مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

هل تنجح سلطنة عُمان في معالجة التحديات الاقتصادية؟ - د. جاسم حسين

طباعة PDF




يعيش اقتصاد سلطنة عمان ظروفاً إيجابية في هذه الفترة، مستفيداً بشكل جزئي من الضغوط الشعبية التي تنادي بالاستجابة لمطالب إيجاد حلول لبعض التحديات الجوهرية مثل خلق فرص مناسبة للمواطنين.

وكانت السلطنة قد تعرضت لاحتجاجات مطلع العام 2011 تطالب بحل للبطالة ومحاربة أشكال الفساد المالي والإداري كافة.

وفي تطور مفهوم وصحيح، يلاحظ وجود توجه من قبل السلطات في السلطنة من أجل تعزيز دور القطاع الصناعي في الاقتصاد الوطني في سياق معالجة بعض التحديات الجوهرية وفي مقدمتها إيجاد فرص عمل مناسبة للمواطنين.

ويتميز القطاع الصناعي أو المناطق الصناعية بالقدرة على خلق عدد كبير من فرص العمل عبر استقطاب مشاريع متنوعة.

وفي هذا الصدد، لا بد من التأكيد على رغبة الشباب العماني بالعمل في القطاع الصناعي وهي نقطة تحسب لصالحه، فقد كانوا في طليعة الذين نزلوا إلى شوارع مدينة صحار الصناعية في الربع الأول من العام 2011 للمطالبة بمعالجة بعض الصعاب التي توجه السلطنة بما في ذلك محاربة الفساد المالي والإداري، التي تعد أحد الأسباب وراء معضلة البطالة في طول وعرض البلاد المترامية الأطراف.

وتعتبر صحار أهم مدينة صناعية في البلاد، كونها منطقة صناعية وميناء، وعليه كان اختيارها لتنظيم الاحتجاجات لها صحيحاً بغية إرسال رسالة واضحة لمن يهمه الأمر.

وما التركيز هذه الأيام على تطوير المناطق الصناعية، وبالتالي الفرص الوظيفية، إلا دليل دامغ على وصول الرسالة لأصحاب القرار في السلطنة وهي خطوة تستحق الإشادة.

الأمر الإيجابي، هو تمتع السلطنة بخبرة ورغبة متواصلة في تطوير القطاع الصناعي في المجالات التي تشكل مواطن قوة أو تفوق.

على سبيل المثال، لا أحد يتحدث عن تحويل عُمان إلى واحة لتطوير السيارات، لأن ذلك يتطلب الكثير من المزايا بما في ذلك توافر أعداد كبيرة من العمال المهرة، فضلاً على خدمات الإسناد.

ويوجد في السلطنة 6 مناطق صناعية والعدد مرشح للارتفاع إلى 9 في حال اجتازت مرحلة الدارسات الميدانية، وتلك المناطق هي، الرسيل، وصحار، ونزوة، وصورن والبريمين وريسوت، وتمتد على مساحة 71 مليون متر مربع من الأراضي الصناعية، وفي حال تمت الموافقة على إنشاء 3 مناطق صناعية جديدة وهي سمائل وعبري ومسندم، فسوف تضيف مساحة قدرها 16 مليون متر مربع.

يضاف إلى ذلك منطقة تقنية المعلومات في واحة المعرفة في العاصمة، والتي تتميز بكونها تضم فروعاً لشركات عالمية مثل «مايكروسوفت» و«أوركل».

وهناك أيضاً، 3 مناطق حرة، وهي «صحار» و«ميناء صحار الصناعي» و«حرة المزيونة».

الأمل كبير في أن تسهم المناطق الصناعية والحرة في تكامل الأدوار، وفي ذلك خدمة كبيرة للشعب العماني المتعطش للعمل، وفرصة لمعالجة البطالة التي تتراوح ما بين 12 و15 بالمئة، وما لها من تداعيات على الواقع المعيشي، مع الأخذ في الاعتبار أنها ستكون أعلى من ذلك إذا ما أضفنا الإناث في سن العمل واللاتي قررن عدم البحث عن وظائف.

وتعتبر نسبة البطالة مرتفعة وتشكل تعطيلاً للإمكانات البشرية الموجودة في البلاد، ولا شك في أن كل عاطل عن عمل يشكل طاقة معطلة، خصوصاً بالنسبة إلى المتعلمين.

وهنا لا بد من التعاطي بشكل حساس مع الواقع الديمغرافي، حيث تشير أحدث الإحصاءات إلى أن 31 بالمئة من السكان هم دون سكن الخامسة عشرة، وهو ما يعني توقع دخول أعداد كبيرة إلى سوق العمل في المستقبل القريب، ويبحث شباب اليوم على فرص عمل تتناسب وتطلعاتهم في عصر العولمة.

ويشكل المواطنون أكثر من 90 بالمئة من القوى العاملة في القطاع الحكومي، الأمر الذي يعني محدودية إمكانية إيجاد فرص عمل جديدة في الدوائر والمؤسسات الرسمية، وفي المقابل تشكل العمالة المحلية قرابة 30 بالمئة من العاملين في القطاع الخاص، وفي هذا الصدد، تؤكد «رؤية عُمان 2020» على ضرورة تقليص حجم الوظائف في المؤسسات الرسمية تماشياً مع مبادئ تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، كما تؤكد الرؤية على أهمية تقليص حجم الوظائف في المؤسسات الرسمية تماشياً مع مبادئ تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

يتناسب الحديث حول تطبيق مرئيات الرؤية من حيث التوقيت باتجاه الدفع بتقليص الاعتماد على القطاع النفطي عبر تطوير قطاعات أخرى، خصوصاً «الصناعة». فحسب الإحصاءات الرسمية، شكل القطاع النفطي بما ذلك الغاز الطبيعي ثلث الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة، فضلاً على أكثر من ثلثي دخل الخزانة العامة، ولا يمكن تصور توظيف أغلبية الباحثين عن العمل في المؤسسات الحكومية في وقت تسعى «رؤية عمان 2020» إلى خفض العمالة الوطنية فيها إلى 68 بالمئة.

ومن شأن بعض النتائج الإيجابية والتي تحققت في العام الماضي، تعزيز المكاسب الاقتصادية، خصوصاً بالنسبة إلى القطاع الصناعي، فقد تبين أن الإنتاج النفطي ارتفع 2.3 بالمئة في 2011 إلى نحو 885 ألف برميل في اليوم، كما ارتفع متوسط سعر البرميل من 77 دولاراً للبرميل في 2010 إلى 102 دولار في 2011.

وليس بعيداً عن التحسن المستمر للإنتاج النفطي، فقد تم تسجيل نسبة نمو قدرها 23 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في 2011 وصولاً إلى 53 مليار دولار، ومرد هذه الزيادة اللافتة تأثيرات ارتفاع أسعار النفط، مقارنة بالمتوسط الذي تم افتراضه عند إعداد الميزانية.

وكانت السلطات أعدت ميزانية السنة المالية 2011 بنفقات قدرها 21.1 مليار دولار والتي هي أصلاً مرتفعة بنحو 9 بالمئة عن تلك المقدرة للعام 2010، لكن ارتفع حجم المصروفات العامة إلى 24 مليار على خلفية تعزيز مستوى الإيرادات.

وذهب الجزء الأساسي من زيادة النفقات العامة لمعالجة أسباب اندلاع الاحتجاجات عبر تعزيز إقرار مبلغ قدره 390 دولاراً شهرياً للمواطنين الباحثين عن عمل، وهو ما يعني توفير سبل العيش الكريم لفئة من العمانيين.

ولن يكون خطأ ربط جانب من ارتفاع مستوى التضخم من 3.3 بالمئة في 2010 إلى نحو 4 بالمئة في 2011 بالنظر إلى تعزيز مستوى النفقات العامة.

بل يعتقد بأن نسبية كبيرة من الأموال التي ذهبت إلى المواطنين ضمن حزمة معالجة تداعيات الأزمة، وجدت طريقها إلى الأسواق، لكن من ناحية إيجابية، من شأن كل ريال يصرف محلياً إيجاد ثلاثة ريالات أخرى عبر ما يعرف بمضاعف الدخل بالنظر إلى تدوير المال في الاقتصاد المحلي.

المطلوب، الاستفادة من الفوائض النفطية بغية تقليص الاعتماد على القطاع النفطي عبر تعزيز النفقات العامة.

بمعنى آخر، نرى صواب قيام صناع القرار بتوظيف الإمكانات النفطية بهدف تقليص الاعتماد على هذا القطاع لمصلحة الصناعة، الأمر الذي يخدم التخطيط السليم حتى يتسنى للقطاع العام ممارسة دور قيادي في إدارة دفة الاقتصاد الوطني.


المصدر: الرؤية الاقتصادية
الأربعاء, 14 مارس 2012

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها