مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خارطة طريق للتنمية الإقتصادية في الإمارات (8) - ناصر بن غيث

طباعة PDF




الإطار السادس: اختيار الإطار الزمني المناسب


يعتبر تحديد الإطار الزمني المناسب من أكبر الإشكاليات التي تواجه واضعي الخطط التنموية وراسمي السياسات الاقتصادية , وتكمن الإشكالية في الأساس في الموازنة بين البعد الإستراتيجي طويل الأمد للخطة والمتطلبات التفصيلية قصيرة الأمد , بمعنى أن على الخطة أن تأخذ في الحسبان الإطار الزمني اللازم لتحقيق الأهداف الإستراتيجية العامة بعيدة الأمد مع عدم إغفال الإطار الزمني المطلوب لتحقيق الأهداف التفصيلية الذي يتميز بمداه القصير , كما استعجال النتائج يعتبر كذلك أحد أبرز الإشكاليات المرتبطة بالبعد الزمني , هذا بالإضافة إلى المشاكل الناتجة عن ترك الإطار الزمني دون تحديد بحيث لا يكون للعملية التنموية أي أفق زمني يستطيع أن يبصره الناس

كما أن مشكلة تحديد الإطار المناسب قد تتجلى في عدم التناسب بين الأهداف والآجال بمعنى عدم وضع الأجل المناسب للهدف المناسب , وهذه المشكلة قد تنجم عن عدم وضوح الرؤية (الإطار الثاني) الذي عادة ما يؤدي إلى الخلط بين مرجعية الهدف أو مرجعية الأجل بمعنى أنه هل يتم اختيار الهدف ثم تحديد المدة اللازمة لتحقيقه أم يتم تحديد إطار زمني معين ومن ثم البحث عما يمكن أن يتم تحقيق خلاله , ولعل في الأطر الزمنية المختلفة والمتباينة التي تم تحديدها للخطط التنموية -سواءاً في الدولة من قبل الإمارات المختلفة أو في دول الخليج الأخرى- ما يعكس هذا الخلط , فمن إمارات الدولة من وضع رؤية للعشرين السنة القادمة ومنها من وضع رؤيته لما هو فوق ذلك أو دونه من الزمن (1) , وفي الواقع لا أدري ما الأساس الذي تم بناءاُ عليه اختيار هذه الأطر الزمنية

وفي الإمارات أو دول الخليج فيما يتعلق بالبعد الزمني للخطط التنموية كانت الإشكاليات تتراوح بين استعجال مخل للنتائج يفقدها البوصلة والاتجاه وتأني فاحش يفقدها الزخم والدافع , ففي العديد من دول الخليج كما في الكويت مثلاً التي كانت تقود القافلة الخليجية فيما يتعلق بالتطور والتمدن خلال فترة الستينات والسبعينات افتقدت الخطط التنموية إلى إطار زمني محدد –بالرغم من وجود رؤية الكويت 2035- ما أفقدها الزخم والقوة الدافعة وذلك بسبب البيروقراطية المبالغ فيها في دوائر السياسة والإدارة العامة وهذا مرجعه من وجهة النظر السائدة –ضمن أسباب أخرى طبعاً- طبيعة النظام السياسي الأعرج في الكويت الذي يعتبر نظام نصف ديمقراطي , بمعنى أن السلطة التشريعية منتخبة في حين أن السلطة التنفيذية ليست كذلك ما أدخلها في صراع غير عقلاني كانت الكويت ورخائها وتنميتها أول وأبرز ضحاياه , وفي مقابل هذا التباطؤ والبطء الشديد في إقرار وتنفيذ الخطط التنموية في الكويت يأتي الوضع في دبي على النقيض من ذلك , إذ اتسمت وتيرة العملية التنموية التي شهدتها دبي إبان الطفرة العقارية بالسرعة الشديدة وحالة من حرق المراحل الأمر الذي أدى إلى فقد الجميع –إبتداءاً من الحكومة مروراً بالشركات الكبرى وإنتهاءاً صغار المستثمرين والمضاربين- السيطرة على الأوضاع , فقد الحكومة السيطرة على معدلات التضخم التي وصلت إلى مستويات قياسية وكذلك فقدت السيطرة على ممارسات الشركات العقارية الحكومية الكبرى التي قادت الطفرة العقارية والتي اتسمت بعدم الكفاءة والمخاطرة بل والفساد الذي استشرى بدرجة كبيرة في الشركات والمؤسسات الحكومية , ولعل أبرز نتائج هذه المرحلة هو أولاً صورة الفساد المالي الغير مألوفة في المنطقة الخليجية وثانياً أزمة الديون الناتجة عن تراكم الديون على الشركات والمؤسسات الحكومية والتي تجاوزت أي مستوى اَمن ويعلم الله كيف ستتمكن دبي من تجاوزها وسداد هذه الديون

ولعل أفضل وسيلة لتجاوز إشكالية الموازنة بين البعد الإستراتيجي والمتطلبات التفصيلية هو استخدام إطار زمني مركب , بمعنى تحديد الأهداف الإستراتيجية العامة ووضع الإطار الزمني اللازم لها ثم تقسيم كل هدف من هذه الأهداف الإستراتيجية إلى مجموعة من الأهداف المرحلية الصغيرة التي تحتاج إلى فترة أقل لتحقيقها ويمثل تحقيق كل منها تجاوز مرحلة من المراحل هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى يتم تقسيم الإطار الزمني إلى أجل إستراتيجي (عشرين أو ثلاثين سنة) وآجال مرحلية (خطط خمسيه أو عشرية) كما هو الحال في الصين التي تقدم أكثر صورة التنمية الاقتصادية إشراقاُ في القرن الحادي والعشرين

(1)  لقد وضعت أمارة أبوظبي (الرؤية الإقتصادية 2030) , ودبي كانت قد وضعت (خطة دبي الإستراتيجية 2015) في حين أن الخطة التنموية الأتحادية تمتد إلى عام 2021 من خلال (رؤية الإمارات 2021) , وفي دول الخليج يوجد في قطر (وؤية قطر الوطنية 2030) وفي البحرين توجد (رؤية 2030) وفي عمان فتوجد الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عمان 2020) في حين أن الكويت تتبنى خطة تنموية تمتد إلى عام 2035 (رؤية الكويت 2035) , أما السعوية فتتبع نظام الخطط الخمسية التي بدأ العمل في الخطة الخمسية التاسعة في عام 2010




المصدر: مدونة د. ناصر بن غيث
19 فبراير, 2012


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها