مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خليجيون في مواجهة الواقع - د. أحمد عبد الملك

طباعة PDF




التأمَ في الدوحة مؤخراً الاجتماع الثالث والثلاثون لمنتدى التنمية تحت عنوان "السياسات العامة والحاجة للإصلاح في أقطار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية". وضمن استعراض 6 أوراق عمل حملت العناوين التالية (إدارة رأس المال البشري في دول مجلس التعاون، وسياسات التوسع العقاري من منظور الخلل السكاني في دول مجلس التعاون، والحاجة للإصلاح في سلطنة عمان، والحاجة للإصلاح في الكويت، ثم الحاجة للإصلاح في المملكة العربية السعودية، وأحداث البحرين.. والأزمة والمَخرج) وجلسة مناقشات عامة بعنوان "نحو أجندة إصلاح عامة مشتركة في دول مجلس التعاون: أهمية وإمكانية الانتقال من الدعوة للإصلاح إلى المطالبة الشعبية الفعالة به.. السبل والآليات"، وضمن هذه الأوراق كانت اتجاهات الحوار كالآتي:

حقيقة أن الأساس في إدارة رأس المال البشري في المنطقة هو التعليم. وما لم يتم إصلاح التعليم ونقله من مرحلة الكمّ إلى مرحلة الكيف، فإن مسيرة التنمية في الخليج لن تكون متكاملة. كما أن تنمية المعارف لن تتحقق إلا في تمكين الطاقات البشرية "المُعطلة" من ممارسة دورها في مؤسسات الدول. وأن السياسات الإدارية التي تم تطبيقها في بعض دول الخليج وترسيخ اتجاهات "التقاعد المبكر" والإقصاء ضد المؤهلين من أبناء الخليج، تساهم في إدارة الفشل، وضعف بنى الدول. وأن غياب الإصلاح المؤسسي الذي يتضمن حكمة القرار، والمساءلة، والمشاركة، من أسباب سوء إدارة رأس المال البشري. ومن الخطأ الاعتماد على البترول كقوة للأمة، بل إن الإنسان هو مصدر القوة.

وفيما يتعلق بسياسات التوسع العقاري والخلل السكاني في دول مجلس التعاون، فقد وضحت اتجاهات مثل قضايا: الوافدين وتشكيلهم غالبية السكان (في ساحل النفط: الكويت، البحرين، قطر، الإمارات) وأن نمو العمالة الوافدة هو بمعدل ضعف نمو العمالة المواطنة. وأن بعض الجهات المسؤولة أخذت تنظر إلى العمالة الوافدة على أنها قوة شرائية -وهذا اعتقاد مزيف- دون ربط ذلك بالخلل السكاني الذي فرضه التوسع في المشاريع. وهذا الاعتقاد غير دقيق، إذ إن هذه العمالة الوافدة تحولُ أكثر من ثلاثة أرباع دخولها إلى الخارج، وتقتات على اليسير، فكيف يمكن اعتبارها قوة شرائية؟ كما تطرق الحديث إلى ازدياد نسبة الوافدين في سوق العمل وتهميش دور المواطنين، وهذه قضية باتت تؤرق المواطنين الذين يتخرجون من الجامعات دون أن يحصلوا على فرص عمل في أوطانهم! وقد ساهمت "دور الخبرة الأجنبية" في فرض هذا الاتجاه غير المناسب -وعلى الأخص في الجامعات والمؤسسات الطبية ومؤسسات التعليم ومؤسسات البترول والإعلام- بل إن الخبراء المُستجلبين من الخارج يكونون على رأس سلطة القرار الإداري في بعض تلك المؤسسات، وما يفرضه ذلك من توظيف للأقارب والانحياز للجنسية في مقابل إقصاء المواطنين.

أما عن الديمقراطية، فقد رأى البعض أن الديمقراطية وسيلة وليست غاية، وهي مثل الدواء للإنسان، لابد أن يؤخذ باعتدال، وتكون أي زيادة جرعة (Over Doze) فيه مُضرّة. وأما عن ربط الديمقراطية بالتنمية الاقتصادية فهذا أمر غير مُتحقق، مثلاً في دولة مثل الكويت -التي تتمتع بديمقراطية على رغم عدم تحقق التنمية فيها- مقارنة بدول خليجية أخرى تطورت تطوراً تنمويّاً كبيراً دون أن يكون لديها مثل ديمقراطية الكويت (كما أشار الأستاذ سامي النصف). ورأى البعض أن الديمقراطية تصلّح نفسها بنفسها! ويجب الاقتناع بنتائج صناديق الاقتراع، كما أن وصول الإسلاميين إلى البرلمان (في الكويت) من مظاهر الديمقراطية. وقد يكون من مثالب الديمقراطية -في الكويت- تراجع الوعي بها بعد 50 عاماً من الدستور والممارسة الديمقراطية والتباس المفاهيم. وأشار البعض إلى أن نتائج الانتخابات الكويتية كانت عبارة عن ترجمة للغضب على الفساد، وأن (الذين قبضوا) لم ينجحوا، أو انسحبوا من الانتخابات، وعلينا أن نرفع القبعة لهذا المشهد الديمقراطي وأن نشترك في قراءته ونستفيد منه.

وتطرق الحديث إلى مجلس التعاون، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين بالانتقال بالمجلس من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد! ورأى البعض -ونحن منهم- أن مجلس التعاون له من العمر 32 عاماً وما زال متعثراً، وأن الحاجة الأمنية -بعد حدوث فراغ قوة في المنطقة إثر قرار بريطانيا الانسحاب من المنطقة في أوائل السبعينيات- قد ولد شعوراً بضرورة حفظ الأمن والاستقرار من قبل دول المنطقة العربية. ولذلك فإن بيانات قمم التعاون الأولى قد ركزت على مفهوم الأمن، وحق دول المجلس في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ الأمن، وأن مسؤولية الدفاع عن هذه الدول هي مسؤولية الشعوب والدول! ورأى البعض أنه إن كان مجلس التعاون قد فرضته مثل تلك التحديات الخارجية، الدولية أو الإقليمية، فإن الاتحاد قد فرضته تحديات داخلية أيضاً لها اتصال بالحراك العربي وتداعياته. ولقد تحدث أحد المسؤولين الأمنيين مؤخراً أن الاتحاد سيكون على غرار "حلف الناتو"، وهذا أمر غريب، ولا يدخل ضمن مفهوم الاتحاد الذي ينبغي أن يشمل كل مناحي الحياة. وإذا كانت النظرة لمجلس التعاون لم تتفق على نجاعته أو نجاحه في تحقيق المواطنة الخليجية، فكيف سيتمكن الاتحاد -في ظل تلك الرؤية الضيقة- من تحقيق آمال شعوب الخليج؟!

لقد أفرز الحوار مجموعة من الأسئلة: هل سيلغي الاتحاد حساسيات سيادات الدول؟ وهل ستزال الحدود وإجراءات الجمارك والتفتيش التي تؤخر الناس ومصالحهم عند الانتقال بين دول الاتحاد؟ وهل ستتحقق العملة الاتحادية؟ وهل ستتحقق مواطنة الاتحاد بعد32 عاماً من عدم تحقق مواطنة التعاون! وماذا عن قيم العدالة وحرية الرأي والمشاركة الشعبية؟ هل سيحقق الاتحاد هذه الاتجاهات المشروعة غير الغائبة عن ضمائر شعوب الخليج؟

وقد تأكد للمنتدين أن أفضل وسيلة للحفاظ على علاقة متوازنة بين الحكومات والشعوب، وأفضل وسائل التنمية وتقوية روح الحوار، هي الاحتكام إلى العقد الاجتماعي الذي يمثله الدستور المعتدل والرشيد. وأن التحول إلى الملكيات الدستورية من الطروحات الناجحة في العديد من البلدان التي مارست الديمقراطية بشكل ناجح وعادل.




المصدر: صحيفة الإتحاد الإماراتية


 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها