مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

اقتصاد ما بعد الانتفاضات العربية - د. علي فخرو

طباعة PDF



منذ بدء الأزمة المالية العالمية في عام 2007 وعالم الفكر الاقتصادي يموج بتحليل ونقد ومحاولة علاج للنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي سبق تلك الأزمة وقادت بعض تطبيقاته الخاطئة إلى تداعياتها المفجعة. كان ذلك يتم في البداية من قبل مراكز البحوث والدراسات والكتَّاب المفكرين، وعلى الأخص اليساريين منهم، حتى فاجأنا أعضاء نادي منتجع دافوس السويسري الشهير، وكثير منهم من اعتى المصفِّقين للنظام الرأسمالي المتوحِّش والمسبحِّين بحمد قدسَّية حريّة الأسواق المطلقة في تنظيم الحياة الاقتصادية عبر العالم كلِّه.. فاجئونا بطرح السؤال المفصلي التالي هل أن الأزمات المالية والاقتصادية التي عانت من جرَّاء ويلاتها كلَّ البشرية، وذلك عبر القرون وبصورة دورية لا تتوقَّف، هل أن تلك الأزمات بسبب ضعف ذاتي موضوعي في النظام الرأسمالي نفسه ؟


هل انتقلنا إلى مرحلة الإلحاد والكفر بذلك الإله الذي نصَّبته أوروبا، ومن بعدها أميركا، على عرش الاقتصاد؟ الأيام ستجيب على هذا السؤال. وحتى ذلك الحين، يوم النظر إلى وجه ذلك الربِّ بعيون فاحصة وقلب سليم، تموج كثير من مناطق العالم بخطوات تصحيحية حتى لا تغرق في أمواج محيط الأزمة التي يعيشها العالم كله. والسؤال : هل يفعل العرب ذلك أيضاً، وهم من أكثر البشر حاجة لخطوات تصحيحية ؟ دعنا نأخذ أمثلة.

1ـ يقول المختصُّون بأن أكبر مشاكل الاقتصاد العولمي في سنواته الأخيرة قبوله بأن تكون الماكنة التي تحرٍّكه هي الصَّفقات المالية البحتة من مثل المضاربات في العملات والأسهم، ومديونيات بطاقات الائتمان أو الدول أو البنوك، أو القروض الخطرة وعلى الأخص للمضاربة في العقارات إلخ... وأيُّ متابع للاقتصاد العربي، وعلى الأخص في دول فوائض البترول، يعرف بأنه اقتصاد يقوم على تلك الممارسات المالية المغامرة الخاطئة سواء في الداخل أو الخارج، وأنه يتجنَّب الجهد والإبداع المطلوبين لبناء اقتصاد إنتاجي أو معرفي. فهل سنرى محاولة، على مستوى الوطن العربي أو على مستوى دول مجلس التعاون الخليجية النفطية، لتصحيح ذلك الخلل الفادح ؟ هل ستبقى الفوائض المالية، وقد بلغت عدة تريليونات من الدولارات، في الأرض العربية بدلاً من شراء السَّندات الحكومية الأميركية أو الأوروبية أو الانغماس في عوالم الأسهم والعقارات، أي الانغماس في اقتصاد التبادلات المالية المليئة بالمخاطر؟


2 ـ لقد أدركت دول من مثل الصٍّين والهند والبرازيل أن الاقتصاد الوطني الذي يعتمد بشكل أساسي على التصدير معرَّض للانهيار عندما تمرُّ دول ومجتمعات اليسر، من مثل أوروبا وأميركا، في أزمات مالية كالأزمة التي نعيشها. ولذلك بدأت تلك الدول وغيرها في الإعداد لاقتصاد يوازن بين التصدير للخارج والاستهلاك في الداخل. هنا نحتاج أن نذكٍّر أنفسنا بأن كل الدول العربية يعتمد اقتصادها على التصدير إلى الخارج، سواء أكان مواد طبيعية من مثل البترول والغاز والفوسفات أو بضائع صناعات متواضعة كصناعة الألبسة أو محاصيل زراعية محدودة كالزيتون والبرتغال أو عمالة مؤقتة إلى هنا أو هناك. فهل سنراجع هذا الاقتصاد المحفوف بالمخاطر مثلما يفعل الآخرون؟

3 ـ منذ بضعة أيام تبيَّن لرؤساء القمَّة الأفريقية أن التجارة البينية فيما بين دول المجلس لا تزيد عن عشرة في المائة، وأن تسعين في المائة هي مع الخارج، فتقرًّر أن تتمًّ معالجة تلك الظاهرة بسرعة. وأول خطوة في تلك المعالجة ستكون بناء شبكة طرق ومواصلات حديثة وسريعة وكفؤة تربط دول القارة لتنشيط اقتصادها البيني. فهل سيتوجَّه العرب في قمة رؤساء دولهم القادمة إلى معالجة نفس الظاهرة: تجارة عربية بينية ظلت تراوح مكانها حول العشرة في المائة عبر العقود الستًّة الماضية وغياب مفجع بليد لشبكة طرق ومواصلات فيما بينهم، وذلك بالرغم من عشرات القرارات التي أخذت المرَّة تلو المرَّة عبر تلك العقود ؟


4 ـ لقد تبيَّن أن أحد المشاكل الكبرى في الاقتصاد العولمي الرأسمالي هو الإصرار على الرٍّبحية العالية من قبل أصحاب المال التي جاءت على حساب العَّمال والأجيرين. فكانت النتيجة هي ضعف القدرة الشرائية عند قوى العمل من جهة وازدياد الهوَّة والمسافة بين الأغنياء الذين يزدادون غنىَّ والفقراء الذين يزدادون فقراً. وفي بلاد العرب توجد نفس الظاهرة، ولكن مضاعفة. فرواتب العمال والأجيرين المواطنين تتناقص كما هو الحال في كثير من بلدان العالم، ولكن يضاف اليها أننا منطقة، وعلى الأخص دول مجلس التعاون، تستورد الملايين من العمال الأجانب الزهيدي الأجور وذلك بالرغم من وجود نسبة بطالة ظاهرة ومقنَّعة عالية بين المواطنين.


5 ـ والسؤال: هل ستقوم حكومات الأقطار العربية المعنية بخطوات تصحيحية، سواء في حقل التعليم أو التدريب أو إعادة التأهيل للاعتماد أكثر على العمالة الوطنية وتقليص العمالة الأجنبية غير العربية أو سواء بالنسبة لرفع الأجور وتقريب المسافات الشاسعة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع ؟
تلك أمثلة توضيحية محدودة للتذكير بما ستتطلبه مرحلة ما بعد ثورات وحراكات الربيع العربي من إعادة نظر في موضوع الاقتصاد العربي، فكراً وقيماً وممارسة، وذلك على ضوء تجربة مريرة يعيشها عالمنا اليوم. ولنذكٍّر أنفسنا بأن قيم العالم الرأسمالي الغربي، وعلى الأخص الأميركي ومقلٍّديه، أصبحت مرجعية مشكوكا في أمرها وتحتاج لمراجعة عميقة من قبل الجميع، بمن فيهم العرب.




المصدر: جريدة القدس العربي
1 فبراير 2012


 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها