضهم لم يكتب إفادة ولم يملِ أمام قاضي التحقيق وبالتالي فهم لم يخطئوا لكي يعتذروا، وهم قد تخلوا عن حقهم القانوني أثناء فترة التوقيف في التظلم بناء على رغبة المسؤولين في ‘’الداخلية’’ لكي يفسحوا المجال للمبادرة لتأخذ طريقها إلى التطبيق، وهذه كانت موضع استغراب المحامين الذين كلفوا بالدفاع عنهم.
4) أن الرسالة كتبت بناء على إلحاح المسؤولين بوزارة الداخلية وقد كتبت بالأسلوب واللغة اللذين يروقان لها وقد قبلت لجنة المبادرة بذلك كمدخل إلى تحمل المسؤولية الدينية الوطنية التاريخية أمام الله والشعب والتاريخ، وذلك من أجل إخراج البلاد من أزمتها. (وهنا تساءل أعضاء لجنة المبادرة: هل نحن ملامون على كتابتها لتحمل هذه المسؤولية العظيمة المقدسة؟)
5) أن الرسالة تدل بكل جلاء ووضوح على أنهم لا يحملون أي نزعة عدائية تجاه الحكومة وأنهم حريصون تمام الحرص على مصلحة بلدهم وشعبهم وكانوا يأملون بعد هذه الرسالة أن تمكنهم الحكومة فوراً من أداء مهمتهم لكي يحفظوا دماء أبناء الشعب ويجنبوا البلاد المخاطر والصعوبات التي عصفت بمقدراته.
6) أن عدم التزام الحكومة بتنفيذ الاتفاق حسب قول البيان مرده عاملين اثنين: أ) عدم إتاحة الفرصة لأصحاب المبادرة لتحقيق النجاح في إعادة الهدوء والاستقرار للبلاد حتى لا يبرزوا أمام الرأي العام في الداخل والخارج كأبطال. ب) عدم السماح للقائمين على المبادرة بتجاوز دورهم دور ‘’أصدقاء الحكومة’’.
7) أنــه لــو افــترض جـــدلاً عــدم وجــود اتفــاق وأن الموجــود فقــط هــو هــذه الرســالة التي بعثــوا بهــا إلى الأمــير، إلا أن أصحــاب المبــادرة قاموا بالــوفاء بما وعــدوا به وأن الهدوء عــاد إلى الــبلاد. ولـــذلك فإنهم يتمسكون بالمطالب ويطالبون الحكومة بالاستجابة لها تعبيراً منها عن احترامها وتقديرها لإرادة شعبها ورغبتها في تعزيز العلاقة الطيبة معه.
8) أن الهدف من وراء ترويج الرسالة على يد هؤلاء الأشخاص (متهمين جماعة الشيخ سليمان المدني) هو النيل من القائمين على المبادرة والإساءة إليهم وإضعاف مواقفهم في المطالبة بحقوق الشعب، وأن هذا الترويج يكشف عن النوايا السيئة لبعض الأطراف المعادية للشعب ولمطالبه العادلة. وقد وصف البيان مواقف هذه الأطراف بالعدائية وبالإساءة إليهم لأنها اتهمتهم بالخروج عن الدين الصحيح وروجت بعدم شرعية الإضراب عن الطعام.
يعــود ربيعــة للتعلــيق على النقـــاط الثمـــاني بقــوله ‘’يمكــن استنــتاج حالـــة الوهـــن الســياسي التي وصل إليها القــائمون على المبـــادرة حيث تحــولوا بين ليلة وضحــاها من موقع الهجــوم إلى موقــع الدفاع عن النفس وليس عن المطالب. فالحجج والدفوع والتبريرات التي صاغوها في البيان لم تكن من القوة بحيث تمكن من انتشالهم من هذا الموقف السياسي الحرج بل على العكس من ذلك جاءت كلها لتؤكد صحة وجهة نظر السلطة فيما يتعلق بعملية التنازل الذي أقدمت عليها المعارضة وهي في السجن.
فالمناشدات والدعوات للحوار التي أطلقها رجال المبادرة لم تكن ذات أثر على الحكومة لإعادة النظر في الحل الأمني الذي رسمته لها لأن ‘’لجنة المبادرة’’ لم تكن في موضع القوة.
وعلى العكس من ذلك، عمدت الحكومة إلى استغلال هذا الحصار فعملت على تصعيد العمل بقانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة. ففي 27 نوفمبر/تشرين الثاني أقدمت محكمة الاستئناف العليا على إقرار الحكم الصادر من محكمة الجنايات في مارس/ آذار 1995 بإعدام المواطن عيسى قمبر المتهم في قضية اغتيال أحد أفراد جهاز الأمن. كما صدرت أحكام قاسية بالسجن وصلت إلى السجن المؤبد. وقد سبق صدور هذه الأحكام فرض الحصار العسكري على سكان القرى العزل. وفي الوقت نفسه، قامت قوات الأمن باقتحام المدارس الثانوية في المنامة ومدينة عيسى والاعتداء على الطلبة الذين اعتصموا من أجل مشاركة المواطنين في التعبير عن استيائهم للأحكام القاسية، وتم اعتقال بعضهم وإيداعهم السجن من دون محاكمة.

 

 

لجنة المبـادرة تسخـّن الخـط مع لجنة العريضة.. ولكن التأزم حاضر

 

برر الموقعون (لجنة العريضة) رسالة الاعتذار التي راجت بعد المؤتمر الشعبي الكبير في بني جمرة، أسباب كتابتهم للرسالة، ولكن هذه الرسالة لم تكن تحمل أي شروط تقوم بها الحكومة جراء قيام لجنة العريضة تهدئة الأوضاع، وعلى رغم التبرير، إلا أن أعضاء اللجنة وقعوا في الحرج، وتصاعدت الأحداث الأمنية إثر اعتقال عدد من طلبة المدارس الذين احتجوا على الاعتقالات التي طالت عدداً منهم وتدهور الحال الأمنية.
علي ربيعة صاحب كتاب ‘’لجنة العريضة الشعبية في مسار النضال الوطني في البحرين’’ يواصل سرد روايته الخاصة بما جرى في تلك الفترة لاستكمال الصورة العامة، إذ يقول ‘’على اثر هذه التداعيات السياسية والأمنية الخطيرة التي توجت بانسداد باب الحوار مع السلطة بادرت القيادات الدينية - ولأول مرة منذ الإعلان عن اتفاق المبادرة - بطلب عقد أول اجتماع رسمي للجنة العريضة.
أثارت عودة أعضاء ‘’لجنة المبادرة’’ إلى صفوف العريضة الشعبية علامات الاستفهام والتساؤلات المشوبة بالاستغراب في صفوف التيار الوطني والتقدمي. فقد أخذت الأسئلة تلاحق أعضاء ‘’لجنة العريضة’’ من الوطنيين في محاولة لاستكشاف الأسباب التي دفعت بالوطنيين إلى العودة مرة أخرى للعمل مع القيادات الدينية التي خذلتهم لصالح المبادرة الطائفية التي جرت فصولها داخل أروقة وزارة الداخلية.. كان جواب الوطنيين على كل هذه التساؤلات والاستفسارات هو أن القضايا الوطنية تسمو على كل الخلافات والنزاعات الشخصية والحزبية، وأنه لا مكان للمناورات السياسية التي تهيئ الفرص السانحة لأعمال العنف ضد أبناء شعب البحرين المطالبين بحقوقهم الدستورية.
عقد هذا الاجتماع في منزل عبدالوهاب حسين وبحضور جميع الأعضاء. وبعد استعراض الوضع السياسي والأمني وما آل إليه مصير الاتفاق مع وزارة الداخلية فاجأ الشيخ عبداللطيف المحمود الحضور بطرح وجهة نظره المتعلقة بطريقة العمل في المستقبل والتي تتلخص حسب رأيه في استبدال العمل الجماعي بالعمل الفردي على اعتبار أن الاتصالات الفردية مع القيادة السياسية يمكن أن تفتح باب الحوار وأن تعطي مردوداً سياسياً أفضل. وكان أول المعترضين على هذا الطرح أعضاء ‘’لجنة المبادرة’’ الذين اعتبروه طرحاً تجزيئياً وفيه تفكيك للقيادة المطلبية الموحدة التي وضعت فيها الجماهير ثقتها وآمالها. وقد جاء رد الشيخ عبدالأمير الجمري على الشيخ المحمود ليؤكد وحدة العمل الوطني، وأنه لا بديل عن العمل الجماعي وأن اليد الواحدة لا تصفق.
من الطبيعي أن يثير هذا الدفاع المستميت عن الوحدة الوطنية استغراب الوطنيين على اعتبار أن أعضاء لجنة المبادرة هم أول من خرج على الصف الوطني لصالح العمل الطائفي. أما أعضاء ‘’لجنة العريضة’’ من العلمانيين فقد جاء ردهم منسجما مع موقفهم الداعي دائما للحفاظ على الوحدة الوطنية وعبروا عن اعتراضهم على وجهة نظر الشيخ المحمود الداعية لتفتيت الحركة المطلبية وأيدوا - وبقوة - رأي الشيخ الجمري الداعي لوحدة العمل المطلبي خصوصاً وأن البلاد تمر بمنعطف سياسي خطير.
في طريق العودة من منزل عبدالوهاب أسر لي الشيخ عيسى الجودر أن وجهة نظر الشيخ المحمود تبعث على الخوف والقلق، وأنه بات يعتقد أن هذا الطرح إنما هو تمهيد لانسحاب الشيخ من ‘’لجنة العريضة’’. لكني خالفت الجودر رأيه مستبعداً انسحاب الشيخ المحمود في هذا الظرف السياسي الملبد بالغيوم، وقلت له إنني أعتقد أن الشيخ المحمود قد اقتنع أخيراً برأي الجماعة. لكن الأيام أثبتت صحة توقعات الشيخ الجودر.
في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول 1995 تم عقد الجلسة في منزل الشيخ الجودر بحضور إبراهيم كمال الدين، سعيد العسبول، أحمد الشملان، الشيخ المحمود، علي ربيعة وعبدالوهاب حسين. وقد حضر الجلسة - ولأول مرة - حسن مشيمع فيما تخلف عن الحضور الشيخ الجمري.
وفي هذا الاجتماع خيم موضوع الوضع الأمني على أجواء الجلسة بعد أن تلاشى تماما الخيار السلمي نتيجة تنكر السلطة لوجود أي اتفاق مع المبادرة. وقد أعطى عبدالوهاب عرضاً تفصيلياً للوضع السياسي والأمني في القرى حيث تمت المبالغة في استخدام القوة والعنف ضد المواطنين العزل وكثفت من عملية مداهمة المنازل، وقد تفاجأ الحضور بمداخلة الشيخ المحمود التي جاءت لتوجه النصيحة للقيادات الدينية الشيعية بضرورة العمل على تهدئة الشارع السياسي واصفاً ما يحدث من مهرجانات خطابية وخصوصاً المهرجان الكبير الذي تم تنظيمه في سترة بأنه عمل تحريضي وأنه تصعيد لا مبرر له.
استنكر عبدالوهاب كلام المحمود وسارع في الرد عليه، متسائلاً ‘’كيف نطالب الناس بالهدوء والسكينة في الوقت الذي تقوم فيه السلطة بهذا التصعيد الأمني الخطير الذي استهدف الآلاف من أبناء الطائفة الشيعية التي أمثلها؟ كيف بمقدورنا أن نهدئ الشارع والمواطنون يتعرضون لمثل هذا القمع الوحشي الذي تمارسه السلطة على مدار الساعة وبدون تمييز؟’’. استغرب الأعضاء الوطنيون من طرح الشيخ المحمود الذي حمّل القيادات الدينية والمواطنين العزّل مسؤولية ما يدور في الساحة، وعبروا عن تعاطفهم وتأييدهم لوجهة نظر عبدالوهاب، خصوصاً وأن الحكومة لا زالت ترفض الحوار مع الحركة الدستورية وتصر على عدم استقبال وفد العريضة الشعبية أو استلام الرسائل الواردة منها والتي تطالب بمجرد تحديد موعد للاجتماع بالأمير.
ويمكن القول أن حالة الشد والجذب التي تخللت اجتماعات لجنة العريضة بعد عودة رجال المبادرة إلى لجنة العريضة لم تكن إلا انعكاسا لتأزم الوضع السياسي وغلبة الحل الأمني وانعدام الاستقرار. وفي هذا الظرف المعقد عملت المباحث وجهاز أمن الدولة على إحكام الرقابة على تحركات الأعضاء وأصبحت مباحث أمن الدولة لا تفارق منازل أعضاء لجنة العريضة وخصوصاً مكتب المحامي الشملان. وزيادة في ترهيب وتخويف رواد مجالس الأعضاء تعمدت المباحث الوقوف أمام أبواب المجالس أيام انعقادها والقيام بتسجيل أرقام سيارات الزوار لكن هذه الأساليب لم تكن لتمنع عقد اجتماعات لجنة العريضة أو تؤثر على سير المجالس الأسبوعية.
انسحاب الشيخ المحمود
في الأسبوع الأول من يناير/ كانون الثاني 1996 عقدت لجنة العريضة الشعبية اجتماعاً في مكتب الشملان، وهو الاجتماع الأخير بالنسبة لعبدالوهاب الذي تم اعتقاله في 14 من الشهر نفسه. كما يعتبر الاجتماع الأخير بالنسبة للشيخ المحمود الذي أعلن انسحابه من لجنة العريضة. وقد حضر هذا الاجتماع كل من الشملان والشيخ المحمود وعبدالوهاب والشيخ الجودر وكمال الدين وربيعة. كما حضر الاجتماع من خارج لجنة العريضة عضو ‘’لجنة المبادرة’’ مشيمع الذي تم اعتقاله في 20 من الشهر.
في بداية الجلسة تم استعراض الوضع السياسي والتصعيد الأمني الخطير الذي اختارته الحكومة كخيار وحيد. وجاء تعليق الشيخ المحمود ليؤكد ما سبق وأن طرحه في الجلسة السابقة وهو أن العمل الجماعي في السنوات الماضية اثبت عدم جدواه وأن العمل المطلبي دخل مرحلة شديدة التعقيد. وبصفته مسلماً ومؤمناً فقد اضطره هذا الوضع إلى اللجوء إلى الاستخارة التي رأى فيها أن العمل من خلال الاتصال الشخصي والمباشر مع القيادة السياسية هو الأجدى والأنفع للعمل الوطني.
لم يفاجأ الحضور بهذا الطرح الذي جاء متمماً لما سبق وأن طرحه في الجلسة السابقة لكنهم ردوا عليه بأن العمل الفردي من خلال الزيارات واللقاءات الخاصة يتعارض والاستراتيجية التي تبنتها لجنة العريضة والمبنية على الوحدة الوطنية ومرتكزات العمل المطلبي الجماعي. وجاء رد الشيخ الجودر على هذا الطرح بالقول بأنه من حق أي عضو أن يختار أسلوب العمل الذي يراه صالحاً لتحقيق أهدافنا الوطنية بل ومن حقه أيضاً أن يتوقف عن العمل الوطني لكنه يناشد المحمود بألا يقبل بالدخول في عضوية مجلس الشورى إذا ما عرضت عليه لأن الدخول يتعارض وعضويته في لجنة العريضة ويسدد ضربة قاصمة للجنة كما أنه سيؤثر سلبا على مسار العمل المطلبي. وكان رد الشيخ المحمود أن الدخول في مجلس الشورى من عدمه هو شأن خاص وأنه لا يخضع لرأي الغير.
من الطبيعي جداً أن يثير حديث الشيخ المحمود عن الانسحاب مخاوف أعضاء ‘’لجنة العريضة’’ الذين لم يكونوا يتوقعون إقدامه على مثل هذه الخطوة التي ولا شك ستترك فراغاً لا يسد. وإذا ما تطرقنا إلى الأسباب الحقيقية للانسحاب فإننا نعلم أن الشيخ المحمود ومنذ انضمامه لـ ‘’لجنة العريضة’’ كان هدفاً للتهديدات والضغوطات التي مارستها السلطة عليه بدءاً من تجميد عمله بهيئة التدريس بجامعة البحرين. بل أن أساليب الاستفزاز والإثارة بلغت حد ابتعاث فرقة من المصورين إلى منزل الشيخ بمدينة الحد حيث تمركزت الفرقة في الساحة المقابلة للمنزل وقامت بتصويب آلات التصوير صوب المنزل أمام أعين المارة الذين أثار فيهم هذا المشهد الفضول وحب الاستطلاع. وقد وجد الشيخ صعوبة في معرفة الجهة التي قامت بهذا العمل الاستفزازي. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الضغوطات المستمرة التي كان يتعرض لها من قبل عائلته وهي ضغوطات جداً كبيرة بحكم العلاقة الحميمة التي تربط عائلة المحمود بالعائلة الحاكمة بالإضافة إلى ضغوطات الجمعية الإسلامية التي ينتمي إليها فإن هذه مجتمعة قد أوصلته إلى قناعة بضرورة ترك العمل المطلبي الجماعي.
يجب ألا يغيب عن بالنا أن الشيخ المحمود لم يسبق له أن مارس العمل السياسي المنظم وان دخوله في عضوية ‘’لجنة العريضة’’ هو المعترك السياسي الأول، ولذا فإني أعتقد - يقول ربيعة - وأرجو أن يكون اعتقادي خاطئا، أن افتقار الشيخ للتجربة النضالية كان له أثره الكبير على عدم قدرته على المقاومة والصمود في وجه الخيار الأمني المتصاعد وفي ظل تبدد الأمل بانفتاح باب الحوار مع السلطة.
لا شك أن انسحاب الشيخ المحمود مثل خسارة كبيرة لـ ‘’لجنة العريضة’’ خصوصاً وأنه كان يمثل جزءاً من المعادلة السياسية بحكم تمثيله للجمعية الإسلامية (السنية). وقد سبق أن تعرضت هذه الجمعية لضغط الحكومة بالحل إن هو لم يتخل عن رئاستها مما اضطره للتنازل عن رئاستها لصالح الشيخ عبدالرحمن عبدالسلام.
في الحفل التكريمي للرواد والمبدعين من أهالي المحرق والذي أقيم يوم الأربعاء 17 ابريل/نيسان 1996 كان الشيخ المحمود من بين الذين شملهم التكريم. وفي هذا الحفل كانت له فرصة الالتقاء مع رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة الذي وعده بتسليم جواز سفره. بعد هذه المصالحة تم صرف رواتب الشيخ عبداللطيف المجمدة منذ إيقافه عن العمل لكنه لم يزاول عمله في جامعة البحرين إلا في العام .2000
الجمري وعبدالوهاب.. الاعتقال الثاني
3 يناير/كانون الثاني 1996 اتصل جهاز المباحث بالشيخ الجمري وطلب منه الحضور إلى مركز الخميس بعد صلاة الظهر. وقد أثار هذا الاستدعاء في مركز الشرطة استغراب الشيخ الجمري وهو الذي كان ينتظر من السلطة تنفيذ المطالب التي وعدوا بتلبيتها مقابل قيامه وجماعته بإعادة الهدوء إلى الساحة بعد خروجهم من السجن. وقد اغتنم الشيخ الجمري مناسبة صلاة الظهر بمسجد الإمام زين العابدين فقام بإخطار المصلين بخبر استدعائه إلى مركز الخميس وأفادهم بقراره الرافض لتلبية هذا الطلب.
وبسبب رفض الشيخ الجمري لأمر جهاز المباحث بالحضور اتصل به ضابط في منزله ليخبره بأنه ممنوع من أداء الصلاة في جامع الإمام الصادق الواقع بمنطقة القفول في المنامة وفي اليوم التالي هجمت قوات الشغب على جامع الإمام زين العابدين المقابل لمنزل الشيخ الجمري.
بعد هذا المنع من إقامة الصلاة في مسجد القفول بخمسة أيام تقريبا تناقلت وكالات الأنباء التصريح الذي أدلت به وزارة الإعلام في 8 يناير/كانون الأول الذي أكدت فيه إصرار الحكومة على عدم السماح بإقحام السياسة في دور العبادة. وجاءت هذه الخطوة لتضيف المزيد من غضب الجماهير وسخطهم جراء رفض السلطة الاعتراف بوجود أي اتفاق بينها وبين لجنة المبادرة.
نتج عن هذا توتر الأجواء وتفاقم الوضع السياسي وحدوث اضطرابات شديدة في مناطق كثيرة من البحرين وخصوصاً في المناطق التي شهدت المسيرات مثل سترة وكرزكان والدير والبلاد القديم والسنابس وشارك في هذه المسيرات طلبة المدارس أيضاً.
وقد صاحب هذا الخروج المكثف إلى الشارع حدوث حرائق في أماكن كثيرة وسماع دوي انفجار اسطوانات الغاز في أنحاء متعددة من البحرين ولم تستثن في ذلك العاصمة المنامة حيث تم تفجير اسطوانة غاز قرب مجمع تجاري كبير هو مجمع يتيم.
ومع أن المصادمات غالباً ما تحدث في القرى بعيداً عن العاصمة إلا أن ما حدث أمام جامع الأمام الصادق (المنامة) أقض مضجع السلطة. فهذا الجامع هو الذي تم منع الشيخ الجمري من أداء الصلاة فيه وهو يقع مباشرة بعد دوار تلتقي عنده شوارع رئيسية في مدخل العاصمة ولا يبعد كثيراً عن القلعة التي هي مقر وزارة الداخلية. ففي 12 يناير/كانون الثاني 1996 قامت قوات مكافحة الشغب بإغلاق المداخل الأربعة المؤدية إلى المسجد في محاولة لمنع المصلين من أداء صلاة المغرب وعندما أصر المصلون على الصلاة في المسجد أقدمت قوات الأمن على استخدام الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع مما نتج عنه إصابة كثير من المصلين بجروح وإغماء نقلوا على أثرها إلى المستشفى للعلاج كما تم اعتقال العشرات من المواطنين الذين تواجدوا لأداء الصلاة.
ويبدو أن هذه المواجهة العنيفة بين قوات الشعب والمواطنين وفي هذا الموقع الحساس من المدينة قد دفع القيادة السياسية للتعجيل في اتخاذ قرار حسم المعركة السياسية. ففي اليوم التالي، قامت وزارة الداخلية باستدعاء ثمانية من القادة هم: الشيخ الجمري، عبدالوهاب، الشيخ علي بن احمد، السيد إبراهيم العلوي، الشيخ علي عاشور، ومشيمع، الشيخ حسين الديهي والشيخ حسن سلطان.
ما إن التقى بهم وكيل وزارة الداخلية الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة حتى بادر بتوجيه الاتهام لهم بما حدث من تصعيد ومواجهات وحمّلهم كامل مسؤولية الإخلال بالأمن. وفي محاولة لتحجيم دورهم، نفى الوكيل أن يكون هناك أي اتفاق بينهم وبين الحكومة بشأن أية مطالب وأن هدوء الوضع الذي ساد البلاد لم يكن ثمرة لجهودهم، ثم طلب منهم الوكيل التوقيع على تعهد بعدم القيام بأي نشاط سياسي في المساجد، إلا أن الجميع رفض التوقيع على الورقة على اعتبار أن هذا التعهد يتعارض وحقوقهم الدستورية والإنسانية. كما اعترضوا أيضاً على ما تضمنته الورقة من ادعاءات وتهم واعتبروها مجافية للحقيقة وبالتالي فإنهم لن يلتزموا بما ورد فيها. وكان رد فعل الشيخ الجمري حيال ورقة التعهد قوياً جداً إذ دخل في مشادة كلامية مع الشيخ إبراهيم مما أدى إلى إصابته بنوبة قلبية نقل على أثرها إلى المستشفى الدولي للعلاج.
فشل اللقاء كان يعني بدء مرحلة جديدة من الأحداث دشنت باعتقال عبدالوهاب من منزله صباح 14 يناير/كانون الثاني 1996 أي بعد يوم واحد من رفضه التوقيع على التعهد، وفي اليوم التالي بدأت حملة اعتقالات واسعة بين الذين برزت أسماؤهم في فترة المبادرة كقيادات صف ثاني ومن بينهم أساتذة وعلماء دين وخطباء مساجد.
وعلى أثر هذا الاعتقال صرح مسؤول في حركة أحرار البحرين بأن المطالب الشعبية وفي مقدمتها إعادة العمل بالدستور ماتزال تشكل حجر الزاوية في التحرك الشعبي، وانه لا تراجع عن تلك المطالب، وأضافت الحركة قائلة بأن عبدالوهاب ليس شخصاً عادياً، بل هو شخصية مرموقة على مستوى البحرين كلها، وهو أحد المتبنين الأساسيين لمشروع العريضة الشعبية التي وقع عليها نحو 25 ألف مواطن في العام .1994
واللافت للنظر في هذا الظرف المعقد أن تصريح حركة أحرار البحرين قد عاد للحديث عن لجنة العريضة بعد أن أغفل ذكرها طوال فترة ‘’لجنة المبادرة’’. وقد ربط أعضاء ‘’لجنة العريضة’’ هذه العودة بالفشل الذريع الذي منيت به ‘’لجنة المبادرة’’ وفسر الوطنيون هذه العودة بأنها تصحيح للموقف الخاطئ الذي اتخذته القيادات الشيعية داخل أروقة وزارة الداخلية وباركته أحرار البحرين وتعاملت معه على أنه اتفاق سياسي.
ومع أن هذا التصحيح - على رغم أهميته - قد جاء متأخراً جداً وبعد أن وقع الفأس على رأس الوحدة الوطنية لكنه خطوة في الطريق الصحيح. ويمكن القول أن الاستدعاء الجماعي لأعضاء لجنة المبادرة ومن ثم اعتقال عبدالوهاب هو مؤشر على انتهاء مرحلة الحل السلمي المتمثل في اتفاق المبادرة والإعلان عن بدء مرحلة جديدة من العنف والعنف المضاد.

 

 

خمس محاولات لإيصال العريضة الشعبية.. وأخيراً كان الفاكس

 

في ظل هذه الظروف السياسية والأمنية الصعبة عادت لجنة العريضة لمزاولة نشاطها في الداخل والخارج كقائد للعمل السياسي والمطلبي. والحقيقة أن المعارضة في الخارج وخاصة في العاصمة البريطانية قد لعبت دوراً كبيراً في تحقيق هدف لجنة العريضة في مد الجسور مع القوى الديمقراطية والمنظمات الحقوقية على مستوى دول الغرب.
في أول عمل لها بعد اعتقال الرموز والقيادات الشيعية، أصدرت لجنة العريضة في 3 فبراير/ شباط 1996 بياناً سياسياً شديد اللهجة عبرت فيه عن استنكارها لعملية اعتقال أعضاء لجنة العريضة ومحاولة الحكومة وصمهم بالعمالة للدول الأجنبية. وقد تطرق البيان إلى الخلفية التاريخية لمنشأ الخلاف وقدم شرحاً تفصيلياً للوضع القائم. وبعد أن أدان البيان العنف بجميع أشكاله، دعت اللجنة إلى الحل السلمي للأزمة بديلاً عن الحل الأمني من أجل وضع نهاية حميدة للصراع السياسي والدستوري.
ولكن هذا الاعتقال أدى إلى فقدان التنسيق الميداني وضعف الأداء السياسي على مستوى الداخل. وفي محاولة لسد هذه الثغرة المهمة بادرت لجنة العريضة بالاتصال مباشرة بالقيادات الميدانية لخلق التنسيق البديل والقضاء على ما يعانيه الشارع من تصدع. وقد تفهمت عناصر الانتفاضة أهمية هذا اللقاء وبعد عقد ثلاثة اجتماعات اثنان منها في المحرق والثالث في السنابس، تم الاتفاق على وضع برنامج متكامل للقيام بحملة دعائية وإعلانية للجنة العريضة الشعبية بهدف التأكيد على وحدة الصف الوطني وضرورة العمل من خلال لجنة العريضة.
وقد تكفلت عناصر القيادة الميدانية بالقيام بهذه المهمة ولم يمض أسبوعان على هذا الاتفاق حتى غمرت الشعارات الوطنية واللافتات شوارع السنابس وكرزكان والدراز وغيرها من القرى. وكان اللافت للنظر بروز صورة المناضل أحمد الشملان وكان وقتها مصابا بالجلطة الدماغية إلى جانب صورة الشيخ الجمري وصورة الشيخ علي سلمان إضافة إلى نشر جميع أسماء أعضاء لجنة العريضة. وقد نجحت هذه الحملة في تحقيق هدفين مهمين: 1) إعادة الاعتبار للجنة العريضة كرمز للوحدة الوطنية وكقائد للعمل المطلبي. 2) إفشال مخطط تحويل العمل المطلبي إلى عمل طائفي.
لكن هذا النجاح لم يعمر طويلاً إذ خرج من بين سكان قرية الدراز من يعترض على هذا العمل ذي المنطلقات الوطنية ويطالب بتوقيفه. وكاد الخلاف بين المؤيدين للحملة الوطنية والمعارضين لها أن يتحول إلى مواجهة بين جماعة الشيخ عيسى قاسم وبين القائمين على الحملة الوطنية. وبعد قرابة الثلاثة أشهر على انطلاق هذه الحملة الوطنية توقفت فجأة ودون سابق إخطار. وبعد العديد من الاتصالات والاستفسارات تبين للجنة العريضة أن التوقيف جاء بناء على تعليمات من علماء الدين الموجودين في لندن وقم لأنهم اكتشفوا أن العمل الوطني المشترك لا يخدم على المدى البعيد مصلحتهم كقيادات ورموز للطائفة وأنهم يودون الاحتفاظ بتيارهم بعيداً عن تأثير القوى الوطنية الأخرى.
محاولات تسليم العريضة
في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1996 حاول أربعة من أعضاء لجنة العريضة وهم: علي ربيعة وأحمد الشملان وسعيد العسبول وإبراهيم السيد كمال الدين، الاتصال بمكتب الأمير من أجل طلب الحصول على تحديد موعد لتسليم العريضة الشعبية، وكان الهدف من وراء الالتقاء بالأمير فتح باب الحوار مع القيادة السياسية من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة التي عصفت بالبلاد.
لكن ما أن علمت وزارة الداخلية بمحاولات الاتصال حتى اتصلت بأعضاء الوفد وهددتهم بالاعتقال إن هم اقتربوا من القصر.
وقد تضمن كتاب الطلب الإشارة إلى استلام الأمير العريضة النخبوية في 15/11/1992 والى تشرف الوفد بلقائه في 15/1/.1993
وقالت اللجنة انها سبق وأن وافقت على تأخير تقديم الطلب في 3 يناير/ كانون الثاني 1995 وذلك بناء على رغبة وزير العدل والشؤون الإسلامية على اثر لقائه ببعض أعضاء اللجنة. كما وافقت اللجنة في 6/3/1995 على تأخير تقديم الطلب وذلك بناء على طلب مكتب رئيس الوزراء، حرصاً منها على التقيد بالقنوات الصحيحة.
وفي ختام الرسالة عبرت اللجنة عن أملها في تحديد الموعد في أسرع وقت ممكن لما سيتركه استلام العريضة ومناقشة ما بها من مطالب من أثر على تهدئة الوضع وعلى مشاعر المواطنين. وقد وقع على هذه الرسالة جميع أعضاء لجنة العريضة باستثناء الأعضاء الموجودين في السجن.
في الأسبوع الأخير من يوليو/تموز 1997 أعلنت لجنة العريضة عن عزمها طرق باب الأمير من أجل القيام بمهمة تسليم العريضة الشعبية. وما أن ورد خبر التسليم إلى السلطة حتى قامت وزارة الداخلية باستدعاء المكلفين بالمهمة وهما عضوي لجنة العريضة الشملان وكمال الدين إلى مركز شرطة الحورة في 28/7/.1997 وهناك في المركز كان في استقبالهم محافظ العاصمة الشيخ عبدالعزيز بن عطية الله الذي طلب من عضوي لجنة العريضة بحضور سلمان كمال الدين تأجيل تقديم خطاب تحديد الموعد للالتقاء بسمو الأمير. وقد أعقب هذا التحقيق صدور أمر المنع من السفر للشملان الذي كان يعد العدة للسفر مع عائلته مما سبب له صدمة نفسية التي أدت إلى إصابته بالجلطة الدماغية.
وهذه هي المرة الرابعة التي تطلب فيه القيادة السياسية التأجيل، لكن جهود لجنة العريضة أمام هذه المسؤولية التاريخية لم تتوقف وقامت بمحاولتها الرابعة في ديسمبر/ كانون الأول .1997
وقد تضمن الخطاب أهمية وضرورة تحديد الموعد للالتقاء بسمو الأمير مع الأحداث التي تفجرت أواخر 1994 والتي لاتزال تلقي بظلالها سلباً على ربوع الوطن. كما لفتت الرسالة نظر إلى أن مناقشة المطالب الشعبية التي تضمنتها العريضة هي الطريق الصحيحة لإخراج البلاد مما تتعرض له من قلاقل ومحن. وقد حملت الرسالة تواقيع جميع أعضاء لجنة العريضة الشعبية.
في صباح يوم السبت 27/12/1997 قامت لجنة العريضة بمحاولتها الخامسة حيث توجه وفد لجنة العريضة الشعبية المكون من محمد جابر صباح وعبدالله راشد مطيويع إلى ديوان صاحب السمو أمير دولة البحرين وذلك بغرض تسليم الخطاب المتضمن طلب الحصول على موعد لتسليم العريضة الشعبية. وبدلا من استلام الرسالة طلب الديوان الأميري أرقام الهواتف الخاصة بأفراد الوفد ووعد بالاتصال حال تحديد موعد الاستلام. لكن الديوان تأخر في الرد مما دفع الوفد لإجراء عدة اتصالات هاتفية معه من أجل الحصول على الموعد إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل.
وأمام انسداد الأبواب في وجه لجنة العريضة الشعبية نتيجة الرفض المتكرر لاستلام الرسالة فضلا عن رفض استقبال الوفد اتخذت اللجنة قراراً بالخروج على القنوات المعتادة وذلك بإرسال الطلب بالبريد المسجل.
وكالعادة استهلت اللجنة رسالتها بالتأكيد على النهج السلمي والحوار كوسيلة لحل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم أشارت إلى أهمية طلب اللقاء بسموه من اجل تسليم العريضة الشعبية ومناقشة ما بها من مطالب.
وبعد أن أشادت باللقاء التاريخي الذي جرى في 15/1/1993 عندما التقى الأمير بوفد العريضة النخبوية تطرقت اللجنة إلى فشل المحاولات السابقة التي جرت في 3/1/1995 و6/3/1995 و14/11/28 1996/7/1997 و27/12/1997 وعبرت عن أسفها لعدم التجاوب مع هذا الطلب.
بعد ذلك كررت اللجنة مطالبتها بتفعيل المواد الدستورية المعلقة منذ 1975 وإجراء انتخابات للمجلس الوطني وفقا لأحكام دستور البلاد وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم الشيخ عبدالأمير الجمري وعبدالوهاب حسين والسماح للمبعدين السياسيين بالرجوع إلى وطنهم وحل أزمة العاطلين عن العمل.
وبينت لجنة العريضة أن هذه المطالب المعتدلة متى ما تم تحقيقها ستؤدي إلى خلق المناخ السياسي الذي يعيد للبحرين الأمن والاستقرار المبني على احترام حقوق الإنسان وأنها على هذا الأساس تكرر طلبها بالالتقاء بسمو الأمير. وقد كلفت لجنة العريضة كلا من عيسى الجودر وعلي ربيعة بمهمة إرسال هذه الرسالة إلى سمو الأمير. وحسب ما تم الاتفاق عليه قام عضوا لجنة العريضة بتنفيذ قرار اللجنة بإرسال الخطاب عن طريق البريد المسجل وذلك في 17 أكتوبر/تشرين الأول .1998 بعد يومين من تاريخ الإرسال فوجئ الشيخ الجودر باتصال إدارة البريد تخطره بالحضور إلى مكتبها لاسترجاع الرسالة، وذلك بسبب رفض الديوان الأميري استلامها، وقد تجاوب الشيخ الجودر مع طلب الإدارة بعد موافقة أعضاء لجنة العريضة. لكن هذه الواقعة لم تنته عند استرجاع الرسالة بل فوجئ عضوا لجنة العريضة بأمر استدعائهما للحضور إلى مركز شرطة الحورة وذلك في الساعة التاسعة والنصف من صبيحة 22 أكتوبر/ تشرين الأول .1998
في الموعد المحدد، وصل عضوا لجنة العريضة إلى مركز الشرطة وبمجرد دخولهما تم وضع كل منهما في غرفة منفردة ولم يبدأ التحقيق الانفرادي معهما إلا بعد مضي ما يزيد على الساعة والنصف. وتعددت التهم الموجهة لكل منهما، وعلى رأس هذه التهم تهمة الإخلال بالأمن. وفي نهاية التحقيق تمت قراءة المواد الخاصة بالعقوبة وكانت أقصاها السجن المؤبد وقد خيرا بين التقديم للمحاكمة والسجن أو التوقيع على التعهد الخاص بالانسحاب من لجنة العريضة والتخلي عن العمل المطلبي. لكن عضوا اللجنة رفضا جميع التهم كما رفضا التوقيع على التعهدات وأصرا على أن ما يقومان به عمل مشروع وليس فيه خروج على القانون.
الرسالة الأخيرة إلى الأمير
من خلال اعتقال القيادات الدينية والسرد التاريخي للمحاولات المتكررة التي بذلتها لجنة العريضة الشعبية أمكن التوصل إلى استنتاج مفاده عدم رغبة السلطة لاستلام العريضة الشعبية لأن في هذا الاستلام اعتراف ضمني بوجود حركة دستورية مطلبية تضم كلتا الطائفتين، وهذا بالطبع ما يتعارض وقناعات السلطة المؤسسة على عدم الاعتراف بوجود مثل هذه الحركات الشعبية العلنية المنظمة على رغم أن هذه أن الوثيقة التاريخية حملت تواقيع قرابة الخمسة والعشرين ألف مواطن.
وتبقى الحقيقة قائمة وهي أنه في مقابل إصرار السلطة على عدم الاعتراف بهذا الكيان المطلبي الشرعي كان هناك تعهد والتزام أعضاء لجنة العريضة الشعبية بعدم التخلي عن مسؤولياتهم التاريخية وإصرارهم على مواصلة النضال من أجل تحقيق المطالب التي حملتها العريضة.
بعد فشل محاولة التسليم عن طريق البريد المسجل وما تعرض له عضوا اللجنة من تهديد ووعيد استعرض أعضاء لجنة العريضة الشعبية الخيارات الأخرى واستقر الرأي على إرسال الخطاب عن طريق الفاكس.
وقد عبر محمد جابر صباح عن استعداده للقيام بهذه المهمة وفي اليوم التالي قام العسبول بجلب جهاز الفاكس إلى منزل صباح الذي باشر بإرسال الرسالة على رقم الديوان الأميري بعد أن تأكد من صحة الرقم عن طريق شركة الاتصال ‘’ بتلكو’’ وكان ذلك في 8 فبراير/شباط .1999
وقد بدأت الرسالة بالتذكير بأن الشيخ الجمري وعبدالوهاب حسين قد أكملا في 21/1/1999 عامهما الثالث في سجن القلعة وأنه بموجب قانون أمن الدولة كان من المفترض أن تقوم وزارة الداخلية بإطلاق سراحهما بعد إكمال المدة القانونية التي نص عليها هذا القانون. وفي هذا الخصوص ناشدوا سموه بإصدار أمره السامي لوزارة الداخلية بتطبيق القانون وإطلاق سراح جميع من قضوا هذه الفترة وأن تكون عملية إطلاق سراحهم مناسبة لاستقباله أعضاء لجنة العريضة وفتح باب الحوار من أجل مناقشة ما تضمنته العريضة الشعبية من مطالب على اعتبار أن ذلك يعد خطوة حاسمة في طريق الحل السلمي لمشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وأشارت الرسالة إلى أن جميع أعضاء اللجنة بمن فيهم الشيخ الجمرى وعبدالوهاب يدينون العنف والعنف المضاد وأنهم يرون بأن العودة إلى الدستور والتقيد بأحكامه هو الطريق الصحيح لخلق الأمن والاستقرار المبنى على حكم القانون.
ولم تنس لجنة العريضة لفت إلى أن تعطيل المواد الدستورية وتعليق الحياة البرلمانية منذ 1975 قد شكل دعوة غير مباشرة لهذه الأحداث وان المعالجة الناجعة تكمن في إصلاح هذه الأوضاع عن طريق الاحتكام إلى دستور دولتنا الفتية والالتزام بما به من حقوق وواجبات. وبعد أن عددت الرسالة المطالب التي تضمنتها عريضتا 1992 و1994 والمتمثلة في تفعيل المواد الدستورية المجمدة وعودة الحياة النيابية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والسماح للمبعدين بالرجوع إلى وطنهم وإيجاد وظائف للعاطلين عن العمل، وناشدت بتلبية هذه المطالب لأنها ترى أن تحقيقها سيؤدى إلى مصالحة وطنية تعيد للبحرين أمنها واستقرارها وتماسك جبهتها الداخلية.
بعد مضي ما يقارب الشهر على إرسال هذه الرسالة، انتقل الأمير الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى جوار ربه وذلك في 6 مارس/آذار .1999 وكان على أعضاء لجنة العريضة الانتظار والتريث لمعرفة آفاق وأبعاد السياسة الجديدة للحكم.



المصدر: صحيفة الوقت البحرينية



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها