مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

نفط الخليج العربي بين تحديات النفاد..وضرورات تفريخ البدائل - نايف عبوش

طباعة PDF



يوصف البترول في ادبيات الموارد الاقتصادية،بأنه هبة من هبات الطبيعة للموضع.وبذلك فأن علاقة تواجده بالموضع،تعطيه بعدا جيوبوليتيكا مهما،بحيث يمكن اعتباره،ثروة قومية استراتيجية للمالك،في بلد الموضع،ومن ثم فأن المصلحة الوطنية،تتطلب عناية فائقة بهذه الثروة،والحرص على صيانتها،من الاستنزاف والتبديد،خاصة وان جزءا منها يمثل حصة الاجيال القادمة.

ولأن العمر الزمني للبترول محدود،ومحكوم بدالة معدلات الانتاج الحالية،منسوبة الى الاحتياطيات الراهنة المؤكدة،بافتراض بقاء بنية هيكل استهلاك الطاقة،على ماهو عليه الان،وعدم ظهورموارد بديلة منافسة في السوق، تنحيه جانبا،كما تشير الى ذلك،الدراسات الفنية المختصة بجيولوجيا النفط واقتصادياته،وبالتالي فانه مورد ناضب لا محالة.وهذا يحتم على المالك،ان ينظم الانتاج،ويرشد الاستخدام،بما يحقق اعلى درجات الحفاظ على هذه الثروة الطبيعية المهمة،وذلك لأن استنزافها،من دون المبادرة لتعويضها بموجودات ملموسة بديلة،بهيئة رأسمال وطني،يتراكم مع مرور زمن الاستنفاد،يعني تفريطا غير مبرر،بهذه الثروة القومية.

ومن هنا،فان الانجرار وراء الاستراتجيات الدولية،لزيادة معدلات الإنتاج، بزعم تعظيم ارباح المنتجين،والحرص على تداول العوائد النفطية الريعية، في كبريات المصارف الغربية،والبورصات العالمية،لتحقيق عوائد استثمار مجزية،في أصول غير منظورة،يعني تحويل هذا المورد الطبيعي الاستراتيجي، المخزون في باطن الأرض العربية مجانا،إلى حين بروز الحاجة الحقيقية العربية له، إلى أصل ريعي سائل، يكون عرضة إلى مخاطر تآكل القيمة الحقيقية له بالتضخم،وتقلبات أسعار صرف الدولار،ناهيك عن أساليب الابتزاز السياسي،والضغوط المستترة،لإنعاش الاقتصاديات الغربية،من مخاطر الأزمات المالية،التي تتعرض لها بشكل دوري،وإنعاشها كلما اقتربت من حافة الانهيار،وهو ما عكسته مؤخرا،بشكل جلي، ازمة ديون منطقة اليورو.

والمتأمل في الظاهرة البترولية في اقتصاديات أقطار الخليج العربي، يلاحظ أنها أصبحت باثارها التراكمية العامة،ومنعكساتها السلبية،في ضوء معدلات الانتاج الحالية،ظاهرة استهلاكية تبذيرية،بمرور الزمن،انصبت على اشاعة مظاهر رفاهية مباهاة،تحاكي اتجاهات الرفاهية المعولمة،في معظم مساراتها المعاصرة.فكانت بهذا التمظهر ألتسطيحي،عاملا سلبيا في تآكل الموروث الحضاري، والثقافي للمجتمع العربي الخليجي،الذي بدأت بعض ركائزه الآن تهتز،واخذ يحس بوطأة تحديات العصرنة،ومخاطرعاصفة العولمة،التي أوشكت أن تطال اغلب ملامح المجتمع الخليجي،الاجتماعية منها،والثقافية،والسلوكية،والعمرانية،حيث بان اثرانفاق العوائد النفطية واضحا،في بهرجة العقارات،والتطاول المهووس في البنيان، وظهور ناطحات سحاب عربية، وانتشار ظاهرة الاستهلاك ألبذخي ألتبذيري،المتمثل بالاستيراد كل شيء تقريبا، مما يعمل على تبليد التوجهات التدبيرية، في الحس الجمعي العام،ويضغط باتجاه العمل على ترحيل،الكثير من اشكاليات التنمية المستدامة،التي يتطلب الحضور المركزي لعائد الريع البترلي لأقطار الخليج فيها،بكل ثقله المالي،الى مراحل تالية،ومنها على سبيل المثال،اشكاليات التخلف المزمن،والبطالة السافرة،في مقابل عمالة وافدة متهافتة، وغياب افق التنمية القومية الشاملة،وتأخر تحقق التكامل الاقتصادي،وانتشار الأمية بصورتها،الهجائية والحضارية،وزحف افة التصحر،واطلالة شبح العوز الغذائي المحدق بالعرب،بانفجارهم السكاني، الامر الذي ينبئ بمستقبل غير واعد،قد يرتد الانسان العربي فيه،إلى العودة الى الاقتصاد الطبيعي،والعيش في ضنك،بما يشبه حالة نكوص قسرية،نحو نمط بداوة معاصرة من نوع اخر،اذا استمر التواني في معالجة تلك الاشكالات الملحة،ولم يتم (استنبات) ثمة صناعات منتجة بديلة،موازية لظاهرة استنزاف هذا الرأسمال الناضب،وغير المنتج،لكي تعوض حالة نضوبه،واستنفاده في المستقبل غير البعيد.على أن التدافع الكسيح،للنشاط في اقتصاديات العقارات، لبناء ناطحات سحاب،في ما بات يسمى خطلا،بمدن العصر الكبرى،وانتشار ظاهرة أسواق بورصات التبادل،كبؤر اقتصادات طفيلية،غير منتجة،وتنامي ظاهرة تجارة الاستهلاك ألبذخي،بمحاكاة سطحية، لظواهر غريبة عن مجتمعنا، وظهوربيئات لهو عبثي،في مدن ناطحات سحاب كارتونية،هو انجاز هش وزائف،عاجز عن رفد الاقتصاد الخليجي، بعناصر القوة والاقتدار،بمقاييس التطور المعتمدة،وبالتالي فان الدولة الخليجية،تبقى ضعيفة،وليس بمقدورها أن تصمد بقوة،بوجه التحديات الإقليمية،في أي منازلة طارئة،قد تفرض عليها قسرا،لأي سبب كان،خاصة بعد أن تم تحييد معظم القدرات العسكرية العربية،واخراجها من معادلة التوازن الاقليميي، بسبب تداعيات التغيرات الجارية على الساحة العربية.

إن المطلوب الآن من أقطار الخليج العربي، الانتباه على عجل، إلى خطورة الآثار الراهنة للظاهرة البترولية،على مسار تطور البنية المجتمعية،والاقتصادية،والانتباه بشكل خاص،إلى مخاطر نضوب هذا المورد الطبيعي أولا،وسلبيات تداول فوائض ريعه المالية،في المصارف الاجنبية،والبورصات الغربية ثانيا،بما يتركه هذا الوضع،من تداعيات مزدوجة،تتمثل بالدور الايجابي لها،في انقاذ الاقتصادات الغربية،كلما ألمت بها أزمة مالية،وانعكاساتها الضارة،في نفس الوقت،على الاقتصادات العربية الخليجية بالتآكل،والتعرض لمخاطر التجميد، والابتزاز، حسدا من عند أنفسهم ثالثا.كما أن المطلوب الان،السعي الحثيث،إلى استثمار الفوائض النفطية الخليجية،في مجالات التنمية الخليجية،وتحفيزالتشابكات الاقتصادية البينية العربية،وتوظيف جزء منها،في دعم مطالب ثورات التغيير العربي،لتحصينها من مخاطر شراء الذمم، بالابتزاز المالي الأجنبي،الذي يسعى لخطفها لصالح أجندات خارجية،وحرفها عن مسارها الحقيقي،تحت وطأة العوز المادي،في تلك الاقطار التي طالتها التغييرات،وما يتركه الابتزاز الاجنبي، من ضرر بالغ،على مجمل الامن القومي العربي.

ولاجرم ان تلك التحديات،تستدعي مغالبة الزمن، باستغلال فرصة اللحظة، باعتبار أن عنصر الزمن،هو الاخر،مورد ناضب غير قابل للتجدد،مما يتطلب التعجيل، بتفعيل التوظيف على قاعدة( نفط العرب للعرب)،وتحريك الفرص الاستثمارية على قاعدة الميزة النسبية،في نفس الوقت،قبل نفاد احتياطيات النفط الخليجي،لتنمية الصناعات البديلة،وقبول فكرة النفقات الضائعة،في الصناعة ذات العائد الاستراتيجي،من دون تردد،عند توريد التكنولوجيات المتطورة، واستيعاب الكوادر، والكفاءات العربية المهاجرة،التي استقطبتها،سوق العمل في البلدان الصناعية، وبأثمان زهيدة،إذا ما قورنت بكلفة فرصة اعدادها البديلة، والعمل على إحلالها محل العمالة الأجنبية الوافدة،التي أفرزت ظاهرة الازدواجية السكانية في اقطار الخليج، وما ترتب عليها من مخاطر جدية، تهدد الكيان العربي الخليجي،بأضرار فادحة،حيث بات الكل،يدرك اليوم،مخاطر طمس الهوية،ويتلمس اضرارمسخ الشخصية العربية،كتداعيات حتمية لهذه الظاهرة الخطيرة،التي تلازمت بجدلية صارمة، مع الظاهرة البترولية الريعية.

ويبقى الحرص على اعتماد إستراتيجية وجوب(أن يكون احد آخر برميلين للنفط في العالم عربيا)،وبتصور مركزي،عند تعاطي صانع القرار الخليجي، مع مقتضيات صيانة الثروة النفطية الخليجية،بحس تاريخي مسؤول،يتخطى الحسابات الفنية المجردة،منهج عمل صائب،تقتضيه ضرورات مقاصد اطالة امد عمر تلك الثروة القومية،لأبعد سقف زمني ممكن،ولاسيما في ضوء ما أفرزته الأزمات المالية المتعاقبة مؤخرا،في اقتصادات دول الاتحاد الاوربي،والولايات المتحدة الأمريكية،على وجه الخصوص،حيث فاقت لأول مرة مديونيته، حجم الإنتاج القومي له، مما يهدد الاقتصاد العالمي برمته بالانهيار،وما قد يترتب على ذلك الانهيار القادم،من تداعيات كارثية،تطال الجميع،مستهلكين ومنتجين، وفي المقدمة منهم بالطبع،الأقطار الخليجية المنتجة للنفط،طالما ان النفط لايزال يحتل موقعا مركزيا في اقتصاداتها الريعية،وانه لايزال في نفس الوقت،يتصدر هيكل الاستهلاك العالمي للطاقة،ولا تلوح في الافق مؤشرات حاسمة،على ظهور بدائل تنافسه حتى الان.

وهكذا فأن الحد من تنامي ظاهرة الاستهلاك البذخي المتخمة،في أقطار الخليج العربي،التي افرزتها الظاهرة البترولية،والعمل على مغادرة ظاهرة التواكل،والتعكز على اقتصاد الريع النفطي،في توفير الرفاهية اليومية،والشروع باعتماد تنمية قومية شاملة،تنهض بالتصنيع،في كافة قطاعات الاقتصاد الخليجي والعربي،على عجل،من خلال المباشرة باعتماد استراتيجية نقل مكثف،للتكنولوجيات الملائمة للخصوصيات الخليجية،وتوطينها،بالانتفاع من الطاقات والكفاءات العربية،وتنمية رأس المال المنتج البديل للنفط،في إستراتيجية (تفريخ)بدائل ملموسة،بأولويات محددة،لمواجهة مرحلة نفاد البترول،القادمة الينا،في يوم لا ريب فيه،وتلافي احتمالات الانتكاس،والعودة إلى الاقتصاد الرعوي،مهما كانت نسب احتمالات وقوعها متضائلة،يظل مسؤولية خليجية جمعية،ينبغي أن يضطلع بها كل من يعنيه الأمر، قبل فوات الأوان.


 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها