مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مغزى الانتخابات الكويتية الحاسمة شاهد عيان من الميدان - عبدالنبي العكري

طباعة PDF



أتيحت لي الفرصة لمراقبة الانتخابات الكويتية والتي أجريت يوم الخميس الثاني من فبراير/ شباط 2012 والتحضيرات التي سبقتها، بما في ذلك الحملة الانتخابية والاجتماع مع مختلف الأطراف المعنية بالانتخابات، وذلك ضمن الفريق العربي لمراقبة الانتخابات الذي شكلته الشبكة العربية لديمقراطية الانتخابات، بالتعاون مع جمعية الشفافية الكويتية.

الآن وقد أصدر الفريق العربي لمراقبة الانتخابات تقريره والذي نشرته «الوسط»، في مؤتمر صحافي لمنسق الفريق زياد عبدالصمد ورئيس جمعية الشفافية الكويتية صلاح الغزالي والخبير الانتخابي طالب عوض، وبث على الهواء مباشرة من عدة قنوات فضائية بما فيها الفضائية الكويتية، فإنه يمكنني الحديث عمّا تعنيه الانتخابات الكويتية، كويتياً وخليجياً وعربياً.

تظهر لنا أهمية الانتخابات الكويتية في تدفق المراقبين والصحافيين العرب والأجانب، حيث بلغ عددهم 1200 صحافي، إلى جانب 300 مراقب كويتي، وراقبها عشرات المراقبين العرب والأجانب.

كما تظهر أهميتها من إقبال الناخبين نساءً (56 في المئة) من الناخبين ورجالاً بحماس، بحيث بلغت نسبة المشاركة 61 في المئة وهي نسبة مرتفعة. ويجمع السياسيون والباحثون الكويتيون على أن الدورة الرابعة عشرة لانتخابات مجلس الأمة 2012، هي من أهم الانتخابات، وهي الرابعة خلال ست سنوات، ويؤمل أن تسهم في إعادة تأسيس الحياة البرلمانية والديمقراطية الكويتية على أسس راسخة.

وينطلق هؤلاء من حقيقة أن هذه الانتخابات أتت على إثر حراك جماهيري هو الأوسع في تاريخ الكويت، وجسدته اعتصامات عشرات الآلاف في ساحة الإرادة المقابلة لمجلس الأمة، وذلك امتداد لحركة احتجاجية جماهيرية شبابية بدأت قبل سنوات تحت شعار «نبيها خمسة»، أي نريدها خمس دوائر انتخابية، واكتسبت زخماً أكبر مع الربيع العربي. وتحت ضغط هذا الحراك الذي تجاوب معه عدد كبير من النواب والحركات والشخصيات السياسية والاجتماعية، استقالت أو أقيلت حكومة الشيخ ناصر الصباح، وحل مجلس الأمة، المتهم عددٌ من أعضائه بالفساد مع الحكومة.

وتلاحظ هنا أن هذه هي أول مرة يتم تشكيل حكومة برئاسة غير ولي العهد وشقيق الأمير وهو الشيخ جابر مبارك الصباح في ظل الحركة الجماهيرية الواسعة، التي طرحت بقوة شعارات جوهرية وجذرية، تبناها الكثير من المرشحين. ونستطيع أن نرصد أبرز محاور الحملة الانتخابية لعدد كبير من المرشحين:

1 - تعديل الدستور: والذي تمسكت المعارضة به لعقود، في ظل محاولات السلطة لتعديله، لكن التعديل المطروح حالياً هو من أجل تعزيز سلطة مجلس الأمة كمعبر عن سلطة الأمة وسيادتها، وذلك بقصر أعضاء المجلس على النواب المنتخبين واستبعاد أعضاء الحكومة الـ 15، وبذلك يتم الفصل الحقيقي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

كما طرح البعض أن يكلف الأمير الكتلة الأكبر الفائزة بتشكيل الحكومة ونيل ثقتها أمام المجلس استناداً إلى برنامجها، خلافاً لما هو جارٍ حالياً من تكليف الأمير لأحد شيوخ الأسرة الحاكمة بتشكيل الحكومة، والتي لا تحتاج إلى ثقة المجلس لتباشر مهامها.

2 - تشريع الأحزاب: وهي خطوة للانتقال بالحياة السياسية للأمام، حيث إن بعض الأحزاب قائم بحكم الواقع، بينما يقتصر آخرون على تكتلات نيابية تستند إلى قيادة شخصية تاريخية. وعلى هذا الأساس، فإن الانتخابات تجرى على أساس قوائم متنافسة ذات برامج متنافسة، وعلى أساس ذلك يختار الناخب القائمة التي يرغبها. وبالتالي يرتقي العمل في مجلس الأمة، من حيث تكليف الكتلة الأكبر أو تحالف كتل بتشكيل الوزارة، فيما يشكل الآخرون المعارضة، وبذا يمكن التناوب على السلطة ما بين الأحزاب أو الكتل المتنافسة.

3 - تحويل الكويت إلى دائرة واحدة: هناك من يطرح تحوّل الكويت إلى دائرة انتخابية واحدة، لكن ذلك يقتضي وجود أحزاب راسخة، وهناك اعتراضات عديدة على ذلك، لكن حتى المتمسكين بصيغة الدوائر الخمس، فإنهم يطرحون ضرورة الانتقال من النظام الحالي الذي يحصر الناخب باختيار 4 من بين 10 مرشحين، كنواب عن الدائرة، إلى انتخاب لائحة من عشرة أو أقل، كما يطرح البعض خيار مزيج من نظام القوائم والفردي، كما في فلسطين ومصر.

4 - هيئة وطنية دائمة للانتخابات: هناك إجماع على ضرورة إنشاء هيئة وطنية دائمة لإدارة الانتخابات، بدلاً من الصيغة الحالية، والتي تشترك فيها وزارتا العدل والداخلية، (وممثلو المرشحين في عملية الاقتراع والفرز). وهناك مشروع قانون مقدم من الحكومة للمجلس الحالي.

5 - قضية الفساد: وهي تشكل قضية جوهرية، وعلى خلفية ما عرف بدعوى رشوة رئيس الحكومة السابق لعدد من النواب السابقين، انطلقت حركة احتجاجية عنيفة بحيث جرى اقتحام مجلس الأمة. لكن من الواضح أن الفساد استشرى في الدولة وفي الحياة السياسية، بحيث أضحت مكافحة الفساد ومهاجمة الفاسدين من المسئولين والنواب عاملاً مرجحاً في الانتخابات. وفعلاً فقد سقط 13 من بين 15 مرشحاً من النواب السابقين المتهمين بقبض رشا من رئيس الحكومة السابق، كما لم يفز أي من المرشحين المتهمين بأنهم عمدوا إلى شراء الأصوات.

على وقع الصراع العنيف الذي امتد لسنتين بين الحكومة السابقة والمعارضة النيابية، والحركة الاحتجاجية الواسعة، جرت الانتخابات وحملت تغييرات كبيرة في تركيبة مجلس الأمة، وتمهد لتغييرات في الحياة السياسة الكويتية.
انتخابات فى ظل حكومة محايدة



جرت الانتخابات في ظل حكومة جديدة برئاسة الشيخ جابر مبارك الصباح، والتي حرصت على التأكيد على شفافية ونزاهة الانتخابات وحياديتها في المعركة الانتخابية. وقد تأكدت حيادية الحكومة من خلال سلوك أجهزتها خلال الحملة الانتخابية وفي الانتخابات ذاتها. فقد شطب وزير الداخلية 15 مرشحاً من قائمة المرشحين ضمن صلاحياته، لكن المحكمة الإدارية المستعجلة أبطلت قراره بشأن 13 وأعادتهم للترشح، وثبتت اثنين وحرمتهم من الترشح، ومن الذين أعادتهم المحكمة وفاز بالانتخابات عبدالحميد دشتي.

كما اتخذت هيئة الإذاعة والتلفزيون موقفاً حيادياً، وأتاحت لمن يرغب من المرشحين التحدث من التلفزيون الرسمي، وهو ما لبّاه نصفهم تقريباً. وأثبتت الحكومة جديتها في معالجة أحداث الشغب إثر خطاب المرشح مجهد الجويهل ضد قبيلة مطير، والذي أدى إلى حرق مقره الانتخابي، ومحاصرة محطة تلفزيون الوطن، حيث جرى اعتقال بعض المخالفين وحركت دعوى ضده لدى المحكمة الإدارية المستعجلة لإبطال ترشيحه، لكن المحكمة حكمت بصحة ترشيحه.

وما تأكد منه المراقبون هو أنه لا شكوى أو شكوك جدية في حيادية أجهزة الدولة، بما في ذلك معالجتها للجرائم الانتخابية مثل الرشوة، لكن هناك شكوى من تجنح الأسرة الحاكمة، ودعم مختلف أجنحتها لمرشحين وقوى متنافسة. لهذا طالب غالبية المرشحين بتوحّد الأسرة، وأن تكون على مسافة واحدة من مختلف القوى المتنافسة. أما الشكوى الأكبر فهي من تحيز القنوات الفضائية الخاصة البالغ عددها 14، وهو أمرٌ مفهومٌ في ضوء ملكية أفراد لمحطات فضائية يسخرونها لأجنداتهم، وغياب تقاليد الإعلام المحترف. كما كانت هناك شكاوى من المال السياسي الذي يتخذ عدة أشكال وليس بالضرورة الرشوة.
نتائج الانتخابات



شكلت نتائج الانتخابات مفاجأة كبيرة، وأحدثت تغييراً تجاوز 50 في المئة من تركيبة مجلس الأمة السابق، وتحولاً في ميزان القوى لصالح المعارضة على حساب الحكومة. لكن الاصطفاف في المعارضة والموالاة هو شيء ظرفي ومتغير في ضوء غياب الأحزاب. وهكذا فإن الاصطفاف سيعتمد على تشكيلة الحكومة المقبلة وسياساتها وتعاملها مع مختلف الكتل والأعضاء.

وهناك دعوة قوية للتوافق بين الحكومة ومجلس الأمة، حتى لا تهدر الطاقات والأوقات كما جرى، وتضيع على الكويت فرص التنمية والتحديث والتقدم على رغم إمكانياتها الهائلة. أما أهم النتائج فهي اكتساح الإسلاميين السنة وممثلي القبائل وتراجع تمثيل الشيعة قليلاً، وانحسار المنتمين للتيار الديمقراطي والليبرالي من التجار. وطبعاً فقد حصد أبرز المعارضين وهما فيصل المسلم ومسلم المبارك أعلى الأصوات وأصبحا بطلين وطنيين.

وبناءً على ذلك فإنه يتوقع أن ينحصر المتنافس لرئاسة مجلس الأمة ما بين المعارض التاريخي أحمد السعدون وقطب رجال الأعمال محمد الصقر وكلاهما نائبان سابقان.

أما النتيجة المخيبة للآمال فهي عدم فوز أي من المرشحات الـ 23 اللواتي تقدمن للانتخابات بعد أن فازت 4 منهن في الانتخابات السابقة، على رغم منافستهن بقوة هذه المرة، حيث تبوأت كلا من معصومة المبارك (الدائرة الأولى) وأسيل العوضى (الدائرة الثالثة) المرتبة 11 في نتائج الانتخابات وفشلن بأصوات قليلة. وهذا يعود إلى عدة أسباب مجتمعية، وغياب الأحزاب، وهو ما يطرح مجدداً ضرورة الكوتا النسائية كتدبير إيجابي مؤقت.

المحصلة هو أن مجلس الأمة الحالي هو مجلس قوي وسيكون نداً للحكومة، ويؤمل أن يسهم في إعادة تأسيس النظام السياسي الكويتي باتجاه الإمارة الدستورية البرلمانية الديمقراطية



المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
10 فبراير 2012م



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها