مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

قـراءة رشــيدة لمقالي علي الكواري: الوعي السياسي وعُقـد الانتخابات - ســمير الشميري

طباعة PDF




تمهـــــــــــــــــيــد:

بداية تخالجني رغبة عارمة في توجيه تحية حارة للدكتور علي خليفة الكواري، الذي وضع أصبعه على الجرح وتميز ببسالة فكرية عندما بسـط يده على موضوع مؤرق وملح يصب في مجرى الديمقراطية والانتخابات والدستور والتعديلات الدستورية التي تلامس السطوح ولا تجــد طريقها إلى النور.

الأستاذ / علي خليفة الكواري تنهشه الرغبة الحقيقة والصادقة في تغير الواقع وتجاوز عقدة الديمقراطية والانتخابات واستطاع أن يضع بصمته في المقالتين وفي سياقات سلسة ومتلاحمة، لقد كان لبيباً في سـرده لبوادر الوعي السياسي في قطــر 1950م- 1970م .

ولا أبوح ســراً إن قلت أني قرأت المقالتين "بوادر الوعي السياسي في قطر 1950-1970م "  و"عقــدة الانتخابات" بنهـم منقطع النظير لما تضمنته المقالتين من عرض ورحابة في التفسير ومن غـذاء فكري وممتع في العرض والتحليل فتها طلت أفكار هادئة ومفيدة بمنأى عن الرتابة والسماجة الفكرية، فأزاحت من أذهاننا كومة من التشويش والضباب الكثيف ومدتنا ببصيرة واضحة عن بوادر الوعي السياسي القطري ومراحل تطور النظام السياسي المؤقت في الشقيقة قطــر.

ولعلني لا أجانب الصواب إن قلت – إن موضوع الوعي السياسي والانتخابات والتعديلات الدستورية، من المواضيع الساخنة في عالمنا اليوم ولها رنين أنيق في عقولنا وأفئدتنا وتمس أخطر قضايا الساعة.

أولاً : بداية الوعـي السياسي القطري:

المقالة الأولى ثرية بمضمونها وملامحها حيث وضع د. علي خليفة الكواري يده على بوادر الوعي السياسي القطري بإشارات نابهة ومكثفة وتشمل هذه المرحلة من عام 1949م- 1963م . حيث وأسجل اغتباطي بما ورد في المقالة من معلومات قيمة لنا كنا نجهلها في السابق وشكلت غـذاء فكري دسماً لمعارفنا وعقولنا.

ولقد كانت قراءته رشيدة للمشهد الثقافي والتنويري في قطر حيث أكــد أن بداية : (الوعي السياسي الحديث في قطر ( بزغ ) مع بداية عصر النفــط فيها , عندما تحولت الإدارة التقليدية إلى نمــط من الإدارة الحديثة بعد تصدير النفـط عام 1949م, وتغير الحاكم وتعيين مستشاراً بريطانياً على رأس الإدارة العامة ).

وبخطوات عريضة ورشيقة ينتقل د. علي خليفة الكواري إلى مطالب الأهالي بالمشاركة في القرار وبنصيب من دخل النــفط وحسن استــخدام عائداته للصالح العام ...

ووقف د.الكواري في غير استطراد في تتبع نمو الوعي السياسي الذي كان متواكباً مع انخراط القطريين للعمل في شركة نفـط قطــر وفي الحكومة وتقدموا بمطالب نقابية ووطنية منذُ عام 1946م . وفي قلب هذا التوهج تناسلت التجمعات العمالية والجمعيات الإسلامية والاجتماعية وانخرط القطريين بقوة للمشاركة في الشأن الوطني والقومي هذا ما بينه د.علي خليفة الكواري بصورة متدرجة وبغير تكلف أو تصنع في لغته وأفكاره، على النحو التالي:

- 1950م - بدأت التجمعات النقابية الوطنية القطرية .
- 1955م – تأسست الجمعية الإسلامية وظهور تجمعات اجتماعية من مختلف القبائل والعائلات القطرية .
-1956م – مظاهرات مؤيد لمصــر وضـد العدوان الثلاثي على مصر .
- 1963م – مظاهرات مؤيدة للثورة الجزائرية مرفقة بإضرابات عمالية وتجمعات جماهيرية.

وقبل ذلك بقليل ظهرت " منظمة التاكــسي " لحماية مالكي السيارات من الابتزاز ومضايقتهم في لقمة عيشهم من قبل بعض كبار التجار والمقاولين والطفيليين.

ولقد كان جواداً في قراءته للمشهد الثقافي القطري وتتبعه النابه لمسألة تشكل الأندية الثقافية القطرية والأحزاب السياسية بــ:

1- نادي الطليعة ( 1959م ) , والذي تعرض لمحنة خطيرة بسبب نشاطه الثقافي الذي يتقاطع مع فكر ومنهج أهل القرار ( بما طرحه من نقــد من خلال مسرحه ومجلته الشهرية حتى أغلق وزج ببعض أعضاءه في السجن وحظر انتساب أعضاءه إلى الأندية منــذُ عام 1961م).
2- نادي الجــزيرة . 3- فرقة الأضــواء . 4- نشوء الأحزاب السياسية.

لقــد حركت الأندية الثقافية والأحزاب السياسية الجماهير القطرية التي تهفو للمشاركة الشعبية في صنع القرار وتكوين المجالس البلدية والاستشارية المنتخبة شعبياً وبطرق ديمقراطية , ولقد أفضـى الحراك الثقافي والسياسي والوطني إلى:

( تقديم عريضة الحركة الوطنية ذات المطالب الاجتماعية والسياسية الشاملة , في مارس 1963م , والتي ترتب عليها اعتقال العشرات من أهل قطــر وإبعاد بعضهم من البلاد ) .

- أهجس أن الدكتور / علي خليفة الكواري لو مـد بصـره قليلاً وانخرط في سؤال:

الوعي السياسي ومعضلاته لأنتـج نصــاً رصيناً تضاف إلى محمود خصاله ..

ولست بحاجة إلى التساؤل:

1- ماهــــو الوعــي السياسي؟

2- ما سمــات الوعي السياسي القطري؟

3- ما عثرات الوعي السياسي القطري؟

4- هل الوعي السياسي شأن خاص بالنخب السياسية ؟ أم شأن عام؟
وكيــف نفرق بينهمــــــــا؟!!

5- هل توجد طبقة عاملة في قطر أم ثمة شرائح عمالية لا ترتقي إلى مستوى
الطبقــة؟

6- هل ولادة الوعي السياسي كان متواكباً مع ولادة المجتمع المدني الحديث
في قطــر؟!!

7- وما صــلة الوعي السياسي بالحــراك المــــدني ؟!!

وأكاد أجزم أن الوعي السياسي في قطر فيه ما يشبه الوعي السياسي في اليـــمن:

- الوعي السياسي بوجه عام لا زال متدنياً , ويتجلى ذلك في عشوائية المواقف الانتقائية الشديدة في ممارسة الحياة السياسية , وفي المشاركة في الفعل السياسي الحقيقي , فقادة الرأي والفعاليات السياسية يتعاملون بموسمية مع الجماهير حسب درجة ارتفاع وانخفاض حرارة الطقس السياسي , وهذا يلقي بضلاله على الجماهير والتي في أحايين كثيرة تفقد بوصلة التمييز ولا تعرف طريقها فتالتبس الأمور لديها ويضيع الطريق من بين أقدامها بعيداً عن قسطاس الحكمة والتبصر في زحمة الأفكار المصطرعة .فالمشاعر والأحاسيس والعواطف والعلاقات القبلية والعشائرية ورابطة الدم هي الشاخصة في الفعاليات السياسية والمدنية في المجتمع وفي غير مكان تكون الشعارات الحماسية والخطب المنبرية والانفعالات هي المتحكمة في العقل السياسي في وقت يغيب فيه الوعي السياسي الرشيد الذي يرشد الناس إلى الصواب و يجنبهم الوقوع في الأمل والأخطاء الفاحشة المسالك الزاخرة بالمعاطب.

فمن أول أولويات الحراك الديمقراطي الوعي السياسي الصائب الذي يغير جغرافية العقل ويساعد على تجديد شرايين الحياة السياسية والاجتماعية الاقتصادية ويغرس شتلات المعرفة والتنوير وينشر قيم الحرية والديمقراطية والحوار و الاستنارة ويحمل فأس التغيير الديمقراطي والانتخابي في مسلك وجيه ومقنع لا يتربص به الزلل.

ثانيـاً:- عُــــقدة الانتخابات:

الديمقراطية ثوب قشيب تلبسه الأنظمة بما فيها الدكتاتورية، ففوق قطار الديمقراطية تسلقت النخب والأنظمة الاجتماعية وحولتها بعض الأنظمة إلى مهرجانات وصخب وضوضاء وجوائز واحتفالات ونياشين وهرطقة كلامية وطمطم خالية من المضمون.

فلا يصبح النظام ديمقراطياً بمجرد أن ينص دستوره على : الديمقراطية , والانتخابات , البرلمانية والرئاسية والشعب مصدر السلطات , والتداول السلمي للسلطة , وفصل السلطات وحرية الرأي والعقيدة والتعديلات الحزبية والسياسية وحكــم الأغلبيــــة ... الخ.

فالديمقراطية ثقافة وقناعة وممارسة حكيمة للسلطة ومسلك قويم في الفضاء العام من أجل الشعب ولصالح الشعب وتنافس شريف ومسؤولية اجتماعية وأخلاقية يتخلى فيها الحكام عن نوازعهم الذئبية والغرائزية لصالح الأمة التي تكون مصدر السلطة , تنتخب الأخيار وتزيح الأشرار من ســدة الحكم ومن خلالها يتم التناوب السلمي للسلطة في ملعب ديمقراطي متحضر , وتتساوق الديمقراطية بمعارضة قوية تعقلن الشطحات وتكبح النزعات الضارة ويصــب نشاطها في مجرى الحراك الديمقراطي التكاملي المؤدي للنماء والاستقرار السياسي والاجتماعي والمعيشي وتطور البني والمؤسسات والحقوق والحريات العامة وانساق المعرفة وتوسع أفــق الحياة وتنقل الصراع السياسي من حلبة العنف والاحتراب إلى حلبة الحوار والتفاهم والمشاركة والتسامح واحترام الرأي والرأي الآخر والأقلية وحرية الاختيار والعقائد والعادات والتقاليد والتعددية السياسية والاجتماعية مما يؤدي إلى تعضــيد المجتمع وصــد التبرعمات والتغلب على دواعي الإحباط واليأس.

لقـد شعرت بنشوة غامرة وأنا أقرأ مراحل تطور النظام الأساسي في قطر , بدءاً بالنظام الأساسي المؤقت , الذي صدر قبل الاستقلال بستة أشهر ( 2/ 4/ 1970م)
حيث أكــد النظام الأساسي أن النظام في قطر " ديمقراطي " , ثم مرحلة النظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972م , فالنظام المعدل لعام 1972م , حسب تعبير د. علي خليفة الكواري ( الغي ما وعد به النظام المؤقت لعام 1970م , وجاء بمبدأ الانتخاب السري المباشر واعتبر التعيين لمدة عام واحد استثناء ولكنه تخلى عن وعده الصريح والمحدد المواعيد بإجراء اقتراع عام سري لأعضاء مجلس الشورى , فثبت مبــدأ تعيين أعضاء مجلس الشورى المعمول به حتى الوقت الحاضر ) , وهنا تكمن المعضلة , معضلة عُقدة الانتخابات والتي لو تم تجاوزها وطبقت الانتخابات على أرض الواقع لشكلت خطوة نجيبة في إيقاع الحياة اليومية ولأحدثت حراكاً ديمقراطياً مثمراً يؤدي إلى تطوير أفق المجتمع والنظام السياسي وتصب في قالب الإصلاحات الحقيقية الهادفة إلى تجاوز الكابح والموصدات وتثبيت دعائم اللُحمة الوطنيــــة.

وأخيراً ماذا يريد الأستاذ المفضال / علي خليفة الكواري من مقاله " عُقدة الانتخابات " ؟؟ هل هو من هواة الاصطياد في الماء العكر؟!!
أم أنه يريد ديمقراطيه وحرية جامحة بلا حدود ؟ أم أنه يريد تثبيت وعي مغلوط عن الحرية والانتخابات والنظم الديمقراطية ؟ أم أنه يريد مزيداً من الاحتراب والتشظي المجتمعي؟ أم أنه من المشغوفين بالهرطقة اللسانية والخلخلة الفكرية والتنازع ألقيمي ؟ أم أنه يوجه انتقادات طائشة وغير مسئولة لنظام اجتماعي فوق النقد والشبهات ؟!!

وأجــد لزاماً علي أن أقول أن الأستاذ علي خليفة الكواري مشحون بقلق التغيير الدستوري والانتخابي والديمقراطي الشامل , ومع التحولات الديمقراطية السلمية وفقــاً للأعراف الديمقراطية التي لا تتجــه صوب القشـور الفسيفسائية وتبتعـد عن التهويم فوق السحاب.

إنه لا يتحدث برطانة غريبة ولا بنغمة تشاؤمية ولا بلسان معسول , إن صوته مفعم بالأمل في خلق ديمقراطية وانتخابات وتعديلات دستورية ومناخ للحرية تسود فيها السكينة والوئام المــدني.

وغني عن البيان القول , أن الأستاذ الدكتور / علي خليفة الكواري كان سلساً ورصيناً في أطروحاته , بسـط وقائع متجانسة ورجح كفــة الانتخابات والحوار والسجال الهادف على الخيارات الأخرى , إنه لم يخطـى.

لقد كنت موفقاً في أطروحاتك يا دكتور علي خليفة الكواري..

"ومن أكون أنا حتى أجزم أنك على خـطأ "( جان بول سارتر) .
" فمــــن يريد الوصول إلى هـــــدف بعيـــد عليه أن يخطو خطوات صغيرة " (هلموت شميت )

----------------

* د.. ســمير عبد الرحمن الشميري
أستاذ علم الاجتماع السياسي – جامعة – عــدن


----------------
** انظر المقالين والبحث الكامل الذي اشتق من المقالات علي موقع الدكتور علي خليفه الكواري:

بوادر الوعي السياسي في قطر

عقدة الانتخابات (قراءة تاريخية للنظام الأساسي)

حالة الديمقراطية في قطر (البحث الكامل)



المصدر: موقع الدكتور علي خليفه الكواري
21 فبراير 2012



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها