مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مخاطر الأزدواجية السكانية للعمالة الوافدة على أمن أقطار الخليج العربي - نايف عبوش

طباعة PDF



لا زالت ظاهرة الازدواجية السكانية،التي ترتبت على استقرار العمالة الوافدة، بحثا عن فرص عمل، للاستخدام في اقطار الخليج العربي، وخاصة في قطاع النفط، والخدمات،وقطاع البناء،والإنشاءات،باعتبارها اقطار عوز للعمالة،تثير القلق،وذلك بالرغم من الاهتمام المكثف، الذي حظيت به تداعيات الاحداث الأخيرة ،لما حصل من اضطرابات في البحرين، وفي شرق المملكة العربية السعودية.

لذلك، فان ما حصل من إرهاصات يتطلب تناول الموضوع، بمسؤولية تاريخية.. حيث يلاحظ ان العمالة الوافدة الى الخليج، بقصد السعي، للحصول على فرص عمل، غالبا ما تؤدي الى استقرار البعض، في بلد الفرصة، بسبب استمرار الطلب على العمالة، من جهة.. ولكون بعض بلدان الخليج، اقاليم عوز سكاني نسبي، من جهة اخرى،والعمالة الاجنبية، بغض النظر عن اي سلبيات اخرى لتوطنها، في البلد المضيف لها،قد تعمل كخلايا نائمة عند الطلب،ويمكن استغلالها وتوظيفها في خدمة المصالح الاجنبية،واستراتيجيات الدول، ذات المصالح والأطماع في الخليج العربي، عند الحاجة.ولعلها حتى مع افتراض حسن النوايا،تبقى بمثابة طابور خامس،لتغذية مراكز التجسس،ودوائر القرار،المهتمة بتطورات الاوضاع في الخليج،بالمعلومات،لاسيما في بيئة فضاء معلوماتي، مفتوح في كل الاتجاهات.

ان التدفق المكثف للعمالة الاجنبية الوافدة،وغير العربية منها على وجه الخصوص، واستقرار البعض منها،في دول منطقة الخليج، افرز بشكل او بآخر، نوعا من ألازدواجية بين السكان الاصليين من اهل الخليج، وبين الوافدين، من العمالة الأجنبية، مما سيجعل الموضوع اكثر خطورة، في القادم من الايام. اذ مع مرور الوقت، سيصبح العرب من السكان الاصليين للبلدان المضيفة، في موقف حرج،حيث ستنحسر كثافتهم السكانية شيئا فشيئا،وربما يتآكل وجودهم تدريجيا، ليقترب من حافة وضع الاقلية،بحيث عندما يطرح تقرير المصير للأقليات، بالطرق البرلمانية،تحت تأثير اي ظرف ضاغط مستقبلا،فان المصير العربي، سيكون مهددا بالتفكك،حيث ستكون نسبة التمثيل، للخليجين من غير العرب، عند ذاك ،ذات اثر ترجيحي ملموس، بما يشكلونه من كثافة سكانية،يفرضها الواقع الجديد،واحتمال ما يترتب على ذلك من مخاطر استغلالهم، كطابور خامس لبلدانهم، وزجهم في هذا السيناريو المفترض،كأدوات للأجندات الخارجية التي تقف وراءهم،ولاسيما في الحالات التي يهتز فيها الوضع الامني في المنطقة، لأي سبب كان.

والإحصائيات المتاحة، عن تركيبة السكان، في بلدان الخليج، تعكس حقيقة، ان نسبة العمالة الوافدة، الى نسبة السكان الأصليين عالية، وهي في ازدياد مستمر، وتبعث على الانتباه والقلق.

والملفت للنظر حقا، انه عندما تحصل قلاقل من قبل العمالة الوافدة ، في مؤسسات العمل، او غيرها من ميادين النشاط، في بعض بلدان الخليج، ، فان الامر غالبا ما يأخذ في بعض الأحيان طابع التوتر المقلق، لأرباب العمل،وأصحاب القرار،مما قد يستدعي ألاستعانة بقوات الدرك الوطنية، لوضع حد للتوتر،مما يعطي الانطباع لمتتبع الظاهرة، ان العمالة المعنية، مدربة على اثارة القلاقل،ويعزز الاستنتاج ابتداء بأنها ليست وافدة من اجل الرزق فحسب، على المدى الابعد على الأقل وإنما هي ظاهرة، قد تخفي وراءها، الكثير من الدوافع السياسية، ناهيك عن الاطماع الاقتصادية،والأغراض الاجتماعية.

وعليه.. فان الانتباه لخطورة ظاهرة الازدواجية السكانية، التي أفرزتها بجانب عوامل أخرى  العمالة الوافدة،على تغيير واقع التركيبة الديموغرافية،يصبح مسؤولية قومية،لدول الخليج العربي، لكي لا يصبح السكان الاصليون من عرب الخليج، في يوم من الأيام، اقلية في عقر دارهم،بحيث تنعكس اثاره السلبية، على الواقع السياسي بالضرورة.

ولعل احد الدوافع،وراء استراتيجية الفوضى الخلاقة،للنظام الدولي الراهن،والتقاءها مع المصالح الاقليمية،في الكثير من المشتركات،يفسح المجال واسعا للتدخلات الدولية والإقليمية المباشرة، في شؤون دول منطقة الخليج،بذريعة الاصلاح وحماية الاقليات،او حماية الرعايا الامر الذي قد يؤدي الى صراعات مسلحة،تنهك القدرات المعروفة،وتدمر مؤسسة الدولة،وتشيع الفوضى، بإثارة الفتننة الطائفية،وتمزق وحدة الشعب العربي في الخليج،كما تؤشره السيناريوهات التي تطالب بتحويل المسألة الديموغرافية للعمالة الوافدة، إلى مسألة سياسية،تحت عناوين جاهزة،منها حقوق العمال،والمهاجرين.وإعطاء المهاجرين حق التجنس، ومن ثم فرض الديمقراطية.ومعروف ما سيفضي إليه،في مثل هذا الواقع،حكم الأغلبية،من مضاعفات سلبية حتمية، لخلخلة التوازن الديموغرافي في المنطقة،والذي يتوخى منه ان يدرء أي اطماع شعوبية ،تستهدف هوية عروبة اقطار الخليج،تحت اي ذريعة،وخاصة عندما توظف بؤر الازدواجية السكانية،متمثلة بالعمالة الوافدة المستوطنة،كحواضن مؤازة، لأجندة مشروع البلد الأم، في اي صراع قادم.   

ان المطلوب الآن  من بلدان الخليج، وفي هذا الظرف العصيب بالذات، الانتباه الى ما يلوح في الافق من اخطار محدقة بهم، وان تؤخذ على محمل الجد، كل التحديات التي تهدد عروبة الخليج، تحت أي مسمى او وصف، وان يتم التركيز،في نفس الوقت، على دعم استراتيجية وحدة اقطار الخليج العربي، في اي اطار مؤسساتي، تسمح به ظروفها الراهنة، وصولا الى الوحدة الاندماجية،واعتبار هذا التوجه   استراتيجية عمل مركزية جادة، تمثل مشروع بلدان الخليج العربية الناهض، المقاوم لمشروع التفتيت والهيمنة،المحدق بمنطقة الخليج العربي، وعدم فسح المجال، لأي تحديات من الغير، ايا كان،بما فيها تحديات العمالة الاجنبية، للإطاحة بهذا المشروع الوليد الناشيء... وإلا فان التهاون، وترك الحبل على غارب الزمن للمعالجة، سيلحق ضررا بليغا، بمجمل مستقبل بلدان الخليج العربية،ويجعل الكثير من اقاليمها،عرضة للابتلاع، ويهدد وحدتها القومية، بالتفكك، ويعرض هويتها العربية،للمسخ والضياع.

 

 

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها