مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الأبعاد السياسية للتوسع العقاري في الخليج - عبد الجليل الغربللي

طباعة PDF



لماذا أعود لمناقشات منتدى التنمية الذي عُقد في الدوحة أخيراً؟
السبب أن ساحة المنتدى أثارت قضايا لم أكن لأتصورها، ولا أعرف عن يقين خفاياها، ولا بواطنها، ولا خلفياتها. وإشراك القارئ أضحى ضرورة، ليتعرَّف بدوره على خفايا السياسات في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها سياسة المشاريع العقارية العملاقة، فالأبراج التي أُقيمت وعرفت طريقها لبلداننا، من دون سابق إنذار، لم تكن أبراجاً بريئة قامت بمبادرات من قِبل أصحاب رؤوس الأموال، بل كانت وراءها سياسة محددة بأهداف غير معلنة، أدخلت الحسرة في نفوس زوار دبي مثلاً، حين ينتقلون من مجمع إلى آخر، ومن مدينة سياحية إلى أخرى، متمنين اللحاق بركب دبي وأخواتها،

لعلنا نلحق بسباق هذا التوسع العقاري هناك، بعد أن تراجعنا بمراحل عنهم، وتخلفنا عما حققوه من جذب سياحي عالمي.

فما كان من المنتدى إلا أن كلف د. عمر الشهابي، ببحث وتقصي الحقائق حول ظاهرة التوسع العقاري، فقدَّم ورقته المثيرة حول نتائج بحثه، فكشف المستور «للهوجة» العقارية التي أصابت دول المنطقة، وكشف السياسة وراء هذا التوسع في توطين أصحاب تلك العقارات، وأترككم لنتائج دراسة د. عمر الشهابي، ليتراجع أصحاب الحسرة عن حسرتهم، ونحمد الله على وقوف الكويت بعيداً عن سياسة التوسع العقاري، فحصّنا بلدنا من آثارها الكارثية!
يقول د. عمر الشهابي:
1) أعلنت البحرين عن السماح للأجانب بتملك العقار في مناطق معينة بالمملكة عام 2001، تبعتها دبي سريعاً على المنوال نفسه عام 2002، ثم أتى الدور على قطر وعُمان في عام 2004 و2006 على التوالي، وفي كل هذه الدول تم ربط شراء العقار بالحصول على إقامات طويلة المدى من قِبل المشترين الأجانب.
2) تحوَّلت رؤية متخذي القرار إلى الخلل السكاني في المنطقة إلى مصدر طلب، ليس على الدول استيعابه فقط، بل هو فرصة اقتصادية على الدول اجتذابه، وتصميم سياساتها وراءها حوله تبلورت على أرض الواقع في مشاريع عقارية ضخمة تعبِّر عن رؤية اقتصادية جديدة، هدفها استقطاب مشتري العقار الأجنبي وتوطينه وجعله شريكاً أساسياً في اقتصادات ومجتمعات دول مجلس التعاون.
3) لم تكتفِ دول الخليج المعنية بإعطاء الحق بتملك العقار للأجانب فقط، بل جزء أساسي من هذه الصفقة كان ربط تملك العقار بالحصول على إقامات طويلة المدى للفرد وعائلته، بصرف النظر عن ظروف عملهم وحاجة الدولة إليهم، فإذا كانت المشاريع العقارية ذات التملك الحُر قد أصبحت جزءاً رئيساً من توجهات دول المنطقة، فكان لا بد من توفير كل ما أمكن، من تسهيلات ومتطلبات، لإنجاح هذا المشروع، ومن أهم هذه المتطلبات كان ربط العقار بالإقامة، والتي تسمح للمشتري بالحصول على تأشيرة إقامة طويلة المدى مرتبطة بتملكه للعقار.
4) تشير التقديرات المتحفظة إلى أنه تم الإعلان بين هذه الدول الأربع عن النية لبناء ما لا يقل عن 1.3 مليون وحدة سكنية ذات التملك الحُر أو الإيجار الطويل المدى، ما يفسح في المجال أمام استيعاب ما لا يقل عن 4.3 ملايين قاطن، وصلت قيمة المشاريع العقارية الضخمة إلى ما يساوي 1.2 تريليون دولار عام 2007.
5) حسب إحصائيات 2006، فإن إجمالي المشترين العرب لا يتعدون 28 في المائة، بينما يأتي الباقي، 72 في المائة، من دول خارج العالم العربي.
(ويتسائل الباحث) هل بروز ظاهرة المشاريع العقارية الدولية مؤامرة؟!
6) هذه المشاريع العملاقة تشير بشكل جذري إلى الدور الرئيسي لحاجة رؤوس الأموال والمتحكمين فيها إلى تشكيل أسواق وآفاق جديدة لجني الأرباح، فالوفرة الهائلة من رؤوس الأموال التي تشكَّلت في المنطقة في غضون الطفرة النفطية، أنذرت بخطر تقلص الهامش الربحي لها، ما لم تتشكَّل فرص جديدة بإمكان رؤوس الأموال أن تستثمر فيها. وكحل للمعضلة كان الخيار الأمثل هو تشييد أسواق جديدة كلياً لاستثمار رؤوس الأموال فيها. فبداية، يتم تحريك رؤوس الأموال في تشييد هذه المشاريع والبنية التحتية الموازية لها، من طرق وخدمات الكهرباء والماء، أما عند انتهاء مرحلة الإنشاء واكتمال هذه المشاريع، فلها مرة أخرى أن تشكِّل أسواقاً بإمكان رؤوس الأموال أن تتحرَّك فيها عن طريق المستهلكين والقطاع الخدماتي، من فندقة وأسواق ومطاعم ومدارس. ومن جانب آخر، تلاقت مصالح متخذي القرار والمتنفذين اقتصاديا في المنطقة مع تطلعات المستثمرين والخبراء من الخارج الذين رأوا في الطفرة العقارية تلبية لطموحاتهم في المنطقة.
ولعل أهم ما يميِّز هذه الظاهرة، هو خلق مجتمع من الكانتونات المنفصلة، حيث تعيش كل مجموعة من المجتمع في منأى تام عن باقي الأطراف، لا يربطها ببعضها أي انتماء قومي أو ثقافي أو سياسي.
ولا يكون هدفها الجامع سوى النمو الاقتصادي وتحريك رؤوس الأموال، حيث تعتبر المدينة مفهوماً بالإمكان بنائه وتجديده وإعادة تركيبه بشكل سريع، بناء على أهواء متخذي القرار والخبراء المتنفذين للمشروع.
7) لذلك، من محاسن الصدف أن تأتي الأزمة المالية العالمية لتكون «رُب ضارة نافعة»، فتم توقيف جزء معتبر من المشاريع العقارية «الخرافية»، نتيحة للأزمة، فقد وصلت قيمة المشاريع الملغاة أو المتوقفة في دول مجلس التعاون ككل إلى 682 بليون دولار، وهبطت قيمة المشاريع الإجمالية من 2.6 تريليون دولار في أوج الطفرة في مارس 2009 إلى 1.9 تريليون دولار بداية عام 2010، حيث كان نصيب الأسد من المشاريع الملغاة أو المتوقفة في القطاع العقاري والذي تجاوزت نسبته 80 في المائة من إجمالي المشاريع المتوقفة.
8) أخيراً، المواطن يعتبر صوته مغيَّباً في تحديد أي من السياسات أو المشاريع أو الأفعال التي تناولناها، سواء كان ذلك من ناحية المشاريع العقارية والتشريعات المصاحبة لها أو في السياسات العمالية، ومن هذا المنطلق، فمن المرجح التطرُّق إلى مسألة المشاركة الشعبية في القرار السياسي في المنطقة، حيث ينتج ضعف المواطن في التعاطي مع موضوع التركيبة السكانية، أو غيرها من أمور جوهرية، من تهميش شبه كلي في الحياة السياسية، بالإضافة إلى تهميشه، إنتاجياً واقتصادياً.
في المقابل، نجد هيمنة متخذي القرار وأصحاب رؤوس الأموال المتنفذة على كل القرارات السياسية الرئيسة في الدولة، حتى أصبح الوصف الأمثل للحالة السياسية في المنطقة هو «سلطة أكثر من مطلقة ومجتمع أقل من عاجز».
انتهى اقتباس من دراسة د. عمر الشهابي، وكانت مداخلتي على الورقة، أن هذه السياسة العامة في التوسع العقاري على هذه الشاكلة ألا تستحق أن تعرض على ممثلي الشعب، ليقول كلمته؟ وألا يكون للشعب ممثلوه لترشيد قرار صاحبه؟ وقلت لماذا لا تعرض هذه الورقة على أصحاب القرار في هذه الدول، ليفيدونا برؤاهم وملاحظاتهم على هذه التوجهات، فهل سيؤكدونها ويدافعون عنها؟ أم ينفونها؟ فإذا كان صاحب القرار ماضياً قُدماً تجاه استراتيجيته، فكيف سيوافق على الانقلاب عليها؟ فهل مثل هذه السياسة تعبِّر عن النزعة في إعادة تدوير فوائض رؤوس الأموال من حيث جاءت والتوسع العقاري ما هو إلا أداة تستخدم لاحداث هذا التدوير؟ وهل تلك السياسة العقارية تمثل الطريق للتبعية، والتي تبدأ بقروض لا تستطيع تلك الدول سداد أعبائها، فيكون الثمن حريتها السياسية واستقلالها الوطني؟

 

المصدر: صحيفة الطليعة الكويتية

21 مارس 2012


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها