مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خارطة طريق للتنمية الإقتصادي في الإمارات (7) - د. ناصر بن غيث

طباعة PDF




الإطارين الخامس والسادس من خارطة الطريق يرتبطان ببعضهما البعض بصورة إستثنائية فهما يدوران حول محورين متلازمين ومرتبطين هما محوري المكان والزمان , فالإطار الخامس ينصب حول الإطار المكاني للخطة فيما يتعلق الإطار السادس بالإطار الزماني للخطة التنموية , ولهذين المحورين أيضاً إهمية خاصة لكون بعدي الزمان والمكان عاملين أساسيين في وجود أي شيء بل وكل شيء سواءاً كان هذا الشيء كائن مادي كالإنسان والحيوان والجماد أو كان كائن معنوى كالخطط والإفكار , “فأين…ومتى” يمثلان سؤالين مهمين بل محوريين لوجود أي فكرة وبدونهما تكون هذه الفكرة موغلة في التجرد والعموم بحيث تكون فارغة من أي فائدة عملية مباشرة على الأرض , ولكون خارطة الطريق لها نصيب من إسمها وهي بذلك عبارة عن خطة لعملية ذات معالم واضحة التي من ضمنها القابلية للتطبيق كان لازماً أن توضع ضمن إطار زمني ومكاني محددين

الإطار الخامس: مراعات البعد المحلي والإتحادي والخليجي

من المعروف أن دولة الإمارات عبارة عن دولة مركبة تتكون من إتحاد فيدرالي لسبعة إمارات تتمع كل منها بدرجة عالية من الإستقلالية في الكثير من المسائل خاصة المسائل الإقتصادية والتنموية والتي سمحت لكل إماراة أن يكون لها أهدافها التنموية ومن ثم نموذجها التنموي الخاصة بها وبمعزل عن الدولة والإهداف الإتحادية , وهذه الإهداف والنماذج المحلية لم تكن دائماً في تناغم مع الإهداف في الإمارات الأخرى أو الأهداف الإتحادية أو على الأقل لم تتم دائماً في إطار تنسيقي مع حكومات الإمارات الأخرى أو الحكومة الإتحادية , لذا يجد الناظر للمشهد الإقتصادي الأماراتي الكثير من المشاريع المتشابهة والسياسات المرسومة في أطار من المنافسة التي لم تكن دائماً منافسة بناءة , وهذا طبعاً إضافة إلى غياب التنسيق الإقليمي مع دول الخليج الإخرى نتيجة لعدم وجود رؤية تنموية خليجية موحدة من جانب ولضعف مؤسسات العمل الخليجي المشترك من جانب اخر

1. أضرار عدم الموازنة بين الأبعاد الجغرافية المختلفة في العملية التنموية

لكن قد يقول قائل ما الإشكالية في ذلك؟ إي ما المشكلة في أن يكون لكل إمارة إسلوبها التنموي الخاص وإهدافها الإستراتيجية الخاصة بها والتي تكون عادة إستجابة للظروف الخاصة لكل إمارة وإستناداً إلى المقومات والمميزات التي تملكها كل منها؟ أليس ذلك أفضل من وضع سياسة تنموية موحدة لا تستجيب لإحتياجات ولا تأخذ في الحسبان مقومات كل إمارة؟ ويمكن الرد على هذا الطرح بأنه لا يلزم بأن تكون هناك خطة واحدة ونموذج تنموي واحد وأهداف تنموية موحدة بل على العكس من ذلك , ما يلزم هو أن يتم رسم السياسات ووضع الأهداف إبتداءاً من القاع على القمة (Bottom-Up Approach) وليس بإتباع إسلوب من القمة إلى القاع (Top-down Approach) , بمعنى أن الأهداف والسياسات يجب أن توضع من قبل السلطات المحلية في كل إمارة لأنها الأعلم بواقع الحال ومن ثم الأقدر على رسم السياسات التي تناسب الوضع الإقتصادي وتتناسب مع القدرات والإمكانيات والمميزات لكن هذا يجب أن يتم في إطار إتحادي إن لم يكن في أطار أوسع من ذلك إي إطار خليجي أو إقليمي أو عربي

وقد قيل قديما أن الأتحاد قوة وتتجسد هذه المقولة في سعي الدول لأسباب إستراتيجية للإندماج مع غيرها من الدول في كيانات سياسية أكبر , هذا بالنسبة للسياسة أما بالنسبة للإقتصاد فمن المعروف أنه فيما يتعلق بالكيانات الإقتصادية فإن الحكمة الأزلية تقول أن البقاء للأكبر , فالكيانات والدول تتكتل حتى الكبير منها وذلك للتعامل من تحديات العولمة وإستحقاقات الحقبة القادمة , فأوروبا على سبيل المثال رغم ما تمر به من ظروف إستثنائية ما تزال تعمل حثيثاً للتوسيع وتعميق العمل الأوروبي , أي أنها تسعى إلى توسيع الإطار الجغرافي للإتحاد بضم دول جديدة وتوسيع الإطار النوعي بإضافة مجالات جديدة للعمل الإوروبي وفي نفس الوقت تسعى إلى تعميق العمل المشترك من خلال زيادة عدد المؤسسات الأوروبية المتخصصة وتوسيع نطاق إختصاص المؤسسات القائمة , ومن الممكن لهذه الرؤية وهذا التوجه أن يؤدي بأوروبا إلى التحول إلى الولايات المتحدة الأوروبية بإندماج الدول الأوروبية في إتحاد فيدرالي شبيه بإتحاد الولايات المتحدة الأمريكية , وهذا الأندماج يتطلب التخلي عن بعض الجوانب السيادية للدول الأوروبية التي تخلت عنها دون تردد مقابل ما يمكن أن تجنيه من الناحية السياسية والإقتصادية وقد أثبتت الأيام والأحداث أن البيع إلى حدٍ ما قد ربح بالنسبة للدول الأوروبية

وبالنسبة للدول العربية فيما يتعلق بالعمل المشترك أو التكامل أو التكتل الإقتصادي فالوضع لا يخفى على أحد , أما بالنسبة للتكامل الخليجي فالوضع –في رأيي- أسوأ لأنه ليس بميت كما هو حال نظيره العربي فندفنه ولا هو كحال نظيره الأوروبي فندعمه , أما التكامل في الإمارات فالوضع ما بين بين بمعنى أنه بالرغم مما يشوبه من مثالب إلا أنه قد قدم أمثلة تدعو إلى التحلي بالأمل , لكن هذه الأمثلة المشرقة تقابلها أمثلة كثيرة أقل إشراقاً بكثير , فعلى سبيل المثال وفيما يتعلق بالنتسيق بين السياسات الإقتصادية بين الإمارات يجد المراقب العديد من الأمثلة التي تدل على القصور الشديد في التنسيق بل والتنافس غير المحمود بين الإمارات بل وأحياناً بين الجهات والشركات المختلفة في الأمارة الواحدة , فعلى سبيل المثال يجد المراقب الكثير من المشاريع المتشابهة في الكثير من الجوانب مثل مناطق حرة في مختلف التخصصات الصناعية والإعلامية والتقنية , كما توجد الكثير من أوجه المنافسة غير البناءة مثلا في مشاريع البنية التحتية من مطارات وموانئ ضخمة تستوعب مئات السفن وملايين المسافرين ولا يفصل بينها سوى أميال قيلية ما يشي بالكثير من الهدر للإموال والجهود في مشاريع متشابهة , بل أن بعض الشركات العقارية في نفس الأمارات كانت تقوم بنفس المشاريع وتنافس بعضها البعض من خلال إطلاق المشاريع العملاقة في سوق عقاري يعلم الجميع صغر حجمه وإمكانيتة المتواضعة في إستيعاب هكذا مشاريع وفي المحصلة كانت النتيجة تضخم في العروض يصعب على السوق إستيعابة حتى في سنوات عديدة , إضافة إلى ذلك تتجلى المنافسة غير البناءة في منع بعض الشركات من إمارة معينة –مثل شركات توزيع البترول أو شركات الطيران- من ممارسة نشاطاتها في الإمارات الأخرى ما يمثل أجراءات حمائية تمنعها الإتفاقيات الدولية بين الدول فما بالك بإمارات يجمعها إتحاد فيدرالي

2. فوائد تنسيق السياسات التنموية بين إمارات الدولة والدول الخليجية الأخرى

إن التنسيق بين الإمارات فيما يتعلق بالسياسات التنموية سوف يؤدي –إضافة إلى توفير الجهد والموارد والوقت- إلى تكريس الإتحاد من خلال تعميق أواصر التعاون بين الإمارات , فمن خلال التنسيق المتواصل ستتمكن الإمارات المختلفة من تحديد مميزات كل منها ومن ثم التخصص في نشاطات متنوعة وربما متكاملة , بل إن هذا التنسيق قد يؤدي إلى تعزيز التعاون والإستثمار المتبادل بين الإمارات والشركات المختلفة التابعة لها , فعلى سبيل المثال تتميز إماراة الفجيرة بموقع إستراتيجي مهم كونها تقع على خليج عمان وخارج الخليج العربي ما يعطي موانئها ميزة كبيرة على باقي الموانئ في الإمارات الأخرى , في حين تتميز إمارة دبي مثلا في قطاع الخدمات المالية وقطاع السياحة لما تتمتع به من بنية تحتية متطورة وأما الشارقة فتتميز بتطور قطاع التعليم العالي والقطاعات الثقافية المرتبطة به وراس الخيمة يمكن أن تتخصص في قطاع السياحة والزراعة الشتوية , أما أبوظبي فتتميز بقطاع صناعة البتروكيماويات والصناعات المرتبطة به لما تتمتع به من وفرة كبيرة في النفط الذي يمثل المواد الأولية الأساسية لهذه الصناعة والغاز الذي يعتبر أهم مصدر للطاقة , ومما لا شك فيه أن تنسيق السياسات التنموية بين الإمارات سوف تؤدي في المحلصة إلى جعل الإقتصاد الأماراتي أكثر كفاءة وتنافسية من خلال الأستغلال الأمثل للمميزات التنافسية التي تتمتع بها كل إماراة ومن خلال إستفادة الشركات الوطنية من سوق محلية أكبر تمكنها من الإستفادة من مبدأ إقتصاد الحجم (Economies of Scale) لتخفيض تكلفة الإنتاج ورفع مستوى الجودة , وما يصدق على التنسيق بين إمارات الدولة يصدق كذلك وبصورة أكبر على التنسيق بن دول الخليج , أضافة إلى الفوائدة ذات الطبيعة الإقتصادية للتنسيق والموازنه بين الأبعاد المحلية والإتحادية والخليجية فهناك أيضاً فوائد سياسية وإستراتيجية وأمنية

الفوائدة السياسية

تتجلى الفوائد السياسية في تكريس وتعميق سواءاً الإتحاد بين الإمارات أو العمل الخليجي المشترك وذلك من خلال التنمية المتوازنه بين المناطق الجغرافية المختلفة والتي تحقق أكبر عائد للإمارات المختلفة والمناطق الجغرافية المتختلفة وفئات المجتمع المختلفة ما ينعكس على الأوضاع السياسية للدولة والخليج ككل , إذ من المعروف أن أحد أبرز أسباب عدم الإستقرار السياسي هو التنمية غير المتوازنة سواءاً من الناحية الجعرافية أو العرقية , إن عدم تبني التنمية المتوازنة التي تأخذ الأطراف في الإعتبار من شأنه أن يضعف الوحدة الوطنية بسبب شعور السكان في هذه الأطراف بالغبن والتهميش ما يؤدي إلى خلخلة البناء السياسي للدولة , ولعل السودان يمثل صورة لا تحتاج إلى تعليق لما يمكن أن تؤدي التنمية غير المتوازنة وسياسة تهميش الأطراف من نتائج وخيمة قد لا يكون إنفصال الجنوب اًخر فصولها الحزينة

الفوائد الإستراتيجية

في نظام إقتصادي عالمي متتعدد الأطراف والإقطاب تبزر أهمية التكتلات الإقليمية أو الإقتصادية لما يمكن أن تضيفه مثل هذه التكتلات من قوة تفاوضية كبيرة للدول الأعضاء –خاصة الدول الصغيرة- تمكنها من الحصول على شروط تجارية أفضل سواءاً في المفاوضات التجارية ثنائية الأطراف أو متعددة الأطراف , لذلك نجد أن النظام الإقتصادي العالمي يتجه ويتحول من العلاقات بين الدول إلى العلاقات بين التكتلات الكبرى مثل الإتحاد الإوروبي أو الشمال أمريكي (NAFTA) أو الجنوب أمريكي (MERCOSUR) أو الجنوب أسيوي (ASEAN) , ولا شك أن التنسيق القريب والمتواصل سواءاً في الإطار الإتحادي أو الخليجي أو العربي سوف تكون له أضافة كبيرة لشروط التبادل التجاري التي يمكن أن تحصل عليها دولة الأمارات أو الدول الخليجية والعربية

الفوائد الأمنية

مما لا شك فيه أن الرخاء الإقتصادي يمثل أكثر الوسائل فعالية للوقاية من الكثير من الإشكاليات الأمنية والإجتماعية والسياسية , إذ لا يمكن لمراقب أن يجد الكثير من المشكلات الأمنية كتلك الناتجة عن التصارع العرقي أو التصادم الثقافي في المتجتمعات التي تتمتع برخاء إقتصادي لو نسبي , وفي المقابل يجد المراقب الكثير من الأشكاليات في المجتمعات التى تعاني من نسبة عالية من الفقر , فعلى سبيل المثال يعتقد الكثير من المراقبين أن الرخاء الذي يتمتع به المجتمع الأمريكي قد حصنه ضد الكثير من الإشكاليات التي قد يسببها التنوع العرقي والثقافي الذي يتسم به , وفي الجانب المقابل فإن ما يشهده اليمن من إشكاليات أمنية قد تحوله مثلا إلى أن يكون الخاصرة الأمنية الرخوة لدول الخليج دليل على ما تم الذهاب إلية , إذ أنه بسبب إهمال دول الخليج لهذه الدولة الشقيقة والجارة وتركها تجاهد في مكافحة الفقر والجهل ونوائب الزمان فقد تحولت هذه الدولة إلى برميل باروت ما لبث أن إنفجر مرسلاً تبعاته إلى ما وراء حدود اليمن , لذلك فإن التنسيق بين الإمارات ودول الخليج المختلفة وتحقيق التنمية المتوازنه من شأنه أن تجنيب الدولة والمنطقة الكيثر من الإشكاليات الأمنية التي هي أخر ما تحتاجه في هذا الوقت بالذات



المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث
13 فبراير 2012



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها