مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

البحرين: حل داخلي أم مبادرة خليجية؟ - عبدالوهاب بدرخان

طباعة PDF



أظهرت المنازلة التي شهدتها البحرين، قبل أسبوع، انسداد الأفق أمام الحلول، وكذلك استحالة تغيير المعادلة القائمة، لكن بقاء الوضع على حاله ليس خياراً مجدياً لأي من الطرفين، السلطة والمعارضة، ورغم وجود قنوات اتصال تعمل أحياناً، وتتعطل معظم الأحيان، لا يبدو أن ثمة مجالا لرؤية تسوية داخلية في المدى القريب، فالفجوة آخذة بالاتساع، والثقة لا تنفك تنعدم، وأكثر ما يثير القلق غرق الشارع في لجّة المشاعر الطائفية، ما يترك آثاراً سلبية على التعايش حتى لو وجدت صيغة حل في نهاية المطاف، وأفضل الصيغ هي التي تحترم الحقوق وتحصن بالتشريعات.
تبقى الأولوية للحل البحريني البحت، وقوامه الجلوس معاً وعدم التوقف عن الحوار إلى أن يثمر. لابد من اتصالات مسبقة ليتعرف كل طرف إلى "الخطوط الحمر"، التي تلزم الآخر أو تقيده، فالأمر يتعلق بتسوية تاريخية لابد أن يجري التصارح في سبيلها سواء إلى الماضي أو إلى الحاضر والمستقبل، يمكن لمؤسسة الملك – أو الحكم – أن تبادر إلى طرح رؤية متكاملة للإصلاح والإنصاف والمشاركة على أساس الحفاظ على الدولة والمؤسسات والأمن والمكتسبات التي حققها البلد لإدارة الاقتصاد وتفعيله. وفي ضوء هذه الرؤية لبحرين الدولة والمواطنين يمكن للحوار أن يذهب إلى الصراحة القصوى، إذ لا يمكن أن يعيش البلد إلى ما لا نهاية وسط شكوك متبادلة، بعض منها موروث تاريخياً وبعض آخر نما على وقع المستجدات الإقليمية.
إذا تعذرت المبادرة الداخلية لأي سبب، وقد تكون الآن عند هذه النقطة من التعسر، ترتسم الحاجة إلى طرف ثالث أو وسيط يرضى به الطرفان، ولعل مجلس التعاون الخليجي هو أول ما يتبادر إلى الذهن كمرشح لهذه المهمة، وربما يرى المجلس أن يقوم بوساطة مشتركة مع الجامعة العربية. فإذا كان مجلس التعاون تمكن من إنتاج حل للأزمة اليمنية، فالأحرى به أن يفكر في مبادرة للبحرين، خصوصاً أنه متى أمكن للبحرينيين أن يتوصلوا إلى حل داخلي من دون أي رعاية، فإن هذا الحل سيستدعي بالضرورة ضمانات ومساهمات خليجية لتغطية جوانبه الاقتصادية والاجتماعية، وكما أن المبادرة الخليجية لليمن تبلورت بدعم من قوى دولية معنية بمكافحة الإرهاب وباستقرار المنطقة، فلا شيء يمنع التنسيق مع أي قوى دولية معنية بالبحرين حتى لو لم يكن الإرهاب أحد الهواجس هنا. وما يستدعي مثل هذا التنسيق أن تلك القوى تتدخل بشكل أو بآخر.
وباجتهادات منفردة أعطت رسائل ملتبسة ساهمت في تعقيد الوضع أكثر مما ساعدت على معالجته.
تنبغي الإشارة إلى أن اقتداء مجلس التعاون الخليجي بمبادرته لليمن، لا يعني أبداً نسخها أو استنساخها، وإنما يتطلب مبادرة مبنية على خصوصيات البحرين وأوضاعها، في الحالين لم يتعاط مجلس التعاون، وليس له أن يتعاطى، بتغيير جذري للنظام وطبيعته، لكنه عُني في اليمن ويمكن أن يعنى في البحرين بتذليل العقبات أمام إصلاحات ضرورية لم يعد من الصائب إهمالها أو اعتماد أنصاف الحلول لها، ولعل إحجام مجلس التعاون عن المبادرة، بصفته الجمعية، يفتح الأبواب والنوافذ والقنوات للعديد من الجهات كي تدلي بدلوها من دون أن تصب في المفيد، فالولايات المتحدة دأبت مثلاً على إعطاء الإشارة وعكسها حتى صعب في النهاية فهم أهدافها ومراميها وإيران وجدت أن لديها وضعا في البحرين يمكن أن تشتغل عليه. وحتى روسيا قد تضع الوضع البحريني في رزمة مساوماتها الإقليمية والدولية، كل ذلك يوجب على مجلس التعاون، وعلى الجامعة إذا رغب في مشاركتها، أن يكون اللاعب الأول بل الوحيد أن يبدو كمتفرج على الآخرين.
ثمة أسس لابد من تأكيدها واحترامها سواء جاء الحل داخلياً صرفا أو بوساطة، وأهمها كما أشرنا، الحفاظ على الدولة والمؤسسات كافة، لكن أيضا إعادة الروح إلى الوحدة الوطنية التي نخرها الاستقطاب المذهبي، ومن أجل إنجاح أي حل يفترض في الطرفين، الدولة، والمعارضة، أن يدخلا أي حوار وقد أجريا مراجعة تأخذ في الاعتبار ما آلت إليه الأزمة التي باتت الآن صراع إرادات ينتظر فيه كل طرف أن يتنازل الآخر أو ينكسر. وبمعزل عن أي توقع أو تكهن عمن يمكن أن يتنازل أولاً أو ينكسر أولا، يمكن القول إن هذه مقاربة لن تؤدي إلى النتيجة المتوخاة لمن هم محكومون بالعيش معاً طالت الأزمة أم قصرت.
وفقاً للمفاهيم والأصول تبقى المسؤولية الأولى والكبرى على عاتق الحكم لأنه من حيث التعريف الجهة صاحبة المسؤولية، ولذلك يتوقع من الحكم ألا يتصرف، وكأن الحاصل مجرد حدث عابر أو شغب أو تمرد، وإنما هو حركة احتجاج اختزنت الكثير من المآخذ الموروثة وحان الوقت لتنفيس الاحتقان الذي تفاقم، فإذا كانت هناك حاجة إلى التصالح مع الماضي، وإلى القطع مع ممارسات تميز بين المواطنين، فلا سبيل إلى ذلك إلا باستحداث تشريعات أو تفعيل قوانين موجودة، ومن شأن الدولة أن تكون للجميع وفوق الجميع وألا تخشى أحداً ولا تستقوي على أي جهة بأي دافع كان، ثم انه نظراً إلى اتساع الهوة مع المعارضة فإن الأسلوب الوحيد الناجع يمر أولاً بإجراءات شجاعة وحاسمة لبناء الثقة، وثانياً ببرنامج إصلاحي مفتوح ومتدرج ومرتكز على ضوابط، وإذ شكلت خطوة تشكيل "لجنة بسيوني" والقبول بتقريرها القاسي نقطة لمصلحة الحكم، فإن تنفيذ توصياته يتضمن بعدا إصلاحيا عميقا خصوصا في ما يتعلق بتطوير ثقافة ممارسة السلطة لاسيما الأمنية.
المعارضة أيضاً مطالبة بأن تتمتع بحس مسؤول، فكما أنها تتعامل مع السلطة بكم كبير من الشكوك، من شأنها أن تدرك أن السلطة وجانبا من الشعب الذي تنتمي إليه لديها أيضا شكوك في ولائها، لذلك فمن مصلحتها حاضراً ومستقبلاً أن توضح المسافة بينها وبين إيران، ومن جهة أخرى، كما تتهم المعارضة السلطة بارتكابات منافية لحقوق الإنسان، كذلك يتهم نشطاؤها بتعديات على أفراد لدواع مذهبية أو عنصرية، ثم أن الواضح للعيان أن المعارضة أخطأت في إدارة تحركها متقافزة بين قبول إصلاحات عميقة (طرحها ولي العهد) ومطالبة بـ"إسقاط النظام"، يضاف إلى ذلك تناسيها انتماء البحرين إلى مجلس التعاون الخليجي واعتبارها الدعم الخليجي للحكم بمثابة "احتلال"، والأهم أنها أسرت نفسها في معادلة "كل شيء أو لا شيء" التي حرمتها عملياً من المرونة في أي حوار.
طالما أن الأمر أصبح أزمة ثقة، فالمطلوب من الطرفين الاتفاق على استراتيجية إصلاحية طويلة المدى تقوم على شروط ثلاثة: حوار لا ينقطع، أولوية لصون الوحدة الوطنية، وتحييد للبعد الإيراني، أما الهدف فهو دولة لكل مواطنيها بلا استثناء ولا إقصاء، وما ينبغي أن يكون واضحاً للجميع هو أن الإصلاحات تتطلب وقتاً لتصبح فاعلة وملموسة، فلا تغيير مفيداً يمكن أن يحصل بالصدمة الكهربائية.

 

المصدر: صحيفة الشرق القطرية
30 أبريل , 2012   



 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها