مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

جليب الشيوخ.. بؤرة فوضى إلى متى؟! - محمود الزاهي

طباعة PDF

 

القبس جالت مجدداً في المنطقة ورصدت التكدس والعشوائية وأوضاع العمالة الهامشية
جليب الشيوخ.. بؤرة فوضى إلى متى؟!


محمود الزاهي
لا وجود للقانون ولا حديث عن مؤسسات الدولة حتى الخدمية منها.. الحاكم هنا هو قانون القوة، والحياة يرعاها «العرف» والمناصب توزع بين السكان بالتوافق.. هنا دولة «جليب الشيوخ» المجاورة.. الجميع يعيش وفق نظام خاص ويوفر احتياجاته بطرق مختلفة عن باقي البشر. سكانها يمارسون أنشطة، بعضها يشبه تلك التي نراها في العلن، لكن هذا لا يمنع وجود أنشطة أخرى مخالفة تمارس في الظلام، بل وفي سراديب تحت الأرض يشرف على توفير الحماية لها العديد من «النضورجية» و«الصبيان» الذين يتبعون لـ«فتوة المنطقة» الذي يتكفل بتوفير الحماية للموجودين.
يسيطر على «دولة الجليب» عدد من الجنسيات أبرزها البنغالية والهندية والمصرية والسورية، لكن الزعامة في كل منطقة بها تبقى للأغلبية الموجودة باتفاق المقيمين فيها.
مشاهد عديدة تزخر بها شوارع المنطقة يتفق معظمها على كونها نتاج ثقافة الزحام والفقر معا، لذا فلا عجب أن تجد في تلك المنطقة أناسا يعيشون طوال أيام السنة على وقع رائحة مياه المجاري، ويقضون يومهم في معاناة القفز يمينا ويسارا بعيدا عن البرك التي خلفتها عمليات الطفح المستمرة. يحدث هذا في منطقة كانت يوما ما ملجأً يؤمن المياه النقية لأهل الكويت بفضل البئر أو «الجليب» الذي حفره الشيوخ قديما، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى «مستنقع» للعشوائيات يسكنه معدمو الحال ومخالفو الإقامة الذين غضت الدولة الطرف عنهم في إطار اتفاق غير معلن، فباتت المنطقة مرتعا للممارسات غير القانونية كافة.

«كل شيء هنا مباح في ظل الغياب الأمني، عبارة خرجت على لسان الفتى علي المطيري - وهو ابن لعائلة كويتية تعيش في منطقة العباسية ذات الغالبية البنغالية - لتعكس حجم المأساة، لم يتركني الفتى للتفكير، إذ سرعان ما أشار بيده إلى أعلى نحو الأسلاك التي تغطي محيط الشارع وأسطح المنازل والتي يستخدمها جيرانه في نشاط المكالمات الدولية، أما المنزل الملاصق لهم فأكد لنا أنه عبارة عن مصنع خمور محلية الصنع يتم بيعها للهنود على وجه الخصوص.

«باطنية» جديدة
كان الحديث عن مصنع للخمور أمرا غريبا لكنه بات واقعا حين رأيت بعيني في أحد الشوارع القريبة اثنين من الهنود ينصبان منضدة لبيع الخمر، في مشهد أقرب ما يكون لما رأيناه صغارا في فيلم الباطنية.
نبهني لعملية البيع حارس العمارة المجاورة وهو مصري الجنسية إذ أشار الى أن باعة السموم هؤلاء يعرفون زبائنهم جيدا ولا يبيعون لأي غريب، فهما يقفان أمام أحد المحال ليأتي المشتري فيدفع المبلغ، وهو بالمناسبة قليل جدا إذ لا يتعدى ثمن كيس فيه نحو نصف ليتر من الخمور مبلغ دينار ونصف الدينار.
عملية البيع تلك تبلغ أوجها يومي الخميس والجمعة، إذ يقف الراغبون في طابور أمام البائع، وهو وضع أكد الحارس أنه يتم دون خوف، مبررا كلامه بأنه حين سأل أحد رجال الشرطة الذي تربطه به علاقة قديمة بحكم العمل، جاء الرد أن هذه الخمور أمر عادي في الهند وليس هناك عقاب لمن يتناولها؟!

سكارى ومخالفون
أما الشاب علي المطيري فأخبرنا أنهم لجأوا كثيرا للمخفر لكن « لا حياة لمن تنادي» رغم سوء الوضع الذي وصل حد دخول بعض السكارى عليهم في المنزل، أما مخالفو الإقامة فموضوعهم أمر معتاد في منطقة تمتلئ بالكراجات غير المرخصة، لذا فلا عجب أن يطرق عليك الباب أحد باعة الأفلام الخلاعية أو مروجي الأغذية منتهية الصلاحية.
أمام «منزل أسرة كويتية» وهي إحدى أسرتين تعيشان بالمنطقة كان طفح المجاري يملأ الشارع، وهو ما دفعني لسؤال البائع البنغالي في البقالة المجاورة عما إذا كانوا قد اتصلوا بالبلدية أم لا فجاءت كلماته «هذا مجاري موجود 24 ساعة بلدية يجي إذا ما ياخد فلوس ما يسوى «مضيفا» هو ياخد فلوس بعد واحد يوم يسير مجاري خراب مرة تاني».
وإذا كانت « العباسية « تعكس مشهدا للحياة في الجليب فإن منطقة الحساوي تزخر بالعديد من المشاهد الأخرى التي لا يمكن تجاهلها إذا أردنا نقل صورة واقعية للحياة هنا.

زحام وفوضى
ما إن تطأ قدمك شارع محمد بن القاسم وهو الشارع الرئيسي في المنطقة حتى تكتشف أنك أمام حياة أخرى غير تلك التي يعيشها سكان المناطق القريبة، فالشارع ممتلىء بالسيارات على مدار الساعة ويزيد المشكلة تعقيدا اتخاذ باصات النقل العام منه موقفا دائما لها، وهي مشكلة دائمة وفق تأكيدات السكان الذين أكدوا أن حركة السير تتوقف تماما في الشارع مع بزوغ الفجر حين يبدأ طوفان العمالة في التحرك لعملهم اليومي، حتى إن الخروج من الشارع في الصباح يحتاج الى أكثر من ساعة يوميا.
السكان انتقدوا أيضا وقوف الباصات بنهر الشارع وعدم التزامها بالوقوف في الموقف الخاص بها والقريب أيضا من المنطقة، مشيرين الى أن الزحام كثيرا ما يتسبب في مشاكل بين الأهالي بسبب صعوبة حركة السير والحوادث الناجمة عن ذلك.
تخلق ثقافة الزحام والفقر عالم خاص بهما تبدو ملامحه على جانب الشارع في شكل «شبرة خضار» تنتشر على مساحة واسعة لتجعل من المنطقة سوقا كبيرا بحكم الأمر الواقع إلا أن ما يميز هذا السوق هو رخص الأسعار التي لا مجال لمقارنتها بتلك الموجودة في الجمعيات التعاونية أو غيرها من الأسواق.

أسعار خيالية
ويكفي أن نعرف أن سعر جوال به 20 كيلو بصل لا يتعدى 2 دينار أما كيلو التفاح الأميركي فيباع بربع دينار في حين تباع حبة الخس التي يزيد سعرها في الجمعية عن نصف دينار بـ100 فلس بينما يباع الكرتون كامل بسعر 750 فلسا.
الحديث عن طريقة تخزين آمنة لتلك البضاعة يعد نوعا من الرفاهية لا مجال له هنا والسبب أنها تكوم في الأرض نهاية كل يوم بالقرب من برك المجاري حتى يعاد نقلها للفرش في اليوم التالي، أما تفسير الأسعار المنخفضة فهو واحد من اثنين أولهما ما يتبناه عامة الناس وهو أنها بضاعة مسروقة بطريقة أو بأخرى من الجمعيات أو غيرها من الأماكن فضلا عن انتهاء صلاحية بعضها وقيام عمال النظافة بالحصول عليها من الجمعيات بثمن بخس.أما التفسير الثاني فهو ما ذكره الباعة أنفسهم حين أكدوا أنهم يقومون بشراء تلك البضاعة من «شبرة الصليبية» لبيعها في هذا المكان وهو تفسير يضع العديد من علامات الاستفهام بشأن الفارق الشاسع في الأسعار بين ذلك المكان وغيره من أسواق الكويت خصوصا في ظل وجود بضاعة طازجة لا تقل في جودتها عن تلك الموجودة في أرقى الأماكن؟!

كرٌّ وفرٌّ
يعيش الباعة في سوق الخضار في كر وفر مع «البلدية» كما يقول ناصر وهو مصري جاء من محافظة سوهاج في صعيد مصر بعد أن دفع 1200 دينار نظير الحصول على الإقامة، إلا انه وجد نفسه عاجزا عن الاستمرار في العمل بالمعمار فقرر التوجه للشبرة لتوفير رزق أبنائه الستة، لكن هذا يتطلب منه أن يكون يقظا حتى إذا ما جاءت «البلدية» لمصادرة البضاعة أمكنه الهروب بما يستطيع منها إلي مكان آمن.
على بعد نحو 200 متر من شبرة الخضار وبالقرب من الدائري السادس يقع « سوق الحرامية» وهو المكان المخصص لبيع مختلف الأجهزة الكهربائية والملابس والأدوات المنزلية، وهو سوق يسيطر عليه عمال النظافة البنغاليون في المقام الأول، لذا فهو يبدأ في الثالثة عصرا مع عودتهم من أعمالهم ليستمر حتى انصراف كل منهم إلى النوم، أما البضاعة فهي كل ما يمكن أن يخطر على البال، أحذية ماركات عالمية، تلفزيونات وأجهزة ريسيفر، أدوات منزلية ومطابخ وغيرها من مستلزمات المنزل جميعها تباع بأسعار تبدأ من 100 فلس لقطعة الملابس أو دينار للحذاء وأربعة دنانير للتلفزيون وهي أسعار تثير كثيرا من علامات الاستفهام ربما يفسرها اسم السوق.

سرقات متنوعة
يعرف مرتادو السوق بغالبيتهم أن معظم السلع هنا إما أنها لا تصلح للاستخدام واما أن الجيد منها تمت سرقته، لكنهم يقبلون على الشراء دون أن يعيروا هذا الأمر اهتماما، وهو ما عكسته صورة كثير من مرتادي السوق الذين يتجولون لشراء بعض السلع التي يعد اقتناؤها بالنسبة لهم فرصة قد لا تتحقق إلا عبر بوابة هذا المكان.
حكايات «الجليب» لا تنتهي فالمنطقة تعد وفقا للإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية إحدى البؤر الإجرامية في البلاد والتي تستخدم في تنفيذ عمليات خطف الخادمات وهتك عرضهن بالإكراه بل وبيعهن لراغبي المتعة وهي أمور يراها محمد حسين وهو صيدلي يعمل في المنطقة منذ ثلاث سنوات أمرا عاديا إذ يشير إلى أن عمليات الخطف أمر معتاد في ظل تكدس عمالة ووجود كثير من مخالفي الإقامة.
ويضيف حسين أن هؤلاء يشكلون عصابات منظمة تقوم بخطف الخادمات اللاتي يهربن من بيوت كفلائهم لتظل الواحدة منهن تباع لراغبي المتعة الحرام طوال فترة وجودها، وهم في ذلك يستخدمون كثيرا من أتباعهم لتأمين الحماية للمنزل الذي يمارسون فيه تلك الأعمال، حتى إن المنزل نفسه يتكون من عدة دهاليز تتيح لهم الهرب وترك الضحية بمفردها حال شعورهم بالخطر.

ممنوعات من كل نوع
تشكل الجليب بيئة خصبة لتجارة المخدرات، ويباع فيها الكثير من الممنوعات، وأبرزها مخدر الهرويين الذي يعد الأكثر رواجا، وفق تأكيد أحد الصيادلة العاملين بالمنطقة منذ نحو ثلاث سنوات، الذي اشار الى أن هذه السموم يروجها الهنود والبنغال لزبائنهم.
الزحام أكبر مشكلة
سيد جابر احد أبناء محافظة قنا أكد لنا أن ابرز مشاكل المنطقة التي يسكن فيها منذ 13 عاما تكمن في الزحام ومياه الصرف الصحي، مشيرا الى أن الدعارة وتجارة الجنس كانت تشكل ظاهرة في الماضي لكن يمكن القول انها قلت كثيرا في الوقت الراهن.
ذبح خارج المجازر
محلات الجزارة في الجليب يبدو أنها تذبح خارج المجازر وهو ما يفسر قيام بعض المحلات بوضع الحيوانات الحية التي سيتم ذبحها في سيارات نقل أمام الجزارة ربما لبث الطمأنينة في نفوس المشترين.

مشاجرات دامية
ثقافة الزحام سبب رئيسي في وقوع العديد من المشاجرات كتلك التي شاهدنــاها أثناء وجودنا في شبــرة الخضــار والتي وصلت إلى حــد قيـــام أحدهــم بقيــادة سيـــارتــه مهددا من يتشاجر معه «بفرمه» أسفـل عجلاتها.. وهي مشاجرات غالبا ما تخلف مصابين بل وقتلى في بعض الأحيان.

حبوب منع الحمل
أثناء وقوفنا في إحدى الصيدليات دخلت فتاتان يبدو أنهما من الجنسية البنغالية أو الهندية لشراء حبوب منع الحمل، وهو أمر علق عليه الصيدلي ضاحكا قبل أن يؤكد لنا أنهما تشتريان هذه الحبوب بصفة مستمرة.

مخدرات
يؤكد الصيدلي ان المنطقة تشهد رواجا كبيرا في تجارة مخدر الهيرويين الذي يحصل عليه البنغال والهنود بطرقهم الخاصة لبيعه لزبائنهم، وهم مواطنون في الغالب يعرفهم من يعملون في الصيدليات لأنهم يحصلون منها على «السرنجات» التي تستخدم في التعاطي، مشيرا الى أن عمليات بيع المخدرات تتم بحرص شديد ويساعد عليها الغياب الأمني شبه التام عن المنطقة.

 

 


المصدر: جريدة القبس
8 مارس 2012


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها