مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

عولمة الأسرار الظاهرة "الويكيليكسية" نموذجا - التجاني بولعوالي

طباعة PDF



عولمة الأسرار
الظاهرة "الويكيليكسية" نموذجا


التجاني بولعوالي

باحث وإعلامي مغربي مقيم بهولندا


تحولات العالم الكبرى ومساراتها
شهدت بداية الألفية الجديدة تحولات عظمى، تمتد جذورها في العشرية الأخيرة من الألفية المنصرمة، انعكست تداعياتها، بشكل جلي ولافت، على مختلف قطاعات الواقع وجوانبه، سواء على الصعيد المحلي والإقليمي، أم على المستوى الكوني والعالمي، وقد تبلورت أهم تلك التحولات وما تبعها من انعكاسات وتداعيات عبر المسارات الآتية:
نشوء النظام العالمي الجديد: الذي بدأت تتشكل ملامحه الأولى غداة سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه في بداية تسعينيات القرن الماضي (1991)، ليفسح المجال لنظام القطب الواحد المهيمن، بدل نظام القطبين المتوازنين قوة وصراعا وتأثيرا. حقا أن أول من أطلق هذا المصطلح هو الرئيس جورج بوش الأب، وذلك قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بأشهر معدودات، وتحديدا بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى منطقة الخليج لتحرير الكويت من قبضة النظام البعثي العراقي، وفي 11 سبتمبر 1990 سوف يوضح أكثر، ما المقصود بمصطلح "النظام العالمي الجديد"، الذي يعني في قاموسه الخاص؛ التحرر من الإرهاب، وتحقيق العدل والرخاء لسائر أمم العالم. وقد مر على إطلاق ذلك المصطلح الرنان أكثر من عقدين من الزمن، غير أن مفهومه لم يراوح مكانه، بقدر ما تراجع أكثر إلى الوراء، فأصبح يعني عوض التحرر من الإرهاب، صناعة الإرهاب الأمريكي باسم القوانين الدولية التي ينحتها مهندسو هذا النظام وفقهاؤه، وعوض العدل والرخاء، رهنَ الشعوب الفقيرة في ضيعات الاقتصاد العالمي الجديد، الذي لا يهمه إلا مزيد من المردودية والاستحواذ والتوسع، على حساب الكرامة والعدالة وغيرها من القيم الإنسانية.
وهذا، في الحقيقة، ما يتعارض والمفهوم الحقيقي للنظام الدولي الذي "يقوم على دعامتين أساسيتين هما القبول بقواعد مشتركة وقيام سلطة قادرة على تطبيق هذه القواعد". (1) وسوف يتضح للعيان والأذهان، بجلاء تام، أن نظام القطب الواحد الذي أصبحت تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية بمباركة من العالم الغربي والكثير من دول العالم الثالث، لن تتحدد قسماته بشكل جيد إلا باختلاق عدو خارجي أو قطب منافس له، يستعرض للعالم عضلات هيمنته في مرآته، أو من خلال التصدي الحقيقي أو الوهمي لتهديداته المحدقة بالحضارة الغربية، أو لخطره الأخضر الذي قد يأتي على اخضرار الغرب وطمأنينته! وهذا القطب المختلَق أو المحتمل ما هو إلا "الإرهاب الإسلامي"، أو "الإسلام الإرهابي"، الذي نجح النظام العالمي الجديد سياسيا وإعلاميا، في أن يقنع سياسات وشعوب الدول الغربية وعديد من الدول الثالثية، بخطورة هذا القطب الذي يحمل بذور التهديد ليس للغرب فحسب، وإنما للعالم كذلك.
إلا أن هذه الدعوات خلقت في الشارع الإسلامي ردود فعل كثيرة، لم تتراوح بين النقاش الفكري والجدال السياسي فقط، وإنما تعدت ذلك إلى المجابهة الميدانية، التي فضلت أن ترد على انتهاكات هذا النظام وانحرافاته فعليا وواقعيا، فاختارت يوم 11 سبتمبر الذي شهد ميلاد مفهوم "النظام العالمي الجديد"، يوما لتنفيذ هجوم لا متوقع على ذلك النظام في عقر داره وبأسلحته وطيرانه، بل وفي التاريخ الذي حدده هو بنفسه، ولم يعلم أنه سوف يكون تاريخ شؤم ونحس له وللإنسانية جمعاء. وعقب ذلك مباشرة سوف تبرز بشكل واضح الملامح الخلفية الحقيقية التي كان يخفيها ذلك النظام، ليس من خلال سلوكاته العدوانية والانتقامية فحسب، وإنما من خلال تاريخه السري كذلك، الذي يُنسج في كواليس الحكومات والسفارات الغربية بقلم الغطرسة والعداء والانتقام، غير أنه يُتلى على أسماع العالم بلسان الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون الدولي.
من عولمة الاقتصاد إلى عولمة المعرفة: اتسمت المرحلة الفاصلة بين نهاية الألفية الماضية وبداية الألفية الجديدة بظهور مفهوم العولمة، الذي يحيل للوهلة الأولى على الميدان الاقتصادي، حيث نشأ مفهوم العولمة الاقتصادية، التي تركز على تحويل الاقتصاديات المحلية إلى اقتصاد عالمي، ينبني على آليات السوق الحرة وتدفق رؤوس الأموال والاستثمارات وانتفاء الحواجز الجمركية، وغير ذلك. يتم هذا على حساب الاقتصاد الوطني لكثير من الدول النامية والفقيرة، الذي يعجز عن منافسة السلع الوافدة عليه من الشرق والغرب، دون التفكير الجاد والمتوازن في الحفاظ على الإنتاج التقليدي المحلي، وخلق آليات الحماية والدعم. على هذا الأساس "إذن فإن أول مظاهر العولمة هو تركيز النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي في يد مجموعات قليلة العدد، وبالتالي تهميش الباقي أو إقصاؤه بالمرة".(2)
إذا كان الأمر كذلك على المستوى الاقتصادي، فقد رأينا آنفا على المستوى السياسي، كيف تم استحداث نظام عالمي غربي جديد قصد تقنين الهيمنة على العالم، أما ثقافيا، وهذا هو الأخطر، فلا تغدو أن تكون العولمة إلا وسيلة لصهر الخصوصيات الثقافية والمعرفية والتراثية المحلية في بوتقة ما هو عالمي، حيث تهيمن وتستأسد الثقافة الغربية بقيمها الليبرالية والعلمانية، التي تجعل الشيء على مستوى عالمي، وتنقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة.(3) بل وأن الحركات الغربية تساهم "في عولمة الإسلام وانتشاره، وبالتالي في منحه سمة غربية"، كما يرى المفكر الفرنسي أوليفيه روا في كتابه (عولمة الإسلام).(4)
من هذا المنطلق، نستوعب أن العولمة لم تعد تقتصر على مجالات معينة دون أخرى، وإنما تسللت إلى مختلف حيثيات الواقع ومستوياته، حتى أصبح الإنسان مكشوف العورة أمام وسائل الإعلام الحديثة، تلاحقه الكاميرات والأقمار الصناعية في كل سكناته وحركاته. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى العولمة الشرسة التي يشهدها قطاع الإعلام والتواصل، بغرض تمكين الإنسان من المعلومة والخبر، فيما يطلق عليه حاليا مجتمعات المعرفة، ليس لـ"أن المعاني مطروحة في الطريق"، كما قال الجاحظ قبل أكثر من إثني عشر قرنا في كتابه (الحيوان)، ويجب تجميعها وإيصالها إلى المتلقي، وإنما لأن المعاني والمعلومات صارت اليوم بمثابة بضائع أيديولوجية قابلة للتوظيف، أو إعادة التصنيع والتركيب، أو التأويل عن سبق إصرار.
ثورة المعلومات والإعلام الرقمي والفضائي: لم تقتصر هذه الثورة على جعل العالم قرية كوكبية قصد تقريب الناس من بعضهم البعض، وإنما قصد تقريب وجهات النظر ومد جسور الأيديولوجيات والأفكار الداعية إلى التجمهر والتعبئة والاحتجاج وحشد الإرادات الشعبية بهدف التغيير الإيجابي والسلمي، كما نشهد اليوم في بعض الدول العربية (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا...)، حيث يقود شباب الإنترنت والإعلام الفضائي، ثورة التمرد السلس والتلقائي على الأنظمة التقليدية المترهلة، التي لا تفهم لغة الفايس بوك والماسنجر والهاكرز... هكذا أضحى الإنسان المعاصر يشهد بأم عينيه نتائج التدفق المعرفي، الذي ساهمت في حصوله تكنولوجيا الإنترنت المتقدمة والأجيال الجديدة من وسائل التواصل الفضائي. ويبدو أن التوقع الذي كان قد طرحه عالم المستقبليات المغربي د. المهدي المنجرة، قبل حوالي ربع قرن (28 يوليوز 1986)، كان في محله، يقول في كتابه (حوار التواصل): "إن المعارف الإعلامية التي سوف تتلو ذلك سيتبعها تقدم اجتماعي وثقافي كبير، لأنها ستحدث تغييرات عميقة في البُنى الذهنية وأنماط التفكير وسيرورة اتخاذ القرارات في جميع مجالات الحياة. لقد بدأ هذا التحول بالفعل وسيزداد حدة على مدى العشرية القادمة".(5)
إن الحديث عن الثورة المعلوماتية التي أحدثتها تكنولوجيا الإنترنت والأقمار الصناعية تندرج في صلب عولمة المعرفة، إذ أصبحت المعارف والأخبار والمعلومات متاحة للإنسان بسهولة تامة في كل زمان ومكان، لا تحتاج إلى أي جهد أو كلل، عدا استخدام جهاز التحكم عن بعد، أو تحريك فـأرة الكومبيوتر يمينا وشمالا، مع الضغط، بين الحين والآخر، بسبابة اليد اليمنى على الموقع أو الصفحة أو العنوان أو الكلمة المراد الاطلاع عليها. وهكذا لم يعد طالب العلم في حاجة ضرورية إلى التنقل من مدينة إلى مدينة أو من مكتبة إلى مكتبة للبحث عن كتاب معين، أو من دولة إلى دولة قصد التخصص في علم ما، أو الخروج إلى كشك الحي لاقتناء الجريدة، ما دام أن الإنترنت قد وفر عليه تعب كل تلك التحركات والأسفار، فصار بإمكانه من وراء الشاشة أن يقرأ أو يقتني الكتاب الذي يريد، ويتصفح الجريدة التي يحب، ويدرس الكثير من العلوم المتاحة له عن بعد. وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أن المعلومات أصبحت معروضة على الجميع؛ رقميا وفضائيا، بل وأكثر من ذلك، أصبحت أسرار الإنسان ذاتها مكشوفة، بعلم منه أو بغير علم، عبر الوثائق والصور، وأفلام اليوتوب، والمكالمات المتنصت عليها، وغير ذلك.     
لا يمكن اعتبار أن هذه المسارات الثلاثة وحدها الموجهة لأهم التحولات التي شهدها العالم عبر العقود الثلاثة الأخيرة، التي تتوزع عموديا وزمنيا ما بين نهاية الألفية الماضية وبداية الألفية الراهنة، بقدر ما يمكن الحديث عن مسارات أخرى تتعلق بمختلف القضايا، كالطبيعية والمناخية (التبدل المناخي والاحتباس الحراري، الكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل... إلخ)، والدينية (ظاهرة الخروج على الكنيسة، الإقبال على الإسلام، ظهور معتقدات جديدة... إلخ)، والأخلاقية (نشوء المذاهب المنحرفة، كعبادة الشياطين، والمثلية الجنسية، واللادينية... إلخ)، والطبية (ثورة الهندسة الوراثية، زراعة الأجنة، الاستنساخ... إلخ)، وغير ذلك من المسارات، التي تعكس مدى التحول الذي طرأ على واقع الإنسان المعاصر.


الظاهرة "الويكيليكسية" صناعة غربية ضد الغرب!
في خضم الوضعية الجديدة التي يمر منها الإنسان، وفي ضوء المسارات التي تتخذها التحولات العظيمة التي يشهدها العالم، ينبغي استيعاب أهم النوازل والمستجدات التي تطرأ على واقعنا المعاصر، ويعتبر حدث تسريبات الوثائق السرية (رسائل البعثات الدبلوماسية الأمريكية) المعروفة بـ "ويكيليكس"، من الأهمية القصوى بمكان، نظرا إلى الجدل السياسي العميق الذي أثاره، والاستقطاب الجماهيري المكثف الذي حققه، والحركية الإعلامية الواسعة التي خلقها. وقد فضلت أن أطلق على هذا الحدث مصطلح الظاهرة، التي تحيل على معاني الطروء والمفاجأة وعدم الاستغراق، وهي "حدث يتكرر متى توافرت نفس الشروط من الظروف والعوامل".(6)
ورغم أن الكثير من الآراء الإعلامية والفكرية والسياسية تجمع على أن صاحب مواقع ويكيليكس، الأسترالي جوليان أسانج، لم يأت من خلال مئات الآلاف من الوثائق السرية المسربة بجديد، بقدر ما أثبت بعض الأحداث والمواقف القديمة بالدليل القاطع والوثائق الملموسة، إلا أنه أحدث جدلا سياسيا كبيرا، سواء لدى الدوائر السياسية الغربية، أم في بعض الأوساط العربية والإسلامية، ترجحت المواقف الرسمية منها بين التنديد الغربي الشديد (أمريكا، بريطانيا، فرنسا)، والتشكيك الإسلامي (تركيا، إيران)، والصمت العربي المطبق. ولم يركز المتتبعون لهذه الظاهرة على الحقائق التي تضمنتها، إذا ما استُثني الملف الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما تم التركيز فيها، من جهة أولى، على كيفية تسرب هذه الوثائق من مؤسسات أمريكية رفيعة المستوى، مما يحط من جودة ونجاعة برامج وآليات الأمن والحماية المعتمدة فيها، وعلى مدى التواطؤ الخفي لصاحب ويكيليكس مع الأطراف الرسمية الأمريكية والإسرائيلية من جهة ثانية، لاسيما وأن هذه التسريبات، كما يستنتج البعض، لا تسيء في شيء إلى تلك الأطراف، بقدر ما تخدم أجندتها السياسية والاستراتيجية والأمنية. لذلك يظل الخاسر الأكبر من هذه الظاهرة هو الطرف الإسلامي والعربي؛ الإساءة إلى نزاهة رئيس وزراء تركيا، التحذير من الخطر الإيراني على العرب وإسرائيل، فضح تورط السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني، وغير ذلك.
وقد كان من المتوقع أن تلقى الظاهرة الويكيليكسية إقبالا جماهيريا مكثفا، ما دام أنها تكشف المستور، و"تعولم" الأسرار، وهذا ما يتجاوب ورغبة المتلقي العادي، الذي يظل مأخوذا بصحافة الفضائح والأسرار والغرائب، غير أن حقائق ويكيليكس لا يمكن بتاتا مماثلتها بما يندس في الجرائد الصفراء، لأنها لا تميط اللثام عما هو شخصي من الأسرار والأخبار، وإنما تكشف عن حقائق من العيار الثقيل، تخص الأوطان والأمم والعالم برمته، وقد تترتب عنها العواقب الوخيمة والنتائج العويصة. تأسيسا على هذا، إن تجاوب الشعوب، لاسيما العربية والإسلامية، مع هذا المستجد من شأنه أن ينورها بالعديد من الحقائق التي غابت عنها، والمكائد التي تُنسج ضدها وضد أوطانها في دهاليز السياسة.
إن ظاهرة ويكيليكس إذن، بمثابة عملة ذات وجهين، يساهم وجهها الأول في تنوير الجماهير، في حين يعمل الوجه الثاني على فضح صناع القرار والمصائر، ولم يتأت ذلك إلا بواسطة مختلف وسائل الإعلام الفضائية والرقمية، التي سعت جاهدة وراء تلك الوثائق الثمينة، لتمكن المشاهدين والقراء من الاطلاع على الحقائق التي تنطوي عليها. كما أن بعض تسريبات ويكيليكس لا تقدر بثمن، نظرا إلى أهميتها السياسية والتاريخية، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الوثائق الفلسطينية الإسرائيلية الخطيرة، التي كشفت بالملموس عن التورط الفظيع للسلطة الفلسطينية في التنسيق الأمني مع الأجهزة الاستخبارية والأمنية الصهيونية، على حساب المقاومة الفلسطينية المشروعة.
ثم إن الجانب الأهم في حدث ويكيليكس ليس الحقائق التي تم تسريبها فحسب، وإنما التأثير الذي يمارسه ذلك التسريب، على الأنظمة والشعوب، سواء أكانت غربية أم شرقية، في زمن القرية الكوكبية التي أصبح فيها الإنسان معولما، كما أنه سيارة ألمانية، أو مدفعا أمريكيا، أو بذلة صينية، فتوحدت بذلك أفكاره حول الحداثة والديمقراطية والهيب هوب، واستنسخت أذواقه في مطاعم الماكدونالدز الأمريكية والبيتزا الإيطالية والسوشي الياباني، بل وأكثر من ذلك تعولمت أسراره، فأصبح بلا أسرار يخاف على انكشافها. مما أثر، بحق وعمق، في التركيبة الأخلاقية للإنسان، التي اعتراها التحلل والانهيار أمام زحف الصورة الهوليودية المشربة بالجنس والإدمان والحرية.
إن الظاهرة "الويكيليكسية" التي انطلقت من الغرب، يمكن اعتبارها بمثابة رد فعل غربي على الصلف والغطرسة الغربية، غير أن تأثيرها كان معكوسا، بمعنى أن تلك الظاهرة تجاوزت الداخل الغربي إلى الخارج غير الغربي، حيث سوف تمارس تأثيراتها العميقة على العديد من الدول العربية والإسلامية، وذلك بسبب هشاشة واقعها السياسي. هكذا فإن الأهم ليس تلك الوثائق في حد ذاتها، وإنما ما بعد الظاهرة الويكيليكسية؛ هل الصمت واللااكتراث كما نعهد دوما عقب أية فضيحة أخلاقية أو سياسية، أم التجاوب مع هذا الحدث ليس عن طريق ردود الأفعال السلبية، بل من خلال التعامل الفعلي والواقعي، على أن يشكل ذلك عامل تحفيز للجماهير الساخطة على التصدي الجاد للأوضاع المتردية التي تتخبط في وحلها. لذلك كانت الحاجة ماسة إلى هذه الظاهرة، ليس لفضح الأنظمة الفاسدة والمتعفنة ومحاسبتها فحسب، كما شهدنا في تونس ومصر وليبيا، ونشهد اليوم في اليمن وسوريا. وإنما لمراجعة الذات ونفض غبار العجز عنها، لأن هذه الظاهرة لا يمكن اعتبارها إلا حلقة واحدة من سلسلة الحلقات الموالية، أو مجرد خطوة بسيطة في رحلة الألف الميل التي تنتظر الشعوب المستضعفة والمضطهدة.           
أعود لأضع سؤالا يسكن الكثيرين (وأنا منهم!) منذ أن بدأ حدث تسريبات الوثائق السرية، وهو مؤداه؛ ما إذا كانت تشكل هذه التسريبات خدعة أو مؤامرة غربية ضد بعض الجهات العربية والإسلامية، بعبارة أوضح؛ هل يمكن اعتبار الظاهرة الويكيليكسية صناعة غربية محضة، تندرج في إطار المخططات الاستخبارية والسياسية الغربية، أم أنها مجرد حالة عادية ترتبط بشخص أسترالي لا ناقة له ولا جمل في الصفقات الرسمية الغربية؟
أزعم أن هذا السؤال التأويلي سطحي وساذج، يحيل على نظرية المؤامرة، التي جبل الإنسان العربي والمسلم على نعت كل سلوك أجنبي لا يتفق وتفكيره أو أخلاقه بأنه مؤامرة تحاك ضده. لذلك فإن ويكيليكس، حسب ظنه، ما هي إلا خدعة أمريكية قصد الإساءة إلى المسلمين، وإلا فلماذا لم تتعرض إلى الكيان الصهيوني، بالدرجة نفسها التي تعرضت بها إلى الدول العربية والإسلامية. ولعل هذا التفسير ينطوي على جانب من الصواب، غير أنه لا يشكل عين الصواب، لأنه لا يعالج المسألة بواقعية وعقلانية، تعتمد بعض القرائن المطروحة، كتورط بعض الموظفين الأمريكيين في قضية التسريب، ومحاكمة صاحب التسريبات جوليان أسانج، وتجميد حسابه البنكي بسويسرا، ومطالبة البيت الأبيض بإنشاء برنامج لمكافحة التسريبات الداخلية، والإدانة الرسمية الأمريكية لهذا الفعل، علاوة على ذلك فإن هناك الكثير من المواطنين الغربيين الذين حذوا المسلك نفسه في الكشف عن بعض فضائح الدول الغربية.
ومع ذلك كله، أجزم أن الظاهرة "الويكيليكسية" صناعة غربية بامتياز، ليس لأن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية هو الذي خطط لصنع هذه الظاهرة، ولكن لأنه سبب في نشوء هذه الظاهرة، التي تعبر، بلا شك، عن التذمر الداخلي من السياسات المجحفة التي ينتهجها الغرب في دول العالم الثالث، ومن ثم فهي تعد، لا محالة، وسيلة من وسائل المواجهة الداخلية، وهذا ما أثبته جوليان أسانج عندما صرح بأنه يقوم بذلك من أجل المصلحة العامة.  


عولمة الأسرار
إن الاستيعاب العميق لظاهرة ويكيليكس لن يتحقق إلا بالتريث عند جملة من العناصر، التي هي بمثابة خيوط تتداخل فيما بينها لنسج أطراف هذه الظاهرة وجوانبها، وهي تتحدد كالآتي:
•    الظرفية: ويُقصد بها؛ لماذا طفت هذه التسريبات الآن بالذات على سطح الواقع العالمي، ولم تظهر قبل هذه اللحظة، ولم تؤخر إلى أجل آخر، مسمى أو غير مسمى؟ أليس اختيار هذا التاريخ تم بدقة عالية، قد يخدم بعض الأجندات الغربية والصهيونية التي تواجه التحدي الإيراني والعناد التركي، وتسعى إلى تكميم أفواه الأنظمة العربية والإسلامية وتخويفها من الخطر "الويكيليكسي"؟ على هذا الأساس، إن تأمل هذه الظرفية الحساسة التي تم فيها الإعلان عن هذه الوثائق السرية، من شأنه أن يجعلنا ندرك أكثر بعض الحيثيات الخفية والملغزة من هذه الظاهرة.   
•    المصداقية: هناك بعض الجهات التي استخفت من قيمة هذه الرسائل الدبلوماسية الأمريكية، بل ووصفتها بالكذب والمزايدة واللامصداقية، كما هو الشأن بالنسبة لممثلي السلطة الفلسطينية، الذين فندوا بسدة كل ما ورد فيها من حقائق وأسرار، معتبرين إياها مجرد أكاذيب ومغالطات. غير أن هذا ليس من شأنه أن يشكك، بشكل أو بآخر، في مصداقية تلك الرسائل التي وثقت الوقائع التي نقلتها بمهنية رفيعة، قصد إطلاع البيت الأبيض على حقيقة ما يدور في كواليس العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، وأي تحريف أو تزييف لذلك قد يبعثر أوراق السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية، التي تؤسس مخططات سياستها الخارجية بالاعتماد على الجانب الذي يخدم مصالحها من تلك الحقائق.  
•    القرصنة: تشير بعض المصادر الإعلامية إلى أن جوليان أسانج اشتغل منذ مراهقته بالقرصنة الإلكترونية، وأنه تعرض بسببها إلى السجن، إلا أنه لم يقلع عن تلك العادة، التي جعلته يصبح أعظم قرصان رقمي شهده التاريخ الحديث. ترى هل ينطبق هذا النعت السلبي على الفعل الذي قام به؟ وهل يعتبر تسريبه للوثائق جريمة يعاقب عليها القانون؟ هذا ما لم نسمعه بعد من الجهات القضائية الغربية، بل وحتى المحاكمة التي عقدت له بالسويد تمت على خلفية التحرش الجنسي، وليس تسريب الأسرار. بناء على هذا، لا ينبغي أن يوصف ما قام به أسانج بالقرصنة، وإنما بالنضال أو الكفاح الإلكتروني ضد السياسات الغربية المتغطرسة.     
•    الوازع الأخلاقي: أكد صاحب ويكيليكس أنه يقوم بهذه التسريبات للوثائق السرية بوازع المصلحة العامة، كما أشارت بعض التصريحات إلى أنه يهتم كثيرا بمفاهيم الأخلاق والعدالة والإصلاح الإيجابي في العالم، وإذا كان هذا الأمر صحيحا، فهذا ينفي تهمة القرصنة عن أسانج، ويعضد وصفنا السابق لعمله بالكفاح الإلكتروني، كما يدحض الإدعاءات التي تتهمه بالتواطؤ مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.   
•    التواطؤ: تم الاستخلاص سابقا أن احتمال تواطؤ أسانج مع أمريكا يظل ضعيفا، وذلك لوجود أكثر من قرينة تنفي ذلك، تضاف إليها قرينة أساسية أجلتُ الحديث عنها إلى هذا الموضع، وهي نشره للكثير من الوثائق التي تهم الشأن الأمريكي، بل ومنها ما يسيء إلى السياسة الخارجية الأمريكية، كالوثيقة التي تقول بأن أمريكا كانت على علم بتهريب السلاح من كينيا إلى جنوب السودان، والوثيقة التي تكشف عن مراقبة أمريكا عن كثب للدور الصيني المتنامي في أفريقيا، وتسريبه لقائمة بمنشآت ذات أهمية للأمن الأمريكي، وغير ذلك. مما يثبت أن أسانج لم يتواطأ مع الجهات الرسمية الأمريكية، فلو كان كذلك لغض الطرف عن نشر ذلك الغسيل الأمريكي!
•    الانتقائية: ترى بعض الآراء أن نشر أسانج للوثائق المسربة تم بانتقائية، إذ صرف النظر عن الوثائق الخاصة بالدولة العبرية، غير أن هذا غير صحيح، لوجود العديد من التسريبات المرتبطة بالكيان الصهيوني، سواء أتعلق الأمر بدول الجوار، أم بعلاقته بالسلطة الفلسطينية. ثم إن مثل هذا التفسير ينبني على استباق للأحداث، فأسانج لم ينه بعد مهمة نشر الوثائق التي تعد بمئات الآلاف، وبين فينة وأخرى يباغت الرأي العام ببعض الحقائق الجديدة، لذلك ينبغي أن نحتفظ بهذا الحكم حتى يعلن انتهاءه من نشر التسريبات.   
•    لو كان أسانج عربيا! لم يوضع هذا الاحتمال من باب المقارنة، فلا قياس مع وجود الفارق، إذ رغم ضراوة الموقف الذي وضع فيه هذا القرصان الإلكتروني المشاكس الغربَ، فلا يزال ينعم بالحرية في الدفاع القانوني عن نفسه وأفكاره وطموحاته، ولم يلق به في ردهات السجن حتى يتم التخلص من النشاز الذي يسببه لأوركسترا النظام العالمي الجديد المتناغمة. وإنما يوضع هذا الاحتمال من باب الكشف عن الوضعية المريرة، التي يوجد فيها قسط كبير من الإعلاميين والمدونين العرب والمسلمين، الذين يظلون عرضة للاعتقال والتعسف والملاحقة، بسبب أفكارهم المتقاطعة مع التوجهات الرسمية.   
•    لو كان أسانج مسلما! ويعيش في العالم الغربي، لما تم التعامل معه بالطريقة نفسها التي يعامل بها اليوم أسانج غير المسلم! ربما لاتهم بجريمة الإرهاب وتوظيف تلك الوثائق في إعداد خطط لتنفيذ هجمات على الغرب، ربما لألقي بمجرد تسريب الوثيقة الأولى في معتقل غوانتانامو بجنحة التآمر العلني على المقدسات الأمريكية.  
الخلاصة مما سبق، أن الغرب الذي خطط، بطيش وشراسة، لأن يعولم الكرة الأرضية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، على حساب الهويات الوطنية والخصوصيات المحلية، ويصبغها بلون الثقافة الغربية، الذي يشبه لون الحرباء؛ فهو يتبدل بحسب المصالح التي تلوح له في أفق العلاقات أو الأطماع الدولية، لم يفكر على الإطلاق في أنه سوف يظهر يوما ما شخص أسترالي يدعى أسانج، يكشف بمهارته الرقمية المتواضعة عن أسرار إمبراطورية العهد الجديد، فلا يكتفي بقراءتها وحده أو معية بعض المقربين منه، وإنما بلسان سكان المعمورة قاطبة، ليدشن بذلك عولمة جديدة، وهي عولمة الأسرار، التي تختلف جذريا عن عولمة السلع التي تهاجر من بلد إلى آخر، لتباع مقابل أثمنة يحددها قانون العرض والطلب، أما الأسرار فأصبحت تعرض عبر أسواق الشبكة العنكبوتية ودكاكين الإعلام الفضائي بلا مقابل، يشعر فيها المتلقي كما أنه في حضرة مجالس النميمة، التي تعقد في الحمامات البلدية والمقاهي الشعبية، لتجاذب أطراف الحديث عن مواضيع السياسة وأثمنة العقارات وفضائح الجنس!              
الهوامش:
1.    أزمة الخليج والنظام العالمي الجديد، مارسيل سيرل، ص 35   
2.    قضايا في الفكر المعاصر، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان، ط1/يونيو 1997، ص 140
3.    المر جع نفسه، ص 136
4.    عولمة الإسلام، أوليفيه روا، ترجمة لارا معلوف، دار الساقي بيروت – لبنان، ط1/2003، ص 8
5.    حوار التواصل من أجل مجتمع معرفي عادل، د. المهدي المنجرة، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ط10/2004، ص 16
6.    معجم المصطلحات الحديثة، د. سمير سعيد حجازي، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، ط1/2005، ص 218  








المصدر: موقع الكاتب التجاني بولعوالي
 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها